آبائياتأبحاث

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 - ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 - ق. ذهبي الفم
تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم

 

المقالة التفسيرية الثامنة

“ولكن أعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة. لأن الناس يكونون محبين لأنفسه محبين للمال متعظمين متكبرين مجدفين غير طائعين لوالديهم غير شاكرين، دنسين بلا حنو بلا رضى ثالبين عديمي النزاهة شرسين غير محبين للصلاح خائنين مقتحمين متطفلين محبين للذات دون محبة الله”

(3: 1- 14)

التـــحـــلـــيل

1-في كل الأزمنة يحاول الشيطان الخلط بين الكذب والحقيقة، وبين الشر والخير.

2-حياة الإنسان جهاد مستمر دون هدف.

 

1-في كل الأزمنة يحاول الشيطان الخلط بين الكذب والحقيقة، وبين الشر والخير.

لا يستغرب أحد للهرطقات الموجودة اليوم، إذ أنها كانت منذ البدء وذلك لأن الشيطان يحاول بمهارة الخلط بين الكذب والحقيقة. وكما أن الله منذ البدء وعد الإنسان بخيرات كثيرة، كذلك الشيطان يغري دائماً بوعوده المخادعة. الله زرع لهم جنة عدن، وجاء الشيطان وقال لهم: “ستكونون مثل آلهة” وفي الواقع لم يقدر أن يعطيهم شيئاً، كل ما في الأمر أنه بهرهم بوعوده فقط، وهذا ما يفعله المخادعون.

بعد هذا جاء قايين وجاء معه هابيل.

أبناء شيث ومعهم بنات الناس.

حام ومعه يافث.

إبراهيم وفي أيامه وجد معه فرعون.

يعقوب ومعه عيسو.

وهكذا جاء موسى وهارون وقام الساحران.

الأنبياء ومعهم الأنبياء الكذبة.

الرسل الحقيقيون والرسل الكذبة.

المسيح وضد المسيح.

بعد مجيء المسيح المخلص وفي زمن الرسل رأينا ثوداس، سيمون الساحر، يهرموجينيس،فيليتوس وأخرين. لا تجدوا زمناً لم يخلط فيه الشيطان الكذب بالحقيقة. فلا نخجل إذا رأينا الهرطقات، فهي منذ زمن طويل وقد أُعلن عنها بنبوءات.

يقول القديس بولس: “أعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة، ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم، محبين للمال، متعظمين، مستكبرين، مجدفين، غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين ، دنسين………” (3: 1-2)

من الأمور البديهية أن عدم الشكر يدخل في عداد الآثام الكبيرة. لأن الذي لا يعرف الشكر لله لا يجيد السلوك تجاه الآخرين. الإنسان الناكر للمعروف هو إنسان بلا إيمان وبلا عواطف.

ثالبين” أي يتهمون الآخرين زوراً. الذين يشعرون بأنه ليس فيهم شئ صالح ويرتكبون خطايا ومعاصي كثيرة، يجدون تعزيتهم في تشويه الآخرين.

عديمي النزاهة” ليس لهم القدرة على ضبط النفس من جهة اللسان وشهوة البطن وخلافه.

شرسين” القسوة والوحشية غالباً ما تكون نتيجة محبة المال ومحبة الذات وإنكار الجميل والشهوانية.

“بلا حنو، خائنون للصداقة. فاسدون. متطفون” أي لا يخضعون لأية شريعة مشحونين بالكبرياء دون ترو “محبين للذات دون محبة الله، لهم صورة التقوى لكنهم منكرون قوتها” .

الرسول يعبر نفس التعبير في رسالته إلى رومية إذ يقول: “ولهم صورة العلم والحق في الناموس” (رو 2: 20).

نلاحظ أنه في الرسالة إلى رومية يمدحهم أما هنا فهو يوجه لهم لوماً شديداً.

من أين يأتي هذا الفرق في التعبير؟ يأتي من أن الكلمة لم تؤخذ بنفس المعنى، لأن كلمة صورة تستعمل في الكتاب المقدس، أحياناً للتشبيه وأحياناً للتعبير عن شئ فاقد الحياة لا يساوي شيئاً، على سبيل المثال. لما كتب الرسول لأهل كورنثوس قال: “فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده” (1كو 11: 7). والمرتل في المزمور يقول: “الإنسان يمشى كصورة” (مز 38: 7) هكذا كلمة الأسد تستعمل أحياناً للتعبير عن شئ ملكي ومعظم مثل: “حثا وربض كأسد وكلبوه من ينهضة” (تك 49: 9). وأحياناً للتعبير عن شئ رديء مثل: “كأسد مغتصب زائر” (مز 22: 13).

هكذا إذا أردنا أن نعبر عن إعجابنا بشخص جميل، نقارنه بصورة ونقول عن الصورة الجميلة أنها ناطقة. مع أن الحالتين مختلفتين. في الأولى نركز على التشبيه وفي الأخرى نركز على الجمال. هكذا الأمر بالنسبة لكلمة الصورة التي يستخدمها القديس بولس بقوله: “لهم صورة التقوى”، هذا التعبير عن صورة فاقدة للحياة، صورة ميتة وعرض باطل لا طائل منه.

الإيمان إذاً بدون أعمال ليس إلا مظهراً دون فاعلية، كجسم جميل مزين بأجمل الألوان لكنه بدون قوة، يشبه ما نراه على لوحات التصوير، هذا هو الإيمان الخالي من الأعمال.

لنفترض أن إنساناً كان بخيلاً، خائناً، وقحاً، ومع ذلك عنده هذا الإيمان الظاهري. ماذا يستفيد إن لم تكن له الصفات الأخرى التي تتطلبها المسيحية؟ إذا لم يمارس عملاً من أعمال التقوى، إذا كان أكثر سوءاً من الوثني، لا يعيش سوى لضرر الذين يصاحبونه، للتجديف على اسم الله، وسلوكه يشوه الإيمان الذي يتحلى به؟

يقول الرسول “فاعرض عن هؤلاء”.

ولكن إذا كان هؤلاء الناس سيأتون في الأزمنة الأخيرة، لماذا يأمر الرسول تلميذه أن يعرض عنهم؟

لأنه من المعقول أن يوجد منهم في الأزمنة الحالية، وإن كان بقدر قليل، والنصيحة التي أعطاها لتلميذه لا تخصه هو وحده بل تخصنا نحن أيضاً.

 

2-حياة الإنسان جهاد مستمر وبدون هدنة

“فإنه من هؤلاء هم الذين يدخلون البيوت ويسبون نسيات محملات خطايا منساقات بشهوات مختلفة، يتعلمن في كل حين ولا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبداً” (3: 6- 7).

دققوا النظر في هؤلاء الناس أنهم يستخدمون نفس الخدعة القديمة المغرية. نفس الآلة التي استخدمها الشيطان ضد آدم.

يقول الرسول: “يدخلون البيوت” مستخدماً تعبيراً يصور الوقاحة، الخسة، الخداع والتملق الدنيء.

“يسبون نسيات” النسيات هن النساء اللاتي يستسلمن للإغراء ويعوزهن الثبات والشجاعة، يستسلمن للخطأ .وهذه بالأحرى ليست خاصية النساء بل النسيات.

“محملات بالخطايا” هذا هو السبب الذي يجعلهن يستسلمن للإغراء فذلك ينتج عن تعدد خطاياهن وحالة ضمائرهن السيئة.

منساقات بشهوات مختلفة” الرسول لا يتهم جنس النساء بصفة عامة، لم يقل ببساطة النساء، بل يبرز أي نوع من النساء يقصده وهن النسيات.

“شهوات مختلفة” أية شهوات؟ هو يرى أمامه الرخاوة، الانحراف، الترف، الطمع، التفاخر، الكبرياء، وربما شهوات أخرى تثير الخجل أكثر من تلك التي ذكرناها.

“يتعلمن كل حين ولا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبداً” بولس الرسول لا يتكلم هذا لكي يتهمهن، بل لكي ينذرهن بشدة، لأنهن دفن أنفسهن تحت كثرة من الخطايا، وتفكيرهن أصبح مغلقاً.

“وكما قاوم ينيس ويمبريس موسى كذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق” (3: 8).

من يكون هؤلاء الناس غير السحرة في زمن موسى؟

وكيف يحدث أننا لم نقرأ عنهم في أي مكان آخر؟

لابد وأن بولس أخذ أسمائهم من التقليد أو بإرشاد الروح القدس.

“ولذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق” “أناس فاسدة أذهانهم ومن جهة الإيمان مرفوضون”، والنتائج التي سيحصلون عليها ستكون محدودة. جنونهم سيكون واضحاً للجميع مثل الذي للسحرة.

“ولكنهم لا يتقدمون أكثر” (3: 9). كيف ذلك والرسول سبق أن قال: “أنهم يتقدمون إلى أكثر فجور” (2تيمو 2: 16) فكيف التوفيق بين النصين؟

يقصد الرسول: إنهم بدءوا العمل وهم مستمرون في طريق ضلالهم، ويؤلفون دون تواني خدع وأساليب للكذب حديثة. وهنا يعلن أنهم لا يستمرون في خداعهم، ولا يستميلون الكل نحوهم وسقطاتهم لابد أن تكتشف قريباً. هذه كانت فكرته وما يلي يكشف ذلك.

“لأن حمقهم سيكون واضحاً للجميع، كما كان حمق ذينك أيضاً” في البدء تُغلف أفكارهم بشيء من الهيبة، ولكن هذا الغلاف سرعان ما يزول ولا يبقى للنهاية. هذا هو مصير الأشياء التي تبدو جميلة في مظهرها، وفي الحقيقة هي ليست جميلة، وأنتم تشهدون أن هذه ليست تعاليمنا، لأنها لا تستند على الخداع. الكذب ليس هو كرازتنا لأنه من يعرض نفسه للموت بسبب الكذب؟

“وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني ومحبتي وصبري……….الخ” (3: 10) كن قوياً فإنك لم تكن حاضراً معي فحسب وإنما “تبعت تعليمي” عن قرب.

يشير الرسول بقوله هذه الأمور الإيمانية:

سيرتي” يشير إلى سلوكه.

وقصدي” يشير إلى غيرته وثبات نفسه.

“إيماني ومحبتي وصبري” يقصد أنه ليس شئ من هذه الأمر قد أقلقه، يتحدث عن محبته وإيمانه اللذان لا يتوافران لدى هؤلاء المفسدين. لقد أظهر طول أناته على الهراطقة، وأبرز صبره في الضيقات، وكأنه يقول له إنني لا أنطق بهذه الأمور دون أن أنفذها. لم أكن فيلسوفاً (حكيماً) بالكلام وحده.

“واضطهاداتي وآلامي” (3: 9). كثرة عدد الهراطقة وعدم القدرة على احتمال المآسي هما أمران كفيلان بأن يهزا المعلم في إيمانه.

تكلم الرسول كثيراً عن هؤلاء الهراطقة، قال عنهم إنهم كانوا دائماً وسيكونون أيضاً ولا يخلو زمن منهم، لكنهم لا يملكون أية وسيلة يمكن أن يضرونا بها.

يقول الرسول: “ما أصابني في إنطاكية وأيقونية ولسترة” لماذا لم يذكر سوى هذه الآلام دون الأحزان الكثيرة التي عاناها، هل لأن تلميذه يعرفها؟

ربما كان ينظر إلى هذه بتقدير خاص بسبب واحد أنها كانت حديثة. لم يف عن ذكر شدائده، لأنه كان عدو المجد الباطل والمظاهر الخارجية. وهو يتكلم لكي يشجع تلميذه، وليس لكي يتباهى بمتاعبه. يتكلم هنا عن أنطاكيا، أيقونية، ولستره.

ها يبرز الرسول أنه بذل مجهوداً كبيراً واحتمل اضطهادات كثيرة والله من جانبه أنقذه ولم يتركه. وهكذا كان الرسول ينال أكاليلاً أكثر ويتمجد كلما يتألم.

وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون” (3: 12).

كلمة اضطهادات هنا يفهم منها الآلام ومتاعب الحياة. لا يمكن السير في طريق الفضيلة دون المعاناة من الأحزان والتجارب بكل أنواعها. كيف يكون الأمر غير ذلك طالما السير هو في الطريق الضيق، وقد قيل: “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو 16: 33) وأيوب في زمانه قال: “حياة الإنسان على الأرض جهاد مستمر” (أيو 7: 1). ألا يكون هذا أكثر صدقاً في هذه الأيام.

“ولكن الناس الأشرار المزورين سيتقدمون إلى أردأ مضلين ومضلين” (3: 13).

لا تقلقوا إذا كان الأشرار في سعادة وأنتم في تجارب. طبيعة الأمور تتطلب ذلك. تاريخي يعلمكم أن الإنسان الذي يشن الحرب على الأشرار لا يمكنه أن يفلت من محاربتهم له. الرياضي لا يمكن على الأشرار في المتع، المناضل يدفع ثمناً رخيصاً. هل الجندي يعرف الراحة والملذات؟ الحياة الحاضرة هي حرب، هي قتال، شدائد مستمرة، ضيق بلا نهاية، اختبارات هي ملعب كبير صراعاته لا تنتهي. زمن الراحة يأتي في وقت متأخر، والوقت الحالي هو زمن العمل والتعب. هل الرياضي الذي دخل في المكان المعد للتمارين ولبس ملابسه (ودهن بالزيت) هل يطلب الراحة.

إذا كنتم تريدون الراحة لماذا دخلتم الملعب؟ ليس أمامكم الآن سوى أن تقاتلوا.

سوف تقول هل أنا لا أقاتل؟

أنت لا تقاتل طالما أنك تضبط شهواتك، ولا تقاوم ميول طبيعتك المنحرفة.

“أما أنت فأثبت على ما تعلمت وأيقنت عارفاً ممن تعلمت وأنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة القدرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع“. (3: 14، 15).

القديس بولس أعطى هنا نفس الإنذار الذي كان قد سبق وأعطاه داود “لا تغر من الأشرار” (مز 36: 1).

يقول له : وأما أنت فأثبت ليس فقط في الأمور التي تعلمتها، بل التي أيقنتها والتي فيها رأيت ما هي الحياة الحقة. لا تقلق إذا رأيت مظاهرها وتخالف اعتقادك. إبراهيم رأى أشياء عكس التي وعد بها، ومع ذلك لم يتردد. الله وعده أسحق هو الذي سيكون نسلاً له، ومع ذلك لما طلب منه الله أن يقدم أسحق ذبيحة لم يهتز ولم يقلق.

لا تستغربوا يا أخوتي من وضع الأشرار. فالكتاب المقدس أعلمنا بذلك منذ زمن طويل، وإلى ماذا يقودنا تفكيرنا إذا رأينا الأبرار يتمتعون بالسعادة والأشرار معاقبين؟

عقاب الأشرار أمر طبيعي، ولكن تمتع الأبرار هنا في العالم بنجاح مستمر هذا هو المستحيل.

القديس بولس لا يتساوي معه أحد. أمضى حياته في كدر، في دموع، في أنين وأوجاع ليلاً ونهاراً. “أني ثلاث سنين ليلاً ونهاراً لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل واحد” (أ 20: 31)  وأيضاً “التراكم علىَّ كل يوم” (2كو 11: 28). لم يكن اليوم في سعادة وغداً في ألم، بل لم يمض يوماً دون أن يعاني من الآلام، ومع ذلك قال: إن الأشرار يتقدمون يوماً فيوماً في الشر.

نعم لم يقل أنهم سيجدون الراحة بل إلى السوء دائماً نتائجهم. لم يقل أنهم سيكونون في سعادة، وإذا حدث وعوقبوا فذلك ليك لا تعتقدوا أن الخطية غير معاقب عليها. ولما كان التهديد بجهنم لا يكفي لكي نكف عن خطايانا فإن الله بصلاحه يوقظنا من وقت لآخر بالعقوبات الأرضية.

إذا لم يعاقب الخاطئ لا يصدق أحد أن الله يراقب أعمال هذه الحياة، ولكن لو عوقب الكل لا ينتظر أحد القيامة مادام كل واحد سيأخذ جزءاه هنا في العالم، لذلك يعاقب الله البعض هنا، والبعض الأخر لا يعاقبه، وإذا ما أصيب الأبرار في الدنيا ببعض التجارب التي يتحملونها فأنها تفيد في تنقيتهم.

إننا نشكر الله لأنه دائماً يتعامل معنا بما فيه الخير لنا، ولا يتعامل لنا إلا بالمحبة، هو دائماً يهتم بنا ويعمل لمصلحتنا ولخيرنا دائماً بحكمته الإلهية.

اسمعوا ما قاله الله لأيوب: “هل تعتقد أنني عاملتك هكذا لأي سبب أخرى سوى أنني أريد أن أظهر برك” (أيوب 40: 3).

قال القديس بولس لتيموثيئوس أنه تربى بالكتب المقدسة منذ طفولته، فمادام قد تغذى بهذا الغذاء المقدس منذ طفولته لابد أن إيمانه يكون قد تقوى حتى أصبح راسخاً واستطاع بذلك مقاومة الهجوم الشرس الذي كان يواجهه.

يقول له: “هذه الكتب المقدسة هي قادرة أيضاً أن تجعلك حكيماً، أي أنها تحفظه من الانحرافات التي يعلم بها معظم الناس.

 

“كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر. لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح”

(2تيمو 3: 16، 17).

التـــحـــلــيل

1-فائدة الكتب الموحي بها، الراعي يجب ألا يتوقف عن كرازته.

2-شهد القديس بولس لنفسه بأنه أتم مهمته قبل موته مباشرة.

 

1-فائدة الكتب الموحي بها، الراعي يجب ألا يتوقف عن كرازته.

بعد أن شجع القديس بولس تلميذه تيموثيئوس وعزاه بكل الوسائل المختلفة، يعطيه الآن العزاء الأقوى والأكمل من الكل وهو الكتب المقدسة. والأمر الذي دعا بولس إلى استعمال هذه الوسيلة القوية لتعزية تيموثيئوس هو أنه سوف يقول له أمراً خطيراً وشاقاً. لأنه إذا كان اليشع الذي مكث بجانب معلمه إيليا لآخر لحظة من حياته عندما رآه وهو يرتفع بمعجزة خارجة قد حزن لدرجة أنه مزق ثيابه، فكم وكم يكون حزن تيموثيئوس الذي أحب معلمه كثيراً. وكان محبوباً منه جداً عندما يعلم أن هذا المعلم المحب والمحبوب سوف يموت قريباً، وأنه لن يحضره في ساعته الأخيرة؟

لأننا لا نشعر بسعادة في الأوقات التي نمضيها بجانب أحبائنا في حياتهم، بقدر الحزن الذي نشعر به إذا لم نوجد بجانبهم في لحظات انتقالهم.

لذلك اهتم القديس بولس بتعزية تلميذه قبل الدخول معه في الحديث عن رحيله، فكلمه بعبارات معزية خاصة تعينه على الاحتمال. إنه قد قدم له موته على أنه ليس موتاً، وإنما هو ذبيحة وانتقال إلى مكان أفضل، فيقول له:

“فإني أنا الآن أسكب سكيباً” (2تي 4: 6). ثم يقول: “كل الكتاب هو موحي به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر” هذا ما يجب فهمه عن الكتاب المقدس الذي تعلم منه تيموثيئوس منذ طفولته.

هذا الكتاب موحي به من الله ومفيد، فمن يقدر أن يشك فيه أو يستهين به. “ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح”.

“نافعاً للتعليم”

إن الكتاب يعلمنا ما يجب أن نتعلمه، فإذا كانت لنا أفكار خاطئة، وآراء غير سوية تحتاج إلى إصلاح، فالكتاب المقدس هو الذي يمدنا بالمبادئ الصحيحة لتقويمها، وهو أيضاً نافع وصالح للتعزية وتقوية الرجاء وللتشجيع، وإن كان ينقصنا شئ فالكتاب يكمله لنا.

للتقويم

إننا نجد في الكتاب ما يسد احتياجاتنا، وأيضاً نجد فيه ما يقوم أفكارنا ومفاهيمنا ويصلحها لتسير حياتنا كلها في الطريق الروحي السليم.

“لكي يكون إنسان الله كاملاً”

فالكتب المقدسة تقود إلى الصلاح وتشجيع الإنسان وتقويه وتقوده إلى الكمال، وبدونها لا يقدر على اقتناء الصلاح أو الكمال.

القديس بولس يريد أن يقول لتلميذه تيموثيئوس:

لديك الكتب المقدسة عوضاً عني، وهي التي تعلمك ما تريد أن تتعلمه.

إن كان هذا ما كتبه الرسول بولس لتلميذه تيموثيئوس الممتلئ من الروح القدس، فكم بالأكثر يكون احتياجنا نحن إلى كتاب الله؟

“متأهباً لكل عمل صالح”

أنه يجب بالحقيقة ألا نكتفي بمعرفة ما جاء بالكتاب المقدس، بل يجب معايشة وممارسة ما جاء به في حياتنا على الوجه الأكمل.

 

الموعظة الثامنة

الرسول القديس يدعو للقراءة في الكتاب المقدس، ويرجو من مستمعيه ألا يفحصوا بشدة وبفضول زائد أسرار الله.

في الواقع أن الإنسان الذي يعرف الكتب المقدسة كما يجب ينبغي ألا يتحير في نفسه مهما حدث، وألا يضعف وهو يواجه غموضاً في قراءة الأمور العالية والعميقة، وإنما بشجاعة يلجأ إلى الإيمان، ويطلب الإرشاد الإلهي لكشف هذه الأسرار الخفية، وأيضاً يسترشد بالأقوال والأمثلة المشابهة الواردة في الكتاب المقدس، فسيجدها توضح بعضها البعض.

إن ميزان المعرفة الحقيقية هو عدم الفضول  الزائد وعدم التشبث بمعرفة كل شئ.

وإذا أردتم سأوضح لكم الموضوع بمثل: إن الأنهار كثيرة ولكن ليست كلها بنفس العمق، البعض عميق والبعض الأخر أقل عمقاً البعض يمكن الغرق في مياهه وفي لججه بالنسبة لغير الحذرين، والبعض الآخر سهل العبور بدون خطر، لذلك فإن عدم التعرض بنفس الحذر لجميع الأنهار العميق منها وغير العميق إنما هو حكمة كبيرة.

فإذا رأيت نفسك قد وصلت إلى أعماق قريبة لبعض هذه الأنهار، فأحذر أن يغريك هذا إلى المجازفة بسبر أغوار أنهار أخرى أكثر عمقاً قد تغرقك وتُفقد في أعماقها.

بمعنى آخر أنه إذا كانت السهولة التي مررت بها بمكان أقل عمقاً تغريك على محاولة اقتحام الأماكن العميقة، فأنك سوف تُفقد.

وهكذا بالنسبة لله، فإن الرغبة في معرفة كل الأسرار الإلهية والمغامرة في اقتحام هذا الطريق تشيران إلى الجهل الكامل بمعرفة الله.

يبدو أن مقارنتي غير كافية ولزيادة الإيضاح أقول: إن معظم الأماكن في الأنهار قليلة العمق، أما الله فلا سبر لأغواره ومتابعة أثار أعماله. فلماذا نزج بأنفسنا في هوة عميقة؟

لتعلموا أن الله يقود الكل بعنايته الإلهية التي يمنحها الله للجميع ويترك لنا حرية إرادتنا.

الله لا يريد لنا الشر وإنما يسمح به متى تم بإرادتنا، أما الخير فيتم بنعمته ومشيئته وتوجيهه لإرادتنا فهو منبع كل الخيرات ولا يخفي عليه شئ. تعلموا هذه الحقائق الأساسية، ثم تعلموا بعد ذلك ما هو حسن، ما هو رديء، ما هو غير مهم: الفضيلة حسنة والخطيئة رديئة. الغنى أم الفقر، الحياة أو الموت هذه كلها أمور غير ذات أهمية. من خلال هذه التعاليم نخلص بالآتي.

الصالحون يتألمون حتى ينالوا أكيل المجد.

الأشرار يعاقبون بحسب أعمالهم.

لا يعاقب كل الأشرار في العالم حتى لا يظن بأنه ليست هناك قيامة.

لا يصاب كل الأبرار بالآلام خوفاً من محبة الإثم وكره الفضيلة.

وهكذا يختار كل إنسان الطريق الذي يسير فيه بحريته التي وهبها الله له.

والذي يتابع هذه التعاليم وينفذها فإنه لن يقابل مواقف مخجلة تعترض طريقه. الفضيلة حسنة أما الخطيئة فشريرة.

الأمراض والفقر والمشاكل والنكبات التي تقابلنا هي أمور يجب ألا نبالي بها.

الصالحون يُقاسون من الآلام في العالم وإذا وجدنا البعض منهم بدون متاعب فذل حتى لا تكون الفضيلة بغيضة دائماً.

وإذا وجدنا الأشرار في راحة وسعادة فذلك لأن الله يتحفظ لمعاقبتهم في مكان آخر، وإذا عاقب الله البعض ابتداء من هذه الحياة فهذا حتى لا تكون الخطيئة شيئاً خيراً وحتى لا يُعتقد أنه لا يوجد عقاب في العالم ويهمل سر عقيدة القيامة.

الناس الأكثر نمواَ في الفضيلة لا يخلون من بعض الأخطاء التي يتحررون منها هنا بالآلام. والأكثر فساداً يعملون بعض الأعمال الحسنة التي يكافئهم عنها الله في هذا العالم.

إن غالبية أعمال الله لا نستطيع أن نفهمها إذ أن علو الله عنا، لا نهائي.

لتكن هذه الأفكار دائماً حاضرة في عقولنا، ومهما حدث لا نقلق. لنقرأ الكتب وسوف نجد أمثلة كثيرة مشابهة، لنقرأها لأنها ستعلمنا كيف نحصل على السلام، إنها توضح لنا ما يجب علينا عمله وما لا يجب.

يقول الرسول الطوباوي في مكان آخر: “وتثق أنك قائد للعميان، ونور للذين في الظلمة، ومهذب للأغبياء ومعلم للأطفال” (رو 2: 19).

ألا ترون أن الناموس هو نور للذين في الظلمات، إذا كان يمكن القول عن الشريعة التي أعطتنا الحرف الذي يقتل بأنها نور، فكم وكم تكون البشارة التي أعطتنا الروح الذي يحيي؟ إذا كان العهد القديم هو نور، فكم يكون العهد الجديد الذي أمدنا بهذه الأسرار العظيمة؟ ماذا يقال عن أشخاص كانوا لا يعرفون سوى الأرض واكتشفوا فجأة السماء والعجائب التي تحتويها؟ ومع ذلك لا يوجد أي فرق بين العهد القديم والعهد الجديد، فالعهد الجديد أكد لنا عذابات النار وسعادة السماء، والدينونة ضد العرافين والزهو والإعجاب بنبؤاتهم.

لننزع الثقة من المنجمين فهم كذبة ومضللون ولا يوجد لديهم سوى المغالطة والخداع.

ستقول ومع ذلك إذا كان يحدث ما يقولونه؟

سيكون ذلك من قبيل الصدفة. فالدجال يتسلط عليك ويصبح سيداً على حياتك.

نرى مثلاً عندما يقع ابن الملك في يدي رئيس قُطاع الطرق حينئذ يكون تحت تصرفه فيستطيع أن يحدد ما إذا كان الابن سيموت أم سيحيا حيث أنه أصبح تحت سلطته وليس لأنه يعرف المستقبل.

للأسف نجد أن نسبة كبيرة من الناس تخضع لهؤلاء الدجالين مًصدقين ومعجبين بكلامهم خاصة إذا صدقوا صدفة دون النظر إلى أخطائهم.

لو كانوا حقيقة يعرفون المستقبل. أحضروهم إلىَّ لأني مؤمن. لا أتكلم هكذا بدافع الكبرياء فأنه ملئ بالخطايا، ولكن بنعمة الله أنا أسخر من كل هذه الوسائل المؤذية. إني أكررها لكم، احضروا لي واحداً من سحرتكم، وإذا كان له بعض المواهب النبوية ليقل لي ماذا سيحدث لي غداً وما هو مصيري. أنا واثق أنه لن يتكلم لأني تحت سلطان ملكي الشرعي. الطاغية ليس له أي سلطة عليَّ. أنا مستعد لمواجهة هذه الأماكن الخطرة لأني أعل في جيش الملك.

سوف تقولون شخص ما ارتكب سرقة واكتشفها ساحر. هذا ليس دائماً حقيقة. فهو ليس إلا نوع من الدجل والكذب.

لماذا لا يتنبأوا لكهنتهم عن الأوثان التي أُزيلت؟ وهم لا يعرفون شيئاً، لذلك لم يقدروا أن يقولوا كلمة واحدة ينقذون بها ثروتهم. ويتحاشون الحدائق التي التهمت هياكلهم، لماذا لم يهتموا أولاً بسلامة أنفسهم؟ أما نحن فلدينا أنبياء، لكنهم لا يخطئون. أنهم لا يصدقون أحياناً وأحياناً أخرى يكذبون، ولكنهم دائماً يقررون الحقيقة. إذا كنتم يا أخوتي مؤمنين حقاً بالمسيح ابعدوا عن هؤلاء، لماذا تنزلون من قدركم وتغالطون أنفسكم؟ إلى متى تعرجون بين الفرقتين؟ لماذا تذهبون إلى أولئك المنجمين، فإن مجرد ذهابكم إليهم يعني أنكم تصدقونهم. سوف تقول أنا لا أستشيرهم لأني أثق فيهم وإنما لأني أريد أن أختبرهم. أن مجرد فكرة اختبارهم يعني أنك تثق فيهم. حتى لو نصحوك بنصيحة يُطرد بها الشر الذي يهددك لا تستسلم لهم.

ولكن وقاحتهم لم تصل فقط إلى هذا الحد، بل تجاوزته إلى مضار أخرى. أنهم تنبأوا بأحداث سعيدة وتم ذلك صدفة فما الذي سيفيدك؟ وإذا تنبأوا لنا بأحداث سعيدة لم تحدث فإننا نصاب بالإحباط وخيبة الأمل لأن هذه الأنباء السعيدة التي علقنا عليها لم تحدث.

وإذا تنبأوا بأحداث سيئة فإننا نعيش في حزن وهم وكدر نحن في غنى عنها.

إذا كنت شغوفاً بمعرفة المستقبل، فالله لا يغضب من هذه الرغبة، بل هو فعلاً لم يحرمك منها، فهو قد أتاح لك فرصة معرفة أسرار السماء. أليس هو بنفسه أعلن لك قائلاً “لأني لا أعود أسميكم عبيداً لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي” (يو 15: 15).

قد تقولون لماذا لم يعلمنا الله بهذه الأمور؟ هل لأنه لا يريدنا أن ندخلها في حساباتنا، بينما قد أعطاها في القديم؟ ولنأخذ على سبيل المثال ما حدث في حادثة التعرف على أتُن قيس التي كان قد فقدها (1صم 9: 3- 20) أرد عليكم يا أخوتي وأقول:

إن الله كان يتعامل مع شعب لا يزال إدراكه في مرحلة الطفولة. أما بالنسبة لنا فهو يريدنا أن نعفى نفوسنا من هذه المتاعب ومن هذا البؤس.

 

تُرى ما هو البديل الذي يريدنا أن نعرفه؟

إنه عرفنا بحقائق لم يتح لليهود قديماً معرفتها. هذه التخمينات كانت تكشف لهم عن أمور تافهة، أما ما أتاح لنا معرفته فهي أمور فائقة الإدارك كالأتي:

إننا سنتمتع بالقيامة، والخلود الممجد الغير قابل للفساد. أن صورة هذا العالم ستزول وسوف نخطف في سحب السماء.

إن الأشرار  سوف يعانون من عقوبة عادلة، وكثير من أمور أخرى هامة وحقيقية وكلها مؤكدة.

أليس هذا كله أهم بما لا يقاس من معرفة جحش مفقود.

ها إنك قد عثرت على جحشك، ما هي الفائدة التي عادت عليك، هل لن تفقده ثانية بوسيلة أخرى؟

إذا لم يتركك هو فسوف تتركه أنت بالموت. أما عن الحقائق التي قلتها لكم إذا أردتم حفظها، فسوف تسعدون بها إلى الأبد. هذا هو ما يجب أن نبحث عنه، الخيرات الثابتة المؤكدة.

لنحتقر التنجيم والسحرة والدجالين من كل نوع، ولا نستمع إلا لله الذي يعرف كل شئ مؤكداً، الذي يملك ملء المعرفة لكل شئ. بذلك نعرف كل ما يجب معرفته، ونحصل على كل الخيرات آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم