آبائياتأبحاث

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 - ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 - ق. ذهبي الفم
تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

 

الأصحاح الرابع

“أنا أناشدك إذاً أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته، أكرز بالكلمة”

(4: 1، 2)

سوف يدين الأشرار والأبرار، الأموات والأحياء وسيكون عددهم كبيراً. سبق أن أنذر الرسول تلميذه قائلاً “أوصيك أمام الله الذي يحيي الكل” (1تي 6: 13)، وهنا يعبر بطريقة أكثر رعباً بقوله: “الذي يدين الأحياء والأموات” أي يطالبهم بتقديم الحساب عن أعمالهم.

“عند ظهوره وملكوته”

متى ستكون هذه الدينونة؟ ستكون عند الظهور الممجد لابن الله، عند ظهوره الثاني، عندما يأتي بموكب ملك الكون. هذا الظهور سوف لا يكون مشابهاً للظهور الأول الذي جاء به في الجسد، وإنما سيكون محاطاً بالمجد، فهذا ما يعنيه النص.

 

الراعي لا يجب ألا يتوقف عن كرازته

“أكرز بالكلمة، أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب، وبخ، انتهر عظ بكل أناة وتعليم” (4: 2)

ما معنى وقت مناسب وغير مناسب؟

يعني أنه لا يوجد وقت محدد، ليكن كل وقت هو وقتك، فتكرز ليس فقط في أوقات السلام والأمان، أو فقط في الكنيسة، وإنما حتى إذا كنت في السجن أو سلاسل، بل وحتى وأنت ذاهب إلى الموت لا تكف عن التعليم والتوبيخ. يقول له: “انتهر وعظ”، يجب على الراعي أن يسلك كما يسلك الطبيب. يضع إصبعه على الجرح، ويستأصل جزءاً منه، ثم يستعلم دواء للتخفيف، فإن نقصت واحدة من هذه العمليات يكون عمل الطبيب بلا نفع.

فإذا أنت وبخت شخصاً لكي تقنعه بالشر الذي ارتكبه، فستكون في نظره في موقف المتهور ولن يحتملك أحد، أما بمجرد أن يقتنع فإنه سيستفيد من تبكيتك له. وأنت أن أقنعت إنساناً ووبخته بشدة وبقسوة، دون الرقة والكلمة الطبية فسيضيع تعبك باطلاً.

“بكل أناة وتعليم”

الذي يرغب في إقناع سامعيه، هو في حاجة إلى صبر كثير، إذ أن السامع سوف لا يصدق بسرعة كل ما يقوله.

أما عن التأنيب فيلزم أن يكون مصحوباً باللطف حتى يُقبل. لماذا أضاف كلمة “تعليم” إلى “كل أناة” أي لا يوبخ وهو في غضب أو ثورة، أو كمن أمسك بعدوله، يجب أن تكون هذه الأمور بعيدة عنك تماماً.

فالمطلوب هو تعاملنا معه كمحبين له، ومتعاطفين معه، ونشاركه حاله، وننصهر معه في مشقاته.

“بكل أناة وتعليم”

ليس أي تعليم بل التعليم النافع والمفيد.

لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح” (4: 3)

فقبل أن يملأهم اليأس أسرع أنت بإنذارهم. ولأجل ذلك يقول: “أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب” لا تهمل شيئاً حتى تحصل على تلاميذ مطيعين وودعاء.

“بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم”

أي يطلبون لأنفسهم معلمين حسب أهوائهم، يطلبون ويجدون الكثير من المعلمين المنحرفين عن الحق، تستريح لهم قلوبهم. 

“فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون إلى الخرافات” (4: 4)

هو ينبئه بهذه الأمور ليس لكي يلقى به في الضعف، وإنما ليضعه في حالة يستقبل بها هذه الأمور بشجاعة. والسيد المسيح نفسه استعمل هذا التعبير عندما قال لتلاميذه: “لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم من أجلي” (مت 10: 17). وقديسنا الرسول يقول في مكان آخر: “بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية” (أع 20: 29) كان يعطي هذه الإنذارات للقسوس لكي يجعلهم متيقظين ولكي يحثهم على استغلال كل الأوقات الملائمة التي أعطاها الله لهم.

“وأما أنت فأصحُ في كل شئ واحتمل المشقات” (4: 5)

يسوع المسيح قبل موته بزمن قليل قال: “سيأتي من الأيام الأخيرة مسحاء وأنبياء كذبة”. والقديس بولس في عشية تركه هذا العالم قال بنفس الفكر: أما أنت فأصحُ في كل شئ احتمل المشقات، أي اشتغل، أنذر بالبلية قبل حدوثها، أسرع لوضع الخراف في أمان قبل أن تأتي الذئاب.

“أعمل عمل المبشر، تمم خدمتك”

وذلك لأن عمل البشير هو مواجهة المشقات، ومعاناة الضيقات لأجل الله ولأجل الآخرين.

“تمم خدمتك” وهذا سبب آخر يحفزه للعمل.

 

2-شهادة القديس بولس لنفسه بأنه أتم مهمته قبل موته مباشرة

فإني الآن أسكب سكيباً ووقت انحلالي قد حضر” (4: 6)

إنه لا يقول “وقت تقديم نفسي ذبيحة قد حضر، بل يستعمل تعبيراً أقوى، لأن الذبيحة التي تُقدم لا تُقدم كلها لله، أما السكب فيعني أنه يبذل نفسه بالكلية لله.

“قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان” (4: 7) غالباً إذا وضعت أمامي ما قاله الرسول وأتأمل عبارته هذه تأخذني الدهشة وأقول: بأي هدف كان الرسول يتحدث عن نفسه هكذا ويقول “جاهدت الجهاد الحسن” ولكنني بنعمة الله قد وجدت السبب، الذي من أجله قد تكلم هكذا. لقد كان مشتاقاً أن يعزي تلميذه المحبوب وينزع عنه كآبته، ويدعوه كي يبتهج لأنه ذاهب حيث يوجد إكليله بعد أن أنهى كل جهاده ووصل إلى نهاية مجيدة. أنه يقول له: يليق بك أن تفرح من أجلي ولا تحزن مطلقاً.

 

لماذا؟

“لأني جاهدت الجهاد الحسن”. الرسول كان كالأب الصالح والطيب، فلما رأى أن تلميذه وابنه سوف يحزن لأنه سينتقل قريباً وسيتركه، قال ليواسيه: لا تبك يا ابني، أنني عشت بكرامة وأمانة وشرف، ووصلت إلى شيخوخة سعيدة، أستطيع معها أن أفارقك. إنما أوصيك أن تحيا حياة مثالية ونقية. أنني عندما أرحل سيحل مجدي عليك، أن إلهي نفسه كثيراً ما يشهد لي لأني كنت أؤدي خدمته برغبة وكفاح وطيب خاطر، حتى أنني حصلت منه على انتصارات جعلت الأعداء يهربون.

إن هذا الرسول الأب الذي يتكلم هذا الكلام، لا يتكلم به بزهو أو خُيلاء، بل لكي يرفع نفسية تلميذه ويشجعه ويساعده على تقبل احتمال رحيله، إذ أنه لا يمكننا أن ننكر ما الفرق من قسوة ولوعة.

اسمعوا الطريقة التي يتكلم بها الرسول في رسالته إلى أهل تسالونيكي “قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب” (تي 2: 17). فإذا كان القديس بولس قد تألم لهذه الدرجة عندما فارق تلاميذه، فما بالكم بما يشعر به تيموثيئوس عندما يعلم أنه سيفقد معلمه؟

إن هذا التلميذ المحب لمعلمه قد سبق وزرف الدموع لمجرد بعده عن معلمه في حياته، وهذا ما قرره القديس بولس بنفسه حين قال: “مشتاقاً أن أراك ذاكراً دموعك” (2تي 1: 4). أنه تذكر دموعه تذكاراً قد ملأه فرحاً، فكم وكم من الدموع التي يتوقع له أن يذرفها عند موته ورحيله؟

إذاً لتعزيته كتب له هذا الكلام، بل أن هذه الرسالة بكليتها مليئة بالتعزيات والتعاهدات على أن يحتمل ويصمد ويجاهد.

“جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان”

ولكن كيف يكون هذا الجهاد حسناً وقد عانيت فيه يا رسولنا العظيم سجناً وقيوداً وآلاماً ثم موتاً؟

إن الجهاد الحسن بالحق هو معاناة العذاب والآلام من أجل يسوع المسيح، وهو الذي سيختتم بالتتويج، وذلك الإكليل الذي سيحصل عليه المجاهد لا يضمحل أبداً. هو تاج بهي لم يضعه على رؤوسنا أناس، ولم يمنح لنا جهاراً وسط جمهرة من الناس، وإنما يُمنح لنا في موكب من الملائكة. في العالم لم يجاهد الناس طويلاً محتملين المصاعب كل يكللوا ساعة أو ساعات قليلة بعدها تنتهي كل البهجة، أما هناك فالوضع ليس هكذا، بل الإكليل الذي سنحصل عليه سيضيء إلى الأبد بمجد وكرامة.

فالرسول كأنه يقول لتلميذه: افرح إذن لأني سأدخل الراحة الأمجاد الأبدية. سأترك المعارك والصراعات، وقد سبق أنني قلبت “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً” (في 1: 23).

“أكملت السعي” فالجهاد بالسعي والجري والكفاح المتواصل وباحتمال الضيقات والآلام، أنه كفاح وجري ليس لأمور باطلة، ولكن لأهداف مجيدة ومفيدة، وبالحق هو جهاد ممتع، وليس ممتعاً فقط بل هو مفيد ومجزي أيضاً، ولا ينتهي سباقه إلى مجرد مظهر لإبراز القوة والمنافسة للحظات قليلة على الأرض، وإنما هي رفعة إلى السماء والخلود في أمجادها.

حقاً إن السباق المجيد والكفاح الذي دخله القديس بولس على الأرض كان أكثر نوراً ومجداً وبهاءً من الشمس حين تكتمل في السماء.

 

ولكن بأي طريقة قد أكمل الرسول سباقه؟

لقد طاف العالم مبتدءاً من الجليل إلى الغرب ذاهباً إلى أطراف العالم المعروف في وقته. يقول في رسالته إلى رومية: “حتى أني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح” (رو 15: 19).

لقد طاف الأرض بسرعة النسر، بل بأكثر سرعة وأكثر إعجاباً، فإن النسور إنما تحلق فقط بأجنحتها، أما الرسول بولس فإذا كانت له أجنحة الروح القدس وكان يعبر أجواءً مليئة بالعوائق والميتات والكوارث، ومع ذلك فقد كان عبوره بأكثر خفة وسرعة.

حفظت الإيمان” لقد حفظ القديس بولس الإيمان رغم وجود مقاومات وعثرات كثيرة كان يمكن أن تفقده إيمانه. تخلى الكثير من أصدقائه ومعينيه عنه، وتهديدات آخرين له بالموت، والمعاملات السيئة والمؤذية التي كان يلقاها دائماً، ولكنه قد قاوم كل هذا بثبات عجيب.

ولكن بأي وسيلة؟ بالإيمان والرجاء والمحبة، وأيضاً باليقظة المستمرة. هذا الجهاد الذي ذكره القديس بولس كان لتعزية تلاميذه، ولكنه لم يكتف بذلك بل أراد أن يضيف المكافأة التي تنتظره إذ يقول:

“وأخيراً وضع لي إكليل البر” وهنا كلمة “البر” يقصد بها كل الفضائل. لا داعي للحزن طالما أنني ذاهب لأخذ الإكليل الذي سيضعه المسيح نفسه على رأسي. لو انتظرت في هذا العالم، فليس لي سوى التعب والبكاء والأنين والخوف من السقوط والضياع.

“إكليل البر الذي سيهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان والعادل ليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً”، وبذلك يزيد الرسول من ثقة تلميذه، لأن هذا الإكليل المحفوظ للجميع سيوهب بالأولى لتلميذه تيموثيئوس.

 

الموعظة التاسعة

كيف تكون الشهادة لمحبة ظهور المسيح؟ وما هو هذا الظهور؟

لامتلاك يسوع المسيح يجب التخلي عن هذا العالم والاحتمال بصبر كل ما يحدث لنا فيه هو والشهادة على محبتنا واشتياقنا لظهور المسيح له المجد هو أننا نسعد بسعادة حضوره معنا وحلوله وسطنا، فالذي يتذوق بفرح حضور المسيح معه بعيني قلبه يعمل جاهداً حتى يكون مستحقاً لفرح اللقاء به في ظهوره، بل هو مستعد أن يعطي حياته ذاتها من أجل هذا اللقاء المجيد في السحاب مع المسيح إذا لزم الأمر. ويحيا حياة الاستعداد التي تمكنه من رؤية الرب والبقاء معه إلى الأبد.

سوف تقول: وكيف أكون مستعداً؟

اسمع يسوع يقول: “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (لو 15: 23). أرجوكم أن تترجوا دائماً هذه النعمة العظيمة وتنشدوها، إنه سيأتي للجميع، ولكل واحد منا! وهو القائل “نأتي عنده ونصنع منزلاً”. إن محبة المؤمن الحقيقي للمسيح تتيح له أن يكون مستعداً دائماً ومعايناً في حياته على الأرض، وبالتالي ستتيح له استعلان المسيح في مجيئه الثاني وظهوره للجميع.

أنني أتمنى ألا يوجد فينا من هو غير مستحق لمجيئه، فليهيئ كل منا قلبه ليكون مسكناً للرب من الآن.

هذا الظهور يعرف باللغة اليونانية “إبيفانيا” أي أنه ظهور من الأعالي، فلننظر دائماً إلى من هو في العلا، ولنوجه أبصارنا لضوء الأشعة الإلهية. إن الذي يخفض عينيه نحو الأشعة الأرضية، ويدفن نفسه في الأرض ويجر نفسه إلى وحل هذا العالم لا يقدر أن يحدق ببصره في شمس البر. فالرب لا يضئ قط على الذين غمروا أنفسهم في الظلمات الكثيفة.

ارفعوا أنظاركم إلى فوق، ارفعوها من هوة هذا العالم الذي جذبكم وابتلعكم، إذا أردتم بكل قلوبكم مشاهدة هذه الشمس وانجذبتم فعلاً إلى أشعتها الذهبية، وحققتم حضوره فيكم بهذه الكيفية، فسوف ترونه في ظهوره الثاني في معاينة مجيدة كاملة.

اسلكوا إذن بالحكمة، ولا تسمحوا لروح الكبرياء أن يسكن فيكم وتنفخكم وتصرعكم وتسقطكم. لا يكن قلبكم متحجراً أو مظلماً حتى لا تغرق سفينة حياتكم، وأحذروا الشراك والفخاخ التي هي الصخور المختفية في بحر هذا العالم. لا تغذوا الحيوانات المتوحشة، وأقصد بها الشهوات الساكنة فيكم والتي تثور بداخلكم، فلا يوجد حيوانات أكثر توحشاً منها.

لا تسندوا حياتكم على أشياء سائلة كالماء لتتمكنوا من أن تعيشوا راسخين، وتتأسسوا فوق الصخر. المياه هي أشياء هذا العالم. يقول داود النبي: “المياه غمرت نفسي” (مز 69: 1). إنها سبيل يجرى، أما الصخور فهي الأشياء الروحية، وقال أيضاً “وأقام على صخرة رجلي” (مز 40: 2). إن أشاء هذا العالم هي وحل وطين، لنخرج منها حتى نتمكن من الاستمتاع بظهور الرب يسوع المسيح، لنحتمل بصبر كل ما يحدث لنا، والعزاء الشافي والكافي لنا هو الآلام مع يسوع المسيح، فلا نكف عن الشعور بذلك في أنفسنا وكل ألم سوف يختفي تماماً.

سوف تقول: وما هي كيفية احتمال كل شئ من أجل المسيح؟

فمثلاً إنسان افترى عليك لسبب أو لآخر، وربما لم يكن لأجل يسوع المسيح، فماذا إذن؟ إذا احتملته بصبر ورددت هذا بخدمة تقدمها له، وصليت من أجل هذا الإنسان، سوف ينظر الرب يسوع إلى هذا وكأنك قد احتملته من أجله. وعلى العكس تماماً إذا رددت بالسخط وبالشر، محاولاً أن تنتقم لنفسك، فأنت لا تتألم من أجل المسيح، وستخسر بإرادتك الثمرة الحلوة التي كنت ستقطفها، فالأمر بتوقف علينا في استخدام الألم لخدمة أنفسنا أو لضررنا. إن طبيعة الألم لم تفعل فينا شيئاً، وإنما الأمر كله يتوقف على كيفية تقبلنا له وتعاملنا معه.

أيوب مثلاً قد عاني من آلام كثيرة، وتحملها كلها بشكر وتسليم، لذلك أعلن الله عنه أنه بار، لأنه احتملها بصبر وشجاعة.

ترى كيف سيكون الوضع لو أن إنساناً آخر غير أيوب جاز كل هذه التجارب؟

قد يعاني شخص من تجارب أقل كثيراً، ومع ذلك فهو يجدف، ويغضب ويتمتم، ويلعن كل العالم وربما الله نفسه. هذا الإنسان يحاكم ويحاسب من الله، لأنه جدف بإداراته متخذاً الآلام سبباً لهذا التجديف. كان يمكن لأيوب أن يجدف، لكنه لم يفعل ذلك مع أنه كان تحت ثقل الآلام الشديدة التي كان يمكنه تحت وطأتها أن يتصرف بعكس ما تصرف به.

لابد أن يكون لنا قلب راسخ كريم، لا يجد في كل ما يسمح به الله لنا أمراً قاسياً. بل يرى فيه حقيقته وهي الخير والأكاليل والخلود حتى لو ظهر لنا مراً. إن إرادتنا هي التي تصور لنا الأمور ثقيلة أم خفيفة، فلنقّو فينا هذه الإرادة، ووقتها سنقبل كل شئ من يدي الله بارتياح وسهولة.

إذا تأصلت شجرة ما بجذورها عميقة في الأرض، فأعنف العواصف لا تقدر أن تخلعها، أما إذا كانت سطحية فأقل زوبعة تقبلها. وهذا هو حالنا. إذا كانت ثقتنا في محبة الله كبيرة ومخافته ساكنة بعمق فينا فلا شئ يقدر أن يهزنا أما إذا كانت علاقتنا بالله سطحية، فأقل صدمة تسقطنا.

لهذا أتوسل إليكم يا أخوتي أن تحتملوا كل شئ بشجاعة، ولنقتدي بالنبي القائل: “التصقت نفسي بك” (مز 63: 8)، لم يقل ببساطة نفسي اقتربت إليك، بل “التصقت بك”. وأيضاً في نفس المزمور يقول “عطشت نفسي إليك” فلم يقل مثلاً “نفسي ترغبك” بل عبر التعبير الأقوى. وقال أيضاً في موضع آخر: “قد اقشعر لحمي من رعبك” (مز 119: 120). الله يريدنا أن نلتصق به بقوة وبصورة لا نستطيع معها الانفصال.

إذا التصقنا بالله بهذه الكيفية وسخرنا له كل مشاعرنا وأفكارنا، إذا عطشنا إليه، وإذا سلكنا في كل هذا بإرادتنا ورغبتنا فسوف نحصل على الخيرات الروحية والبركات الأبدية في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والملك والكرامة من الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور كلها، آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم