آبائيات

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام - ق. يوحنا ذهبي الفم - د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

بالحقيقة قام - ق. يوحنا ذهبي الفم - د. جورج عوض إبراهيم
بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

بالحقيقة قام

(عظة 85 على يو1:20ـ 9)

   ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باقٍ فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر ” (يو1:20).

 

إنفتح القبر بعد القيامة*:

   قام المسيح، والقبر مغلق بالحجر والأختام عليه، ولكي يعرف الآخرون بقيامته، انفتح القبر بعد القيامة، وهكذا تأكد الحدث. لقد تأثرت مريم مثلها مثل الآخرين بموت المسيح، لأنها كانت تحب المعلم حبًا شديدًا وانقضى السبت ولم تستطع أن تهدأ فأتت إلى القبر باكرًا لعلها تجد أي عزاء من وجودها في المكان الذي دُفِن فيه المسيح. وعندما رأت مكان القبر والحجر مرفوعًا، لم تدخل ولا مالت لتنظر، لكن أسرعت إلى التلاميذ مدفوعة بمحبتها الكبيرة للرب، لأن ما كان يشغلها هو أن تعلم ما الذي صار للجسد حيث هذا ما كانت تهدف إليه فأسرعت إلى تلاميذه قائلة ” أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه” هل رأيت كيف أنها ما زالت ليس لديها معرفة واضحة عن قيامته، لكنها ظنت أن جسده نُقِلَ ووُضِع في مكان آخر. ويوحنا الإنجيلي ذكر هذه الواقعة لكي لا يحرم المرأة من أن يُثني عليها من كل قارئ للإنجيل، لذا لم يعتبر أنه من العار أن يعلم التلاميذ عن قيامة الرب، منها. إذ كانت مستيقظة ورأت الأحداث قبلهم، إن محبة يوحنا للحقيقة تسطع دائمًا.

 

“الأكفان موضوعة”:

   أتت مريم وقالت هذه الأمور للتلاميذ وبمجرد أن سمعوا هذه الأخبار، ذهبوا بسرعة شديدة إلى القبر ورأوا: “الأكفان موضوعة”، الأمر الذي كان دليلاً على قيامته، لأنه لم يكن في استطاعة أي أشخاص أن يفعلوا هذا الأمر ثم يأخذوا الجسد، أي أن يجردوا الجسد من الأكفان. ولا يمكن للسارقين أن ينزعوا منديل الرأس ويفكوا الأكفان ويأخذوا الجسد ويخفونه في “مكان ما”، لكن ما الذي كان ممكنًا أن يفعلوه؟ كانوا سيأخذون الجسد كما هو بالأكفان. قد سبق يوحنا وقال أنه كُفن بسكب كثير من المُر والذي يُلصِق ـ ليس أقل من الرصاص ـ الأكفان مع الجسد، لذا عندما تسمع أن المنديل الذي كان حول الرأس كان موجودًا هناك بعيدًا عن الجسد، فإنك لا تطيق الكلام الذي يقول إنه سُرق، لأن ذلك السارق يكون في غاية الغباء لدرجة أنه يهتم اهتمامًا شديدًا بشيء نافل جدًا. لأنه لماذا يترك المنديل الذي كان حول الرأس؟ كيف لا ينتبه الحُراس لهذا العمل؟ فك الأكفان عن الجسد يحتاج إلى وقت طويل، ويكون السارق معرضًا لخطر ضبطه وهو يسرق، فالتأخير ليس في صالح السارق.

 

   ولماذا وُجدت الأكفان بمفردها “والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده“؟ لكي تعلم أن هذا العمل ليس من فعل أُناس في حالة استعجال، ويستولي عليهم الإضطراب ويضعون منديل الرأس منفصلاً (بمفرده) والأكفان بمفردها. وبسبب هذا الأمر آمن التلاميذ بالقيامة. لذلك بعد أن حدثت هذه الأمور ظهر لهم المسيح، عندئذ تأكدوا بأعينهم أنه قام.

 

بطرس ويوحنا يتحققان من قيامة الرب:

   لاحظ هنا وداعة الإنجيلي، كيف ينسب إلى بطرس دقة البحث. لأنه بالرغم من أنه وصل قبل بطرس ورأى الأكفان موضوعة هناك، لم يشغل نفسه أكثر من هذا لكن توقف هناك، أما ذاك المشتعل حماسًا دائمًا، بطرس فدخل إلى داخل القبر وفحص الكل بالتفصيل ورأى أمورًا أكثر، وبعد ذلك دخل يوحنا وتعزى بتلك الأمور التي رآها، عاد ورأى الأكفان موضوعة ومنفصلة عن منديل الرأس. أما أن يفصلهما أحد ويضعهما هكذا الواحد بعيدًا عن الآخر، فهذا يحتاج إلى تأني شديد وعناية فائقة ولا يتم بطريقة عشوائية وباضطراب واستعجال.

 

لتكن تصرفاتنا عاقلة بشأن الجنازات:

   لكن، عندما تسمعون أن الرب قام عاريًا فلتوقفوا الهوس الذي يحدث أثناء الجنازات. لأنه ما الفائدة من النفقة الباهظة وغير المفيدة التي تُسبَّب ضررًا شديدًا لأولئك الذين ينفقون أموالاً طائلة للتكفين، حيث إنها لا تفيد المنتقل بأي شيء بل بالحري أقول إنها تسبب ضررًا؟ لأن فخامة القبر تكون في مرات كثيرة دافعًا لنقب القبور وسرقتها، وبالتالي هذه الفخامة قد تكون سببًا في أن يُلقى عاريًا ذاك الذي يُدفن بتكلفة كبيرة. أيضًا كم هو عبث كبير هذا الأمر. كم يظهر مدى التصرف الأحمق في وقت الحزن وكم هو غباء! وكثيرون ـ حتى لا تحدث السرقة ـ يشقون الأكفان إلى شرائط ويملئونها بأطياب كثيرة ويلفونها حتى تصير بلا فائدة لسارقي القبور، وهكذا يتم دفن الميت بهذه الطريقة في باطن الأرض. أليست هذه الأمور هي من ملامح المهووسين؟ هل هذه الأمور هي قدوة للبشر الذين يعملون ويحتاطون من السرقة؟ بأن يُظهروا حُبهم واحترامهم أثناء التكفين وأيضًا هم أنفسهم بتصرفاتهم يلاشون هذا الاحترام، هم يتعللون بأن كل هذه الترتيبات هي من أجل أن يظل كل ما دُفِن في أمان. ماذا إذًا؟ إن لم يأخذ سارقوا القبور هذه الأشياء ألا يأكلها الدود! وإن كان الدود يأكلها، ألا يتلفها الزمن والعفن؟ وإذا إفترضتا أن الأشياء الموضوعة مع الأجساد الميتة سوف لا تختفي بواسطة سارقوا القبور ولا من الدود ولا من الزمن ولا من أي شيء على الإطلاق، والجسد أيضًا سوف يظَّل بدون أن يُمس حتى يوم القيامة، وهذه الأشياء سوف تُحفظ كأنها جديدة، ما الذي سوف يربحه الراحلون من هذه الحياة عندما تُقام أجسادهم عارية. أقول نحن مسئولون عن هذه التصرفات غير المفيدة ومطالبون بأن نعطي جوابًا عنها.

 

   قد تتساءل لماذا سُكبت الأطياب أثناء تكفين المسيح؟ أولاً هذه الأشياء التي تمت مع المسيح لا تقارن بالأمور البشرية (لأن الزانية سكبت الطيب على قدميه المقدستين)، فإن كان ينبغي أن نتحدث عن هذه الأمور، فأول كل شيء هو أن هذه الأمور صارت هكذا لأن أولئك الذين تمموها لم يعرفوا الحديث عن القيامة لذلك يقول الإنجيلي “كما لليهود عادة أن يكفنوا”، لأن أولئك الذين كرمَّوا المسيح هكذا لم يكونوا من ضمن تلاميذه الإثنى عشر، وإكرامهم له لم يكن كثيرًا جدًا، بالطبع الإثنى عشر لم يكرموه بهذه الوسيلة بل كرمّوه بالموت والذبح والتعرض للأخطار من أجله. إذًا ما فعله (الأولون) كان تكريمًا لكن أدنى من الذي أشرت إليه). على الجانب الآخر، نحن الآن نتحدث عن البشر، بينما هذه الأشياء تمت ـ وقتذاك ـ لأجل الرب.

 

ملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية:

   ولكي تعلم أن المسيح لم يتحدث عن هذه الأمور، قال ” لأني جُعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عُريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليَّ” (مت36:25). ولم يقل إطلاقًا كنت ميتًا فدفنتموني. وهذه الأقوال أقولها ليس لكي ألغي الدفن بل لكي أوقِف الضلال ومحبة المجد الباطل. فقد يُقال إن هذه الأشياء تستثير الحزن والغم والشوق نحو الميت. لا، بل أن هذه الأشياء لا تعبر عن مدى محبتنا للميت، بل حبنا للمجد الباطل، لأنك إذا أردت أن تُظِهر مشاركتك في الأحزان لأجل الميت، فسوف أظهر لك طريق آخر للجنازة، وأنصحك بأن تلبس ملابس القائمين معه التي تجعله جالسًا في بهاء، لأن هذه الملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية ولا سارقو القبور يستطيعون سرقتها.

 

   ما هي ـ إذًا ـ هذه الملابس؟

   لُباس الإحسان، لأن هذا اللُباس يقوم معه طالما أن ختم الإحسان هو معه. أولئك يكونون في بهاء بواسطة هذه الملابس ويسمعون القول “لأني جُعت فأطعمتموني”. هذه الملابس تجعلهم في مكانة عظيمة وفخورين وآمنين، بينما كل ما صار الآن فليس شيئًا آخرًا سوى أشياء تتلف بواسطة العثة والسوس. وهذا أقوله ليس لكي أعيقكم عن تجنيز الأموات بل لكي تتصرفوا باعتدال. هكذا تغطون الجسد ولا تُسلموه للأرض عاريًا، لأنه أعُلِن لنا نحن الأحياء إننا سوف لا نأخذ معنا أي شيء من هذه الأشياء التي في العالم إلا غطاءً واحدًا، لأننا حين نموت، فإن الجسد ليس في احتياج للملابس، مثلما كان في احتياج إليها عندما كان يحيا ويتنفس. لأننا ونحن أحياء نحتاج للملابس بسبب البرودة (أي الملابس تقينا من البرد)، وبسبب اللياقة، لكن عندما نموت، لا نحتاج إلى أي شيء من هذه، بل حتى لا يظل الجسد عاريًا نحتاج إلى الدفن، وبدل التكفين فإن الأرض هي غطاء جيد يتناسب مع طبيعة أجسادنا[1]. فإن كنا ـ ونحن ـ هنا الآن حيث نحتاج أشياء كثيرة، لا ينبغي أن نطلب شيئًا زائدًا عن الحاجة، فبالأكثر جدًا هناك، حيث لا يكون لدينا احتياج لمثل هذه الأشياء، يكون محبة المجد الباطل أمرًا غير لائق بالمرة.

 

إياك وشدة الحزن والبكاء بمرارة أثناء الجنازة:

   قد يُقال، إن أولئك الذين يشاهدون هذه البساطة في التكفين سوف يسخرون. أولاً، حتى لو وُجد شخص واحد يسخر، فلا يجب أن تحسب له حسابًا إذ إنه يظهر غباءً شديدً بموقفه هذا، بينما في الحقيقة فإن كثيرين يعجبون بطريقتنا الحكيمة في مواجهة هذا الأمر (طريقة الدفن)، لأن ما يستحق السخرية ليس هذه الأمور التي قلتها لكن تلك التي نفعلها الآن عندما نحزن وندفن ذواتنا مع الأموات (من شدة الحزن والبكاء أثناء تشييع الجنازة). فتلك الأمور جديرة بالضحك وبالعقاب، بينما عندما نُظهِر مثل هذه الطريقة الحكيمة التي ذكرتها من جهة أمور التكفين والملبس اللائق، فإنها سوف تمنحنا أكاليل ومدحًا في يوم القيامة. والجميع سوف يصفقون لنا ويعجبون بقوة المسيح ويقولون عجبًا عجبًا لقوة المصلوب التي أقنعت الذين كانوا سائرين في طريق الهلاك والفساد  بأن الموت ليس موتًا لأنهم لا يفعلون الأمور التي تصير لأولئك السائرين نحو الهلاك، بل يفعلون الأمور التي تليق بأولئك الذاهبين إلى مكان أسمى. قوة المصلوب أقنعت هؤلاء بأن الجسد، هذا الجسد الفاسد والأرضي، سوف يلبس لُباسًا بهيًا جدًا لُباسًا ذهبيًا، وغير فاسد. لذلك لا يظهرون عناية كبيرة بالدفن، لكن يعتبرون التكفين العظيم العجيب هو الحياة الفاضلة. هذه الأقوال سوف يقولونها عندما يروننا نتصرف بهذه الطريقة الحكيمة، أما إذا شاهدونا ننحني من الحزن، ونركع في شكل دائرة حول الميت سوف يضحكون ويسخرون مِنا ويتهموننا بإتهامات لا حصر لها بتورطنا بأمور لا هدف وآلام باطلة عبثية، و نسمع هذه الإتهامات من الجميع. وهم على صواب، فأي مبرر سوف نقوله، عندما يضمحل الجسد من الفساد والسوس فهل نُزينَّه ـ بهذه الطريقة ـ ونهين المسيح، بينما هو عطشان ويتجول هنا وهناك عاريًا وغريبًا؟ أنظر قوله “كنت جوعانًا، مريضًا، غريبًا”.

 

الإحسان يُقيم الموتى:

   إذًا دعونا نكف عن هذا الاهتمام الزائد، ليتنا نقوم بدفن أمواتنا بطريقة لائقة تكون لمنفعتنا ولمنفعة أولئك الأموات لأجل مجد الله. ليتنا نُحسِن كثيرًا من أجل هؤلاء، ليتنا نُرسل معهم مؤن أفضل، لأنه إن كانت ذكرى الرجال العِظام الذين ماتوا تصير سببًا لفائدة الأحياء، لأنه يقول “ وأحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل داود عبدي” (2ملوك34:19)، بالأكثر سينفع الإحسان في هذا الأمر. لأن الإحسان يُقيِم الموتى عندما ” تقف الأرامل ويعرضن ما كانت تفعله طابيثا عندما كانت معهم ” (أع36:9). إذًا عندما يقترب أحد من الموت علينا أولاً أن نقنعه أن يترك شيئًا لهؤلاء المحتاجين. ليتنا نُشيعه بملابس الإحسان ونقنعه بأن يترك للمسيح إرثًا، لأنه، لو أن الملوك حددَّوا إرث لكانوا قد خلّفوا. أمانًا كبيرًا لأهلهم، فالذي يترك للمسيح إرثًا مع أولاده، سينال قبولاً عظيمًا سوف يربحه لذاته ولأولاده. هذه هي طريقة التكفين التي تنفع أولئك الذين يبقون على قيد الحياة، وكذلك أولئك الذين يرحلون عن هذه الحياة. لو كنا نكفن الأموات هكذا سنكون أكثر بهاءً في القيامة، أما إذا أظهرنا إهتمامًا زائدًا بالجسد (عن طريق تكفينه تكفينًا مكلفًا “غاليًا”)، وأهملنا النفس الغالية سنعاني من شرور كثيرة هناك، وسوف نكون مثارًا للضحك، لأنه لا الفقر يصير سببًا أن يرحل أحد عاريًا من الفضيلة، ولا الجسد الملقى بلا دفن يشعر بالعار بقدر ما تشعر النفس ـ وقتذاك ـ وهي عارية من الفضيلة. علينا إذًا أن نلبس الفضيلة ونحرص على أن نتزين بها، وهذا بالطبع يجب أن يصير كل الوقت، لكن إذ أظهرنا لا مبالاة فعلى الأقل ليتنا نُظِهر التعقل والحكمة، ونحن مشرفون على الموت، ودعونا نترك وصية لخاصتنا بأن يساعدوننا عندما نرحل من هذه الحياة، بالإحسان. هكذا فليساعد الواحد منا الآخر وسوف نربح دالة كبيرة، بنعمة ربنا يسوع المسيح مُحب البشر مع الآب والروح القدس وإلى الأبد آمين.

 

 

 

 

(عظة 86 على يو10:20ـ23)

 

   ” فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي “

 

مريم ترثيه باكية:

   الجنس الأنثوي يتميز برقة مشاعره وله ميل كبير إلى الشفقة. هذا أقوله، حتى لا تفكر وتقول، لماذا مريم تبكي بحزنٍ، بينما بطرس لم ينتابه مثل هذا الأمر، لأنه يقول “فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”، طالما أن طبيعتها ضعيفة ولم تعرف بوضوح حديثه عن القيامة، مثل أولئك أيضًا، الذين رأوا الأكفان وآمنوا، ورجعوا وهم مندهشين. ولأي سبب لم يأتوا مباشرةً إلى الجليل، كما أوصى الرب قبل آلامه؟ ربما انتظروا الباقين. هؤلاء ـ إذًا ـ رجعوا، بينما هي وقفت عند القبر، كما قلت، كان منظر القبر عزاءً كبيرًا.

 

ملاكان جالسين فوق القبر:

   هل رأيت ـ إذًا ـ هذه التي انحنت لكي ترى المكان الموضوع فيه الجسد لكي تتعزى؟ لذلك ـ إذًا، نالت أجرًا كبيرًا لإهتمامها الكبير، لأن ذاك الذي لم يره التلاميذ، رأته المرأة أولاً، رأت الملاكين جالسين الواحد عند قدميه والآخر عند الرأس بثياب بيضاء، ووجهيهما مملوئين بالبهجة وبالفرح. ولأن إدراك هذه المرأة لم يكن عاليًا، حتى تستنتج قيامته من الأكفان ـ احتاجت شيئًا أكثر وضوحًا، أي شاهدت ملاكين جالسين فوق القبر بوجوه فرحة حتى تُسكَِّن حزنها بهذا المنظر وتتعزى، لكن الملاكين لم يقولا لها شيئًا عن القيامة، لكنها إنقادت تدريجيًا إلى هذا التفكير.

 

“يا امرأة لماذا تبكين”:

   رأت وجهين بشوشين أكثر جدًا من المعتاد، رأت شكلاً بهيًا، سمعت صوتًا عطوفًا. يقول ” يا امرأة لماذا تبكين“. هكذا بسبب هذه الأمور ـ كأنه من باب مفتوح ـ إنقادت إلى الحديث عن القيامة. والطريقة التي كانا جالسين بها، قادتها إلى أن تسألهما إذا بدا عليهما أنهما يعرفان ما حدث. لذلك لم يجلسا معًا، لكن الواحد بعيدًا عن الآخر.

 

   وبسبب أنه كان طبيعيًا أن لا تتجرأ وتسألهما، لذلك بسؤالهما لها وبالطريقة التي جلسا بهما إنقادت إلى سؤالهما. ماذا قالت إذًا؟ لقد تحدثت معهما بحرارة وفي نفس الوقت بحنان ” أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه” ما هذا القول يا امرأة؟ ألم تعرفي شيئًا عن القيامة، إلى الآن تفكرين في تغيير مكانه؟ هل رأيت كيف أنها ما زالت لم تدرك الخبر السامي؟ “ ولما قالت هذا إلتفتت إلى الوراء” كيف حدث هذا، بينما هي تتحدث مع الملاكين ولم تسمع بعد أي شيء ألتفتت بنظرها إلى الوراء؟ أنا أعتقد، أنها مجرد أن قالت هذا الكلام، فجأة ظهر المسيح خلفها، وفاجأ الملاكين، وهذان ـ عندما نظرا الرب أثر ذلك في شكلهما ونظرتهما وحركتهما، ولاحظت المرأة الدهشة المرسومة على الملاكين مما جعلها تلتفت بنظرها إلى الخلف. إذًا هكذا ظهر لهذين الملاكين، أما للمرأة فليس هكذا، حتى لا يفاجئها بظهوره الأول، لكن ظهر لها بمظهر متواضع وعادي، وصار ظاهرًا لها كأنه هو البُستاني. لقد كان فكرها متواضعًا لذا لم يقدها مباشرةً إلى الأفكار السامية بل تدرج معها في الكلام.

 

   لقد سألها ” يا امرأة لماذا تبكين. مَنْ تطلبين” هذا يُظهر أنه بسؤاله يعرف ما يريد وهكذا قادها إلى الإجابة. إذًا هذا ما أدركته المرأة، لكن لم تنطق بعد أسم يسوع، إذا شعرت أن هذا الذي يسأل يعرف ما هو الذي يسأل عنه، قالت ” يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقُل لي أين وضعته وأنا آخذه“. تتحدث هنا كأنها تتحدث عن ميت، وعن تغيير موضع الجسد، وعن أخذه ونقله إلى مكان آخر. لقد أرادت أن تقول له: إن كُنت قد أخذته من هنا بسبب الخوف من اليهود أرجوك أخبرني أين وضعته. يا له من عطف وحنان كبير عند هذه المرأة، لكن لا يوجد عندها أي فكر عالي. لذلك يُظهر لها ليس بوجهه بل بواسطة صوته [2]، لأنه كما يظهر لليهود أحيانًا كشخص معروف وأحيانًا لا يبدو لهم أنه كان حاضرًا بينهم، هكذا عندما كان يتحدث، وعندما يريد، يجعل نفسه، معروفًا، حين قال لليهود “ من تطلبون” يو4:18. لأنهم لم يعرفوا لا شكله ولا صوته، وهذا هو ما يحدث هنا. وذكرَّ فقط اسمها ليؤنبها وينبهها بأنها تفكر فيه هكذا بأنه ميت وهو الحيٌّ.

 

مريم تتعرف على المسيح من صوته:

   لكن كيف يقول الإنجيلي إنها ” ألتفتت تلك” وهو يتحدث إليها؟ أنا أعتقد بأنها حين قالت هذا الكلام: ” أين وضعته” والتفتت ناحية الملاكين لكي تسألهما لماذا هما مندهشين، دعاها المسيح في الحال أن تلتفت إليه إذ أظهر ذاته بصوته، لأنه عندما دعاها “مريم”، عندئذٍ عَّرفته. هكذا التعرف عليه لم يأتِ من منظره لكن مِن صوته. أيضًا إن قيل من أين يبدو أنها أمسكته ووقعت أمامه؟ هذا يبدو من كلامه: ” لا تلمسيني“، وهذا ما يبدو من القول أنها ” ألتفتت تلك“. لماذا قال  “لا تلمسيني؟” البعض يقول إنها تطلب نعمة روحية، لأنها سمعته مع تلاميذه يقول: “وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلىَّ، وأنا أطلب من الآب. فيعطيكم مُعزيًا آخر“. (يو3:14، 16). وأنا أسأل كيف سمعت هذه الأقوال، وهي لم تكن موجودة هناك مع التلاميذ؟ أنا أعتقد أن هذا الرأي ليس له أي علاقة بما فعلته. كيف تطلب نعمة في هذه اللحظة بينما الرب لم يذهب بعد إلى الآب؟ ما الذي حدث إذًا؟ أعتقد إنها أرادت ـ من فرط فرحتها ـ أن تتصرف معه ـ بلا تحفظ ـ وكأنه هو عينه كما كان من قبل صلبه، ولم تفكر ـ حين كان أمامها ـ في أي شيء سامي وروحي، بالرغم من أن الرب صار من جهة الجسد ساميًا جدًا. إذًا أبعد عنها هذا الفكر ولكي تتحدث معه بمخافة شديدة (لأنه لا يبدو أنه تعامل مع التلاميذ بمثل هذه الطريقة غير المتحفظة) ورفع فكرها عاليًا، حتى تنتبه إليه بأكثر وقارٍ. وكونه قال لها لا تقتربي مني، مثلما كان يحدث مسبقًا بالضبط حين كان يمكث معهم، لأن الأمور لم تعد مثل الأول، ولا يمكن أن أمكث معكم بعد بطريقة مشابهه: هذا الأمر سوف ينشئ حزنًا ما ويتضمن تعقيدًا، بينما كونه يقول “ لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، بالرغم أنه لم يكن أمرًا محزنًا، لكن أعلن نفس الأمر، لأنه بقوله ” لم أصعد بعد” يبين أنه يتجه إلى هناك يسير ويتعجل الوصول، إذ عليه أن يصعد هناك، ولا يخالط البشر، ولا يجب أن يروه بنفس التصور الذي رأوه أولاً، وهذا ما قصده وأظهره بقوله: ” أذهبي إلى إخوتي وقُولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” وبالطبع لم يكن عليه أن يفعل ذلك مباشرةً، لكن بعد أربعين يومًا، إذًا كيف ـ يقول هذا؟ لأنه أراد أن يرفعها روحيًا ويقنعها بإنتقاله إلى السموات. أما   ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ” فهذه أقوال قيلت بحسب التدبير، بينما كلمة “أصعد” قيلت عن الجسد، لأن هذه الأقوال يقولها لتلك المرأة التي لم تفكر في شيء أسمى روحيًا.

 

 

“أبي وأبيكم”:

   هل نفهم أن أبوة يسوع تختلف عن أبوتنا؟ بالتأكيد، لأنه، إن كان إله الأبرار يختلف عن إله الآخرين فبالأكثر هذا يحدث بين الابن وبيننا. لأنه قال ” اذهبي إلى أخوتي وقولي” حتى لا يفكروا من هذا أنه توجد مساواة بينه وبينهم، لكن هناك اختلاف، لأنه سوف يجلس على عرش الآب، بينما هؤلاء سوف يقفون بجواره، بالرغم من أنه بحسب الجسد صار أخ لنا، لكن من جهة الكرامة يختلف كثيرًا ولا يمكن أن نحدد مقدار الاختلاف. ذهبت المرأة إذًا لكي تخبر التلاميذ بكل هذا، بينما أولئك لم يحزنوا بسبب إنه سيصعد، ولا قالوا تلك الأقوال التي قالوها سابقًا؟ أخبرتهم بكل هذا وقالت لهم ما قاله، الأمر الذي كان يمكن أن يعزيهم. لأنه كان من الطبيعي أن التلاميذ بعد أن سمعوا كل هذا، أن لا يصدقوا المرأة أو إذا صدقوا فيحزنوا أنهم لم يكونوا مستحقين ظهوره، بالرغم من وعده بأنه سوف يظهر لهم في الجليل، وحتى لا يحزنوا بالتفكير في كل هذا، فهو لم يتركهم يومًا واحدًا لكن وضع فيهم الاشتياق، حين عرفوا بأنه قام وبسماعهم ما قالته المرأة، أرادوا أن يروه، وبسبب أن الخوف كان مستوليًا عليهم (الأمر الذي جعل شوقهم شديدًا جدًا)، حينذاك، ظهر لهم بطريقة عجيبة جدًا في المساء.

 

 

المسيح يظهر لهم في المساء:

   ولماذا ظهر لهم في المساء؟ لأنه كان من الطبيعي أن يكونوا مملوئين من الخوف. لكن الجدير بالإعجاب هو، كيف أنهم لم يظنوه خيالاً؟ حيث دخل بينما كانت الأبواب مغلقة والتلاميذ كانوا مجتمعين هناك. وطبعًا المرأة جعلت إيمانهم كبيرًا، لذا جعل ظهوره بطريقة عجيبة وبلا ضوضاء.

 

   لم يظهر المسيح للتلاميذ أثناء النهار، بل ظهر لهم مساءً حيث كانوا مجتمعين معًا، وكانت المفاجأة عظيمة إذ إنه لم يطرق على الباب بل وقف في الوسط بلا ضوضاء بالمرّة، وأظهر جنبه ويديه. وفي نفس الوقت هدأ فكرهم المضطرب بصوته قائلاً: “سلام لكم” أي “لا تقلقوا”، وذكرهَّم بما قاله لهم قبل صلبه “ سلامًا اترك لكم” (يو27:14)، وأيضًا “ قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام” (يو33:16).    “ ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب“. أرأيت كيف أن الأقوال صارت أعمالاً؟ لأنه قال قبل صلبه “ سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22:16). الآن يتحقق كل هذا، الأمر الذي قاد التلاميذ إلى الإيمان التام. وبسبب أنهم كانوا في عداوة شديدة مع اليهود لذلك هو يكرّر لهم قوله “سلام لكم” معطيًا لهم عزاءً في مواجهة هذا الموقف.

 

 

“سلام لكم”:

   أولاً هذا الكلام قاله بعد القيامة، سبق أن وقد بشر النساء بالنعمة لأن المشاعر الحزينة توجد بداخل هذا الجنس البشري، والمرأة هي التي قبلت الفرح أولاً. فكان من المناسب للرجال الذين هم في حرب مع اليهود أن يبشرهم بالـ “سلام” أما النساء فيبشرهم بالفرح بسبب الحزن. وحيث إنه أبطل الأحزان وأتم بركات الصليب، التي هي السلام والصلح. وإذ أزال كل المعوقات وجعل نصرته ممجده، وكل الأمور تحققت، قال ” كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” لن يكون لديكم أي صعوبة وبسبب كل ما حدث وبسبب استحقاقي الخاص أرسلكم. هنا يرفع تدبيرهم ويظهر جدارة إيمانهم العظيم حيث إنهم سوف يأخذون على عاتقهم القيام بعمله. ولا ينادي الآب بل يعطي لهم القوة إذ يقول: ” نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكت“. فهو مثل ملك يرسل قواده، ويعطي لهم سلطان ليقودوا بعض الناس إلى السجن أو يفكوهم، هكذا يرسلهم ويمنح لهم هذه القوة.

 

“خير لكم أن أنطلق”:

   إذًا كيف يقول: ” خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزي ” (يو7:16). والآن يقول: ” اقبلوا الروح “. البعض يقول إنه لم يعطهم الروح بل جعلهم بواسطة النفخ مهيئين لقبوله. لأنه، إن كان دانيال خاف عندما رأى الملاك (دا17:8)، ألم يكن من الممكن أن يحدث نفس الأمر لأولئك الذين قبلوا تلك النعمة التي لا توصف لو لم يجعلهم تلاميذه مسبقًا؟ لذلك لم يقل ” أخذتم الروح القدس” بل “خذوا الروح القدس”. ولن يخطئ أحد إذا قال إن ما أخذه التلاميذ سلطة ونعمة روحية معينة، لكنها ليست مثل القوة التي يقيمون بها الموتى ويصنعون المعجزات بل فقط ليغفروا الخطايا، لأن مواهب الروح متنوعة ومختلفة. لذلك أضاف ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” الأمر الذي يظهر نوع العطية التي يمنحها لهم. هناك بعد أكثر من أربعين يومًا أخذوا قوة لكي يصنعوا معجزات لذلك يقول “ ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض” (أع8:1). صاروا شهودًا بالمعجزات حيث إن نعمة الروح كانت لا توصف وعطيته متعددة في فعلها.

 

واحدة هي عطية وسلطان الآب والابن والروح القدس:

   لقد صار هذا لكي تتعلم أن عطية وسلطان الآب، والابن والروح القدس هي واحدة. لأن الأمور الخاصة بالآب، هي للابن وللروح القدس. إذًا يقول إن لا أحد يأتي إلى الابن ” إن لم يجتذبه الآب” (يو44:6). وهذا يبدو إنه خاصية الابن لأنه يقول ” أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14)، لاحظ كذلك أن هذا هو عمل الروح، “ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). وأيضًا نرى الُرسل يدعون الناس إلى الكنيسة مرة بواسطة الآب ومرة أخرى بواسطة الابن وكذلك مرة بواسطة الروح القدس، وتوزيع المواهب نراها بواسطة الآب والابن والروح القدس.

 

عظيمة هي مكانة الكهنة:

   إذًا ليتنا نفعل كل شيء حتى نستطيع أن نتمتع بمعية الروح القدس، ونكرم أولئك الذين عُينوا لمنحنا فعله، لأن مكانة الكهنة هي مكانة عظيمة ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” لذلك يقول ق. بولس      ” أطيعوا مرشديكم” (عب17:13)، وتكرموهم كثيرًا جدًا. لأنك أنت تهتم بما هو خاص بك، وإذا نظمت أمورك فهذا جيد، وأنت غير مسئول عن الآخرين، لكن الكاهن بالإضافة إلى تنظيم أموره جيدًا، إن لم يعتنِ بك وبكل أعضاء رعيته سوف يذهب مع الأشرار إلى جهنم، ومرات كثيرة بدون أن يُغدر به بواسطة خاصته، يُقاد للهلاك بسببكم إن لم ينظم كل تلك الأمور المتعلقة به جيدًا. لذا وهم عارفون مدى الخطورة يكون لهم عطف وحنو كبير، الأمر الذي يقوله ق.بولس      “ لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عب17:13). وليس فقط مجرد سهر، لكن “كأنهم سوف يعطون حسابًا لكي يفعلوا ذلك بفرح” (عب17:13). لأجل ذلك يجب أن ينالوا كرامة كبيرة.

 

   لكن إن إتفقتم مع آخرين ضدهم، عندئذٍ لن تكونوا في حالة جيدة،لأنه كلما كان القائد في حالة انشراح وبهجة سيكون الرُكَاب في أمان، لكن إن كان الركاب يحتقرونه (القائد) ولهم موقف عداوة ضده فهم يُعذبونه، عندئذٍ لا يمكن أن يسهر لراحتكم، وكذلك لا يمارس عمله بطريقة جيدة ـ وبدون أن يقصد ـ يضعكم في مصائب لا حصر لها. هكذا الكاهن، إذا نال كرامة من جانبكم سوف يمكن أن ينظم أموركم جيدًا، لكن إن كنتم تضايقون الكهنة وتسلبون قوتهم، سوف تجعلونهم معرضين معكم وبسهولة لضرب الأمواج حتى لو كانوا بعد شديدي البأس. تأمل ماذا يقول المسيح عن اليهود “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون” (مت2:23ـ3).

 

   لكن الآن لا نستطيع أن نقول: على كرسي موسى جلس الكهنة؟ لكن على كرسي المسيح، لأنهم أخذوا استمرارية تعليم المسيح. لذلك يقول ق.بولس ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو2:5).

 

   ألستم ترون أن الجميع يخضعون للرؤساء العالميين، وفي مرات كثيرة يكون هؤلاء أعظم من أولئك الذين يحكمون عليهم من جهة الأصل ومن جهة المعيشة ومن جهة الفهم؟ لكن بسبب ذاك الذي منحهم السلطان فهم لا يفكرون في شيء من هذه الأشياء، بل عليهم أن يحترموا قرار الملك أيًا كان ذاك الذي نال السلطان من الملك.

 

   إذا قلَّد إنسان أحد وأعطاه وظيفة فإن هذا يجعل عندكم خوف شديد واحترام له، لكن في اللحظة التي فيها يقيم الله شخصًا ونحتقر هذا الشخص الذي رُسم ونشتمه ونلوثه بشرور لا حصر لها، ونُسلط لساننا ضد الكهنة، بينما أخذنا وصيته بأن لا ندين إخوتنا، كيف إذًا يمكن أن ندافع عندما لا ننظر الخشبة التي في عيوننا، بينما قذى الآخر نفحصه بدقة بكل شرنا (انظر متى3:7، لو41:6). ألا تعرف إنك تجعل المحكمة أكثر قسوة ضدك وهي تحاكمك بهذه الطريقة؟ وهذه الأقوال لا أقولها لأمدح أولئك الذين يمارسون الكهنوت بغير استحقاق، بل إني أتراءف على هؤلاء كثيرًا جدًا وابكي بالدموع لأجلهم، لكن لا أقول إنه يحق أن يُدانوا من قبِل المبتدئين والسُذج، لأنه إن كانت حياتهم فاسدة جدًا، وإن كنت تلاحظ نفسك وتحترس فإنك سوف لا تُصاب بأي ضرر من جهة تلك (التعاليم) التي سُلمت إليهم بواسطة الله، لأنه إن كان الله قد جعل الحمار يتكلم[3] ومنح بواسطة العرافين بركات روحية، وحقق النعمة لليهود التي تفوه بها الفم الغبي واللسان الدنس لبلعام، بالأكثر جدًا لكم أنتم المعترفون بالجميل تجاهه، حتى لو كان الكهنة في وضع أدنى، سوف يفعل الله كل الأمور التي يريدها وسوف يرسل الروح القدس، لأن نقاوتهم لا تجذب الروح، بل بالحري النعمة هي تلك التي تتمم كل شيء، لأنه يقول “ فإن كل شيء لكم. أبولس أم أبلوس أم صفا” (1كو21:3، 22)؛ لأن العطية التي أخذها الكاهن لا تُمنح إلاّ من الله، ومهما وصلت الفلسفة البشرية سوف تبدو أدنى من تلك النعمة.

 

   أقول كل هذا ليس لكي نقضي حياتنا في خمول لكن لكي لا تختزنوا شرورًا كثيرة ضد ذواتكم أنتم المبتدئين، وذلك عندما يُظهر البعض من رؤسائكم خمولاً. ولماذا أقول هذا عن الكهنة؟ لا ملاك ولا رئيس ملائكة يمكن أن يفعل شيئًا فيما يتعلق بتلك النعمة التي تُعطى بواسطة الله، لكن الكل يصير من الآب والابن والروح القدس. الكاهن أثناء ممارسة العبادة يعطي لسانه ويديه لله لكي يستخدمهما، لذا لن يُضَّر أولئك الذين يأتون بإيمان إلى طريق خلاصنا بسبب شر إنسان. وإذ نحن نعرف كل هذا، فإننا نخاف الله ونحترم كهنته معطين لهم الكرامة، لكي ننال مكافأة عظيمة من الله بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح مُحِب البشر الذي مع الآب والروح القدس له المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

* العناوين من وضع المُترجم.

1 التي هي من تراب وإلى تراب تعود.

2 لأنه ظهر خلفها وليس أمامها.

3 يتكلم هنا عن “حمار بلعام” انظر سفر العدد7:22.

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم