سؤال وجواب

هل أكل الإنسان فعلًا من شجرة تدعى معرفة الخير والشر، أم أن الكاتب أراد أن يصوُّر موقف الإنسان المتكبر، فذكر هذه القصة الرمزية؟ وهل العقوبات كانت حقيقية أم أنها تعبيرات رمزية قصد منها الكاتب هدف معين؟

361- هل أكل الإنسان فعلًا من شجرة تدعى معرفة الخير والشر، أم أن الكاتب أراد أن يصوُّر موقف الإنسان المتكبر، فذكر هذه القصة الرمزية؟ وهل العقوبات كانت حقيقية أم أنها تعبيرات رمزية قصد منها الكاتب هدف معين؟

يقول الخوري بولس الفغالي ” يشدد الكاتب أولًا على أن الإنسان كان حرًّا عندما إختار الطريق التي تصرفه عن الله، وشجرة معرفة الخير والشر هي رمز عن هذا الاختيار الحر.. يستطيع الإنسان أن يختار طريق الله أو طريق الشر فيصبح ضميره ساحة حرب ستنتهي مع آدم بالوقوف بوجه الله والتمرد عليه وعصيان أوامره، وهذا ما عبَّر عنه الكاتب المُلهم عندما قال أن الإنسان أكل من شجرة المعرفة، الشجرة المُحرَّمة، فصوَّر موقفًا داخليًا نابعًا من أعماق ضمير الإنسان بطريقة يفهمها الإنسان. ويتساءل الكاتب: لو لم يكن الشيطان هنا ليدفع الإنسان إلى الخطيئة، هل كان الإنسان رفض الله هذا الرفض القاطع، فيتصوَّر حوار الإنسان بينه وبين نفسه، بينه وبين قوى الشر بشكل دراماتيكي جعل فيه الحيَّة تكلم حواء. فالخطية الأولى التي هي أصل كل الخطايا هي واقع وحقيقة وهي خطيئة كبرياء واكتفاء ذاتي وعدم إيمان بالله وعصيان لأوامره، ولهذا نسميها الخطية الأصلية”(1).

كما يقول الخوري بولس الفغالي عن العقوبات ” ثم يصوّر الكاتب الحكم على آدم وحواء، وعلى الحيَّة والأرض، بطريقة تعبيرية: بعرق جبينك تأكل خبزك، بالآلام تحبلين، على صدرك تسلكين، ملعونة هي الأرض. ونتساءل: هل كان الرجل يعمل بلا تعب قبل الخطيئة الأصلية، وهل كانت المرأة تحبل بدون أن تحس بألم الحبل والولادة؟ هل صارت الأرض ملعونة بعد أن كانت مباركة، وهل كان للحيَّة قوائم قُطعت بسبب الخطيئة فصارت تسير على بطنها وتأكل من تراب الأرض من أعشابها؟ على هذه الأسئلة أجاب الكاتب المُلهم بطريقة رمزية تعبيرية.. لجأ إلى هذه الرموز ليعبّر عن حالة الدمار والخراب التي لحقت بالإنسان من جراء الخطيئة. لاشك في أن الإنسان يتعب وهو يحرث حقله، كما أن المرأة تتألم عندما تحبل وتلد، غير أن الكاتب أراد أن يبين لنا أن العالم الذي نراه لا يشبه العالم الذي خلقه الله”(2).

وأيضًا يقول الخوري بولس الفغالي ” ذكر الكاتب المُلهم هذه المعلومات التي كانت عالقة في أذهان الناس، ولكن هدفه لم يكن كتابة التاريخ القديم، بل مساعدة المؤمنين على اكتشاف أسباب الشر ونتائجه في تاريخ البشر: أخ يقتل أخاه، رجل تتعدد زوجاته أو ينتقم فلا يضع حدًا لانتقامه. في كل هذه اللوحات ينطلق الكاتب من أحداث الزمن الحاضر إلى الماضي السحيق، فيربط بين قصة الخلق مع آدم ومسيرة الإيمان مع إبراهيم”(3).

ج:

1- لقد سجل سفر التكوين قصة خلق الإنسان وسقوطه، ولم يستخدم تعبيرات رمزية، فعندما قال ” وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض” (تك 2: 7) فهذه حقيقة بدليل أن جسد الإنسان بعد موته يعود إلى التراب، الأصل الذي أُخذ منه، وعندما تكلم عن النباتات قائلًا ” وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل. وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر” (تك 2: 9) فهذه حقيقة لأن الأرض مازالت تنبت الأشجار ” وشجرًا ذا ثمر يعمل ثمرًا كجنسه. بزره فيه على الأرض” (تك 1: 11) وبما أن الأشجار حقيقة واقعة، إذًا لا بُد أن شجرتي الحياة والمعرفة شجرتان حقيقيتان، فقد ورد ذكرها في سياق الحديث عن أشجار الجنة، وأيضًا العقوبات كانت حقيقية، ففي الفردوس كان الإنسان يعمل ولكن بدون تعب لأن التعب كان من نتاج الخطية، ثم أن الإنسان وجد نفسه في جنة غناء دون أن يتعب في زراعتها، فحتى لو كان يتعب تعبًا بسيطًا فيخلد إلى الراحة ويجدد نشاطه، فإنه كان تعبًا حلوًا مُقدّسًا مثمرًا. كما أن المرأة لم تجرب الولادة في الجنة، والحيَّة كانت تمشي على أرجل، ولكن الحكم الإلهي سرى عليها فتلاشت أقدامها بحكم إلهي وليس بحسب نواميس الطبيعة، لأنه لو أن ملاكًا قطع قوائمها فإن هذا لن يؤثر على النسل الذي يأتي منها صحيحًا تمامًا، ولكن هذا حكم إلهي سرى عليها، فهل الله الذي خلقها من العدم لا يقدر أن يجعلها بلا قوائم تسعى على بطنها؟!!

2- يتبنى الخوري بولس الفغالي أفكار مدرسة النقد الأعلى فيما عُرف بـ”التاريخ المقدَّس” فقد نظر هؤلاء النُقَّاد للأحداث التاريخية التي سجلها الكتاب المقدَّس على أنها مجرد رموز، فلم يكن هناك – حسب تصوُّرهم – جنة عدن، ولا آدم وحواء، ولا شجرتي الحياة ومعرفة الخير والشر، ولا الطوفان.. إلخ وقالوا أن الإصحاحات الأولى من سفر التكوين تعبر عن أحداث حدثت في عصور ما قبل التاريخ، فهي أحداث حدثت في العالم الروحي، ويمكن اعتبارها من الغيبيات.

ويقول دكتور ” إدوارد ج. يونج ” أن الجواب على ذلك عند بعضهم أن هذه الإصحاحات كانت في عصور ما قبل التاريخ، وهي أحداث في العالم الروحي، ويمكن اعتبارها من الغيبيات.. والمعنى المستفاد من هذا، إذا صح هذا التعريف أن الإصحاحات الثلاثة الأولى من سفر التكوين لم تحدث على الأرض، إذ أنها حدثت في منطقة ما من ” العالم الروحي ” وصيغت في صورة قصة في لغة الوقائع الأرضية، فهي وإن كانت قد رويت في صيغة قصة وقعت على هذه الأرض، لكنها في الواقع لم تحدث على هذه الأرض، بل حدثت في منطقة ما من ” العالم الروحي”.. ونسأل هذا السؤال: من هو الجدير بأن يضع حدودًا لهذه الغيبيات، وأين تبدو وأين تنتهي؟!! وما هي المقاييس أو المعايير التي يمكن أن نقيس بها ما هو غيبي وما هو تاريخي في الكتاب المقدَّس؟!”(4)(5).

_____

(1) سفر التكوين ص 92، 93.

(2) سفر التكوين ص 93، 94.

(3) المرجع السابق ص 97.

(4) راجع كتابنا مدارس النقد والتشكيك جـ 2 ص 145 – 148.

(5) ترجمة القس الياس مقار – أصالة الكتاب المقدَّس ص 283 – 286.

 361- هل أكل الإنسان فعلًا من شجرة تدعى معرفة الخير والشر، أم أن الكاتب أراد أن يصوُّر موقف الإنسان المتكبر، فذكر هذه القصة الرمزية؟ وهل العقوبات كانت حقيقية أم أنها تعبيرات رمزية قصد منها الكاتب هدف معين؟