أبحاث

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب
رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة التاسعة

1 ـ ” فماذا نقول إن أبانا إبراهيم قد وجد حسب الجسد ” (رو1:4).

          بعدما قال إن العالم صار تحت دينونة الله، وأن الجميع أخطأوا وأنه لا يمكن أن نخلص إلاّ عن طريق الإيمان، حاول بعد ذلك أن يُبرهن على أن الخلاص ليس سببًا يدعو للخجل، بل على العكس هو سبب لمجد عظيم، هذا المجد هو أعظم من المجد الذي يأتى بسبب الأعمال. ولأن الخلاص الذي يصاحبه خجل يعكس جبن وخوف، فإن الرسول بولس يُبطل هذه الريبة فيما بعد. على الرغم من أنه ألمح إلى ذلك، متكلمًا ليس فقط عن الخلاص، بل عن البر قائلاً ” لأن فيه مُعلن بر الله[1]. إذ أن ذاك الذي يخلّص هكذا، يخلّص لأنه بار (بالإيمان) وبشكل علنى. ولم يكتفِ بالإشارة إلى تعبير البر فقط، لكنه ذكر أن هذا البر معلن. والله أعلنه للممجّدين وللمتبررين وللعظماء. لكنه قد برهن على أن هذا البر هو للأحباء أيضًا، مكملاً حديثه بالتساؤلات، الأمر الذي تعود أن يفعله، وهذا يظهر في وضوح وجرأة حديثه. هذا ما فعله سابقًا بقوله: ” إذًا ما هو فضل اليهودى؟[2]، وأيضًا ” فماذا إذًا أنحن أفضل؟[3]، وقوله ” أين الافتخار قد انتفى؟[4]. وهنا يقول ” فماذا نقول إن أبانا إبراهيم..“؟ والحقيقة أن اليهود كانوا يصوبوا تفكيرهم في أن إبراهيم، أب الآباء وخليل الله، قد اختتن أولاً، ولذلك فقد أراد الرسول بولس أن يُبرهن لهم أن إبراهيم قد تبرر بالإيمان، وهذا يعد انتصارًا عظيمًا. لأنه يعد أمرًا غير طبيعى بالنسبة لليهودى أن يتبرر بالإيمان، وليس هذا فقط بل ويفتخر بهذا وليس بالأعمال، وهذا ما يستحق الإعجاب، الأمر الذي يُظهر بشكل خاص قوة الإيمان. ولهذا فقد تكلّم عن بر الإيمان، متجنبًا الحديث في أى أمور أخرى. ودعى إبراهيم أبًا حسب الجسد، لكى يحرم اليهود من القرابة الحقيقية له، ولكى يُمهد للأمم طريق القرابة له. ثم بعد ذلك يقول:

 

” لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله” (رو2:4).

          إذًا بعدما قال إن الله يُبرر اليهودى والأممى بالإيمان، وبعد أن برهن بالإشارة إلى ما سبق على هذه الأمور بشكل مُقنع، فإنه يُظهر نفس الأمر مع إبراهيم ولكن بدرجة أكبر مما وُعد به، وقد جاهد إبراهيم بالإيمان مقابل الأعمال، وناضل من أجل البر. ولهذا فقد امتدحه الرسول بولس جدًا داعيًا إياه ” أبانا “، ويدعو هؤلاء اليهود على أن يقتدوا به في كل شئ. ولهذا لا تحدثنى عن اليهودى، ولا تذكر لى فلانًا أو غيره لأننى سأتجاوز كل شئ وأعود إلى حيث بدأ الختان. ” لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله“. هذا الكلام غير واضح، وبناء عليه، فهناك إحتياج لأن أشرحه أكثر. لأن هناك افتخاران واحد بالأعمال والآخر بالإيمان. مادام قد قال: ” إن كان قد تبرر بالأعمال فله فخر. لكن ليس لدى الله“، وهكذا فإنه يوضح أن هناك افتخار يأتى من الإيمان، وأن هذا الافتخار أفضل بكثير من الافتخار بالأعمال.

لقد ظهرت قدرة الرسول بولس العظيمة في هذا الأمر على وجه الخصوص، إذ حوّل الأمر كله في اتجاه يخالف المألوف. وإن كان للخلاص عن طريق الأعمال من افتخار وجرأة، فقد أوضح كيف أن هذا يتعلق بالأكثر بالإيمان. لأن ذاك الذي يفتخر بالأعمال يمكن أن يُشير إلى أتعابه، وأما ذاك الذي يفتخر بإيمانه بالله، فيكون لديه دافعًا قويًا للافتخار لأنه ينسب المجد لله. فتلك الأمور (الخاصة ببر الإيمان) والتي لم تظهرها له طبيعة الأشياء المرئية، هذه الأمور طالما قد قبلها من خلال إيمانه بقدرة الله، فإنه يكون قد أظهر محبة حقيقية لله، وأعلن عن قوته بصورة مضيئة.

          هذا الإيمان هو سمة لنفس تتصف بالشجاعة، ونية تتسم بالحكمة، وفكر ناضج. لأن الامتناع عن السرقة أو القتل يمكن أن يحققه الناس العاديون، أما الإيمان بأن الله قادر على كل شئ، فإن هذا يحتاج إلى نفس تقية وإلى تكريس هذه النفس بالكامل لله. لأن هذا يُعد بالحقيقة دليلاً على المحبة الحقيقية. والمؤكد أن الله يُكرّم ذاك الذي يحفظ وصاياه، بيد أنه يُكرّم بالأكثر ذاك الذي بالإيمان يسلك بحكمة ووقار. لأن الأول يخضع لله، أما الآخر فهو الذي يكتسب الرؤية الصحيحة التي ينبغى أن تكون عن الله، وينسب المجد لله من أجل أعماله العظيمة. إذًا فالافتخار بالأعمال يخص ذاك الذي يُنجز عملاً، أما الافتخار بالإيمان فيعنى تمجيد الله ونسبة كل شئ له. لأننا نفتخر بكل ما من شأنه أن يعلن عن عظمة الله ومجده.

          ولهذا فإن الذي يفتخر بالإيمان يكون لديه سببًا للافتخار أمام الله، وليس هذا فقط، بل هناك سببًا آخر يجعله يفتخر. فالمؤمن يفتخر أيضًا ليس فقط لأنه أحب الله بالحقيقة، بل لأنه نال منه كرامة ومحبة كبيرة. فكما أنه أحب الله وفكّر من جهته في أمور عظيمة (وهذا دليل محبة)، هكذا فإن الله قد أحبه، على الرغم من مسئوليته عن تلك الخطايا العديدة التي ارتكبها. والله لم يخلّصه من العقاب فقط، لكنه برّره أيضًا. إذًا فلديه سبب لأن يفتخر، لأنه صار مستحقًا لمحبة الله الغنية.

 

” لأنه ماذا يقول الكتاب؟ فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا. وأما الذي يعمل فلا تُحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين ” (رو3:4ـ4).

          إذًا هل الذي يعمل يُعد أعظم؟ لا على الإطلاق. لأن البر يُحسب للإنسان من حيث إنه آمن بالله. إلاّ أن هذا الإيمان لا يُحسب له برًا إذا لم يقدم شيئًا.

          2 ـ إن الله يُكرم ذلك الإنسان أيضًا، ولكن لا من أجل أمور تافهة، بل لأجل أمور عظيمة وهامة. ولأنه أعلن عن رؤية مستنيرة، وفكر روحى متميّز، فإنه لم يتحدث فقط عن ذاك الذي يؤمن ولكن:

 

” الذي يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يُحسب له برًا ” (رو5:4).

تأمل كم هو عظيم أن يؤمن المرء بأن الله قادر ليس فقط على أن يُخلّص من العقاب ذاك الذي يعيش في الفجور، وبصورة مفاجئة، لكنه قادر أيضًا أن يبرره وأن يحكم بأنه مُستحق لكرامة الحياة الأبدية. لا تظن ـ كما يبدو لك ـ أن الأجرة تأتى على سبيل العمل وليست على سبيل النعمة، وأن ذاك الذي يحيا في الخطية ويؤمن بالذي يُبرر الفاجر هو أقل من الذي يعمل. ولهذا تحديدًا فإن الإيمان هو الذي يجعل المؤمن مُشرقًا، وأن تمتعه بهذا القدر الكبير من النعمة يرجع إلى أنه أظهر مثل هذا الإيمان. وانتبه، فإن مكافأة هذا الإيمان ستكون أعظم. لأن الذي يعمل ستُعطى له مكافأة، أما الذي يؤمن سينال البر. لكن يجب أن نعلم أن البر هو أعظم بكثير من المكافأة، لأن البر هو التعويض الذي يشمل مكافآت كثيرة.

          إذًا بعدما أظهر حقيقة البر الذي بالإيمان، بدايةً من إبراهيم، أشار بعد ذلك إلى داود الذي تذوق كل ما سبق الإشارة إليه. إذًا فماذا قال داود، ومَن هو ذاك الذي يطوّبه؟ هل هو الإنسان الذي يفتخر بالأعمال، أم ذاك الذي تمتع بالنعمة، ونال الغفران والعطية؟ وعندما أتكلم عن الطوبى أو السعادة، فإننى أقصد قمة كل الخيرات. لأنه كما أن البر هو أعظم من الأجر، هكذا فإن الغبطة أعظم من البر. وبعدما أظهر عظمة البر، ليس فقط من حيث إن إبراهيم قد ناله، بل لأن البر أعظم من الأفكار (أى تلك التي تعتمد على العمل الذاتى). لأنه كما يقول الرسول بولس إن العمل قد يدعو للفخر      ” ولكن ليس لدى الله “، أيضًا يُقدم البر على أنه أكثر أهمية، لكن بطرق أخرى، مشيرًا إلى داود الذي تذوقه قائلاً:

 

” كما يقول داود أيضًا في تطويب الإنسان الذي يحسب له الله برًا بدون أعمال طوبى للذين غُفرت آثامهم وسُترت خطاياهم ”[5] (رو6:4ـ7).

          ومن الواضح أنه لم يُشر إلى شهادة مقبولة، لأنه لم يقل طوبى لمن حُسب له إيمانه برًا. وهو يفعل هذا لا عن جهل، ولكن لكى يظهر عظمة الامتياز. فإن كانت الطوبى تُنسب للإنسان الذي نال غفرانًا بالنعمة، فبالأولى جدًا، ستكون الطوبى لذاك الذي تبرّر، وذاك الذي أظهر إيمانًا.    وحيثما يوجد تطويب يختفى كل خجل وتظهر عظمة المجد الإلهى. لأن الطوبى أسمى من الأجر ومن المجد. فما يُعد ميزة لذاك الذي يعمل، يذكره دون إشارة إلى الكتاب قائلاً: ” أما الذي يعمل فلا تُحسب له الأجرة على سبيل نعمة…” أما من جهة تميّز المؤمن، فإنه يُظهرها (أى الطوبى) مستشهدًا بالكتاب قائلاً على فم داود: ” طوبى للذي غُفر اثمه وسُترت خطيته “. ولهذا يتساءل لماذا تظن أنك أخذت الغفران على سبيل دين وليس على سبيل نعمة؟ إذًا فالذي يؤمن، هو ذاك الذي يُطوّب، ولم يكن الرسول ليُطوب داود لو لم يرى كيف أنه يتمتع بمجد عظيم، ولم يقل إن هذا الغفران يتعلق باليهودى. فلنرى ماذا قال:

 

” أفهذا التطويب هو على الختان فقط أم على الغرلة أيضًا ”؟ (رو9:4).

          ها هو يفحص لمن يكون هذا التطويب، أهو لليهودى أم للأممى.

          انتبه إلى هذا الامتياز. لأنه يُظهر أن هذه الطوبى لا تتجاوز الأممى، بل إنها تأتى إليه قبل اليهودى. لأن ذاك الذي يطوبه داود، كان أيضًا مختتنًا، وكان يتحدث إلى مختونين. ولاحظ كيف حاول الرسول بولس أن يوجه حديثه إلى الأممى، فبعدما ربط البر بالطوبى في وحدة واحدة معًا، وبعدما أظهر كيف أن الاثنين كانا واحد، يشرح كيف تبرّر إبراهيم لأنه إذا كان التطويب يتعلق بالبار، وقد تبرّر إبراهيم، فلنرى كيف تبرّر…

 

” أوهو في الختان أم في الغرلة ” (رو10:4).

          يقول: إنه قد تبرر بالإيمان لكنه كان ” ليس في الختان بل في الغرلة” ولهذا سبق فقال عنه ” ولأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا” (رو9:4). هذا ما سبق وذكره الكتاب عنه حينما قال “ فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا“، ولأن بولس يميّز هنا بين المختون والأغرل، فقد بيّن كيف أن البر قد صار للأغرل.

          ثم بعد ذلك يقدم حلاً للتباين الذي نتج عن كل ما سبق عرضه. ويتساءل إن كان إبراهيم قد تبرر عندما كان أغرل، فلماذا أشار إلى الختان؟ قائلاً:

 

” أخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة ” (رو11:4).

          أرأيت كيف أظهر الرسول بولس هؤلاء اليهود، مثل الطفيليين؟ وكيف أن غير المختتنين قد وصلوا إلى نفس مكانة اليهود؟ لأنه إذا كان إبراهيم قد تبرر وتوّج عندما كان أغرل، ثم بعد ذلك اختتن، وبعد ذلك قَبِل اليهود الختان، فيكون إبراهيم أولاً أبًا للذين كانوا في الغرلة، وهؤلاء هم أقرب له بسبب الإيمان، ثم صار بعد ذلك أبًا للختان، إذًا فهو جد مزدوج. أرأيت كيف أنه يعطي أهمية عظيمة للإيمان؟ لأن إبراهيم لم يتبرر قبل أن يؤمن. أرأيت كيف أن الغرلة لا تعوق مطلقًا (التبرير)؟ لأنه كان أغرل ولم يعوقه هذا عن نوال البر. وبناء عليه فالإيمان يسبق الختان.

          3 ـ ولماذا تشك في حقيقة أن الختان يأتى بعد الإيمان، طالما أنه يأتى بعد الغرلة؟ وهو ليس فقط بعد الإيمان، بل أنه أدنى بكثير من الإيمان، بمقدار ما يكون الرمز أقل من العلامة الأصلية التي أُخذ منها، على سبيل المثال هو أدنى، بقدر ما يكون الختم الذي يحمل صورة جندى أدنى من الجندى نفسه.

          ولكن لماذا احتاج إبراهيم إلى ختم؟ إنه لم يكن في احتياج لختم (الختان). فلأى سبب قَبله؟ لقد قَبله ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون، ليس فقط للذين ليسوا من الختان بل ليكون أبًا للختان أيضًا. ولهذا أضاف:      ” لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة “. إذًا فلو كان أبًا للذين هم في الغرلة ـ ليس لكونه أغرل ـ على الرغم من أنه تبرر عندما كان في الغرلة، بل لأنهم سلكوا في خطوات إيمان إبراهيم، وبالأولى جدًا لا يعتبر أبًا للذين هم في الختان، بسبب الختان، بل بسبب الإيمان فقط. وقد أخذ الختان، حتى يكون أبًا لكلاهما (للختان وللغرلة) وأيضًا حتى لا يحتقر الذين هم في الغرلة أولئك الذين هم في الختان.

          أرأيت كيف كان أولاً أبًا لأولئك الذين هم في الغرلة؟ وطالما أن الختان هو أمر هام ـ لأنه يُخبر عن البر ـ فإن الغرلة لها قيمة عظيمة إذ أنها تعلن عن البر الذي يسبق الختان. عندئذٍ يُمكنك أن تقول بأن إبراهيم هو أب لك، عندما تقتفى خطوات إيمانه، ودون أن تتشاجر أو تثور عندما تتكلم عن الناموس. أخبرنى أى إيمان هذا الذي يجب أن تتبعه؟ الإيمان:

 

” الذي كان وهو في الغرلة ” (رو12:4).

          ومرة أخرى يضبط افتخار اليهود، مُذكّرًا إياهم بزمن البر. وحسنًا قال: ” يسلكون في خطوات “[6]، وذلك لكى تؤمن بقيامة الأموات على شبه إيمان (الذي آمن بالمواعيد وحيّاها من بعيد). لأن إبراهيم من جهة هذا، أظهر إيمانًا. وبناء على ذلك فإن كنت ترفض الغرلة فلتعلم جيدًا، أنك لن تحصد أى مكسب، ولا حتى من الختان. إذًا فإن لم تتبع خطوات الإيمان، فلن تكون ابنًا لإبراهيم، وحتى لو أختتنت آلاف المرات، إذ أنه أخذ الختان ختمًا لبر الإيمان، لكى لا يرفضك الأغرل. إذًا لا تطلب من الأغرل أن يختتن، لأن هذا الأمر (أى الختان) قد صار لك عونًا، وليس للأغرل.

          بيد أن الرسول بولس يقول إن الختان هو علامة للبر. وهذا قد صار من أجلك، إلاّ أنه (أى الختان) قد انتفى الآن ولم يعد له وجود. لأنه في ذلك الزمان كنت تحتاج لعلامة جسدية، لكن الآن لا يوجد أى احتياج لذلك.  فهل كان ممكنًا من جهة الإيمان أن نتعرف على فضيلة ما في نفسه؟ من المؤكد أن هذا كان ممكنًا، لكن أنت كنت تحتاج لمثل هذه الإضافة (أى الإيمان). ولأنك لم تتذوق الفضيلة، ولم تستطع أن تحياها، فقد أُعطى لك الختان الجسدى، حتى أنك عندما تمارس هذا الختان الجسدى، تُقاد خطوة خطوة نحو الحكمة، وطالما أنك تقتنيها بمحاولات كثيرة، كدرجة عظيمة جدًا، فلتتعلّم أن تسير في خطوات إبراهيم. وهذا لم يفعله الله بالنسبة للختان، بل بالنسبة لكل الأمور الأخرى، مثل الذبائح، والسبوت، والاحتفالات. إذًا فقد أخذ إبراهيم الختان لأجلك. واسمع الكلام الآتى، لأنه بعدما قال، أخذ علامة، وختمًا، أضاف السبب وراء ذلك قائلاً: ” لكى يصير أبًا للختان ” أبًا لأولئك الذين يقبلون الختان الروحى، لأنه لو أخذت الختان الجسدى فقط فلن تنتفع بأى شئ آخر أكثر من هذا.

          لذلك فإن الختان كان آنذاك بمثابة علامة، وذلك في الوقت الذي كانت هذه العلامة تتمم فيه كرمز لأمر واضح بالنسبة لك، وهو الإيمان. وهكذا فإن لم يكن لديك إيمان فإن هذه العلامة ستفقد قيمتها ومعناها. لأنه لأي شئ سترمز تلك العلامة، ولأى أمر سيشير الختم، لو لم يوجد الإيمان هذا الذي يُختم لأجله؟ كما لو كنت قد أريتنا حافظة عليها ختم ولكنها لا تحتوى على أى شئ داخلها. ولذلك فالختان سيكون مدعاة للسخرية، عندما لا يلازمه الإيمان. لأنه لو كان الختان علامة للبر، فلن يكون لديك برًا ولا علامة. ولهذا السبب تحديدًا قد وُضعت علامة (الختان)، لكى تطلب بإلحاح، الأمر الذي لأجله وُضعت هذه العلامة، (وهو الإيمان). لأنه لو أن الأمر يتعلق بطلب الإيمان، دون العلامة، فلن تحتاج للعلامة. لكن الختان لا يُعلّم عن البر فقط، بل يُعلّم أيضًا بأنه ليس هناك حاجة للختان وللناموس:

 

” فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطل الإيمان وبطل الوعد ” (رو14:4).

          لقد أظهر أن الإيمان هو ضرورة، وأنه سابق على الختان وأنه أقوى من الناموس، وهو يثبّت الناموس. إذًا فطالما أن الجميع أخطأوا، فالإيمان هو ضرورة. ومادام إبراهيم قد تبرّر وهو في الغرلة، فالإيمان هو أسبق، وطالما أنه من خلال الناموس قد اتضح أن الإيمان هو الأقوى، وطالما أن الناموس يؤكده، وهو يثبّت الناموس، فلا يوجد تعارض، بل تآلف وتعاون. ويبيّن الرسول بولس في موضع آخر، أنه من غير الممكن أن نصير ورثة بالناموس، وأيضًا يقارن بين الإيمان والناموس، قائلاً: ” لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطل الإيمان “. ولكى لا يقول أحد أنه من الممكن أن يكون لديه إيمانًا وأن يحفظ الناموس في الوقت نفسه، فقد بيّن استحالة تحقيق هذا الأمر. ولهذا قال: ” فقد تعطل الإيمان ” بمعنى أنه إذا حدث ذلك فإنه لا حاجة للخلاص كنعمة ولا يمكن أن تُستعلن قوة الإيمان، وحينئذٍ يبطل الوعد. ربما يستطيع اليهودى أن يقول ما حاجتى للإيمان؟ باعتبار أنه يحفظ الناموس، إلاّ أنه إذا تعطل الإيمان فحتمًا سيبطل الوعد.

          4 ـ لاحظ أن الرسول بولس يُقاومهم، وهو يرجع إلى البداية أى إلى زمن إبراهيم. وإذ قد أظهر أن البر مرتبط بالإيمان منذ ذلك الحين، فهو بهذا يوضح أن الوعد مرتبط (بالإيمان) بنفس الطريقة. لكى لا يقول اليهودى: وماذا يعنيني إن كان إبراهيم قد تبرر بالإيمان؟ يقول بولس لكن الوعد بالميراث ـ وهو الأمر الذي يهمك ـ لا يمكن أن يتحقق بدون الإيمان، وهنا فهذا الأمر يُسبب قلقًا وخوفًا كبيرًا لليهود. لكن أى وعد يقصد؟ الوعد بأن يصير ذاك وارثًا للعالم، وأن بواسطته سيتبارك الجميع. وكيف بطل هذا الوعد؟ يقول الرسول بولس:

 

 

” لأن الناموس ينشئ غضبًا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعد” (رو15:4).

          إذا كان الناموس ينشئ غضبًا، ويجعل الناس مسئولين عن المخالفات التي يرتكبونها، فمن الواضح جدًا أنه جاء للعنة. لكن أولئك المخالفون الذين استحقوا اللعنة والعقاب، هؤلاء ليسوا مستحقين أن يصيروا ورثة، بل أن يُدانوا وأن يُستبعدوا من الميراث.       

          ماذا حدث إذًا؟ الذي حدث هو أن الإيمان أتى بالنعمة، لكى يتحقق الوعد. لأنه حيث توجد النعمة يوجد غفرانًا، وحيث يوجد غفرانًا لا توجد أى إدانة. وعندما تبطل الإدانة ثم يأتى بعد ذلك البر الذي بالإيمان، عندئذٍ لا يوجد أى شئ يمكن أن يعقونا عن أن نصير ورثة للوعد الذي يأتى بواسطة الإيمان. لذلك يقول الرسول بولس:

 

” لهذا هو من الإيمان كى يكون على سبيل النعمة ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل ليس لمَن هو من الناموس فقط بل أيضًا لمَن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا ” (رو16:4).

          أرأيت كيف أن الإيمان لا يُدعم الناموس. وليس هذا فقط، بل ولا يُكذّب وعد الله. بل على العكس فإن الناموس يُبطل الإيمان، وذلك عندما يُحفظ في وقت غير مناسب فيبطل الوعد؟ إن هذا كله يُظهر كيف أن الإيمان هو أمر هام وضرورى جدًا، حتى أنه لا يمكن أن نخلص بدونه. فمن المؤكد أن الناموس يُنشئ غضبًا، طالما أن الجميع خالفوه، بينما الإيمان لا يترك مجالاً ليسود فيه الغضب، لأن الرسول بولس يقول: ” إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعد“.

          أرأيت كيف أن الرسول بولس لم يتحدث عن محو أو إزالة الخطية (عن طريق الناموس)، وليس هذا فقط، بل ولم يترك مجالاً للحديث عن أن الوعد يمكن أن يكون نتيجة العمل بالناموس؟ ولهذا قال “على سبيل النعمة“. لكن لماذا قال على سبيل النعمة؟ قال هذا لا لكى نخجل، بل ” ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل“. وهنا يشير الرسول بولس إلى الخيرات، حيث إن الوعد بالخيرات هو أمر مؤكد، وأن هذه الخيرات ستُعطى لجميع النسل وتشمل أولئك الذين يأتون من الأمم، ويُدلّل على أن اليهود سيكونوا خارج هذه الوعود إذا قاوموا الإيمان، لأن هذا الوعد هو أكثر ضمانًا من الناموس. فلا تحتج أو تُعارض من جهة أهمية الإيمان لتحقيق الوعد، لأن الإيمان لا يسبب لك ضررًا، بل على العكس عندما تتعرض لخطر من الناموس، فإن الإيمان ينقذك ويحفظك من هذا الخطر. لأنه قال بعد ذلك:   ” لجميع النسل “، وهو يُحدد إلى أى نسل: ” لمَن هو من إيمان إبراهيم “، مشيرًا إلى القرابة التي صارت للأمم، ومبينًا أنه لا أحد يستطيع أن يفتخر بإيمان إبراهيم إلاّ الذين يسلكون في خطوات إيمان إبراهيم. وها هو أمر ثالث قد صنعه الإيمان، أى جعل القرابة إلى إبراهيم البار أكثر تأكيدًا، وجعله أبًا لنسل كثير. ولهذا لم يقل فقط ” إبراهيم ” ولكن ” أبو المؤمنين، أى أنه أبًا لجميعنا “. ثم بعد ذلك يؤكد على ما سبق وقاله، من خلال شهادة كتابية قائلاً:

” كما هو مكتوب إنى قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة ”[7] (رو17:4).

          أرأيت كيف قد تم إعداد كل هذا منذ البداية بواسطة العناية الإلهية؟ ماذا لو أن كل ذلك قد قاله للإسماعيليين أو لعماليق أو للهاجريين؟ هذا الإيمان ظل يظهره بكل وضوح، بمعنى أن الإيمان لم يُقدّم لهؤلاء، لكنه تعجّل أولاً أن ينتقل لأمر آخر أظهر به نفس الشئ، ومحددًا من خلاله طريقة هذه القرابة، وقد أظهر ذلك برؤية ثاقبة. ماذا قال إذًا؟ قال: ” أمام الله الذي آمن به“. وما يقوله يعنى الآتى: تمامًا كما أن الله ليس هو إله للبعض فقط، لكنه أب للجميع، فهكذا إبراهيم أيضًا. وكما أن الله ليس هو أبًا، وفقًا للقرابة الطبيعية (البشرية)، لكنه أب وفقًا لقرابة الإيمان، هكذا إبراهيم أيضًا، لأن خضوعه لله (بالإيمان)، جعله أبًا لجميعنا.

          ولأن اليهود اعتبروا أن قرابة الإيمان ليست لها أهمية، طالما أن لهم صلة القرابة الطبيعية (بإبراهيم)، فقد أظهر الرسول بولس أن القرابة بالإيمان هى أكثر أهمية، حيث إنه يتكلّم عن عطية الله، بالإضافة إلى ذلك فقد أوضح أن إبراهيم قد نال المكافأة بسبب الإيمان. وبناء على ذلك فإن لم يكن هناك إيمان، فحتى لو كان إبراهيم أبًا لجميع البشر في كل الأرض، فإن عبارة “أمام الله” ليس لها أهمية، بل أن عطية الله قد انقطعت، لأن كلمة “أمام” تعني أن الجميع متساوون أمامه، إذ أنه (لا يُحابي أحدًا). أخبرنى ما هو العجيب في أن يكون إبراهيم أبًا لكل مَن ينحدر منه؟ لأن هذا ما يتعلق بكل البشر، فكل إنسان له أصل ينحدر منه. إذًا فالعجيب هو أن كل مَن لم ينحدر منه بحسب القرابة الطبيعية، قد صار قريبًا له بواسطة نعمة الله.

[1] رو17:1.

[2] رو1:3.

[3] رو9:3.

[4] رو27:3.

[5] مز1:32.

[6] رو13:4.

[7] تك5:17.

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب