آبائيات

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله والأبدية - الطريق الأرثوذكسي - د. نصحى عبد الشهيد

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله والأبدية - الطريق الأرثوذكسي - د. نصحى عبد الشهيد
الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل السابع (خاتمة)

الله والأبدية

 

” أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك ” (لو42:23)

” بالنسبة للنفوس التي تحب الله، وبالنسبة لكل المسيحيين الحقيقيين، سيأتى أول الشهور ـ شهر نيسان ـ وهو يوم القيامة ”    (عظات القديس مقاريوس)

حينما اقترب الأنبا زكريا من لحظة الوفاة، سأله الأنبا موسى ” ماذا ترى ؟ ” فأجابه الأنبا زكريا ” أليس من الأفضل أيها الأب أن يُقال لا شئ ” فقال الأنبا موسى ” نعم يا ابنى، إنه من الأفضل أن نقول: لا شئ ”

(من أقوال آباء البرية)

” الكلام هو أداة العالم الحاضر. والصمت هو سر العالم الآتى ”

(مار اسحق السريانى)

النهاية تقترب:

          ” وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى “.

          قانون الإيمان فى اتجاهه إلى المستقبل ينتهي بعبارة فيها انتظار وتوقع. ولكن رغم أن حياة الدهر الآتى، هي التي ينبغى أن تشد انتباهنا على الدوام أثناء حياتنا على الأرض، إلاّ انه ليس ممكنًا لدينا أن نتكلم بأى تفاصيل عن حقائق الدهر الآتى. يقول القديس يوحنا الرسول: ” أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله ولا نعلم بعد ماذا سنكون” (1يو2:3). نحن نملك الآن ونحن هنا على الأرض عن طريق إيماننا بالمسيح، علاقة حية شخصية مع الله، ونحن نعرف ـ ليس كنظرية أو افتراض ـ بل نعرف كحقيقة اختبارية حاضرة، أن هذه العلاقة تحوى فى داخلها منذ الآن ـ بذور الأبدية. ولكننا لا نعرف ماذا يعنى أن نعيش ليس فى تتابع الزمن بل أن نعيش فى الحاضر، ” الحاضر الأبدى ” ـ أى ليس تحت أحوال السقوط بل فى “عالم يكون الله فيه الكل فى الكل” ـ عن هذا نحن نعرف فقط لمحات قليلة ولا نملك مفهومًا واضحًا؛ ولذلك يجب أن نتحدث بحذر فى هذا الأمر، ونعرف أننا هنا فى حاجة إلى الصمت.

 

          ومع ذلك، فهناك على الأقل ثلاث أمور ينبغى أن نؤكد عليها بدون أى غموض، وهي: أن المسيح سيأتى ثانية فى مجدٍ عظيم؛ وأنه عندما مجيئه ستتم القيامة من الأموات والدينونة؛ وأنه ” ليس لملكه نهاية ” (لو33:1).

فأولاً: يتحدث إلينا الكتاب المقدس والتقليد المقدس مرات عديدة عن المجيء الثانى. والكتاب والتقليد لا يعطياننا أى أساس للافتراض بأنه ـ عن طريق تقدم مستمر فى “الحضارة” فإن العالم سيصير أفضل فأفضل بالتدريج إلى أن ينجح الجنس البشرى فى تأسيس مملكة الله على الأرض. إن الرؤية المسيحية لتاريخ العالم تتعارض تمامًا مع هذا النوع من التفاؤل المبنى على التطور.

          ولكن الكتاب يعلمنا أن نتوقع كوارث فى عالم الطبيعة، وحروب متزايدة بين الشعوب، وارتباك وارتداد بين أولئك الذين يدعون أنفسهم مسيحيين (أنظر خاصة مت3:24ـ27). وهذه الفترة من الضيق تصل إلى ذروتها بظهور إنسان الخطية (2تس3:2ـ4) أى ضد المسيح، الذي بحسب التفسير التقليدى للكنيسة الأرثوذكسية، ليس هو الشيطان نفسه بل هو إنسان ـ إنسان تتركز فيه كل قوى الشر، والذي سوف يخضع العالم كل تحت سيطرته لفترة من الزمن. والفترة القصيرة التي يسيطر فيها ضد المسيح سوف تنتهي فجأة بمجيء الرب ثانية ـ ليس بطريقة خفية كما حدث وقت ولادته فى بيت لحم، بل ” جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء” (مت64:26). وهكذا فإن مسيرة التاريخ سوف تنتهي بطريقة فجائية وحاسمة، عن طريق التدخل الإلهي المباشر.

          ميعاد المجيء الثانى أخفاه الله عنا، كما يقول الإنجيل: ” ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب فى سلطانه” (أع7:1). سيأتى الرب ” كلص فى الليل” (1تس2:5). وهذا يعنى أننا يجب أن نتحاشى التفكير فى تحديد ميعاد مجيء الرب، كما أننا يجب من الناحية الأخرى أن نكون دائمًا على استعداد وفى حالة توقع للمجيء. ” ما أقوله لكم أقوله للجميع، اسهروا ” (مر37:13). لأنه سواء أتت النهاية متأخرة أو مبكرة بحسب مقاييسنا البشرية ـ فهي دائمة قريبة ـ دائمًا قريبة منا روحيًا. ينبغى أن يكون لنا فى قلوبنا دائمًا إحساس التوقع الملح. وبكلمات القديس أندراوس الكريتى، التي تُصلى فى الصوم الكبير:

          “ نفسى، يا نفسى، قومى! لماذا أنت نائمة ؟

          النهاية تقترب، وحالاً سيعتريك الاضطراب.

          أسهرى إذن، حتى يحفظك المسيح إلهك،

          فهو حاضر فى كل مكان ويملأ كل الأشياء “.

 

ثانيًا: الربيع الآتى:

          نحن كمسيحيين لا نؤمن فقط بخلود النفس بل أيضًا بقيامة الجسد.. وبحسب أمر الله فى خلقتنا الأولى، فإن النفس والجسد يعتمد كل منهما على الآخر ولا يمكن لأحدهما أن يوجد بدون الآخر. وكنتيجة للسقوط يحدث الانفصال بينهما فى الموت الجسدى، ولكن هذا الانفصال ليس نهائيًا وليس دائمًا. فعند مجيء المسيح ثانية، سوف نُقام من الأموات بالنفس والجسد معًا، وهكذا بعودة النفس والجسد متحدين، سوف نظهر أمام الرب للدينونة الأخيرة.

 

          إن الدينونة، كما يؤكد إنجيل القديس يوحنا تتم باستمرار طوال فترة وجودنا على الأرض. فكلما اخترنا الخير والصلاح ـ سواء بوعى أو بغير وعى ـ فإننا ندخل مسبقًا منذ الآن إلى الحياة الأبدية، وحينما نختار الشر فإننا ننال من الآن تذوقًا مسبقًا للجحيم. من الأفضل أن نفهم الدينونة الأخيرة على أنها ” لحظة الحق”، حينما ينكشف كل شئ فى النور، حينما تصير كل اختياراتنا مكشوفة لنا بكل ما تتضمنه من نتائج، وحينما نعرف بوضوح كامل من نحن وماذا كان المعنى العميق لحياتنا وما هو هدفها. وهكذا، فبعد هذا التوضيح الكامل ـ فإننا سندخل بالنفس والجسد متحدين معًا ـ إما إلى السماء أو إلى جهنم، أى إما إلى الحياة الأبدية أو الموت الأبدى.

          المسيح هو الديان؛ ومع ذلك ـ فمن وجهة نظر أخرى، فإننا نحن الذين ننطق بالحكم على أنفسنا. فإن ذهب أحد إلى جهنم، فذلك ليس لأن الله قد حبسه هناك، ولكن لأنه هو الذي اختار لنفسه أن يكون هناك. الهالكون فى جهنم هم الذين حكموا على أنفسهم بذلك، وهم الذين جعلوا أنفسهم عبيدًا؛ لقد قيل بصواب أن أبواب جهنم هي مغلقة من الداخل.

 

          ربما يتساءل البعض، كيف يمكن أن يقبل إله المحبة أن يبقى ولو واحد فقط من خلائقه فى جهنم إلى الأبد ؟ يوجد هنا سر، لا نستطيع أن نفحصه من وجهة نظرنا فى هذه الحياة الحاضرة. وأفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نمسك بحقيقتين فى توازن معًا، ورغم أنهما مختلفتان لكنهما غير متناقضتين. الحقيقة الأولى، هي أن الله قد أعطى حرية الإرادة للإنسان، ولذلك، فإنه فى إمكان الإنسان أن يرفض الله بصفة دائمة. ثانيًا: المحبة تعنى الرحمة والشفقة والمشاركة، وهكذا إن كان هناك من يوجدون فى جهنم إلى الأبد، فبمعنى من المعانى، أن الله موجود معهم هناك أيضًا. كما نقرأ فى المزامير ” إن نزلت إلى الجحيم، فأنت هناك أيضًا ” (مز7:139س). ويقول مار اسحق السريانى “من الخطأ أن نتصور أن الخطاة فى الجحيم محرومين تمامًا من محبة الله لهم”. فالحب الإلهي موجود فى كل مكان، ولا يرفض أحدًا. ولكننا نحن من جانبنا أحرار فى أن نرفض الحب الإلهي. ولا يمكن أن نفعل هذا دون أن نسبب ألمًا لأنفسنا وكلما كان رفضنا للحب نهائيًا كلما كانت آلامنا مُرة جدًا.

 

          تقول عظات القديس مقاريوس: ” فى القيامة تقوم كل أعضاء الجسد، ولا تهلك حتى شعرة واحدة ” (لو18:21). وفى نفس الوقت يُسمى جسد القيامة “جسمًا روحانيًا” (انظر 1كو35:15ـ46). هذا لا يعنى أن أجسادنا فى القيامة لا يكون لها قوام مادى، بل ينبغى أن نتذكر أن المادة كما نعرفها فى هذا العالم الساقط، بكل جمودها وعتامتها، ليست كالمادة التي قصدها الله أن تكون بالمرة. وجسد القيامة، عندما يتحرر من كثافة الجسد الساقط فإنه سيشترك فى خصائص جسد المسيح وقت التجلى وبعد قيامته. ورغم أن جسدنا فى القيامة سيتغير، فإنه سيظل يمكن التعرف عليه على أنه هو نفس الجسد الذي لنا الآن. إذ سيكون هناك استمرار بين الاثنين.

          وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمى:

          [ إنه هو نفس الجسد الذي سيُقام، رغم أنه لن يكون فى نفس حالة الضعف الحاضرة لأنه ” سيلبس عدم فساد ” (1كو53:15)، وهكذا فإنه سيتغير. إنه لن يحتاج إلى الأطعمة التي نأكلها الآن لحفظ جسدنا حيًا، ولن يحتاج إلى سلم ليصعد عليه، لأنه سوف يصير روحانيًا، وسيصير جسدًا عجيبًا حتى إننا لا نستطيع أن نصفه بطريقة صحيحة ].

          ويقول القديس إيريناوس:

          [ إن تركيب الخليقة ومادتها لن يتلاشيا، بل إن ” هيئة هذا العالم هي التي ستزول ” (1كو31:7) ـ أى الظروف والأحوال التي نتجت عن السقوط، وحينما تزول الهيئة الخارجية فإن الإنسان سيتجدد وسوف يزدهر فى بداية حياة لا تفنى، حتى انه ليس من الممكن فيما بعد أن يشيخ الإنسان. ستكون هناك ” سماء جديدة وأرض جديدة” (رؤ1:21). وفى هذه السماء الجديدة والأرض الجديدة سوف يسكن الإنسان، ويكون جديدًا إلى الأبد، وفى حديث مع الله إلى الأبد ].

          ” سماء جديدة وأرض جديدة“: فالإنسان لا يخلص من جسده، بل يخلص فى جسده، لا يخلص من العالم المادى بل يخلص معه. ولأن الإنسان هو كون صغير وهو وسيط للخليقة، لذلك فإن خلاصه يقتضى مصالحة وتجلى كل الخليقة الحية وغير الحية التي تحيط به، أى يقتضى عتقها “من عبودية الفساد” ودخولها إلى ” حرية مجد أولاد الله” (رو21:8). أى أن كل الخليقة المادية بكل أنواعها ومفرداتها ستشترك فى الإنسان أو عن طريق الإنسان فى مجد أولاد الله وتتمجد معهم أى تشترك كلها فى الخلود.

 

ثالثًا: رحلة إلى اللانهاية:

          ملكوت القيامة هذا، الذي سوف نسكن فيه ـ برحمة الله ـ ونفسنا وجسدنا متحدة معًا، هو ملكوت ” ليس له نهاية “. إن أبدية هذا الملكوت ولا نهائيته يفوقان حدود تصورنا الساقط، ولكن على أى حال نحن متأكدون من أمرين:

          الأمر الأول هو أن الكمال ليس له شكل واحد بل له صور عديدة. والأمر الثانى هو أن الكمال ليس حالة راكدة بل هو ديناميكى متحرك.

          فأولاً، إن الأبدية تعنى تنوعًا لا يمكن حصره.

          فإن كان صحيحًا بحسب اختبارنا فى هذه الحياة أن القداسة ليست أمرًا رتيبًا بل هي متنوعة فى أشكالها، فهذا يجب أن يكون صحيحًا أيضًا ـ وبدرجة أعلى جدًا ـ فى الحياة الآتية. إن الله يعدنا قائلاً: ” من يغلب فأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد، لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ ” (رؤ17:2). وحتى فى الدهر الآتى، فإن المعنى الداخلى لشخصيتى الفريدة سوف يستمر سرًا بين الله وبينى إلى الأبد. فى ملكوت الله، كل شخص منا هو واحد مع آخرين، ومع ذلك فكل شخص هو متميز بذاته، وهو يحمل نفس السمات التي كانت له فى هذه الحياة، إلاّ أن هذه السمات تُشفى وتتجدد وتتمجد فى الدهر الآتى. وبكلمات الأنبا إشعياء الأسقيطى:

          [ الرب يمنح رحمته لكل واحد بحسب أعماله ـ فللعظيم حسب عظمته وللصغير حسب صغره، لأنه قال ” فى بيت أبى منازل كثيرة ” (يو2:14) فرغم أن الملكوت واحد، فإن كل واحد منا يجد فى هذا الملكوت الواحد، مكانه الخاص وعمله الخاص ].

          ثانيًا: إن الأبدية تعنى نموًا وتقدمًا بلا نهاية، أى تقدمًا لا يتوقف أبدًا. وكما قال  J.R.R. Tolkien ” تولكين ” [ الطرق تمضى وتمضى بلا نهاية ]. وهذا يصدق على الطريق الروحى، ليس فى الحياة الحاضرة فقط، بل أيضًا فى الدهر الآتى. نحن نتحرك دائمًا إلى الأمام. فاتجاهنا هو إلى قدام وليس إلى خلف. الدهر الآتى هو ليس مجرد عودة إلى البداية، ليس مجرد استعادة لحالة الكمال الأصلية التي كانت فى الفردوس، بل هو تقدم جديد. ستكون هناك سماء جديدة وأرض جديدة، والأمور الأخيرة ستكون أعظم من الأولى.

          يقول ” نيومان “: [ هنا على الأرض، أن تحيا يعنى أن تتغير، وأن تصير كاملاً يعنى أن تتغير كثيرًا ]. ولكن هل هذا هو الحال هنا فقط ؟ إن القديس غريغوريوس النيسى كان يعتقد أنه حتى فى السماء فإن الكمال هو نمو وتقدم. وفى تضاد لطيف يقول إن جوهر الكمال يكمن بالضبط فى أن الإنسان لا يصير كاملاً أبدًا بل هو دائمًا يتقدم إلى الأمام إلى درجة أعلى من الكمال الذي سبق أن وصل إليه. ولأن الله لا نهائى، فهذا ” التقدم إلى الأمام يكون بلا حدود. النفس تمتلك الله ومع ذلك تسعى إليه وتطلبه، هي تمتلئ بالفرح، ومع ذلك فإن فرحها ينمو ويزدادًا بأكثر قوة على الدوام. الله يقترب منا دائمًا أكثر فأكثر، ومع ذلك يظل دائمًا هو الآخر، نحن نراه وجهًا لوجه ومع ذلك نستمر فى التقدم أكثر فأكثر داخل السر الإلهي. ورغم أننا لم نعد غرباء بعد، إلاّ أننا نستمر حجاج مسافرين على الطريق. نحن نذهب “من مجد إلى مجد” (2كو18:3)، وبعد ذلك إلى مجد أعظم. ولن نصل ـ فى كل الأبدية ـ إلى نقطة نكون فيها قد تممّنا كل ما يمكن أن يتم أو نكون قد اكتشفنا كل ما يمكن أن يُعرف هناك. يقول القديس إيريناوس [ ليس فى العالم الحاضر فقط بل فى الدهر الآتى أيضًا، فإن الله سيكون عنده شئ أكثر يعلمه للإنسان، والإنسان سيكون محتاجًا دائمًا أن يتعلم من الله شيئًا أكثر].

 

الله والأبدية – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد