تفسير العهد الجديد

تفسير سفر الرؤيا 19 الأصحاح التاسع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 19 الأصحاح التاسع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 19 الأصحاح التاسع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 19 الأصحاح التاسع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي
تفسير سفر الرؤيا 19 الأصحاح التاسع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير سفر الرؤيا 19 الأصحاح التاسع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح التاسع عشر

نصرة السماء

في هذا الأصحاح تعلن نصرة السماء.

  1. 1. الأربعة هللويا 1 – 10.
  2. المسيح المنتصر 11 – 16.
  3. هلاك ضد المسيح وأتباعه 17 – 21.
  4. الأربعة “هللويا”

بعدما أعلن السفر عن سقوط بابل وحزن الساقطين معها وبها في الهلاك الأبدي، عاد ليحدثنا عن فرحة السمائيين بنصرة البشرية الغالبة بالمسيح يسوع. وبقدر ما يتسم سكان الهلاك الأبدي بالانقسام، تتسم السماء بالوحدة إذ يقول:

“من بعد هذا سمعت صوتًا عظيمًا من جمع كثير في السماء قائلاً: هللويا”.

أولاً: يمثل السمائيون جوقة واحدة بنغم روحي من وحي الروح، ينشدون معًا قائلين: “هللويا“، أي “احمدوا الرب” أو “لك الحمد يا رب”. والتهليل أو “هللويا” هي تسبحة هذا الجمع الكثير، وتسبحة الأربعة والعشرين قسيسًا، وتسبحة الأربعة مخلوقات الحيَّة [4]، وتسبحة كل السمائيين معًا [6]. وهذه التسبحة تتغنى بها الكنيسة خاصة في أثناء القداس الإلهي وختامه. كما يسبح بها الشعب في مردات قسمة الأعياد مرددين “آمين. الليلويا”.

“الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للرب إلهنا.

لأن أحكامه حق وعادلة،

إذ قد دان الزانية العظيمة التي أفسدت الأرض بزناها،

وانتقم لدم عبيده من يدها [1-2].

سرّ تهليل السماء الأول أن الله أعلن عدله بإدانة بابل الزانية العظيمة، وهم في هذا لا يشمتون بالأشرار، بل يسرون من أجل انتزاع الشر. تلك الصورة المؤلمة التي بسببها كان يئن القديسون.

ثانيًا: تكرار تلك الجوقة تهليلها، إذ “قالوا ثانية: هللويا ودخانها يصعد إلى أبد الآبدين[3].

وصعود الدخان يطمئن السماء أنهم لن يعودوا يخرجون من البحيرة المتقدة، ولن يمثلوا بعد خطرًا على الكنيسة المنتصرة التي نالت في نفس اللحظة أبديتها الخالدة. صعود الدخان أيضًا يشير إلى عدم إخماد النار فيها قط، وأن من بها كمن هو يحترق، كوقود لا يفنى بل يبقى هكذا مدخنًا!

سيرى السمائيون في وقت واحد منظرين:

أ. انتزاع الشر وإدانته إلى الأبد في البحيرة المتقدة بالنار بلا نهاية!

ب. تمجيد الخير وتكليل القديسين في العرس الأبدي بلا رجوع!

ثالثًا: يشترك مع تلك الطغمات السمائية جماعة القسوس والمخلوقات الحية في الفرح، إذ يقول: “وخر الأربعة والعشرون قسيسًا والأربعة المخلوقات الحية، وسجدوا لله الجالس على العرش، قائلين: آمين هللويا[4].

لم يقف الفرح هنا عند التسبيح بالكلام بل وبالخضوع والسجود. هنا يكشف لنا هؤلاء السمائيون أن السجود والمطانيات ليست فقط للبشر من أجل الانسحاق والتوبة، بل ويشترك بها معهم السمائيون في الفرح والبهجة. ويقول مار اسحق السرياني عن ارتباط السجود بالفرح: [المداومة على السهر مع ضرب المطانيات بين الحين والآخر لا تتأخر كثيرًا عن أن تكسب العابد المجتهد فرحة الصلاة… أعط نفسك للصلاة وأنت تحصل على لذة المطانيات وتداوم فيها بسرور.]

رابعًا: أي هللويا الرابعة.

“وخرج من العرش صوت قائلاً:

سبحوا إلهنا يا جميع عبيده الخائفين، الصغار والكبار.

وسمعت كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة

وكصوت رعود شديدة، قائلة:

هللويا، فإنه قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء[5-6].

لقد صدر الأمر بالتهليل من العرش. وكأن كل ما يدير تهليلات السماء هو بوحي من الجالس على العرش. الروح القدس الذي هيأ العروس وقدسها يطلب من السمائيين أن يبتهجوا مستقبلين العروس. وفعلاً انطلقت ألسنتهم “كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود كثيرة“.

كأنه يقول توجد أصوات متعددة لطغمات كثيرة، لكنها متحدة معًا، قائلة:

“لنفرح ونتهلل ونعطه المجد،

لأن عرس الخروف قد جاء،

وامرأته هيأت نفسها[7].

هذا هو الموضوع الثاني لتهليلهم أن القديسين جاءوا إلى العرس، وتكللوا مع الرب عريسهم، وصار خلاصهم كاملاً أبديًا. وهم يتهللون كأصدقاء للعريس والعروس.

هذا العرس هو اتحاد حقيقي للحمل مع عروسه في كماله. هذا العرس سبق أن أخبرنا به:

  1. المرتل في المزمور 45: “كل مجد إبنة الملك في خدرها”.
  2. الأنبياء مثل إشعياء النبي القائل: “لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه” (5:54). وحزقيال النبي يصف ما قدمه الرب من بركات للمؤمنين كعروس له (16: 7-14). وهوشع النبي يقول: “أنك تدعينني رجُلي ولا تدعينني بعلي” (2: 16).
  3. السيد المسيح نفسه في أمثاله ( مت 9: 15، 22: 2-10، 25: 1-10).
  4. يوحنا المعمدان يقول: “من له العروس فهو العريس” (يو 3: 29).
  5. الرسل: “لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2 كو 11: 2). “هذا السرّ (الزواج) عظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة” (أف 5: 32).

من هنا نعرف مكاننا في الأبدية أننا لسنا مجرد مدعوِّين للوليمة ولا ضيوفًا فى السماء، وإنما ندخل إلى فرح سيدنا عروسًا لعريس، هذا جماله ومجده!

ويجدر بنا أن نلاحظ أنه يدعونا “امرأته” وليس “عروسه”، لأن العرس قد تم، والاتحاد قد تحقق وكمل لكنه لا يشيخ ولا ينتهي لهذا تدعى الكنيسة في ذلك الوقت “عروسًا” كما تدعى زوجة، لأنها صارت في حضن عريسها الخالد الذي لن تفارقه أبدًا!

وكيف تقبلنا السماء عروسًا لها كل هذا البهاء؟

يقول الكتاب: “وأعطيت أن تلبس بزًا نقيًا بهيًا، لأن البزّ هو تبررات القديسين[8].

لقد هيأت نفسها، لكنها رغم مثابرتها وجهادها، ورغم انتساب التهيئة إليها إلا أنها لم تأتِ بهذه التهيئة من عندها، بل تأخذ مما للمسيح وتتزين. إنها تتزين بكل فضائل عريسها، لها مجده ولمعانه (رؤ 21: 11) وكما يقول الكتاب “وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي، الذي جعلته عليك يقول السيد الرب” (حز 16: 14).

نعود إلى أصدقاء العروسين لنجدهم يقولون “قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء” [6]، ناسبين ما تتمتع به العروس إلى الله ،إذ ملك على كنيسته ملكية كاملة، عاكسًا مجده وجماله عليها. لهذا أيضًا عندما يدخل الكاهن الهيكل ويلبس الثوب الكتاني الأبيض لخدمة الأسرار المقدسة يذكر دخول الكنيسة كلها السماء كعروسٍ متزينة فيترنم بالمزمور الرب قد ملك ولبس الجلال”.

وأخيرًا يشترك الملاك المرافق للرسول في البهجة السماوية، إذ قيل له:

“اكتب طوبى للمدعوِّين إلى عشاء عرس الخروف…

وقال هذه هي أقوال الله الصادقة[9].

المدعوون لحضور عشاء العروس مطوَّبون. فماذا يكون حال العروس صاحبة العرس التي من أجلها ارتجت السماء كلها متهللة!

أما قوله “عشاء” فربما لأن نهار الحياة الزمنية قد مال، وصار عشاء مع الرب يبقى إلى الأبد بعد طول نهار مملوء بالتعب. وفي مثل العذارى الحكيمات والجاهلات (مت 25) نجد لهن مصابيح لأنهن مدعوات إلى عرس مسائي.

أمام محبة هذا الملاك لم يتمالك الرسول نفسه فقال:

“فخررت أمام رجليه لأسجد له.

فقال لي أنظر لا تفعل!

أنا عبد معك ومع إخوتك الذين عندهم شهادة يسوع.

اسجد لله. فإن شهادة يسوع هي روح النبوة[10].

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [ظن الرسول في الملاك أنه المسيح، لهذا أراد السجود له كإله، يتعبد له وذلك لما رأى فيه من جلال وبهاء وجبروت[1].]

والكتاب يأمرنا بعدم السجود للعبادة لغير الله، إلاّ أنه يقدم لنا سجودًا لغير العبادة، كسجود يعقوب لعيسو سبع مرات إلى الأرض لصرف روح الغضب (تك 33)، وسجود بني يعقوب ليوسف أخيهم علامة الولاء، وسجود إبراهيم أب الآباء لبني حثْ علامة حب واعتراف بالجميل (تك 23).

وبهذا رفض الملاك أن يسجد له الرسول للعبادة، معلنًا أنه عبد معه ومع إخوته الذين عندهم شهادة يسوع.

هذه الشهادة للرب أنه جاء متجسدًا ومات وقام، وأنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات هي روح النبوة وغايتها ومركزها.

  1. المسيح المنتصر

رافق الإعلان عن العرس السماوي والوليمة الأبدية أمران:

أولهما: الحديث عن شخص المسيح.

ثانيهما: الحديث عن هزيمة ضد المسيح وأتباعه.

فلا يمكن الحديث عن العرس السماوي دون الحديث عن صاحب العرس المنتصر، وعمله تجاه عروسه لأجل زفافها، لهذا يقول:

“ثم رأيت السماء مفتوحة،

وإذا فرس أبيض، والجالس عليه يدعى أمينًا وصادقًا

وبالعدل يحكم ويحارب [11].

وعيناه كلهيب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة،

وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو[11-12].

سرّ الحفل الأبدي هو ما سبق أن أعلنه في الختم الأول أنه محارب عنها ضد إبليس وكل حيله. يركب فرسًا أبيض محاربًا بسيف فمه “كلمة السلام[2]“، عيناه لا تنعسان ولا تغفلان عن عروسه[3]، صادقًا وأمينًا فيما وعد به البشرية، يأتي كملك الملوك حاملاً على رأسه تيجانًا كثيرة. واسمه المكتوب الذي لا يعرفه أحد يعني أن جوهره لا يمكن إدراكه، لا ملائكيًا ولا بشريًا، لأنه لا يعرف الله إلا روح الله.

“وهو متسربل بثوب مغموس بدم”، ويشير الثوب إلى جسد الرب الممجد الذي يحمل آثار الصليب، سمات الحب الإلهي، معلنًا أنه المتكفل بثمن الحفل كله: دمه الأقدس. ويشير الثوب إلى الكنيسة المتطهرة بدم عريسها.

“ويدعى اسمه كلمة الله[13]، أي “اللوغوس” أو النطق الإلهي. أما سرّ ذكر اسمه هكذا هنا فلكي يشجع كنيسته أن تتمسك بالكلمة وتلهج فيها.

“والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض،

لابسين بزًا أبيض ونقيًا[14].

يتبع الكلمة جنود السماء يتممون إرادته. “يتبعونه“، أي لا يعملون شيئًا خارجًا عنه أو منفصلين عنه. أما ركوبهم خيلاً بيض فيُظهر عدم سلبيتهم في محبتهم لنا، إذ يُصلُّون عنّا (زك 1: 12)، ويجولون لخدمتنا (زك 1: 11)، ويحاربون إبليس عدونا (رؤ 12: 7).

“ومن فمه يخرج سيف ماضِ لكي يضرب به الأمم،

 وهو سيرعاهم بعصا من حديد.

وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء[15].

سبق أن رأينا أن السيف هو كلمة الله التي أرسلها تجاه الأمم فحطمت الشر فصاروا (الأمم) رعية له، وأعضاء أحياء في جسده السري أي الكنيسة عروسه. وهو يدوس معصرة خمر سخط الله، إذ هو وحده القادر أن يحتمل أجرة الخطية في جسده فيموت عنا ويقوم بنا من موتنا.

على الصليب حمل خطايانا التي تحجب وجه الآب إذ لا يطيقها. وبقيامته أقامنا معه منتصرًا وناصرًا لنا لهذا يقول:

“وله على ثوبه وعلى فخده اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب[16].

بقيامته صار لكنيسته أن يكتب عليها اسم فاديها “ملك الملوك”، وأما فخذه فيعني ناسوته المتحد بلاهوته.

  1. هلاك ضد المسيح وأتباعه

“ورأيت ملاكًا واحدًا واقفًا في الشمس،

فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء:

هلم اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم.

لكي تأكلي لحوم ملوك، ولحوم قواد،

ولحوم أقوياء، ولحوم خيل والجالسين عليها،

ولحوم الكل: حرًا وعبدًا صغيرًا وكبيرًا[17-18].

مقابل وليمة العرس الأبدي نجد عشاء الإله العظيم، وليمة طيور جارحة دنسة أبديّة شاملة لكل الأسرار. هذه الصورة الاستعارية تكشف عن شدة الهلاك الذي يلحق بهم. وقد سبق استخدام نفس التصوير في العهد القديم (حز 39: 17-18)، وقد بدأ بإهلاك العظماء المتكبرين.

“ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين

ليصنعوا حربًا مع الجالس على الفرس وجنده.

فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه

الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمة الوحش

والذين سجدوا لصورته،

وطُرح الاثنان حيين إلى بحيرة النار المتقدة بالكبريت.

والباقون قتلوا بسيف على الفرس الخارج من فمه،

وجميع الطيور شبعت من لحومهم[19-21].

بعد حديثه عن الدينونة المرعبة عاد ليتحدث عن إدانة الوحش (ضد المسيح) والنبي الكذاب، هذين اللذين سيظهران مرعبين للكنيسة في أيامهما، لكن الله يتمهل عليهما وأخيرًا يهلكهما، ويكون نصيبهما في يوم الدينونة مع الباقين.

وقد سبق الحديث عن هذا الأمر بأكثر توسع في الأصحاحات 12-14.

[1] ضد الأريوسية مقال 3.

[2] تفسير رؤ 1:16.

[3] راجع تفسير رؤ 1: 14.

تفسير سفر الرؤيا 19 الأصحاح التاسع عشر – القمص تادرس يعقوب ملطي