القائمة إغلاق

هل المشورة الأزلية في الثالوث هي تشاور بين ثلاث آلهة؟

هل المشورة الأزلية في الثالوث هي تشاور بين ثلاث آلهة؟

هل المشورة الأزلية في الثالوث هي تشاور بين ثلاث آلهة؟
هل المشورة الأزلية في الثالوث هي تشاور بين ثلاث آلهة؟

أولًا: تعريف المشورة الأزلية The Eternal Divine Counsel

هي قرار إلهي أزلي، وقصد إلهي ثابت غير متغير، وحكمة أزلية تتضمن خطة الله من خلال تحقيقه بعمل متمايز في الأقانيم. فالمشورة ليست ثلاث آلهة يتشاورون، بل قرار واحد نابع من جوهر الله الواحد بتمايز أقانيمه بعمل متناغم دون انفصال في طبيعة الله.

فهي الإرادة الإلهية غير المنقسمة للآب والابن والروح القدس، جوهر الله الواحد. فهي انسجام كامل بين الأقانيم، يقرر الله بصورة أزلية كل ما سيحدث في الزمن. فالمشورة قرار واحد صادر من إلهٍ واحد بثلاثة أقانيم يعملون معًا دون انفصال.

في المشورة الإلهية، الله وضع كل الأحداث التاريخية، كل الشخصيات، وكل الظروف بما يحقق هذه الغاية الكبرى. العقلانية هنا تشير إلى أن كل شيء في الكون له سبب منطقي ضمن الخطة الإلهية، حتى الأحداث السيئة يمكن لله من خلالها تحقيق الخير النهائي.

والحقيقة أن المشورة الأزلية تثبت أمرًا منطقيًا، أن طبيعة الله متمايزة، فيتم تحقيق القصد من خلال الانسجام في العمل في هذه الطبيعة. إن كانت الطبيعة غير متمايزة مثل الاعتقادات البشرية، فسيكون العمل يصدر من ذات عدمية أشبه بالجماد. ولكن المسيحية دائمًا تقدم كلامًا فيه عقلانية عن طبيعة الله.

لأن مشاكل الطبيعة غير المتمايزة كثيرة، من ضمنها أن الله يكون بلا وظائف محددة تنبع من ذاته. فيكون هذا الإله مجرد قوة جامدة وليس كيانًا متفاعلًا مع الكون والمخلوقات، وسيكون فهمنا لتدبير الله صعبًا جدًا. فذاته غير المتمايزة سيكون الحب فيها نرجسيًا ذاتيًا، ومشاكل أخرى سنسردها في بحث لوحده.

تعريف آباء الكنيسة للمشورة الأزلية

1- بوتيه في كتابه De Trinitate الكتاب التاسع

يرى القديس هيلاري أن المشورة هي القصد الإلهي، ليس تشاورًا بل قصد محدد قبل كون العالم، بمعنى أن المشورة هي خطة الله. فيقول:

“هذه هي أسرار المشورة السمائية المُحدَّدة من قبل كَون العالم؛ أنْ يصير ابن الله الوحيد بإرادته إنسانًا، وأن يمكُث الإنسان إلى الأبد في الله. لذلك وُلِدَ الله، لكي يأخذنا إلى داخل نفسه”.

القديس هيلاري أسقف بواتييه، “في الثالوث”.

2- المشورة الأزلية عند القديس كيرلس السكندري في كتاب On the Incarnation of the Only-begotten

أكد على الوحدة الأزلية للمشيئة، وأن كل شيء يحدث بإرادة الله من خلال تدبير إلهي أزلي، ليس من خلال حدث عرضي.

3- تعريف أثناسيوس للمشورة الأزلية

إن خطة الله مُعدّة مسبقًا للخلاص قبل وجودنا، بمعنى أن خطة الله أزلية.

“it beseemed not that God should counsel concerning us afterwards, lest He should appear ignorant of our fate … prepared beforehand … the Economy of our salvation” …

“… God’s will was in Him before the world … there had been prepared for us in Christ the hope of life and salvation.”

— Athanasius, Against the Arians, II.22.

“فكيف إذاً قد اختارنا، قبل أن نأتي إلى الوجود … قدّرنا للتبني، ولكن الابن ذاته قد وُضع قبل العالم، حاملاً ذلك التدبير (oikonomia) الذي كان من أجلنا … لأنه كان له قصد، من أجلنا … في المسيح خُزّنت النعمة التي وصلت إلينا.”

هنا “oikonomia”، أي “التدبير”، هي كلمة يونانية تُستخدم كثيرًا عند الآباء بمعنى “ترتيب الله لأمور الخلاص”. أثناسيوس يرى أن اختيارنا (predestination) تم “قبل وجودنا” في خطة أزلية، ما يشير إلى “مشورة إلهية” بمعنى قصد مسبق وإدارة حكيمة لخلاص البشر.

Herman Bavinck والمشورة الأزلية

يقول Herman Bavinck في مجلداته المعروفة باسم Reformed Dogmatics إن المشورة ليست تفكيرًا تدريجيًا أو عملية تشاور أو اتخاذ قرار بعد مقارنة بين بدائل، بل هي إرادة إلهية واحدة أزلية، وحكمة الله الكاملة، وقصده غير المتغير.

ويقول إن كان أحدهم يعتقد بهذا، فلأن تفكيره بشري محض في الله. فالله إرادة واحدة، قرار واحد. ولكن رغم أن القرار واحد، فإن كل أقنوم يعمل بطريقة تتسق مع خصائصه الأقنومية، دون انفصال عن الأقنوم الآخر، ودون انقسام في الفعل الإلهي.

وذكر بافينك عمل الله الواحد في خلاص الإنسان كنموذج من خلال الثلاثة أقانيم: فالآب مدبر، والابن مستعلن في الجسد، والروح القدس مطبق للعمل الخلاصي ومؤنب للإنسان. لكن هذا التمايز في العمل يؤدي لعمل واحد، وهو خلاص الإنسان.

فمشورة الله إلهية بسيطة غير بشرية. وأكد بافينك أن كلمة المشورة لا تعني أن هناك نقاشًا أو جدلًا أو تبادل آراء في ذات الله.

فيمكن تلخيص رأيه:

المشورة الإلهية هي الإرادة الأزلية الواحدة للآب والابن والروح القدس؛ ليست تشاورًا، بل قرارًا إلهيًا واحدًا بسيطًا، يُعبّر عنه كل أقنوم وفق خاصيته دون انقسام في الجوهر أو الإرادة.

تعريف Louis Berkhof للمشورة في كتابه The Divine Decrees in General

قرار إلهي أزلي واعٍ عيّن بحرية وحكمة كاملة من خلاله كل ما سيحدث. فأزلي لأنه خارج الزمن، حر لأن الله لا يقوده أحد، شامل أي يشمل جميع الأحداث بدون استثناء، حكيم أي مبني على هدف إلهي كامل.

فالمشورة عنده تشمل خطة الله في خلق الإنسان، والعناية الإلهية، والخلاص، والفداء، وغيره من أعمال الله في الزمن. مبنية على حكمة وليس عشوائية.

لماذا استخدمت كلمة المشورة؟

إن استخدام كلمة المشورة هو من ضمن المصطلحات البشرية لتقريب صورة للإنسان، أن العمل تم من خلال عمل الثلاثة أقانيم متمايزين في جوهر واحد. فهي لغة بشرية غرضها تقريب المفهوم للبشر لشرح طبيعة فائقة.

المشورة في اللغة العبرية

المشورة في اللغة العبرية עֵצָה (عيتساه)، وتأتي بالعديد من المعاني في القواميس المتعددة، بمعنى من ضمنهم خطة plan، أو قصد إلهي counsel، أو نصيحة، أو مشورة للبشر، أو مشورة للحرب وغيرها. سأكتفي بذكر عدد محدود من القواميس لعدم الإطالة.

يقول كتاب:

Chávez, M. (1992). Diccionario de hebreo bı́blico. Includes index. (1. ed.) (519). El Paso, Tx.: Editorial Mundo Hispano.

إن الكلمة أتت في ملوك الثاني 18: 20 بمعنى خطة حرب استراتيجية.

ويذكر قاموس:

Gesenius, W., & Tregelles, S. P. (2003). Gesenius’ Hebrew and Chaldee lexicon to the Old Testament Scriptures. Translation of the author’s Lexicon manuale Hebraicum et Chaldaicum in Veteris Testamenti libros, a Latin version of the work first published in 1810-1812 under title: Hebräisch-deutsches Handwörterbuch des Alten Testaments.; Includes index. (647). Bellingham, WA: Logos Research Systems, Inc.

ويشرح أن المشورة هي قصد الله وتدبيره، ويقول:

(3) counsel, as the faculty of forming plans, i.e. prudence, wisdom, especially that of God, Isaiah 11:2; Pro. 8:14; 21:30; Jer. 32:19, גְּדֹל הָעֵצָה “of great wisdom;” 1 Ch. 12:19, בְּעֵצָה “having taken counsel,” having consulted. Plur. עֵצֹות once with suff. עֲצָתַיִךְ Isa. 47:13, counsels, Deu. 32:28; cares, Ps. 13:3.

أمثلة لتقريب الفكرة للذهن للاستدلال وليس للقياس

مثال الإنسان

الإنسان له عقل وإرادة ومشاعر. العقل يحدد الهدف ويخطط، الإرادة تختار الوسائل للتنفيذ، المشاعر تعمل انسجامًا بين العقل والإرادة وتحقق الهدف. في النهاية هو إنسان واحد، ولكن التناغم الكامل يحقق الهدف الأساسي.

مثال الشمس كنظام عمل متكامل

الشمس كنظام عمل متكامل، إنتاج الضوء من الشمس هو الوظيفة الأساسية، وخروج حرارة، وحفظ التوازن في النظام الشمسي. كل هذا عمل متمايز في الشمس، لكن المصدر واحد، ولا يوجد ثلاث شموس.

فالضوء ينير الأرض، الحرارة تحافظ على الكائنات، الجاذبية تبقي الكواكب في مداراتها، لكن الهدف واحد وهو استمرار الحياة في النظام الكوني من خلال ثلاث خصائص.

مثل النور الخارج من الشمس مع حرارتها:

ثلاثة تمايزات لكن فعل واحد، إضاءة واحدة. لا يوجد “تشاور” بين الضوء والحرارة والشمس، بل طبيعتها الواحدة تعمل بعمل واحد.

مثال المهندس

تبسيط الأمر: عندما أعمل كمهندس، أفكر في شكل التصميم، ثم أخطط له، ثم أشرف على التنفيذ الخاص بالتصميم. فالفكرة كانت في عقلي وتسمى هنا الغاية، والخطة في التنفيذ، والفكرة والرقابة ستكون في الإشراف. ولكن النتيجة واحدة، هو عمل واحد لتصميم مكتمل من خلال إنسان واحد وهو أنا.

فالعمل في الأقانيم لا يقارن بي كمثال، بل إن التمايز في الوحدة الإلهية يمكن أن يعمل بانسجام.

ملخص

ننتهي أن المشورة أزلية، أي خارج الزمن، مقررة لما سيحدث داخل الزمن من أحداث، وأنها ليست تشاورًا بمعنى نقاش جدلي، بل هي قصد إلهي بلا زمن في طبيعة الله وحده قبل خلق المخلوقات.

والقصد يتحقق من خلال الله الواحد، ولكن بتمايز أقانيمه، ويشمل خطة الله الأزلية من خلق الإنسان والكون والفداء والكفارة ومجيئه الثاني وغيره من أعمال الله في الزمن.

ويعمل الله من خلال الأحداث سواء كانت خيرًا أو الشر الذي ينتج من حرية الإرادة، يعمل الله من خلاله لمقاصده ليكون خيرًا.

ليكون للبركة

aghroghorios

هل المشورة الأزلية في الثالوث هي تشاور بين ثلاث آلهة؟

Posted in الردود على الشبهات

مقالات مرتبطة