كيف يُغتصب ملكوت السماوات وهو ملكوت سلام؟
كيف نفهم قول المسيح: «ملكوت السماوات يُغصب والغاصبون يختطفونه»؟

كيف نفهم قول المسيح: «ملكوت السماوات يُغصب والغاصبون يختطفونه»؟
الإشكال
يقول الرسول بولس عن ملكوت الله:
«لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ» (رومية ١٤: ١٧).
فالملكوت بحسب هذا النص هو ملكوت بر وسلام وفرح في الروح القدس. لكن المسيح يقول في إنجيل متى:
«وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ» (متى ١١: ١٢).
فكيف يمكن أن يكون ملكوت الله ملكوت سلام، وفي الوقت نفسه يُقال عنه إنه «يُغصب» وإن «الغاصبين يختطفونه»؟ وهل يعني هذا أن الإنسان يدخل ملكوت الله بالقوة أو العنف؟
الحل
هذا النص من النصوص الصعبة، وقد فُسِّر بأكثر من طريقة. لكن المهم أولًا أن نفهم أن المسيح لا يعلّم هنا دخول ملكوت الله بالعنف الجسدي، ولا يقول إن الناس يفرضون أنفسهم على الله بالقوة. فالملكوت لا يُنال بالسيف ولا بالقهر، بل بالتوبة والإيمان والاستجابة لدعوة الله.
المقصود إمّا أن الملكوت يتعرض لمقاومة عنيفة من أعدائه، أو أن هناك اندفاعًا قويًا وحماسًا شديدًا من الذين استجابوا لكرازة يوحنا المعمدان ودخلوا إلى دعوة الملكوت بجدية وقوة روحية.
والتفسير الأقرب إلى سياق الكلام هو أن المسيح يتكلم عن القوة المفاجئة التي اندفعت بها رسالة الملكوت منذ أيام يوحنا المعمدان، وعن الاستجابة الحاسمة من الناس الذين أخذوا دعوة التوبة والملكوت بغيرة وجدية شديدة.
شرح النقاط المهمة
١. النص لا يتكلم عن عنف جسدي لدخول الملكوت
من الخطأ أن نفهم عبارة «الغاصبون يختطفونه» وكأنها دعوة إلى استعمال القوة أو العنف لدخول ملكوت الله. فهذا يتعارض مع طبيعة الملكوت نفسه، ومع تعليم المسيح كله.
فالمسيح لا يعلّم أن الملكوت يُنتزع بالسلاح، بل يعلّم أن الدخول إليه يكون بالتوبة والإيمان والرجوع إلى الله. ويوحنا المعمدان نفسه بدأ خدمته بنداء التوبة:
«تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ» (متى ٣: ٢).
والمسيح أيضًا بدأ كرازته بنفس الإعلان:
«مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ» (متى ٤: ١٧).
إذن، لغة «الغصب» هنا لا تعني عنفًا ماديًا ضد الآخرين، بل تعبيرًا قويًا يحتاج إلى فهمه بحسب السياق.
٢. تفسير أول: الملكوت يتعرض لمقاومة عنيفة من أعدائه
يرى بعض المفسرين أن معنى النص هو أن ملكوت السماوات يتعرض للعنف من أعدائه، وأن «الغاصبين» هم المقاومون الذين حاولوا منع الملكوت أو السيطرة عليه أو إيقاف امتداده.
وبهذا يكون المقصود أن القادة الدينيين في أيام المسيح قاوموا الملكوت الذي بدأ يوحنا المعمدان يعلنه. فقد أرادوا ملكوتًا حسب تصورهم، لا الملكوت الذي دعا إليه يوحنا والمسيح: ملكوت التوبة والحق والبر.
وهذا ينسجم مع ما قاله بولس عن الذين حاولوا إقامة برهم الذاتي بدل الخضوع لبر الله:
«لأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ، لَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ» (رومية ١٠: ٣).
لكن البعض يعترض على هذا التفسير، لأن سياق متى ١١ يتكلم عن عظمة يوحنا المعمدان ودوره في مرحلة انتقالية بين النبوات القديمة وظهور المسيح، ولذلك قد لا يكون التركيز الأساسي على مقاومة الأعداء فقط.
٣. تفسير ثانٍ: الملكوت يقتحم التاريخ بقوة
يرى آخرون أن كلمة «يُغصب» هنا تُفهم بطريقة مجازية، بمعنى أن الملكوت بدأ يقتحم التاريخ بقوة واندفاع منذ كرازة يوحنا المعمدان. فظهور يوحنا لم يكن حدثًا عاديًا، بل كان إعلانًا قويًا أن زمن الملكوت قد اقترب.
فمنذ أيام يوحنا، لم تعد رسالة الملكوت مجرد وعد بعيد، بل صارت نداءً حاضرًا: «توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات». لذلك تحركت الجموع، وخرج كثيرون إلى يوحنا، واعتمدوا منه معترفين بخطاياهم:
«حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ» (متى ٣: ٥–٦).
وهذا يوضح أن كرازة يوحنا أحدثت حركة قوية ومفاجئة في الشعب، كأن الناس يندفعون نحو الملكوت بغيرة وشوق شديدين.
٤. معنى «الغاصبون يختطفونه» بحسب هذا الفهم
بحسب هذا التفسير، لا تعني العبارة أن أناسًا أشرارًا يسرقون الملكوت من الله، بل تعني أن المستجيبين لدعوة الملكوت يقبلونه بجدية شديدة، كمن يقتحم الباب دون تردد، أي بروح التوبة الحاسمة والغيرة المقدسة.
فالمسيح لا يمدح العنف الجسدي، بل يصف حماسة الذين تجاوبوا مع كرازة يوحنا. هؤلاء لم يتعاملوا مع دعوة الله ببرود أو تأجيل، بل اندفعوا نحو الملكوت كمن يدرك خطورة اللحظة وضرورة القرار.
وهذا ينسجم مع قول المسيح عن ضرورة الجدية في الدخول من الباب الضيق:
«اِجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ» (لوقا ١٣: ٢٤).
٥. الفرق بين السلام والجدية الروحية
لا تعارض بين أن يكون ملكوت الله سلامًا وفرحًا في الروح القدس، وبين أن يتطلب الدخول إليه جدية روحية حاسمة. فالسلام الذي يعطيه الله ليس تراخيًا، والفرح في الروح القدس ليس لا مبالاة.
الملكوت ملكوت سلام، لكنه لا يُقبل بقلب متهاون أو غير تائب. من يسمع دعوة الله يُدعى إلى استجابة حقيقية، لا إلى موقف نظري بارد. لذلك فالقوة هنا ليست عنفًا ضد الآخرين، بل حسمًا داخليًا في قبول دعوة الله.
٦. سياق النص يربط الكلام بيوحنا المعمدان
قال المسيح:
«وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ» (متى ١١: ١٢).
إذن، مفتاح النص هو عبارة «من أيام يوحنا المعمدان». فالمسيح يربط هذا التحرك بكرازة يوحنا التي أعلنت اقتراب الملكوت. يوحنا كان الصوت الذي يهيئ الطريق أمام المسيح، ومع ظهوره بدأت مرحلة جديدة وقوية في إعلان ملكوت السماوات.
وقد قال المسيح عن يوحنا:
«اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ» (متى ١١: ١١).
فالسياق كله يتكلم عن عظمة يوحنا ودوره في إعلان اقتراب الملكوت، لا عن عنف مادي يُمارس لدخول الملكوت.
الخلاصة
قول المسيح: «ملكوت السماوات يُغصب، والغاصبون يختطفونه» لا يعني أن ملكوت الله يُدخل إليه بالعنف الجسدي، ولا أن الإنسان ينتزع الخلاص من الله بالقوة.
النص صعب وله أكثر من تفسير. فمن الممكن أن يشير إلى مقاومة أعداء الملكوت له بعنف، ومن الممكن أيضًا، وهو الأقرب لسياق يوحنا المعمدان، أن يشير إلى الاندفاع القوي والغيرة الشديدة التي صاحبت كرازة الملكوت منذ أيام يوحنا.
فالملكوت هو بر وسلام وفرح في الروح القدس، لكنه في الوقت نفسه يطلب استجابة جادة، وتوبة حقيقية، وقرارًا حاسمًا. لذلك لا يوجد تناقض بين سلام الملكوت وبين التعبير القوي عن اقتحامه للتاريخ واستجابة الناس له بغيرة روحية.
تنبيهات لاهوتية
لا يصح استخدام هذا النص لتبرير العنف الديني أو القهر باسم ملكوت الله. فملكوت المسيح لا ينتشر بالسلاح، بل بالكرازة والتوبة والإيمان وعمل الروح القدس.
كما يجب التمييز بين الحماس الروحي المقدس والعنف الجسدي. فالمسيح يدعو إلى الجدية والاجتهاد في الدخول من الباب الضيق، لكنه لا يدعو إلى الاعتداء أو فرض الإيمان بالقوة.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 340). Victor Books: Wheaton, Ill.