هل اعتبر المسيح نفسه أقل من الله؟ يوحنا 14: 28
كيف يقول المسيح «أبي أعظم مني» مع أن المسيح مساوٍ للآب في اللاهوت؟

قال الرب يسوع لتلاميذه:
«سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَنَا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي» (يوحنا 14: 28).
وقد يعترض البعض قائلًا: إن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي يعلن أن المسيح إله كامل وإنسان كامل. لكن المسيح نفسه قال: «أبي أعظم مني». فكيف يكون الآب أعظم من المسيح إذا كان المسيح مساويًا لله؟ وهل كان المسيح يعتبر نفسه أقل من الله؟
الإجابة المختصرة
لا، المسيح لم يعتبر نفسه أقل من الله في الطبيعة أو الجوهر. قول المسيح «أبي أعظم مني» لا يتكلم عن نقص في لاهوت الابن، بل عن التمايز في الوظيفة والتدبير، وبالأخص في حالة التجسد والإرسال والطاعة. فالآب أعظم من الابن من جهة المقام التدبيري أو الوظيفة، لا من جهة الجوهر والطبيعة. فالابن مساوٍ للآب في اللاهوت، لكنه في التجسد أخذ صورة العبد، وأطاع الآب في خطة الخلاص.
الفكرة الأساسية: الآب أعظم من الابن في الوظيفة والتدبير، لا في الطبيعة الإلهية. فالابن مساوٍ للآب في الجوهر، ومتمايز عنه في الأقنوم والعمل الخلاصي.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على أن المسيح قال بوضوح: «أبي أعظم مني». فيُظن أن هذا يعني أن المسيح أقل من الآب في الطبيعة، أو أنه ليس إلهًا بالمعنى الكامل.
لكن هذا الفهم يتجاهل أن الكتاب المقدس يعلن في مواضع أخرى مساواة الابن للآب في الجوهر الإلهي، كما يعلن أيضًا تمايز الأقانيم في العمل والتدبير. فلا يجوز أن نفسر نصًا واحدًا بطريقة تلغي بقية الشهادة الكتابية عن لاهوت المسيح.
الحل: الآب أعظم في الوظيفة لا في الطبيعة
الآب أعظم من الابن من جهة الوظيفة أو المقام التدبيري، لا من جهة الطبيعة، لأن الآب والابن كلاهما إله. فالتمييز هنا ليس بين إله أعظم وإله أقل، بل بين أقنوم الآب وأقنوم الابن في علاقة الإرسال والتجسد والطاعة داخل التدبير الخلاصي.
يوضح إنجيل يوحنا نفسه أن الابن هو الله:
«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ» (يوحنا 1: 1).
كما يعلن المسيح عن وجوده الأزلي السابق لإبراهيم:
«قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا 8: 58).
ويقول أيضًا:
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا 10: 30).
فلا يمكن أن يكون يوحنا 14: 28 نفيًا للاهوت المسيح، لأن نفس إنجيل يوحنا يعلن ألوهيته بوضوح. المعنى الصحيح إذن أن الآب أعظم من جهة الدور أو الوظيفة، لا من جهة الجوهر والطبيعة.
مثال الأب والابن: مساواة في الطبيعة مع اختلاف في المقام
يمكن تقريب الفكرة بمثال بشري محدود: الأب الأرضي وابنه متساويان في الطبيعة الإنسانية. كلاهما إنسان كامل. ومع ذلك، للأب مقام أو سلطة عائلية أعلى من الابن من جهة الوظيفة والترتيب.
فلو قلنا إن الأب «أعظم» من ابنه في المقام العائلي، فهذا لا يعني أن الابن أقل إنسانية من أبيه. الابن لا يملك طبيعة بشرية ناقصة، بل هو مساوٍ لأبيه في الإنسانية، مع وجود اختلاف في الدور والمقام.
وبالمثل، لا يعني قول المسيح «أبي أعظم مني» أن الابن أقل من الآب في اللاهوت، بل يعني أن الآب أعظم من جهة المقام التدبيري الذي فيه الآب يرسل، والابن يُرسَل ويتجسد ويطيع لأجل خلاص البشر.
تنبيه مهم: كل مثال بشري عن الثالوث يبقى محدودًا، ولا يشرح السر الإلهي كاملًا، لكنه يساعد فقط على فهم الفرق بين المساواة في الطبيعة والاختلاف في الوظيفة.
مثال الرئيس: العظمة قد تكون بالمقام لا بالجوهر
نستخدم أحيانًا تعبير «رجل أعظم» عن رئيس دولة أو صاحب منصب عالٍ، لا لأن طبيعته الإنسانية أفضل من طبيعة الآخرين، ولا لأنه أكثر إنسانية منهم، بل لأن منصبه أعلى ومقامه الرسمي أعظم.
فالعظمة هنا ليست عظمة جوهر أو طبيعة، بل عظمة مقام ووظيفة. هكذا أيضًا يجب فهم قول المسيح «أبي أعظم مني» في سياق التدبير، لا كإنكار لمساواة الابن للآب في اللاهوت.
المسيح مساوٍ للآب في الجوهر والطبيعة والكرامة الإلهية
يلخص المصدر الفكرة بهذه المقارنة:
| المسيح مساوٍ للآب | الآب أعظم من المسيح |
|---|---|
| في الجوهر | في الوظيفة |
| في الطبيعة | في المقام أو المنصب |
| في الكرامة والصفة الإلهية | في الترتيب التدبيري |
فالمسيح لا يمكن أن يكون أقل من الله بالطبيعة، لأن طبيعته الإلهية هي نفس الطبيعة الإلهية الواحدة. لكنه، في التجسد، قبل بإرادته وضع الاتضاع والطاعة، وأعلن علاقته بالآب في إطار الإرسال والتدبير.
التجسد يشرح قول المسيح «أبي أعظم مني»
ينبغي أيضًا أن نقرأ يوحنا 14: 28 في ضوء سر التجسد. فالابن الكلمة لم يفقد لاهوته عندما صار إنسانًا، لكنه أخذ طبيعة بشرية حقيقية، ودخل في حالة الاتضاع، وعاش طاعة كاملة للآب.
يقول الرسول بولس عن المسيح:
«الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلَّهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ، مَوْتَ الصَّلِيبِ» (فيلبي 2: 6-8).
فالمسيح «معادل لله»، ومع ذلك أخذ صورة عبد وأطاع حتى الموت. هذا هو مفتاح الفهم: المساواة في اللاهوت لا تتعارض مع الاتضاع في التجسد. لذلك، عندما يقول «أبي أعظم مني»، فهو يتكلم من موضع الابن المتجسد في التدبير الخلاصي، لا من جهة نقصان في لاهوته.
المساواة لا تلغي التمايز الأقنومي
الإيمان المسيحي لا يقول إن الآب هو الابن، ولا إن الابن هو الآب. بل يقول إن الآب والابن والروح القدس إله واحد في الجوهر، متميزون في الأقانيم. لذلك يمكن أن يكون الابن مساويًا للآب في الجوهر، ومع ذلك يكون مُرسَلًا من الآب في التدبير.
فالإرسال لا يعني نقص الطبيعة، والطاعة في التجسد لا تعني نقص اللاهوت، والتمييز في الوظائف لا يعني تفاوتًا في الجوهر الإلهي.
لماذا فرح التلاميذ بذهاب المسيح إلى الآب؟
في سياق يوحنا 14: 28، المسيح كان يعزي تلاميذه قبل الصليب، ويقول لهم إن ذهابه إلى الآب يجب أن يكون سبب فرح، لا حزن:
«لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ» (يوحنا 14: 28).
فذهاب المسيح إلى الآب يعني اكتمال عمله الخلاصي وعودته إلى المجد. لذلك فالكلام لا يقصد إهانة الابن أو تقليل لاهوته، بل إعلان طريقه من الاتضاع إلى المجد في التدبير الخلاصي.
وقد صلى المسيح قبل الصليب قائلًا:
«وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ» (يوحنا 17: 5).
وهذا النص مهم جدًا، لأنه يعلن أن للابن مجدًا أزليًا عند الآب قبل كون العالم. فقول «أبي أعظم مني» لا يمكن أن يعني أن الابن مخلوق أو أقل من الله بالطبيعة، لأن الابن يتكلم عن مجد أزلي كان له عند الآب قبل الخليقة.
المبدأ الدفاعي: النصوص التي تتكلم عن اتضاع المسيح وطاعته يجب أن تُفهم في ضوء التجسد والتدبير، لا ضد النصوص التي تعلن ألوهيته ومجده الأزلي.
هل قال المسيح إنه أقل من الله؟
لا. المسيح لم يقل إنه أقل من الله في الطبيعة أو الجوهر. بل قال إن الآب أعظم منه في سياق ذهابه إلى الآب، أي في سياق الإرسال والتجسد والعودة إلى المجد. وهذا ينسجم مع الإيمان المسيحي بأن الابن، وهو مساوٍ للآب في اللاهوت، صار إنسانًا لأجل خلاصنا، وقبل أن يدخل في طريق الاتضاع والطاعة.
لذلك لا يصح استخدام يوحنا 14: 28 لإنكار لاهوت المسيح، لأن نفس إنجيل يوحنا يفتتح بإعلان أن الكلمة هو الله، ويذكر قول المسيح «أنا والآب واحد»، ويعلن مجده الأزلي قبل كون العالم.
الرد المختصر على الشبهة
قول المسيح «أبي أعظم مني» لا يعني أن المسيح أقل من الله في الطبيعة. فالآب أعظم من الابن من جهة الوظيفة والمقام التدبيري، لا من جهة الجوهر. الابن مساوٍ للآب في اللاهوت، كما يعلن يوحنا 1: 1 ويوحنا 8: 58 ويوحنا 10: 30، لكنه في التجسد أخذ صورة عبد وأطاع الآب لأجل خلاصنا. لذلك فالنص يعلّم التمايز التدبيري بين الآب والابن، لا إنكار ألوهية الابن.
الخلاصة
يوحنا 14: 28 لا يثبت أن المسيح أقل من الله، بل يميز بين المساواة في الجوهر والاختلاف في الوظيفة. المسيح مساوٍ للآب في الجوهر والطبيعة والكرامة الإلهية، والآب أعظم من جهة المقام التدبيري والإرسال. لذلك فالإيمان المسيحي لا يناقض قول المسيح، بل يفسره: الابن إله حق من إله حق، لكنه تجسد واتضع وأطاع الآب في خطة الخلاص.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 420). Victor Books: Wheaton, Illinois.