تخطى إلى المحتوى

هل أعلن المسيح كل شيء لتلاميذه أم أخفى عنهم بعض الأمور؟ يوحنا 16: 12

  • بواسطة

هل أعلن المسيح كل شيء لتلاميذه أم أخفى عنهم بعض الأمور؟ يوحنا 16: 12

هل يناقض قول المسيح «أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي» قوله «إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم»؟

هل أعلن المسيح كل شيء لتلاميذه أم أخفى عنهم بعض الأمور؟ يوحنا 16: 12
هل أعلن المسيح كل شيء لتلاميذه أم أخفى عنهم بعض الأمور؟ يوحنا 16: 12

قال الرب يسوع لتلاميذه:

«لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي» (يوحنا 15: 15).

لكن بعد ذلك بقليل، قال لهم أيضًا:

«إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ» (يوحنا 16: 12).

وقد يعترض البعض قائلًا: كيف يقول المسيح إنه أعلم التلاميذ بكل ما سمعه من الآب، ثم يقول إن لديه أمورًا كثيرة لم يقلها لهم بعد؟ هل أعلن كل شيء أم أمسك عنهم بعض التعليم؟ وهل يوجد تناقض بين النصين؟

الإجابة المختصرة

لا يوجد تناقض. فقول المسيح «أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي» لا يعني أنه أعطاهم في تلك اللحظة كل إعلان يمكن أن يُعطى لهم في كل الأزمنة، بل يعني أنه أعلن لهم بأمانة كل ما أراد الآب أن يعرفوه في ذلك الوقت. أما قوله «إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم» فيشير إلى تعليم لاحق سيقودهم إليه الروح القدس عندما يصيرون قادرين على احتماله وفهمه بعد الصليب والقيامة وحلول الروح.

الفكرة الأساسية: المسيح أعلن كل ما كان مناسبًا ومُعيّنًا لهم في ذلك الوقت، ولم ينكر أن هناك تعليمًا لاحقًا سيقودهم إليه الروح القدس في الوقت المناسب.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقوم على المقارنة بين نصين في خطاب واحد تقريبًا. في يوحنا 15: 15 يقول المسيح:

«أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي» (يوحنا 15: 15).

وهذا يبدو كأنه إعلان كامل لا ينقصه شيء. لكن في يوحنا 16: 12 يقول:

«إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ» (يوحنا 16: 12).

وهذا يبدو كأن هناك أمورًا لم تُعلَن بعد. فكيف يكون قد أعلمهم بكل شيء، وفي الوقت نفسه لا يزال عنده أمور كثيرة ليقولها؟

الحل الأول: قد يكون الكلام الأول استباقيًا

يرى بعض الدارسين أن قول المسيح «أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي» يمكن فهمه بصورة استباقية. أي أن المسيح يتكلم عن إعلان الآب للتلاميذ بوصفه أمرًا يتم في الحاضر ويمتد إلى ما سيعلنه لهم قريبًا أيضًا، خاصة من خلال الروح القدس.

وبحسب هذا الفهم، فإن «الأمور الكثيرة» المذكورة في يوحنا 16: 12 تشير إلى ما كان الروح القدس سيقودهم إليه لاحقًا، كما قال المسيح مباشرة بعد ذلك:

«وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ» (يوحنا 16: 13).

فالمسيح لا يفصل تعليمه عن عمل الروح القدس، بل يعلن أن الروح سيكمل قيادة التلاميذ في الحق، لا بتعليم غريب عن المسيح، بل بما يأخذه مما للمسيح ويعلنه لهم.

الحل الثاني: يوحنا 16 يقيّد معنى يوحنا 15

لكن بما أن النصين في نفس الخطاب، فالأقرب أن قول المسيح في يوحنا 16: 12 يوضح ويقيّد معنى قوله السابق في يوحنا 15: 15. أي أن معنى «أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي» هو: أعلمتكم بكل ما قصد الآب أن تعرفوه الآن، في هذه المرحلة من التدبير.

فالمسيح لم يكن يقول إن التلاميذ صاروا يعرفون كل تفاصيل إعلان الله وكل ما سيحتاجون إلى فهمه بعد القيامة. بل كان يقول إنه لم يعاملهم كعبيد جاهلين بخطة سيدهم، بل كأحباء أطلعهم بأمانة على ما أراد الآب إعلانه لهم في ذلك الوقت.

تمييز مهم: «كل ما سمعته من أبي» في السياق لا تعني كل معرفة إلهية مطلقة، بل كل ما أراد الآب أن يُعلَن للتلاميذ في تلك المرحلة.

المسيح أعلن ما احتاجوه في الوقت الذي احتاجوه فيه

الحل الأساسي هو أن المسيح كان أمينًا في إعلان ما أراد الآب أن يعرفه التلاميذ، وفي الوقت الذي أراد الآب أن يعرفوه فيه. فالإعلان الإلهي ليس مجرد كمية معلومات تُعطى دفعة واحدة، بل هو تعليم إلهي مناسب لنضج السامعين والمرحلة الخلاصية التي يعيشونها.

لذلك قال لهم:

«وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ» (يوحنا 16: 12).

أي أن المشكلة لم تكن أن المسيح رفض أن يعلن الحق، بل أن التلاميذ لم يكونوا بعد قادرين على احتمال كل ما سيُفهم لاحقًا في ضوء الصليب والقيامة وحلول الروح القدس.

لماذا لم يستطيعوا الاحتمال الآن؟

كان التلاميذ قبل الصليب ما زالوا غير قادرين على استيعاب كل أبعاد عمل المسيح الخلاصي. كانوا يسمعون عن الصليب والقيامة، لكنهم لم يكونوا يفهمون بعد معنى هذه الأحداث كما سيفهمونها بعد حدوثها.

لذلك، كثير من الحقائق التي ستصير واضحة بعد القيامة والصعود وحلول الروح، لم يكن ممكنًا لهم أن يحتملوها أو يستوعبوها في تلك اللحظة. فالمسيح لم يؤخر التعليم بسبب نقص في محبته أو أمانته، بل بسبب عنايته بتلاميذه وبقدرتهم الحقيقية على الفهم.

دور الروح القدس ليس تصحيح كلام المسيح بل إكمال قيادة التلاميذ في الحق

قال المسيح عن الروح القدس:

«فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ» (يوحنا 16: 13).

هذا لا يعني أن تعليم المسيح كان ناقصًا أو خاطئًا، بل يعني أن الروح القدس سيقود التلاميذ إلى فهم أعمق وأكمل لما أعلنه المسيح، خاصة بعد اكتمال أحداث الخلاص.

فالروح لا يأتي بتعليم منفصل عن المسيح، لأن المسيح قال:

«ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» (يوحنا 16: 14).

إذن، عمل الروح هو إعلان ما للمسيح وتثبيت التلاميذ في الحق الذي أعلنه المسيح، لا إنشاء رسالة أخرى تناقضه.

الفرق بين الإعلان الكامل في وقته والإعلان النهائي في كل مراحله

يمكن تلخيص المسألة بهذا التمييز: المسيح أعلن للتلاميذ إعلانًا كاملًا من جهة ما كان مطلوبًا لهم في تلك المرحلة، لكنه لم يعطهم كل تفاصيل التعليم التي سيقودهم إليها الروح لاحقًا.

فالكمال هنا كمال بحسب الوقت والغرض، لا بمعنى انتهاء كل تعليم سيأتي بعد ذلك. مثل معلم أمين يعطي تلاميذه كل ما يحتاجونه في المرحلة الحالية، دون أن يعني ذلك أنه لن يعلّمهم شيئًا في المرحلة التالية.

لماذا قال المسيح إنه دعاهم أحباء؟

سياق يوحنا 15: 15 مهم جدًا. فالمسيح لا يقدم عبارة «أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي» كبحث في حدود الإعلان، بل كدليل على علاقة الحب والثقة بينه وبين تلاميذه.

فالعبد لا يعرف ما يعمل سيده، أما التلاميذ فقد عرفوا قصد المسيح وعمله ورسالة الآب بقدر ما أُعطي لهم في ذلك الوقت. لذلك سماهم أحباء، لأنه لم يتركهم في جهل كامل، بل أدخلهم في معرفة خطة الله بحسب استعدادهم واحتياجهم.

الرد المختصر على الشبهة

لا يوجد تناقض بين يوحنا 15: 15 ويوحنا 16: 12. فالمسيح أعلن للتلاميذ كل ما أراد الآب أن يعرفوه في ذلك الوقت، لذلك قال: «أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي». لكنه لم يقل إنهم صاروا قادرين على احتمال كل التعليم الذي سيُعلَن لهم لاحقًا. ولهذا قال: «إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم»، ثم أوضح أن الروح القدس سيرشدهم إلى جميع الحق في الوقت المناسب.

الخلاصة

يوحنا 16: 12 لا يناقض يوحنا 15: 15. فالمسيح لم يحجب عن التلاميذ ما أراد الآب أن يعرفوه في تلك المرحلة، بل أعلن لهم بأمانة ما يناسبهم. أما الأمور الكثيرة التي لم يستطيعوا احتمالها حينئذ، فكان الروح القدس سيقودهم إليها بعد اكتمال عمل المسيح الخلاصي. لذلك فالإعلان كان أمينًا وكاملًا في وقته، ومتدرجًا بحسب تدبير الله وقدرة التلاميذ على الفهم.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 421). Victor Books: Wheaton, Illinois.

هل أعلن المسيح كل شيء لتلاميذه أم أخفى عنهم بعض الأمور؟ يوحنا 16: 12 هل يناقض قول المسيح «أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي» قوله «إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم»؟