تخطى إلى المحتوى

هل صلى المسيح لأجل غير المؤمنين أم لم يصلِّ لأجل العالم؟ يوحنا 17: 9

  • بواسطة

هل صلى المسيح لأجل غير المؤمنين أم لم يصلِّ لأجل العالم؟ يوحنا 17: 9

الرد على شبهة يوحنا 17: 9 ولوقا 23: 34 حول صلاة المسيح لأجل التلاميذ وغير المؤمنين

هل صلى المسيح لأجل غير المؤمنين أم لم يصلِّ لأجل العالم؟ يوحنا 17: 9
هل صلى المسيح لأجل غير المؤمنين أم لم يصلِّ لأجل العالم؟ يوحنا 17: 9

تُثار شبهة حول قول الرب يسوع في صلاته الشفاعية: «أنا أسأل من أجلهم. لست أسأل من أجل العالم». فيسأل البعض: هل معنى هذا أن المسيح لم يصلِّ قط لأجل غير المؤمنين؟ وكيف يتفق هذا مع صلاته على الصليب من أجل صالبيه: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون»؟ وهل يوجد تناقض بين يوحنا 17: 9 ولوقا 23: 34؟

الإجابة المختصرة:
لا يوجد تناقض. في يوحنا 17 كان المسيح يصلي صلاة كهنوتية خاصة ومركزة لأجل تلاميذه، لأنهم سيحملون الرسالة بعد صعوده ويواجهون بغضة العالم. لذلك قال في هذا السياق المحدد: «لست أسأل من أجل العالم». لكنه لم يقصد أن الصلاة لأجل غير المؤمنين ممنوعة أو أنه لم يصلِّ أبدًا لأجلهم. فقد صلى على الصليب لأجل صالبيه، ومات لأجل خطايا العالم، وعلّم تلاميذه أن يطلبوا إرسال فعلة إلى الحصاد، والرسل أوصوا بالصلاة لأجل جميع الناس.

موضع الإشكال

قال الرب يسوع في صلاته الشفاعية:

«مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّهُمْ لَكَ.»

يوحنا 17: 9

لكن على الصليب قال المسيح عن الذين صلبوه:

«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ.»

لوقا 23: 34

فهل المسيح لا يصلي لأجل العالم وغير المؤمنين؟ أم يصلي لأجلهم؟

أين يقع الالتباس؟

يقع الالتباس في قراءة يوحنا 17: 9 وكأنها قاعدة مطلقة تقول إن المسيح لا يصلي أبدًا لأجل أي شخص من العالم. لكن النص لا يقول ذلك. المسيح في هذه اللحظة لا يتكلم عن كل أنواع الصلاة في كل الأزمنة، بل يحدد موضوع هذه الصلاة الخاصة: التلاميذ الذين أعطاهم الآب له.

أي أن قوله «لست أسأل من أجل العالم» يعني: في هذه الصلاة الكهنوتية المحددة، تركيزي ليس على العالم عمومًا، بل على تلاميذي ورسلي الذين سيبقون في العالم ليشهدوا لي. وهذا لا يمنع وجود صلوات أخرى أو تعاليم أخرى تخص غير المؤمنين.

مفتاح فهم الشبهة:
يوحنا 17: 9 لا يقول إن المسيح لا يهتم بالعالم، بل يقول إن موضوع هذه الصلاة الخاصة هو التلاميذ. فرق كبير بين “لا أصلي للعالم الآن في هذه الصلاة” و“لا أصلي أبدًا لأجل غير المؤمنين”.

أولًا: يوحنا 17 صلاة خاصة لأجل التلاميذ

السياق يوضح أن المسيح كان يصلي لأجل تلاميذه الذين سيبقون في العالم بعد ذهابه إلى الآب. قال:

«وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ.»

يوحنا 17: 11

فالمسيح يطلب حفظ التلاميذ ووحدتهم وقداستهم، لأنهم سيواجهون العالم ويشهدون له. لذلك كان التركيز عليهم، لا على العالم ككل.

ثانيًا: تخصيص الصلاة لا يعني نفي كل صلاة أخرى

عندما يقول شخص: “أنا أصلي الآن من أجل هؤلاء”، فهذا لا يعني أنه لا يصلي أبدًا من أجل غيرهم. التخصيص في موضع لا يلغي العموم في موضع آخر. وكذلك قول المسيح: «لست أسأل من أجل العالم» في يوحنا 17 يعني أنه في تلك الصلاة بالذات لا يضع العالم موضوعًا مباشرًا لطلبه، بل يركز على التلاميذ.

وهذا واضح من استمرار الصلاة، حيث يصلي أيضًا لأجل الذين سيؤمنون به بواسطة كلمة الرسل:

«وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ.»

يوحنا 17: 20

إذن الصلاة تتسع من التلاميذ إلى المؤمنين الآتين، لكنها تظل داخل غرض محدد: حفظ جماعة المؤمنين ووحدتهم وشهادتهم.

ثالثًا: المسيح صلى لأجل الذين صلبوه

النص الواضح في لوقا 23 يثبت أن المسيح صلى لأجل أعدائه وغير المؤمنين الذين شاركوا في صلبه:

«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ.»

لوقا 23: 34

هذه الصلاة لا تناقض يوحنا 17، لأنها ليست نفس الصلاة ولا نفس السياق. في يوحنا 17 يصلي لأجل التلاميذ باعتبارهم جماعة الرسالة. وعلى الصليب يصلي لأجل صالبيه طالبًا لهم غفرانًا ورحمة. إذن المسيح لم يمنع الصلاة لأجل غير المؤمنين، بل مارسها بنفسه.

رابعًا: المسيح مات لأجل خطايا العالم

لا يمكن تفسير يوحنا 17: 9 كدليل على أن المسيح لا يهتم بالعالم، لأن إنجيل يوحنا نفسه يقول:

«لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.»

يوحنا 3: 16

ويقول يوحنا في رسالته:

«وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا.»

1 يوحنا 2: 2

كما يقول بولس:

«وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.»

رومية 5: 8

فالمسيح الذي مات لأجل الخطاة والعالم لا يمكن أن يكون ضد الصلاة لأجل غير المؤمنين. لكن يوحنا 17 له موضوع خاص ومحدد.

خامسًا: المسيح علّم تلاميذه أن يصلّوا لأجل الحصاد

قال الرب يسوع لتلاميذه:

«إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ.»

لوقا 10: 2

وهذا الطلب مرتبط بالكرازة وخلاص الناس. فالصلاة لأجل إرسال فعلة إلى الحصاد هي في جوهرها صلاة لأجل امتداد الرسالة إلى الذين لم يؤمنوا بعد. إذن تعليم المسيح نفسه يتضمن الصلاة لأجل وصول الإنجيل إلى العالم.

سادسًا: الرسل أوصوا بالصلاة لأجل جميع الناس

يقول بولس الرسول:

«فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ.»

1 تيموثاوس 2: 1

ثم يربط هذا بإرادة الله الخلاصية:

«الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ.»

1 تيموثاوس 2: 4

فلو كان يوحنا 17: 9 يعني منع الصلاة لأجل العالم، لما أوصى الرسول بالصلاة لأجل جميع الناس. لكن لا تناقض؛ لأن يوحنا 17 صلاة خاصة، أما 1 تيموثاوس فيتكلم عن واجب الكنيسة العام في الصلاة لأجل الجميع.

سابعًا: بولس صلى لأجل خلاص غير المؤمنين

قال بولس عن شعبه غير المؤمن بالمسيح:

«أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِي وَطَلْبَتِي إِلَى اللهِ لأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِيَ لِلْخَلاَصِ.»

رومية 10: 1

هذه صلاة صريحة لأجل خلاص غير المؤمنين من بني إسرائيل. وهذا يثبت أن الكنيسة الأولى لم تفهم يوحنا 17: 9 كمنع للصلاة لأجل غير المؤمنين.

ثامنًا: معنى “العالم” في يوحنا قد يختلف بحسب السياق

كلمة «العالم» في إنجيل يوحنا قد تُستخدم بمعانٍ متعددة. أحيانًا تعني البشرية التي أحبها الله ودعاها للخلاص:

«لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ…»

يوحنا 3: 16

وأحيانًا تشير إلى النظام الرافض لله والمقاوم للمسيح وتلاميذه. ففي نفس صلاة يوحنا 17 يقول المسيح:

«أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كَلاَمَكَ، وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ، كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ.»

يوحنا 17: 14

ففي يوحنا 17، «العالم» يظهر بوصفه المجال الرافض الذي يبغض التلاميذ. لذلك يركز المسيح على حفظ تلاميذه وهم داخل هذا العالم.

تاسعًا: المسيح يصلي لأجل التلاميذ لكي يشهدوا للعالم

المفارقة المهمة أن صلاة المسيح لأجل التلاميذ ليست ضد العالم، بل لأجل الرسالة إلى العالم. فهو يصلي لكي يكونوا محفوظين ومقدسين ومتحدين، حتى يحملوا شهادته للعالم.

قال المسيح:

«كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.»

يوحنا 17: 18

ثم قال عن وحدة المؤمنين:

«لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.»

يوحنا 17: 21

إذن حتى صلاة المسيح لأجل التلاميذ لها غاية كرازية: «ليؤمن العالم». وهذا ينسف فهم الآية كأن المسيح لا يهتم بالعالم أو لا يريد خلاص غير المؤمنين.

عاشرًا: جدول يوضح الفرق بين يوحنا 17 ولوقا 23

يوحنا 17: 9 لوقا 23: 34
صلاة شفاعية خاصة صلاة غفران على الصليب
تركيزها على التلاميذ موجهة لأجل الصالبين
هدفها حفظ الرسل ووحدتهم وتقديسهم هدفها طلب الرحمة والغفران للجهال
لا تنفي الصلاة لأجل العالم عمومًا تثبت أن المسيح صلى لأجل غير المؤمنين

حادي عشر: هل هذا اختلاف أم تناقض؟

لا يوجد تناقض بين يوحنا 17: 9 ولوقا 23: 34. الأول يحدد موضوع صلاة معينة: التلاميذ. والثاني يذكر صلاة أخرى في سياق آخر: طلب الغفران للذين صلبوه. اختلاف موضوع الصلاة لا يعني تناقضًا.

التناقض كان سيحدث لو قال المسيح: “لا يجوز الصلاة أبدًا لأجل غير المؤمنين”، ثم صلى لأجلهم. لكنه لم يقل ذلك. بل قال في صلاة محددة: «مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ»، أي أن تركيزه في تلك الصلاة عليهم.

خلاصة الفكرة:
يوحنا 17: 9 يحدد تركيز صلاة المسيح الشفاعية، ولا يمنع الصلاة لأجل غير المؤمنين. المسيح صلى لأجل صالبيه، ومات لأجل العالم، وعلّم تلاميذه أن يصلّوا لأجل امتداد الحصاد.

خلاصة دفاعية

قول المسيح: «لست أسأل من أجل العالم» في يوحنا 17: 9 لا يعني أنه لم يصلِّ أبدًا لأجل غير المؤمنين، ولا أنه منع تلاميذه من الصلاة لأجل العالم. المقصود أن صلاته الكهنوتية في يوحنا 17 كانت مركزة على التلاميذ الذين أعطاهم الآب له، لكي يحفظهم ويقدسهم ويوحدهم ويرسلهم إلى العالم.

أما في مواضع أخرى، فنرى بوضوح أن المسيح يهتم بالعالم وغير المؤمنين: فقد صلى على الصليب لأجل صالبيه، ومات لأجل خطايا العالم، وعلّم تلاميذه أن يصلوا من أجل إرسال فعلة إلى الحصاد. كما أوصى الرسل بالصلاة لأجل جميع الناس، وصلى بولس لأجل خلاص غير المؤمنين من شعبه. لذلك فالشبهة تزول بمجرد فهم أن يوحنا 17: 9 يتكلم عن تركيز صلاة معينة، لا عن منع مطلق للصلاة لأجل العالم.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 421. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل صلى المسيح لأجل غير المؤمنين أم لم يصلِّ لأجل العالم؟ يوحنا 17: 9 — الرد على شبهة يوحنا 17: 9 ولوقا 23: 34 حول صلاة المسيح لأجل التلاميذ وغير المؤمنين

الوسوم: