تخطى إلى المحتوى

هل الخلود شيء نملكه الآن أم نناله في القيامة؟ رومية 2: 7

  • بواسطة

هل الخلود شيء نملكه الآن أم نناله في القيامة؟ رومية 2: 7

كيف يطلب الإنسان الخلود مع أن النفس لا تفنى بالموت؟

هل الخلود شيء نملكه الآن أم نناله في القيامة؟ رومية 2: 7
هل الخلود شيء نملكه الآن أم نناله في القيامة؟ رومية 2: 7

قال الرسول بولس عن الذين يطلبون الحياة الأبدية:

«أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ» (رومية 2: 7).

وقد يتساءل البعض: كيف يتكلم بولس عن طلب «البقاء» أو الخلود، وكأن الإنسان لا يملكه بعد، بينما يعلّم الكتاب أن النفس لا تُدمَّر بالموت الجسدي؟

فالرب يسوع قال:

«وَلكِنْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هذَا خَافُوا!» (لوقا 12: 5).

كما يعلّم بولس أن المؤمن، بعد الموت، يكون مع الرب:

«فَنَثِقُ وَنُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ» (2 كورنثوس 5: 8).

«لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (فيلبي 1: 23).

فهل الخلود موجود بالفعل في النفس؟ أم أن الإنسان لا ينال الخلود إلا عند القيامة؟

الإجابة المختصرة

لا يوجد تناقض. الكتاب يستخدم معنى خاصًا لكلمة «الخلود» عندما يتكلم عن حالة الإنسان الكاملة بعد القيامة، أي عندما يقوم الجسد غير قابل للموت. بهذا المعنى، الخلود يُنال في القيامة. لكن هذا لا يعني أن النفس تفنى عند الموت الجسدي؛ فالنفس تبقى واعية بعد الموت، إما في حضور الرب إن كانت مخلّصة، أو في حالة دينونة إن كانت هالكة. لذلك يمكن القول إن النفس لا تفنى بالموت، لكن الإنسان الكامل، نفسًا وجسدًا، ينال الخلود الكامل في القيامة.

الفكرة الأساسية: النفس لا تُدمَّر بالموت الجسدي، لكن الخلود الكتابي الكامل هو خلود الإنسان كله، نفسًا وجسدًا، في القيامة.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقوم على أن بولس يتكلم في رومية 2: 7 عن أناس «يطلبون» الخلود، وكأنهم لا يملكونه بعد. ويقول أيضًا في موضع آخر عن القيامة:

«لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسَ عَدَمَ مَوْتٍ» (1 كورنثوس 15: 53).

لكن في المقابل، يقول الكتاب إن النفس لا تُمحى بالموت الجسدي، وإن المؤمن يكون مع المسيح بعد الموت. فهل الإنسان خالد الآن، أم يصير خالدًا فقط في القيامة؟

أولًا: الكتاب يستعمل «الخلود» غالبًا لحالة القيامة

بحسب استخدام الكتاب، تُحفظ كلمة «الخلود» أو «عدم الموت» بصورة خاصة لحالة الإنسان في القيامة، حين يقوم الجسد غير قابل للموت. فالمسيح هو باكورة الراقدين، وأول من قام بجسد ممجد لا يموت بعد:

«وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ» (1 كورنثوس 15: 20).

وبهذا المعنى، يقول بولس إن المسيح:

«أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ» (2 تيموثاوس 1: 10).

إذن، الخلود في معناه الكامل ليس مجرد استمرار النفس بعد الموت، بل نصرة كاملة على الموت تشمل الجسد أيضًا.

ثانيًا: النفس لا تفنى بالموت الجسدي

مع أن الخلود الكامل يُنال في القيامة، إلا أن هذا لا يعني أن النفس تفنى أو تنعدم عند الموت الجسدي. فالرب يسوع ميّز بين قتل الجسد وبين سلطان الله على مصير الإنسان بعد الموت:

«وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ» (متى 10: 28).

فالبشر يستطيعون قتل الجسد، لكنهم لا يستطيعون إعدام النفس أو جعلها غير موجودة. وهذا يوضح أن النفس تستمر بعد الموت الجسدي، ولا تُدمَّر بفعل الموت كما يُدمَّر الجسد.

ثالثًا: المؤمن يكون مع الرب بعد الموت

يؤكد بولس أن المؤمن بعد مفارقة الجسد يكون عند الرب:

«أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ» (2 كورنثوس 5: 8).

ويقول أيضًا:

«أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (فيلبي 1: 23).

فلو كانت النفس تفنى أو تنام بمعنى انعدام الوعي الكامل، لما كان الانطلاق من الجسد «أفضل جدًا» بمعنى الوجود مع المسيح. إذن، النفس تبقى بعد الموت في حالة واعية، والمؤمن يكون مع الرب منتظرًا قيامة الجسد.

رابعًا: الهالك أيضًا يبقى واعيًا للدينونة

الكتاب لا يعلّم فقط ببقاء نفس المؤمن بعد الموت، بل يتكلم أيضًا عن حالة واعية للهالك. في قصة الغني ولعازر قال الرب يسوع:

«فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ» (لوقا 16: 22-23).

وسفر الرؤيا يتكلم عن النفوس التي استُشهدت وهي واعية أمام الله:

«وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الْخَامِسَ، رَأَيْتُ تَحْتَ الْمَذْبَحِ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ الشَّهَادَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ» (رؤيا 6: 9).

وهذا يؤكد أن الموت الجسدي لا يعني فناء النفس أو انعدامها.

تمييز مهم: بقاء النفس بعد الموت لا يعني أن الإنسان نال بعدُ اكتمال الخلود؛ فالاكتمال يكون بقيامة الجسد واتحاد النفس والجسد في حالة لا موت فيها.

خامسًا: الإنسان الكامل ينال الخلود في القيامة

الإنسان في الكتاب ليس نفسًا فقط، ولا جسدًا فقط، بل كائن كامل. لذلك فخلاص الإنسان الكامل لا يكتمل بمجرد بقاء النفس بعد الموت، بل بقيامة الجسد أيضًا.

في القيامة، يلبس الجسد الفاسد عدم فساد، والجسد المائت عدم موت:

«لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسَ عَدَمَ مَوْتٍ» (1 كورنثوس 15: 53).

بهذا المعنى، الخلود شيء يُنال في القيامة. ليس لأن النفس كانت فانية قبل ذلك، بل لأن الجسد أيضًا يدخل في حالة عدم الموت.

سادسًا: الله وحده خالد بذاته

حتى عندما نقول إن النفس لا تفنى، أو إن الإنسان سيقوم إلى الخلود، يجب أن نميّز بين خلود الله وخلود الإنسان. الله وحده له الخلود الذاتي غير المشتق:

«الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ» (1 تيموثاوس 6: 16).

فخلود الإنسان ليس ذاتيًا مثل خلود الله. الإنسان له بداية، ووجوده مستمد من الله. أما الله فليس له بداية ولا نهاية، وخلوده كائن فيه بذاته. لذلك كل خلود يملكه الإنسان هو عطية مشتقة من الله، لا صفة ذاتية مستقلة.

سابعًا: كيف نلخص الفرق؟

يمكن تلخيص التمييز هكذا:

النفس غير فانية بهذا المعنى النفس ليست خالدة مثل الله بهذا المعنى
لا يستطيع الإنسان إبادتها الله وحده غير قابل للموت بذاته
تستمر بعد الموت الجسدي ليست لها وجود ذاتي مستقل عن الله
لها بداية ولا نهاية من جهة استمرارها ليست أزلية بلا بداية مثل الله
وجودها مشتق من الله خلودها ليس جوهريًا كخلود الله

إذن، يمكن أن نقول إن النفس «خالدة» بمعنى أنها لا تُقتل بالموت الجسدي ولا تنعدم، لكن لا نقول إنها خالدة مثل الله أو أنها تملك عدم الموت الكامل للإنسان كله قبل القيامة.

هل نملك الخلود أم نطلبه؟

نملك الآن بقاء النفس بعد الموت، لأن النفس لا تنتهي بانتهاء الحياة الجسدية. لكننا نطلب الخلود الكامل الذي سيظهر في القيامة، حين يقوم الجسد ممجدًا وغير قابل للموت.

لذلك، لا تناقض بين أن يقول الكتاب إن النفس تبقى بعد الموت، وبين أن يقول إن الإنسان يطلب الخلود ويناله في القيامة. الأول يتكلم عن استمرار النفس، والثاني يتكلم عن اكتمال خلاص الإنسان كله في جسد القيامة.

المبدأ الدفاعي: الخلود ليس كلمة تُستخدم دائمًا بنفس المعنى. أحيانًا تعني بقاء النفس بعد الموت، وأحيانًا تعني الحالة الكاملة للإنسان المقام بجسد لا يموت.

الرد المختصر على الشبهة

الكتاب يتكلم عن الخلود بمعنيين. من جهة النفس، فهي لا تُدمَّر بالموت الجسدي، بل تستمر بعد الموت؛ فالمؤمن يكون مع المسيح، والهالك يبقى في حالة دينونة واعية. لكن من جهة الإنسان الكامل، نفسًا وجسدًا، فالخلود الكامل يُنال في القيامة، حين يلبس الجسد المائت عدم موت. لذلك فالخلود من جهة النفس حاضر بمعنى الاستمرار، لكنه من جهة الجسد والإنسان الكامل يُنال في القيامة.

الخلاصة

رومية 2: 7 لا تنفي بقاء النفس بعد الموت، و1 كورنثوس 15 لا تعني أن النفس كانت تفنى قبل القيامة. بل الكتاب يميّز بين بقاء النفس بعد الموت وبين الخلود الكامل للإنسان في القيامة. الله وحده خالد بذاته، أما الإنسان فكل خلود له هو عطية من الله. فالنفس لا تُدمَّر بالموت، والجسد سينال عدم الموت في القيامة، وبهذا يكتمل خلود الإنسان كله بنعمة الله.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 439). Victor Books: Wheaton, Illinois.

هل الخلود شيء نملكه الآن أم نناله في القيامة؟ رومية 2: 7