تخطى إلى المحتوى

كيف يكون فرعون مسؤولًا إذا كان الله قد قسّى قلبه؟ رومية 9: 17

  • بواسطة

كيف يكون فرعون مسؤولًا إذا كان الله قد قسّى قلبه؟ رومية 9: 17

هل تقسية قلب فرعون تلغي حريته ومسؤوليته عن رفض أمر الله؟

كيف يكون فرعون مسؤولًا إذا كان الله قد قسّى قلبه؟ رومية 9: 17
كيف يكون فرعون مسؤولًا إذا كان الله قد قسّى قلبه؟ رومية 9: 17

قال الرسول بولس عن فرعون:

«لأَنَّهُ يَقُولُ الْكِتَابُ لِفِرْعَوْنَ: إِنِّي لِهذَا بِعَيْنِهِ أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُظْهِرَ فِيكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُنَادَى بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ» (رومية 9: 17).

وهذا يرجع إلى ما قاله الله في سفر الخروج:

«وَلَكِنْ لأَجْلِ هذَا أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُرِيَكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُخْبَرَ بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ» (خروج 9: 16).

كما يقول سفر الخروج في أكثر من موضع إن الله قسّى قلب فرعون:

«وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: عِنْدَمَا تَذْهَبُ لِتَرْجعَ إِلَى مِصْرَ، انْظُرْ جَمِيعَ الْعَجَائِبِ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِي يَدِكَ وَاصْنَعْهَا قُدَّامَ فِرْعَوْنَ. وَلكِنِّي أُشَدِّدُ قَلْبَهُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ الشَّعْبَ» (خروج 4: 21).

«وَأَنَا أُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ، وَأُكَثِّرُ آيَاتِي وَعَجَائِبِي فِي أَرْضِ مِصْرَ» (خروج 7: 3).

وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان الله هو الذي أقام فرعون لهذا الغرض، وهو الذي قسّى قلبه، فكيف يكون فرعون مسؤولًا عن عناده ورفضه؟ أليس من الظلم أن يحاسب الله فرعون على ما استخدمه الله نفسه لتحقيق قصده؟

الإجابة المختصرة

لا تلغي تقسية الله لقلب فرعون مسؤولية فرعون، لأن فرعون رفض الله أولًا وقسّى قلبه بإرادته قبل أن يرد ذكر تقسية الله له في سياق الضربات. الله، بعلمه السابق، كان يعرف عناد فرعون واستخدمه لإظهار قوته وخلاص شعبه. فالله لم يجعل فرعون بريئًا ثم أجبره على الشر، بل سمح لعناد فرعون أن يتصلّب ويظهر، واستخدم شره لتحقيق غرض صالح. لذلك يبقى فرعون مسؤولًا عن رفضه، ويبقى الله صاحب السلطان الذي يحوّل مقاومة الإنسان إلى إعلان لمجده.

الفكرة الأساسية: فرعون قسّى قلبه أولًا، والله استخدم عناده الذي سبق وعلمه ليتمم خطة الخلاص ويعلن قوته، دون أن يعفي فرعون من المسؤولية.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقوم على الجمع بين أمرين: أن الله أعلن أنه أقام فرعون ليظهر قوته فيه، وأن الله قسّى قلب فرعون. فيُقال: إن كان الله هو من قسّى قلبه، فكيف يحاسبه؟ وإن كان فرعون أداة في قصد الله، فهل كان حرًا فعلًا؟

لكن الكتاب لا يقدم فرعون كإنسان بريء أجبره الله على الشر، بل كملك متكبر يرفض الله منذ البداية، ويقاوم أمره، ثم يستخدم الله عناده في إعلان الدينونة والخلاص.

أولًا: الله سبق فعلم كيف سيستجيب فرعون

الله، في علمه الكامل، كان يعرف مسبقًا أن فرعون لن يطلق الشعب بسهولة. قبل أن تبدأ المواجهة، قال الله لموسى:

«وَلكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ مَلِكَ مِصْرَ لاَ يَدَعُكُمْ تَمْضُونَ وَلاَ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ» (خروج 3: 19).

إذن، عناد فرعون لم يكن مفاجأة لله. الله لم يكتشف موقف فرعون بعد ذلك، بل كان يعلم رفضه مسبقًا، وضمن هذا العلم السابق رتب أن يستخدم مقاومة فرعون لإظهار قدرته وتحرير شعبه.

لكن علم الله السابق لا يعني أن فرعون لم يختر. معرفة الله بما سيفعله الإنسان لا تجعل الإنسان غير مسؤول عن فعله. الله عرف عناد فرعون، وفرعون مارس هذا العناد بإرادته.

ثانيًا: فرعون قسّى قلبه أولًا

من المهم جدًا ملاحظة أن فرعون بدأ بالرفض والعناد قبل موضع الاقتباس الذي يستعمله بولس في رومية 9. عندما جاء موسى وهرون إلى فرعون قائلين له إن الرب يأمره أن يطلق شعبه، أجاب فرعون:

«مَنْ هُوَ الرَّبُّ حَتَّى أَسْمَعَ لِقَوْلِهِ فَأُطْلِقَ إِسْرَائِيلَ؟ لاَ أَعْرِفُ الرَّبَّ، وَإِسْرَائِيلَ لاَ أُطْلِقُهُ» (خروج 5: 2).

هذا الرفض واضح ومباشر. فرعون لم يكن يبحث عن الحق ثم مُنع قسرًا من قبوله، بل أعلن احتقاره لأمر الرب ورفضه إطلاق الشعب.

وموضع الاقتباس الذي يستعمله بولس في رومية 9: 17 يرجع إلى خروج 9: 16، أي في سياق الضربة السادسة، بعد أن كان فرعون قد أظهر عناده مرارًا. لذلك، لا يصح تصوير الأمر كأن الله قسّى قلب فرعون قبل أي رفض منه، ثم حاسبه على شيء لم يختره.

ثالثًا: تقسية الله لا تعني إلغاء إرادة فرعون

تقسية الله لقلب فرعون لا ينبغي أن تُفهم كأن الله خلق شرًا جديدًا في قلب إنسان بريء، بل كدينونة إلهية تسمح للقلب المتكبر أن يزداد تصلبًا في الطريق الذي اختاره.

فرعون أراد مقاومة الرب، والله ترك هذا العناد يظهر ويتعمق، بل استخدمه لتحقيق قصده. لذلك فالتقسية لا تنفي أن فرعون كان رافضًا ومتعاليًا ومسؤولًا.

تمييز مهم: الله لم يُجبِر فرعون على محبة الشر ضد إرادته، بل استخدم إرادة فرعون العنيدة التي اختارت رفض الله.

رابعًا: الله عيّن الوسائل والغاية معًا

الله لم يعيّن فقط نهاية القصة، وهي خروج إسرائيل من مصر، بل عيّن أيضًا الطريق الذي سيتم به ذلك، بما في ذلك استخدام عناد فرعون لإظهار قوة الله من خلال الضربات.

لكن هذا لا يجعل أفعال فرعون صالحة أو بريئة. فرعون قاوم أمر الله بحرية مسؤولة، والله استخدم هذه المقاومة لتحقيق هدف أعظم: إعلان اسمه في كل الأرض وخلاص شعبه من العبودية.

وهذا يبيّن أن سلطان الله لا يتعارض مع مسؤولية الإنسان. الله يستطيع أن يستخدم حتى شر الإنسان دون أن يكون هو مصدر الشر أو دون أن يعفي الإنسان من حسابه.

خامسًا: الله يستخدم شر الإنسان لإظهار مجده دون أن يبرر الشر

من المبادئ المهمة في الكتاب أن الله قادر أن يستخدم أفعال البشر الشريرة ليخرج منها خيرًا أعظم، دون أن تصبح هذه الأفعال نفسها صالحة أو دون أن يُعفى فاعلوها من المسؤولية.

قصة يوسف مثال واضح. إخوة يوسف باعوه شرًا، لكن الله استخدم هذا الشر لإنقاذ حياة كثيرين في زمن المجاعة. قال يوسف لإخوته:

«أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا» (تكوين 50: 20).

إخوة يوسف كانوا مسؤولين عن شرهم، ومع ذلك استخدم الله شرهم في خطة صالحة. وبنفس الطريقة، فرعون كان مسؤولًا عن عناده، ومع ذلك استخدم الله عناده لإظهار قوته وتحرير شعبه.

سادسًا: الله أقام فرعون لا ليعفيه من الحساب بل ليظهر سلطانه

قول الله:

«لأَجْلِ هذَا أَقَمْتُكَ» (خروج 9: 16).

لا يعني أن فرعون صار خارج المسؤولية الأخلاقية. بل يعني أن الله في سيادته سمح له أن يصل إلى هذا الموضع والسلطان، وأن يبقى في المشهد حتى تظهر قوة الله من خلال مواجهته.

فالله لم يكن عاجزًا عن إزالة فرعون منذ أول ضربة، لكنه أطال المواجهة حتى تكون الضربات إعلانًا لقوته ودينونته على آلهة مصر، وحتى يعرف الجميع أن الرب هو الإله الحقيقي.

سابعًا: عناد فرعون كشف ما في قلبه

الضربات لم تجعل فرعون شريرًا من العدم، بل كشفت ما في قلبه. في كل مرة كان يرى آية من آيات الله، كان أمامه أن يتضع ويطيع، لكنه كان يزداد رفضًا وتصلبًا.

وهذا يوضح أن المشكلة لم تكن نقص الأدلة. فرعون رأى أعمال الله المتكررة، ومع ذلك قاوم. لذلك تكون مسؤوليته أعظم، لا أقل.

ثامنًا: هل استخدام الله لفرعون يجعل الله مسؤولًا عن شر فرعون؟

لا. هناك فرق بين أن يستخدم الله شرًا موجودًا في الإنسان لتحقيق قصد صالح، وبين أن يكون الله هو فاعل الشر أو محرض الإنسان عليه بطريقة تلغي مسؤوليته.

الكتاب يعلن أن الله قدوس وعادل، ولا يخطئ ولا يظلم. وفي الوقت نفسه، يعلن أنه سيد التاريخ، قادر أن يوجّه حتى مقاومة الأشرار لتخدم مقاصده.

لذلك، فرعون مسؤول عن شره، والله ممجد في تحويل عناد فرعون إلى إعلان لقوته وخلاصه.

المبدأ الدفاعي: قصد الله الصالح لا يجعل قصد الإنسان الشرير صالحًا. الإنسان يُحاسَب على قصده وفعله، والله يتمجد في سيادته على النتائج.

تاسعًا: لماذا يقول بولس هذا في رومية 9؟

بولس يستخدم مثال فرعون ليؤكد سلطان الله المطلق في التاريخ والخلاص والدينونة. فالله ليس خاضعًا لإرادة الملوك، ولا يعجز أمام قساوة البشر. حتى فرعون، أقوى ملوك زمانه، لم يستطع أن يعطل قصد الله.

لكن بولس لا يستخدم القصة ليقول إن الإنسان بلا مسؤولية، بل ليعلن أن إرادة الله أقوى من مقاومة الإنسان، وأن الله يستطيع أن يظهر مجده حتى من خلال من يقاومونه.

هل كان فرعون يستطيع أن يطيع؟

فرعون أُعطي أوامر واضحة وفرصًا متعددة. الرسالة كانت واضحة: أطلق شعبي. والآيات كانت واضحة. لكنه رفض. لذلك فالكتاب يعامله كمسؤول عن رفضه، لا كآلة بلا إرادة.

تقسية القلب في قصته هي دينونة على قلب متكبر اختار العناد، وليست إلغاءً لمسؤوليته.

الرد المختصر على الشبهة

فرعون ليس معفيًا من المسؤولية لأن الله قسّى قلبه. فالله سبق فعلم عناد فرعون، وفرعون قسّى قلبه أولًا ورفض أمر الرب بقوله: «من هو الرب حتى أسمع لقوله؟». ثم استخدم الله هذا العناد لإظهار قوته وتحرير شعبه. تقسية الله لا تعني إجبار إنسان بريء على الشر، بل دينونة تسمح للقلب المتكبر أن يستمر في الطريق الذي اختاره، بينما يحوّل الله مقاومته إلى إعلان لمجده.

الخلاصة

رومية 9: 17 لا تلغي حرية فرعون ولا مسؤوليته. الله أقام فرعون واستخدم عناده لإظهار قوته، لكنه لم يجعل فرعون بريئًا من رفضه. فرعون اختار مقاومة الرب وقسّى قلبه أولًا، والله بعلمه السابق وسيادته استخدم هذا الشر لتحقيق خلاص شعبه وإعلان اسمه. لذلك يبقى الإنسان مسؤولًا عن شره، ويبقى الله قادرًا أن يستخدم حتى مقاومة الأشرار لتحقيق مقاصده الصالحة.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 444). Victor Books: Wheaton, Illinois.

كيف يكون فرعون مسؤولًا إذا كان الله قد قسّى قلبه؟ رومية 9: 17