كيف يقول بولس إن الرؤساء لم يعرفوا المسيح مع أنهم حاكموه؟ 1 كورنثوس 2: 8
هل جهل الرؤساء كان جهلًا بشخص يسوع أم بسرّ الفداء ومعنى الصليب؟

قال الرسول بولس عن حكمة الله المكتومة في سرّ الفداء:
«الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ» (1 كورنثوس 2: 8).
وقد يعترض البعض قائلًا: كيف يقول بولس إن رؤساء هذا الدهر لم يعرفوا المسيح، مع أن المسيح وقف فعلًا أمام رؤساء اليهود والرومان؟ فقد وقف أمام قيافا، وبيلاطس، وهيرودس، وغيرهم من أصحاب السلطان، كما تذكر الأناجيل في أحداث المحاكمة والصلب.
فهل كان بولس يقصد أنهم لم يعرفوا شخص يسوع تاريخيًا؟ أم أنه يقصد أنهم لم يعرفوا سرّ المسيح، أي معنى الفداء الإلهي الذي كان يتم من خلال الصليب؟
الإجابة المختصرة
بولس لا يقول إن الرؤساء لم يعرفوا وجود يسوع أو لم يروه أو لم يشاركوا في محاكمته وصلبه. بل يقول إنهم لم يعرفوا «حكمة الله في سرّ» الفداء، ولم يدركوا هوية المسيح الحقيقية ولا معنى ما كانوا يفعلونه. لقد عرفوا يسوع من الناحية التاريخية والاجتماعية، وعرفوا أنهم يسلّمونه للصلب، لكنهم فعلوا ذلك في جهل روحي وعمى أخلاقي، غير مدركين أنهم يصلبون «رب المجد» وأن الصليب هو طريق الله للفداء.
الفكرة الأساسية: الرؤساء عرفوا يسوع خارجيًا، لكنهم لم يعرفوا سرّ المسيح ولا معنى الصليب في خطة الله.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على أن بولس يقول:
«لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ» (1 كورنثوس 2: 8).
ومع ذلك، فالأناجيل تذكر أن يسوع وقف أمام رؤساء دينيين وسياسيين. فقد حوكم أمام المجمع ورئيس الكهنة، ثم أُرسل إلى بيلاطس، وظهر أمام هيرودس، ثم صدر الحكم بصلبه.
إذن، لا يمكن أن يكون المقصود أنهم لم يعرفوا أن شخصًا اسمه يسوع كان أمامهم. المقصود أعمق من ذلك: لم يعرفوا حقيقة شخصه وسرّ عمله الخلاصي.
أولًا: بولس يتكلم عن «سرّ» حكمة الله
السياق السابق مباشرة يوضح المقصود. بولس لا يتكلم فقط عن معرفة تاريخية بشخص يسوع، بل عن حكمة الله المكتومة:
«بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرٍّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا» (1 كورنثوس 2: 7).
ثم يقول:
«الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ» (1 كورنثوس 2: 8).
إذن، ما لم يعرفوه هو «حكمة الله في سر»، أي قصد الله الخلاصي في المسيح المصلوب. لم يدركوا أن الصليب، الذي ظنوه هزيمة أو وسيلة للتخلص من يسوع، هو في الحقيقة طريق الله للفداء والمجد.
ثانيًا: السرّ في العهد الجديد ليس شيئًا خياليًا بل إعلان إلهي كان مخفيًا
كلمة «سر» في العهد الجديد لا تعني لغزًا غامضًا بلا معنى، بل تعني قصدًا إلهيًا كان مكتومًا ثم أعلنه الله. وهذا يظهر في كلام بولس عن سر المسيح:
«أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ، كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ، الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ» (أفسس 3: 3-4).
فالرؤساء لم يكونوا يجهلون مجرد وجود يسوع، بل كانوا يجهلون سرّه: من هو في الحقيقة، وما الذي كان الله يفعله من خلال موته.
ثالثًا: كانوا يعرفون أنهم سلّموا المسيح للصلب
لا يقول الكتاب إنهم لم يعرفوا أنهم شاركوا في صلب يسوع. بل كانوا واعين من جهة الحدث الظاهر. وقد أشار المسيح في مثل الكرامين إلى معرفة القادة بأنهم يريدون قتل الوارث:
«وَأَمَّا الْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوُا الابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ!» (متى 21: 38).
فمن جهة العمل الخارجي، كانوا يعرفون أنهم يرفضون يسوع ويسلمونه للموت. لكنهم لم يعرفوا عمق ما يفعلونه: أنهم يرفضون رب المجد، وأن صلبه سيكون أداة الفداء التي قصدها الله.
رابعًا: فعلوا ذلك في جهل روحي
بعد القيامة، قال بطرس لليهود:
«وَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضًا» (أعمال 3: 17).
هذا النص يوضح المعنى بدقة. هم عملوا فعلًا، وكانوا مسؤولين، لكنهم عملوا «بجهالة». والجهل هنا ليس أنهم لم يعرفوا أن يسوع موجود أو أنه صُلب، بل أنهم لم يدركوا حقيقة شخصه ولا قصد الله في آلامه.
تمييز مهم: الجهل لا يعني غياب المعلومة الخارجية فقط، بل قد يعني العمى الروحي عن معنى الحدث وحقيقة الشخص.
خامسًا: الجهل لا يلغي المسؤولية
قول بطرس إنهم فعلوا ذلك بجهالة لا يعني أنهم بلا خطية أو بلا مسؤولية. فالجهل قد يكون ناتجًا عن العمى الأخلاقي، ورفض النور، وقساوة القلب. لذلك دعاهم بطرس إلى التوبة:
«فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ» (أعمال 3: 19).
إذن، هم كانوا جهالًا بمعنى أنهم لم يدركوا سرّ الفداء، لكنهم كانوا مسؤولين لأنهم رفضوا النور الذي أُعطي لهم، ورفضوا شهادة المسيح وأعماله.
سادسًا: كانوا عميانًا أخلاقيًا وروحيًا
قال المسيح لتلاميذه عن الذين سيضطهدونهم:
«وَسَيَفْعَلُونَ هذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي» (يوحنا 16: 3).
هذا لا يعني أنهم لم يسمعوا عن يسوع أو لم يروا أعماله، بل يعني أنهم لم يعرفوه معرفة إيمان وحق. لقد رأوا، لكنهم لم يؤمنوا. سمعوا، لكنهم لم يفهموا. تعاملوا معه سياسيًا ودينيًا، لكنهم لم يدركوا أنه رب المجد.
وهذا هو معنى الجهل في 1 كورنثوس 2: 8: ليس جهلًا بوجود يسوع، بل جهلًا بحقيقته وبسرّ الصليب.
سابعًا: لو عرفوا السرّ لما صلبوا رب المجد
يقول بولس:
«لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ» (1 كورنثوس 2: 8).
المعنى أن معرفتهم الحقيقية بهوية المسيح ومجد عمله كانت ستغيّر موقفهم. لو أدركوا أنه رب المجد، وأن موته هو مركز حكمة الله ومفتاح الفداء، لما أقدموا على صلبه بهذا العمى والرفض.
لكن لأنهم رأوا فيه خطرًا سياسيًا أو دينيًا أو منافسًا لسلطانهم، لم يروا فيه المخلّص ولا رب المجد.
ثامنًا: معرفة الحدث ليست مثل معرفة معناه
يمكن للإنسان أن يعرف الحدث من الخارج، ولا يفهم معناه من الداخل. فالرؤساء عرفوا أن يسوع صُلب، لكنهم لم يعرفوا أن هذا الصليب هو ذبيحة الخلاص. عرفوا أنهم أسلموه للموت، لكنهم لم يعرفوا أنهم يتممون، دون قصد منهم، خطة الله للفداء.
وهذا يشبه من يرى بابًا عاديًا ولا يعرف أنه باب النجاة الوحيد، أو يرى حجرًا مرذولًا ولا يعرف أنه حجر الزاوية. المعرفة الخارجية لا تكفي إن غابت البصيرة الروحية.
تاسعًا: الصليب كان في نظرهم هزيمة لكنه في حكمة الله خلاص
في نفس الرسالة، يشرح بولس أن الصليب يبدو للبعض جهالة، لكنه في الحقيقة قوة الله وحكمة الله:
«فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ» (1 كورنثوس 1: 18).
فالرؤساء نظروا إلى الصليب بعين السلطة والسياسة والدين الظاهري، لا بعين الإيمان. لذلك لم يعرفوا أن من صلبوه هو رب المجد، وأن الصليب هو إعلان حكمة الله المكتومة.
المبدأ الدفاعي: حضور الإنسان في الحدث لا يعني أنه فهم قصد الله في الحدث. الرؤساء حضروا المحاكمة، لكنهم لم يفهموا سرّ الفداء.
هل يناقض بولس روايات المحاكمة في الأناجيل؟
لا. الأناجيل تقول إن يسوع وقف أمام قادة اليهود والرومان. وبولس لا ينكر هذا. لكنه يتكلم عن نوع آخر من المعرفة: معرفة سرّ المسيح وربوبيته ومعنى موته.
إذن، لا يوجد تعارض بين القول إن الرؤساء رأوا يسوع وحاكموه، وبين القول إنهم لم يعرفوا حكمة الله فيه. عرفوه خارجيًا، لكنهم لم يعرفوه روحيًا ولا لاهوتيًا.
الرد المختصر على الشبهة
بولس لا يقول إن الرؤساء لم يروا المسيح أو لم يعرفوا أنه يسوع الناصري الذي حاكموه وصلبوه. بل يقول إنهم لم يعرفوا حكمة الله المكتومة وسرّ الفداء في المسيح. لقد صلبوه في جهل روحي وعمى أخلاقي، كما قال بطرس إنهم فعلوا ذلك «بجهالة». كانوا واعين بالحدث، لكنهم لم يدركوا هوية «رب المجد» ولا معنى الصليب في خطة الله.
الخلاصة
1 كورنثوس 2: 8 لا يناقض محاكمة المسيح أمام الرؤساء. فالرؤساء عرفوا يسوع من الخارج، وتعاملوا معه سياسيًا ودينيًا، وشاركوا في تسليمه للصلب. لكنهم لم يعرفوا سرّه، ولا ربوبيته، ولا حكمة الله في الصليب. لذلك قال بولس إنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد؛ لأن المعرفة المقصودة هنا ليست مجرد معرفة الحدث، بل معرفة حقيقة المسيح ومعنى الفداء.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 448). Victor Books: Wheaton, Illinois.