هل كان كلام بولس مجرد رأي شخصي؟ 1 كورنثوس 6: 9
هل عبارة «أقول أنا لا الرب» تعني أن تعليم بولس غير ملزم أو غير موحى به؟

هل عبارة «أقول أنا لا الرب» تعني أن تعليم بولس غير ملزم أو غير موحى به؟
قال الرسول بولس لأهل كورنثوس:
«أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ، وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ، وَلاَ فَاسِقُونَ، وَلاَ مَأْبُونُونَ، وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ، وَلاَ طَمَّاعُونَ، وَلاَ سِكِّيرُونَ، وَلاَ شَتَّامُونَ، وَلاَ خَاطِفُونَ، يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ» (1 كورنثوس 6: 9-10).
وقد يعترض البعض قائلًا: أليس بولس نفسه في نفس الرسالة قال في مواضع أخرى إنه يعطي «رأيه»، أو قال: «أقول أنا لا الرب»؟ فهل يكون كلامه عن الخطايا الجنسية، ومنها الممارسة المثلية، مجرد رأي شخصي غير ملزم؟ وهل يمكن أن نقول إن هذا ليس تعليمًا إلهيًا بل وجهة نظر بولس الخاصة؟
الإجابة المختصرة
لا. تعليم بولس في 1 كورنثوس 6: 9 ليس مجرد رأي شخصي غير ملزم، بل تعليم رسولي داخل سفر موحى به. عندما قال بولس في مواضع أخرى «أقول أنا لا الرب»، لم يكن يقصد أن كلامه غير موحى به، بل يقصد أن الرب يسوع لم يعطِ قولًا مباشرًا أثناء خدمته الأرضية في تلك المسألة المحددة، وأن بولس يقدّم تعليمًا رسوليًا بالروح القدس. والدليل أن بولس يؤكد في نفس الرسالة أن ما يكتبه هو «وصايا الرب»، وأنه يتكلم بكلام يعلّمه الروح.
الفكرة الأساسية: تمييز بولس بين قول سابق للرب وتعليم رسولي لاحق لا يعني أن تعليمه مجرد رأي بشري، بل أنه يعلّم بسلطان رسولي بوحي الروح القدس.
موضع الاعتراض
الاعتراض يعتمد على أن بولس قال في 1 كورنثوس 7:
«وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ، وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا كَمَنْ رَحِمَهُ الرَّبُّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا» (1 كورنثوس 7: 25).
وقال أيضًا في نفس الإصحاح:
«وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا لاَ الرَّبُّ…» (1 كورنثوس 7: 12).
فيُقال: إذا كان بولس يعترف بأنه يعطي رأيه، أو يقول «أنا لا الرب»، فلماذا نعتبر إدانته في 1 كورنثوس 6: 9 تعليمًا ملزمًا؟
لكن هذا الاعتراض يخلط بين موضوعين مختلفين، ويتجاهل سلطان بولس الرسولي، ويتجاهل سياق العبارات في الإصحاح السابع.
أولًا: إدانة الممارسة المثلية ليست موجودة فقط في 1 كورنثوس
حتى لو حاول شخص أن يجعل 1 كورنثوس 6: 9 مجرد رأي شخصي، فهذا لا يحل المسألة، لأن بولس يتكلم بوضوح أكبر في رومية 1 عن الممارسات الجنسية بين نفس الجنس:
«لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ. وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ» (رومية 1: 26-27).
إذن، المسألة ليست قائمة على آية واحدة في 1 كورنثوس فقط، بل هي جزء من تعليم بولس الأخلاقي الأوسع، داخل أسفار موحى بها تقبلها الكنيسة ككلمة الله.
ثانيًا: بولس كان رسولًا يتلقى إعلانه من المسيح
بولس لا يقدّم نفسه ككاتب رأي ديني مستقل، بل كرسول دُعي من المسيح وتسلّم الإنجيل بإعلان إلهي. قال في رسالة غلاطية:
«لأَنِّي أُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ، بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غلاطية 1: 11-12).
فمن الخطأ أن نقرأ تعليم بولس الأخلاقي وكأنه مجرد تأمل بشري خاص. بولس يتكلم كرسول للمسيح، وتأتي رسائله ضمن الأسفار القانونية الموحى بها.
ثالثًا: علامات الرسول ظهرت في خدمة بولس
بولس أكد أن خدمته الرسولية ثبتت بعلامات رسولية وسط الكنائس:
«إِنَّ عَلاَمَاتِ الرَّسُولِ صُنِعَتْ بَيْنَكُمْ فِي كُلِّ صَبْرٍ، بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ» (2 كورنثوس 12: 12).
أي أن سلطان بولس لم يكن مجرد ادعاء شخصي، بل كان مرتبطًا بدعوته الرسولية، وتعليمه، وخدمته، والآيات التي صاحبت رسالته.
رابعًا: بولس في 1 كورنثوس نفسها يؤكد سلطان كلامه
من داخل نفس الرسالة التي يحاول البعض استخدامها لتقليل سلطان بولس، نجد بولس يؤكد أن تعليمه من الروح. قال:
«الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ» (1 كورنثوس 2: 13).
فهو لا يضع رسالته في خانة الحكمة البشرية غير الملزمة، بل يقول إن ما يعلّمه مرتبط بتعليم الروح القدس.
تمييز مهم: بولس لا يفصل بين سلطانه الرسولي وبين عمل الروح القدس، بل يرى أن تعليمه الرسولي امتداد لقيادة الروح للكنيسة.
خامسًا: بولس يختم الرسالة بقوله إن ما يكتبه وصية الرب
في نفس الرسالة أيضًا، يقول بولس:
«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ» (1 كورنثوس 14: 37).
هذا نص حاسم. بولس لا يقول إن رسالته مجرد آراء خاصة يمكن قبولها أو رفضها، بل يقول إن ما يكتبه هو وصايا الرب. لذلك لا يصح أن نأخذ عبارة من الإصحاح السابع ونستخدمها لإبطال سلطان الرسالة كلها أو سلطان تعليم بولس في الإصحاح السادس.
سادسًا: حتى في الإصحاح السابع يقول بولس: «أظن أني أنا أيضًا عندي روح الله»
في نفس الإصحاح الذي يستند إليه الاعتراض، يقول بولس في نهايته:
«وَلكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هكَذَا، بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ» (1 كورنثوس 7: 40).
فحتى عندما يميّز بولس بين أمر مباشر من الرب وبين حكم رسولي في مسألة معينة، لا يقدّم كلامه كشيء منفصل عن روح الله. بل يربط حكمه الرسولي بحضور روح الله.
سابعًا: معنى «أنا لا الرب» ليس أن كلامه غير موحى به
عندما قال بولس:
«فَأُوصِيهِمْ، لاَ أَنَا بَلِ الرَّبُّ…» (1 كورنثوس 7: 10).
ثم قال:
«وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا لاَ الرَّبُّ…» (1 كورنثوس 7: 12).
فهو لا يقصد أن الجزء الأول موحى به والثاني غير موحى به. بل يقصد أن الجزء الأول له قول مباشر سابق من الرب يسوع أثناء خدمته الأرضية بخصوص الزواج والطلاق، أما الجزء الثاني فيعالج حالة لم يرد فيها قول مباشر من يسوع أثناء خدمته الأرضية، فيقدم بولس تعليمًا رسوليًا بوحي الروح.
إذن، «أنا لا الرب» تعني: ليس لدي قول مباشر من الرب في أثناء خدمته الأرضية حول هذه الحالة، لكني كرسول أعطيكم الحكم الرسولي. ولا تعني: هذا رأي بشري بلا سلطان.
ثامنًا: وعد المسيح للرسل أن الروح يرشدهم إلى كل الحق
المسيح وعد رسله أن الروح القدس سيقودهم إلى الحق:
«وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ» (يوحنا 16: 13).
تعليم بولس الرسولي هو جزء من تحقيق هذا الوعد. فالرب يسوع لم يترك الكنيسة بلا تعليم في المسائل التي لم يتكلم عنها تفصيلًا أثناء خدمته الأرضية، بل أرشد الرسل بالروح القدس ليعلّموا الكنيسة.
تاسعًا: 1 كورنثوس 6 ليس موضع «رأي خاص» أصلًا
ينبغي أيضًا ملاحظة أن عبارة «رأي» أو «ليس عندي أمر من الرب» تظهر في سياق 1 كورنثوس 7، لا في 1 كورنثوس 6: 9. فبولس في 1 كورنثوس 6 يتكلم بلهجة تقريرية واضحة عن من لا يرثون ملكوت الله، ثم يربط ذلك بتحذير: «لا تضلوا».
قال:
«لاَ تَضِلُّوا…» (1 كورنثوس 6: 9).
هذه ليست لغة رأي شخصي اختياري، بل لغة تحذير رسولي أخلاقي واضح.
عاشرًا: النص يدين قائمة خطايا لا فئة واحدة فقط
من المهم أن نلاحظ أن بولس لا يذكر الممارسة المثلية وحدها، بل يضعها ضمن قائمة أوسع من الخطايا: الزنا، عبادة الأوثان، السرقة، الطمع، السكر، الشتيمة، الخطف، وغيرها.
لذلك لا ينبغي استخدام النص بطريقة انتقائية أو عدائية ضد أشخاص بعينهم، وكأن هذه الخطية وحدها هي موضوع الكتاب. تعليم بولس يعلن احتياج الجميع إلى التوبة والنعمة، لأن كل البشر خطاة، والخلاص في المسيح متاح للتائبين.
ثم يقول بولس بعد القائمة مباشرة:
«وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا» (1 كورنثوس 6: 11).
وهذه الآية مهمة جدًا، لأنها لا تنتهي بالدينونة، بل بالنعمة والتغيير والتقديس والتبرير في المسيح.
المبدأ الدفاعي: سلطان التعليم الأخلاقي الرسولي لا يلغي رسالة النعمة؛ فالخطية تُدان، لكن التوبة والغسل والتقديس والتبرير متاحة في المسيح.
هل كان بولس يعطي رأيًا غير ملزم؟
لا. بولس في 1 كورنثوس 6: 9 لا يقدّم رأيًا اجتماعيًا أو ذوقًا شخصيًا، بل يعلّم بسلطان رسولي داخل رسالة موحى بها. والاعتراض المبني على 1 كورنثوس 7 لا يصلح هنا، لأن بولس هناك يميّز بين قول مباشر سابق للرب وبين حكم رسولي موجّه بالروح، لا بين وحي وغير وحي.
لذلك، لا يصح أن تُستخدم عبارة «أقول أنا لا الرب» لإلغاء سلطان تعليم بولس الرسولي في الأخلاق أو العقيدة.
الرد المختصر على الشبهة
إدانة بولس للممارسة المثلية في 1 كورنثوس 6: 9 ليست رأيًا شخصيًا غير ملزم. بولس رسول للمسيح، وتعليمه تسلمه بإعلان، ورسائله تتكلم بكلام يعلّمه الروح. كما أن بولس نفسه قال في 1 كورنثوس إن ما يكتبه هو وصايا الرب. أما قوله في 1 كورنثوس 7 «أنا لا الرب» فمعناه أن الرب يسوع لم يعطِ قولًا مباشرًا أثناء خدمته الأرضية في تلك الحالة، لا أن كلام بولس غير موحى به. لذلك فتعليمه هنا سلطاني ورسولي.
الخلاصة
1 كورنثوس 6: 9 لا يقدّم رأيًا شخصيًا لبولس، بل تعليمًا رسوليًا موحى به ضمن كلمة الله. والقول إن بولس أحيانًا يميز بين أمر مباشر من الرب وحكم رسولي لا يعني أن حكمه بلا سلطان. المسيح وعد أن الروح يرشد الرسل إلى الحق، وبولس علّم الكنيسة بهذا السلطان. ومع ذلك، فالنص لا يُقرأ بروح إدانة انتقائية، بل في ضوء الآية التالية: «وهكذا كان أناس منكم»، حيث يعلن الإنجيل إمكانية الغسل والتقديس والتبرير في اسم الرب يسوع وبروح الله.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 454). Victor Books: Wheaton, Illinois.