هل يناقض بولس تعليم المسيح عن الطلاق والهجر؟ 1 كورنثوس 7: 10-16
هل ترك غير المؤمن يغيّر وصية ثبات الزواج أم يعالج حالة الهجر؟

قال الرسول بولس في حديثه عن الزواج بين المؤمن وغير المؤمن:
«وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ، فَأُوصِيهِمْ، لاَ أَنَا بَلِ الرَّبُّ، أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا، وَإِنْ فَارَقَتْهُ، فَلْتَلْبَثْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا. وَلاَ يَتْرُكِ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ» (1 كورنثوس 7: 10-11).
ثم قال عن حالة الزوج غير المؤمن:
«وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ، وَلكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا فِي السَّلاَمِ» (1 كورنثوس 7: 15).
وقد يعترض البعض قائلًا: أليس المسيح علّم أن الطلاق لا يجوز إلا لعلة الزنا؟ فقد قال:
«وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَا، يَجْعَلُهَا تَزْنِي» (متى 5: 32).
وقال أيضًا:
«إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي» (متى 19: 8-9).
فهل يناقض بولس المسيح؟ وهل يسمح بولس بالطلاق أو الهجر في حالة الزواج المختلط بين مؤمن وغير مؤمن؟
الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض بين بولس والمسيح. المسيح يؤكد قصد الله الأصلي في ثبات الزواج، وأن الطلاق ليس هو مشيئة الله من البدء. وبولس يؤكد نفس المبدأ، فيقول إن الزوجة لا تفارق رجلها، وإن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو لتصالح رجلها. أما حالة 1 كورنثوس 7: 15 فهي ليست دعوة للمؤمن أن يترك أو يطلّق، بل معالجة لحالة إذا أصرّ الطرف غير المؤمن على الرحيل. عندها لا يكون المؤمن مستعبدًا لإجبار الطرف الآخر على البقاء، لكنه مدعو للسلام، مع بقاء رجاء المصالحة وعدم تشجيع الطلاق أو الزواج من آخر.
الفكرة الأساسية: بولس لا يأمر المؤمن بالطلاق، بل يقول: إن أصرّ غير المؤمن على الرحيل، فلا يستطيع المؤمن أن يجبره على البقاء. ومع ذلك يبقى هدف الزواج هو المصالحة والثبات.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على المقارنة بين تعليم المسيح عن الطلاق وتعليم بولس في 1 كورنثوس 7. فالمسيح حصر الطلاق في علة الزنا، بينما بولس يقول:
«إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ» (1 كورنثوس 7: 15).
فيبدو كأن بولس يضيف سببًا آخر للطلاق، أو يبيح الهجر والزواج من آخر. لكن عند قراءة المقطع كاملًا، يتضح أن بولس لا يناقض المسيح، بل يطبق مبدأ ثبات الزواج في ظرف رعوي خاص: زواج مؤمن من طرف غير مؤمن لا يريد البقاء.
أولًا: بولس يبدأ بتأكيد وصية الرب عن ثبات الزواج
قبل أن يتكلم بولس عن حالة الزوج غير المؤمن، يقرر المبدأ الأساسي بوضوح:
«وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ، فَأُوصِيهِمْ، لاَ أَنَا بَلِ الرَّبُّ، أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا» (1 كورنثوس 7: 10).
ثم يضيف:
«وَلاَ يَتْرُكِ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ» (1 كورنثوس 7: 11).
إذن، بولس لا يبدأ من إباحة الانفصال، بل من منع الانفصال. فهو متفق مع تعليم المسيح أن الزواج ليس علاقة مؤقتة تُحل بسهولة، بل عهد ثابت يجب حفظه.
ثانيًا: إن حدثت مفارقة فالمطلوب البقاء بلا زواج أو المصالحة
بولس لا يقول: إن فارقت الزوجة رجلها فلتتزوج بآخر. بل يقول:
«وَإِنْ فَارَقَتْهُ، فَلْتَلْبَثْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا» (1 كورنثوس 7: 11).
وهذا يوضح اتجاه بولس بجلاء: حتى إذا وقع الانفصال، لا يكون الهدف فتح باب زواج جديد، بل إما البقاء بلا زواج أو السعي إلى المصالحة. وهذا ينسجم مع تعليم المسيح عن خطورة الطلاق والزواج بآخر خارج الإطار الذي حدده الرب.
ثالثًا: المؤمن لا يطلب رحيل غير المؤمن
عندما يتكلم بولس عن زواج مؤمن من غير مؤمن، يقول:
«إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ، فَلاَ يَتْرُكْهَا» (1 كورنثوس 7: 12).
ويقول أيضًا:
«وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا رَجُلٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَهُوَ يَرْتَضِي أَنْ يَسْكُنَ مَعَهَا، فَلاَ تَتْرُكْهُ» (1 كورنثوس 7: 13).
هذا نص حاسم ضد فكرة أن بولس يشجع الطلاق. إذا كان الطرف غير المؤمن راضيًا بالبقاء، فالمؤمن لا يطلب الانفصال. الإيمان المسيحي لا يعطي المؤمن ذريعة ليهدم الزواج لمجرد أن الطرف الآخر غير مؤمن.
تمييز مهم: بولس لا يقول للمؤمن: اترك الطرف غير المؤمن. بل يقول العكس: إن كان غير المؤمن يريد البقاء، فلا تتركه.
رابعًا: حالة العدد 15 هي إصرار غير المؤمن على الرحيل
الاستثناء العملي الذي يتكلم عنه بولس هو حالة مختلفة:
«وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ» (1 كورنثوس 7: 15).
لاحظ أن المبادرة هنا ليست من المؤمن، بل من غير المؤمن. بولس لا يأمر المؤمن أن يطرد أو يطلّق، بل يعالج حالة واقعية: الطرف غير المؤمن لا يريد البقاء ويرحل.
في هذه الحالة، لا يُستعبد المؤمن لمحاولة إجبار الطرف الآخر على البقاء بالقوة أو العيش في نزاع دائم. لذلك يقول:
«لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ، وَلكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا فِي السَّلاَمِ» (1 كورنثوس 7: 15).
فالتركيز هنا على السلام لا على تشجيع التفكك.
خامسًا: «ليس مستعبدًا» لا تعني بالضرورة تصريحًا بالزواج من آخر
النص يقول إن المؤمن «ليس مستعبدًا» في مثل هذه الأحوال، لكنه لا يقول صراحة: فليتزوج بآخر. وهذا مهم جدًا. فبولس قبل ذلك مباشرة قال إن من يفارق فليبق غير متزوج أو فليصالح.
لذلك، بحسب شرح المصدر، بولس لا يأمر الطرف المؤمن بالطلاق ولا بالزواج الجديد إذا رحل الطرف غير المؤمن، بل يترك الطرف الراحل يرحل، مع بقاء روح السلام ورجاء المصالحة.
فلا يصح تحميل النص أكثر مما يقول. النص يعالج الهجر الواقع من الطرف غير المؤمن، لا يقدم رخصة عامة للطلاق والزواج الجديد.
سادسًا: رجاء المصالحة حاضر في كلام بولس
عندما يقول بولس إن من فارق فليبق غير متزوج أو فليصالح، فهذا يكشف أن المصالحة هي الهدف كلما أمكن:
«أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا» (1 كورنثوس 7: 11).
وفي حالة الزواج المختلط، يترك بولس أيضًا باب الرجاء مفتوحًا:
«لأَنَّهُ كَيْفَ تَعْلَمِينَ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، هَلْ تُخَلِّصِينَ الرَّجُلَ؟ أَوْ كَيْفَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الرَّجُلُ، هَلْ تُخَلِّصُ الْمَرْأَةَ؟» (1 كورنثوس 7: 16).
فوجود طرف غير مؤمن لا يعني أن الزواج بلا رجاء، بل قد يكون وجود المؤمن شاهدًا للنعمة داخل البيت. لذلك لا يدعو بولس إلى الانفصال إذا كان غير المؤمن راضيًا بالبقاء.
سابعًا: قصد الله للزواج هو رجل واحد وامرأة واحدة إلى الموت
بولس لا يختلف مع المسيح في قصد الله الأصلي للزواج. ففي نفس الإصحاح يقرر أن الزواج اتحاد بين رجل وامرأة:
«وَلكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا» (1 كورنثوس 7: 2).
كما يقرر في رومية أن الرباط الزوجي يستمر ما دام الزوج حيًا:
«فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَحْتَ رَجُل، هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ بِالرَّجُلِ الْحَيِّ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ، فَقَدْ تَحَرَّرَتْ مِنْ نَامُوسِ الرَّجُلِ» (رومية 7: 2).
إذن، مثال الزواج عند بولس ليس علاقة قابلة للفك بلا سبب، بل رباط ثابت. وهذا يوافق تعليم المسيح:
«فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ» (متى 19: 6).
ثامنًا: المسيح يعالج الطلاق، وبولس يعالج الهجر
يمكن تلخيص الفرق بهذه الطريقة: المسيح يعلن مبدأ ثبات الزواج ويرفض الطلاق كحل سهل، ويذكر علة الزنا كاستثناء. أما بولس فيعالج حالة لم تكن مطروحة بنفس الصورة في أقوال المسيح المسجلة: مؤمن تزوج أو صار مؤمنًا بينما شريكه غير مؤمن، وهذا الشريك غير المؤمن يرفض البقاء ويرحل.
بولس لا يناقض المسيح، بل يطبق مبدأ المسيح على ظرف رعوي جديد. فهو لا يأمر بالطلاق، ولا يجعل الإيمان سببًا لهدم الزواج، بل يقول: إن أراد غير المؤمن أن يبقى، فليبق الزواج. وإن أصر أن يرحل، فليس المؤمن مستعبدًا للنزاع، لأن الله دعانا في السلام.
المبدأ الدفاعي: المسيح وبولس يتفقان على ثبات الزواج. بولس لا يفتح باب الطلاق، بل يعالج حالة الهجر من طرف غير مؤمن مع حفظ السلام ورجاء المصالحة.
هل بولس يدعو إلى الهجر؟
لا. بولس لا يدعو المؤمن إلى الهجر. بل يقول بوضوح إن المؤمن لا يترك الطرف غير المؤمن إذا كان هذا الطرف راضيًا بالسكن معه. أما إذا فارق غير المؤمن بإرادته، فلا يجعل بولس المؤمن عبدًا لمحاولة مستحيلة.
لذلك، «فليفارق» ليست أمرًا للمؤمن بالترك، بل سماح بقبول واقع فرضه الطرف غير المؤمن، مع دعوة إلى السلام.
هل بولس يبيح الزواج الجديد هنا؟
بحسب النص المعروض في المصدر، بولس لا يصرح بالزواج الجديد في هذه الحالة. بل الأقرب، في ضوء العدد 11، أن الانفصال إن حدث فالأصل هو البقاء بلا زواج أو طلب المصالحة ما دام هناك رجاء للوحدة.
لذلك ينبغي عدم استخدام هذا المقطع كتصريح مفتوح للطلاق والزواج مرة أخرى، بل كتعليم رعوي عن السلام عندما يفرض الطرف غير المؤمن الهجر.
الرد المختصر على الشبهة
لا يناقض بولس المسيح في تعليم الطلاق. المسيح علّم ثبات الزواج وأن الطلاق ليس قصد الله من البدء، وبولس يؤكد نفس الأمر عندما يقول إن الزوجة لا تفارق رجلها، وإن فارقته فلتبق غير متزوجة أو لتصالح رجلها. أما قوله إن غير المؤمن إذا فارق «فليفارق» فلا يعني أن المؤمن مأمور بالطلاق، بل يعني أنه إذا أصر الطرف غير المؤمن على الرحيل، فالمؤمن غير مستعبد لإجباره على البقاء. وهذا لا يفتح تلقائيًا باب الزواج من آخر، بل يحفظ مبدأ السلام ورجاء المصالحة.
الخلاصة
1 كورنثوس 7: 10-16 لا يناقض متى 5 أو متى 19. بولس لا يدعو إلى الطلاق ولا يخفف من ثبات الزواج، بل يطبق تعليم المسيح على حالة خاصة: زواج مؤمن من غير مؤمن. إن كان غير المؤمن يريد البقاء، فلا يتركه المؤمن. وإن أصر على الرحيل، فلا يُستعبد المؤمن للنزاع، لأن الله دعانا في السلام. ومع ذلك يبقى قصد الله للزواج هو الاتحاد الثابت، ويبقى رجاء المصالحة قائمًا كلما كان ممكنًا.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 456). Victor Books: Wheaton, Illinois.