هل كان بولس يعطي رأيًا شخصيًا غير موحى به؟ 1 كورنثوس 7: 12، 40
هل عبارة «أنا لا الرب» تنفي سلطان بولس الرسولي ووحي كلامه؟

قال الرسول بولس في حديثه عن الزواج بين المؤمن وغير المؤمن:
«وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا لاَ الرَّبُّ: إِنْ كَانَ أَخٌ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ، وَهِيَ تَرْتَضِي أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ، فَلاَ يَتْرُكْهَا» (1 كورنثوس 7: 12).
ثم قال في نهاية الإصحاح:
«وَلكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هكَذَا، بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ» (1 كورنثوس 7: 40).
وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان بولس يقول «أنا لا الرب»، ويقول «بحسب رأيي»، و«أظن أني أنا أيضًا عندي روح الله»، فهل كان يكتب هنا مجرد رأي شخصي غير ملزم؟ وكيف يكون هذا الكلام موحى به إذا كان بولس نفسه يميّزه عن كلام الرب؟
الإجابة المختصرة
بولس لا ينفي وحي كلامه ولا سلطانه الرسولي. عندما قال «أنا لا الرب»، لم يقصد أن كلامه غير موحى به، بل قصد أن الرب يسوع لم يعالج هذه الحالة تحديدًا بقول مباشر أثناء خدمته الأرضية، وهي حالة زواج المؤمن من غير المؤمن. لذلك يقدّم بولس حكمًا رسوليًا موحى به لهذه المسألة. وكذلك عبارة «أظن أني أنا أيضًا عندي روح الله» لا تعني الشك، بل تعبير رسولي متواضع يؤكد أنه يتكلم بروح الله. والدليل أن بولس في نفس الرسالة يقول إن ما يكتبه هو «وصايا الرب» وأنه يتكلم بأقوال «يعلمها الروح القدس».
الفكرة الأساسية: بولس يميز بين قول مباشر سابق قاله المسيح أثناء خدمته الأرضية، وبين تعليم رسولي لاحق بالروح القدس. هذا لا يعني الفرق بين وحي وغير وحي.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على عبارتين في 1 كورنثوس 7:
«فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا لاَ الرَّبُّ» (1 كورنثوس 7: 12).
و:
«بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ» (1 كورنثوس 7: 40).
فيظن البعض أن بولس هنا يتراجع عن السلطان الإلهي، ويقول إن كلامه في هذا الإصحاح مجرد رأي خاص. لكن هذا الفهم يصطدم بما يعلنه بولس عن نفسه وعن رسائله في مواضع كثيرة، بل داخل نفس الرسالة إلى كورنثوس.
أولًا: معنى «أنا لا الرب»
قبل العدد 12 قال بولس:
«وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ، فَأُوصِيهِمْ، لاَ أَنَا بَلِ الرَّبُّ، أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا» (1 كورنثوس 7: 10).
هنا يشير بولس إلى تعليم الرب يسوع المباشر عن الزواج والطلاق، كما في متى:
«وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَا، يَجْعَلُهَا تَزْنِي» (متى 5: 32).
وكذلك:
«أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا» (متى 19: 4-5).
أما عندما انتقل بولس إلى حالة زواج المؤمن من غير المؤمن، قال:
«وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا لاَ الرَّبُّ» (1 كورنثوس 7: 12).
أي أن المسيح لم يترك قولًا مباشرًا مسجلًا أثناء خدمته الأرضية بخصوص هذه الحالة التفصيلية: ماذا يفعل المؤمن إذا كان متزوجًا من غير مؤمن، وكان غير المؤمن راضيًا أن يسكن معه؟ لذلك يتكلم بولس هنا بسلطانه الرسولي ليطبّق تعليم المسيح على حالة رعوية جديدة.
ثانيًا: بولس لا يقول «هذا ليس من الله»
عبارة «أنا لا الرب» لا تعني: «هذا الكلام مني وليس من الله»، بل تعني: «ليس عندي هنا قول مباشر سابق من الرب يسوع في أثناء خدمته الأرضية، لذلك أعطيكم الحكم الرسولي في هذه المسألة».
فلو كان بولس يقصد أن كلامه غير موحى به، لكان يناقض نفسه، لأن نفس الرسالة تؤكد سلطان تعليمه الرسولي. بولس لا يضع رأيه ضد الرب، بل يميز بين مصدرين داخل الوحي المسيحي:
- تعليم مباشر قاله الرب يسوع أثناء خدمته الأرضية.
- تعليم رسولي يعطيه الروح القدس للكنيسة من خلال الرسل.
وكلاهما ملزم عندما يأتي داخل النص الكتابي الموحى به.
ثالثًا: المسيح وعد الرسل بإرشاد الروح القدس
الرب يسوع لم يعلّم كل التفاصيل العملية التي ستواجه الكنيسة لاحقًا أثناء خدمته الأرضية، لكنه وعد الرسل أن الروح القدس سيرشدهم إلى الحق:
«وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ» (يوحنا 16: 13).
إذن، عندما يقدّم بولس تعليمًا رسوليًا لحالة لم يذكرها المسيح مباشرة في الأناجيل، فهذا لا يعني أنه يتكلم بلا وحي، بل يعني أن وعد المسيح بإرشاد الروح يعمل في تعليم الرسل.
تمييز مهم: عدم وجود قول مباشر للمسيح في الأناجيل عن مسألة معينة لا يعني أن تعليم الرسل عنها مجرد رأي بشري. الروح القدس أرشد الرسل لتعليم الكنيسة.
رابعًا: «أظن أني أنا أيضًا عندي روح الله» ليست شكًا
يظن البعض أن قول بولس:
«وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ» (1 كورنثوس 7: 40).
يعني أنه غير متأكد هل عنده روح الله أم لا. لكن هذا فهم غير صحيح للعبارة وسياقها. بولس لا يتكلم كإنسان شاك في رسوليته أو في حضور الروح معه، بل يستخدم أسلوبًا هادئًا ومتواضعًا لتأكيد حكمه الرسولي.
هو لا يقول: «لست متأكدًا إن كان عندي روح الله»، بل يقول في المعنى: «وأنا أيضًا عندي روح الله». والعبارة تأتي بعد حكم رعوي يعطيه كرسول، لا كإنسان مرتبك أو فاقد اليقين.
خامسًا: بولس يؤكد سلطان وحيه في نفس الرسالة
لا يصح تفسير 1 كورنثوس 7 بمعزل عن بقية الرسالة. ففي نفس الرسالة يقول بولس عن تعليمه:
«الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ» (1 كورنثوس 2: 13).
فبولس يعلن أن تعليمه ليس مجرد حكمة إنسانية، بل أقوال يعلّمها الروح القدس. لذلك لا يمكن أن نفهم قوله في الإصحاح السابع على أنه تخلٍّ عن الوحي.
سادسًا: بولس يقول إن ما يكتبه هو وصايا الرب
في الإصحاح الرابع عشر من نفس الرسالة، يقول بولس بوضوح:
«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ» (1 كورنثوس 14: 37).
هذه العبارة وحدها تكفي لإسقاط الاعتراض. فبولس نفسه يقول عن كتابته إلى كورنثوس إنها «وصايا الرب». لذلك لا يصح أن تُستخدم عبارة «أنا لا الرب» بمعنى أنها ضد سلطان الرب، لأن بولس في نفس الرسالة يعلن أن كتابته تحمل وصايا الرب.
سابعًا: بولس كان واعيًا بسلطانه الرسولي
بولس لم يكن يقدم نفسه كمجرد واعظ بلا سلطان رسولي، بل أعلن أن إنجيله وتعليمه تسلّمه بإعلان من يسوع المسيح:
«وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ، بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غلاطية 1: 11-12).
لذلك، عندما يعالج بولس مسألة كنسية أو رعوية، لا ينبغي التعامل معه ككاتب رأي بشري، بل كرسول للمسيح يعلّم الكنيسة بسلطان رسولي.
ثامنًا: كل الكتاب موحى به
يعلم الكتاب أن الأسفار المقدسة موحى بها من الله:
«كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ» (2 تيموثاوس 3: 16-17).
فوجود تمييز داخل النص بين أمر قاله الرب مباشرة أثناء خدمته الأرضية، وحكم رسولي يعالج حالة جديدة، لا يُخرج الحكم الرسولي من دائرة الوحي. ما دام هذا التعليم موجودًا في الرسالة القانونية الموحى بها، فهو جزء من تعليم الروح القدس للكنيسة.
تاسعًا: المشكلة في فهم كلمة «رأي»
عندما يستخدم بولس تعبير «رأي» في 1 كورنثوس 7، لا يقصد رأيًا بشريًا ضعيفًا في مقابل وحي إلهي. بل يقصد حكمًا رسوليًا حكيمًا في مسألة رعوية لم يرد فيها قول مباشر من المسيح أثناء خدمته الأرضية.
وهذا الرأي صادر من رسول يقول عن نفسه في نفس السياق:
«وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ» (1 كورنثوس 7: 40).
أي أنه لا يتكلم كإنسان معزول عن الروح، بل كرسول يملك إرشاد الروح.
المبدأ الدفاعي: «رأي بولس» هنا ليس رأيًا خاصًا غير ملزم، بل حكم رسولي موحى به في مسألة لم يتناولها المسيح بقول مباشر أثناء خدمته الأرضية.
هل كان بولس غير متأكد من امتلاكه الروح؟
لا. بولس لا يشك في امتلاكه روح الله، بل يتكلم بأسلوب رسولي متواضع. ويستحيل أن يكون مقصده نفي سلطان الروح عن كلامه، لأنه قال قبل ذلك إن كلامه مما «يعلمه الروح القدس»، وقال بعد ذلك إن ما يكتبه هو «وصايا الرب».
إذن، لا يجوز اقتطاع عبارة واحدة من سياقها وتحويلها إلى إنكار للوحي، بينما الرسالة نفسها تشهد بعكس ذلك.
الرد المختصر على الشبهة
لا تعني عبارة «أنا لا الرب» أن كلام بولس غير موحى به. المقصود أن الرب يسوع لم يعطِ قولًا مباشرًا أثناء خدمته الأرضية بخصوص هذه الحالة، وهي زواج المؤمن من غير المؤمن، ولذلك يقدّم بولس حكمًا رسوليًا موحى به. وكذلك عبارة «أظن أني أنا أيضًا عندي روح الله» لا تعبر عن شك، بل عن تأكيد متواضع أنه يتكلم بروح الله. والدليل أن بولس في نفس الرسالة قال إن كلامه مما يعلمه الروح القدس، وإن ما يكتبه هو وصايا الرب.
الخلاصة
1 كورنثوس 7: 12، 40 لا ينفيان وحي كلام بولس ولا سلطانه الرسولي. بولس يفرق بين تعليم مباشر قاله المسيح أثناء خدمته الأرضية، وتعليم رسولي يقدمه الروح القدس للكنيسة في مسألة جديدة. لذلك فالإصحاح السابع لا يحتوي على رأي بشري غير ملزم، بل على إرشاد رسولي موحى به، منسجم مع سلطان بولس الذي يعلنه في نفس الرسالة وفي بقية رسائله.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 457). Victor Books: Wheaton, Illinois.