تخطى إلى المحتوى

هل تمنع كولوسي 2: 8 المسيحيين من دراسة الفلسفة؟ التحذير ليس من التفكير الفلسفي، بل من الفلسفة الباطلة والخادعة

  • بواسطة

هل تمنع كولوسي 2: 8 المسيحيين من دراسة الفلسفة؟

التحذير ليس من التفكير الفلسفي، بل من الفلسفة الباطلة والخادعة

هل تمنع كولوسي 2: 8 المسيحيين من دراسة الفلسفة؟ التحذير ليس من التفكير الفلسفي، بل من الفلسفة الباطلة والخادعة
هل تمنع كولوسي 2: 8 المسيحيين من دراسة الفلسفة؟ التحذير ليس من التفكير الفلسفي، بل من الفلسفة الباطلة والخادعة

قد يظن البعض أن تحذير الرسول بولس من «الفلسفة والغرور الباطل» يعني أن المسيحي لا ينبغي أن يدرس الفلسفة أو يستخدم العقل والمنطق. لكن هذا الفهم لا ينسجم مع بقية تعليم الكتاب المقدس، ولا مع ممارسة بولس نفسه، الذي استخدم الحوار العقلي والدفاع المنطقي عن الإيمان.

الإجابة المختصرة
لا تمنع كولوسي 2: 8 دراسة الفلسفة، بل تحذر من الفلسفة الباطلة الخادعة التي تبعد الإنسان عن المسيح. الكتاب المقدس لا يرفض استخدام العقل، بل يدعو المؤمن أن يحب الله بكل فكره، وأن يكون مستعدًا للدفاع عن رجائه بإجابة عاقلة.

الشبهة

كتب بولس إلى أهل كولوسي:

«اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِلٍ، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ.»
كولوسي 2: 8

فهل معنى ذلك أن المسيحي يجب أن يبتعد عن دراسة الفلسفة تمامًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا أعطانا الله عقلًا، وأمرنا أن نحبه بكل الفكر، وأن نكون مستعدين لتقديم جواب ودفاع عن الإيمان؟

مفتاح فهم الشبهة
الخطأ هنا هو تعميم تحذير بولس. فهو لا يهاجم كل فلسفة أو كل استخدام للعقل، بل يحذر من فلسفة محددة باطلة ومخادعة كانت تهدد كنيسة كولوسي، لأنها لم تكن «حسب المسيح».

أولًا: الكتاب لا يرفض الفلسفة في ذاتها، بل الفلسفة الباطلة

بولس لا يقول: احذروا من التفكير، ولا يقول: احذروا من كل فلسفة. بل يحذر من فلسفة موصوفة بأنها «غرور باطل»، أي فكر خادع فارغ لا يقود إلى الحق.

وهذا يشبه موقف الكتاب المقدس من الدين. فالكتاب لا يرفض الدين في ذاته، لكنه يرفض الدين الباطل أو العبادة الفارغة. لذلك يقول يعقوب:

«إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِيكُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ دَيِّنٌ، وَهُوَ لَيْسَ يُلْجِمُ لِسَانَهُ، بَلْ يَخْدَعُ قَلْبَهُ، فَدِيَانَةُ هذَا بَاطِلَةٌ.»
يعقوب 1: 26

فكما أن رفض الديانة الباطلة لا يعني رفض العبادة الحقيقية، كذلك رفض الفلسفة الباطلة لا يعني رفض التفكير السليم.

ثانيًا: بولس كان يقصد فلسفة معينة دخلت كنيسة كولوسي

السياق لا يتحدث عن الفلسفة عمومًا، بل عن تعليم معين كان يهدد الكنيسة في كولوسي. وغالبًا كان هذا التعليم صورة مبكرة من الفكر الغنوسي أو الشبيه بالغنوسية، ممزوجًا بالناموسية، والتصوف، والتقشف، والاعتماد على تقاليد بشرية.

ولهذا يقول بولس إن هذا التعليم:

«حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ.»
كولوسي 2: 8

إذن المشكلة ليست في وجود دراسة عقلية أو فلسفية، بل في تعليم فلسفي باطل يأخذ المؤمنين أسرى بعيدًا عن كفاية المسيح.

ثالثًا: بولس نفسه استخدم العقل والحوار مع الفلاسفة

لو كان بولس ضد الفلسفة أو التفكير العقلي مطلقًا، لما حاور الفلاسفة في أثينا، ولما اقتبس من شعرائهم، ولما استخدم المنطق للدفاع عن الإيمان.

يقول سفر الأعمال عن بولس:

«فَكَانَ يُكَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ الْيَهُودَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَالَّذِينَ يُصَادِفُونَهُ فِي السُّوقِ كُلَّ يَوْمٍ.»
أعمال 17: 17

ثم نقرأ نتيجة هذا الحوار:

«وَلكِنَّ أُنَاسًا الْتَصَقُوا بِهِ وَآمَنُوا.»
أعمال 17: 34

فبولس لم يهرب من ميدان الفكر، بل دخل إليه، وميّز بين الحق والباطل، واستخدم الحوار ليشهد للمسيح.

رابعًا: الكتاب يدعو المؤمن إلى التفكير والدفاع عن الإيمان

المسيحية لا تمجد الجهل، ولا تطلب من المؤمن أن يعطل عقله. فالرب يسوع قال إن الوصية العظمى تشمل محبة الله بالفكر:

«تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.»
متى 22: 37

كما يقول الرسول بطرس:

«بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ.»
1 بطرس 3: 15

فالمؤمن مدعو أن يفكر، ويميز، ويفهم، ويجيب، ويدافع عن إيمانه بطريقة عاقلة ومتواضعة.

خامسًا: دراسة الفكر الباطل لا تعني الخضوع له

لا يستطيع المؤمن أن يحذر من فلسفة باطلة وهو لا يعرف شيئًا عنها. فالطبيب لا يدرس المرض لكي يمرض، بل لكي يعرفه ويقاومه. وكذلك الباحث المسيحي لا يدرس الأفكار الباطلة لكي يتبناها، بل لكي يفهم مواضع الخطأ فيها ويرد عليها.

توضيح مهم
ينبغي للمسيحي أن يدرس الفلسفات الباطلة بموضوعية وحذر، لا بانجذاب شخصي يجعلها تأسره. فالدراسة الواعية تختلف عن التبني، والتمييز يختلف عن الخضوع.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين تحذير بولس من الفلسفة الباطلة وبين دعوة الكتاب المقدس إلى التفكير والدفاع عن الإيمان. فالتحذير موجّه ضد الفكر الخادع الذي لا يقوم على المسيح، أما استخدام العقل في معرفة الحق والدفاع عنه فهو جزء من الإيمان المسيحي السليم.

خلاصة الفكرة
كولوسي 2: 8 لا تمنع دراسة الفلسفة، بل تمنع أن يُسبى المؤمن بفلسفة باطلة تخالف المسيح. المسيحي يستخدم عقله، لكنه لا يجعل العقل الخاطئ أو الفلسفة الفارغة بديلًا عن الحق المعلن في المسيح.

خلاصة دفاعية

الكتاب المقدس لا يضع قيمة للجهل، ولا يطلب من المؤمن أن يرفض كل دراسة فكرية. بل يدعوه أن يحب الله بكل فكره، وأن يقدم جوابًا عن إيمانه. لذلك فالتحذير في كولوسي 2: 8 ليس ضد الفلسفة عمومًا، بل ضد الفلسفة الباطلة التي تخدع الإنسان وتبعده عن المسيح.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 487. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل تمنع كولوسي 2: 8 المسيحيين من دراسة الفلسفة؟ كولوسي 2: 8