هل التوبة عطية من الله أم فعل من الإنسان؟ 2 تيموثاوس 2: 25
الله يمنح فرصة التوبة ونعمتها، والإنسان مسؤول أن يتوب بإرادته

يقول الرسول بولس إن الله قد يعطي المقاومين «توبة لمعرفة الحق»، بينما تدعو نصوص أخرى الإنسان مباشرة إلى التوبة، وتعلن أن الله يأمر جميع الناس أن يتوبوا. فهل التوبة عمل إلهي فقط؟ أم قرار إنساني فقط؟ أم أن الكتاب يستخدم التوبة بمعنيين متكاملين لا متناقضين؟
لا يوجد تناقض. يمكن فهم التوبة كعطية وفرصة يمنحها الله، وفي الوقت نفسه كفعل مسؤول يقوم به الإنسان. الله يهيئ ويمنح ويدعو، لكن لا يتوب بدلًا من الإنسان. كل إنسان مسؤول أن يستجيب للدعوة ويتوب بنفسه.
الشبهة
يقول بولس عن التعامل مع المقاومين:
«مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ.»
2 تيموثاوس 2: 25
ويقول سفر الأعمال عن المسيح:
«هذَا رَفَّعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ رَئِيسًا وَمُخَلِّصًا، لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ التَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ الْخَطَايَا.»
أعمال 5: 31
لكن في مواضع أخرى، تظهر التوبة كمسؤولية مباشرة على الإنسان. فالرب يسوع قال:
«قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ.»
مرقس 1: 15
كما يقول بولس في أثينا:
«فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ.»
أعمال 17: 30
فهل التوبة عطية من الله، أم فعل يقوم به الإنسان؟ وهل يمكن أن تكون الأمرين معًا؟
الالتباس ناتج عن افتراض أن التوبة لا بد أن تكون إما فعلًا من الله وحده أو فعلًا من الإنسان وحده. لكن الكتاب يبيّن أن الله يمنح فرصة التوبة ونعمتها، والإنسان مسؤول أن يقبل هذه العطية ويمارس التوبة فعلًا.
أولًا: يمكن أن تكون التوبة عطية من الله يجب قبولها
الاحتمال الأول أن التوبة توصف بأنها عطية من الله، مثل عطايا كثيرة يمنحها الله للإنسان. لكن العطية لا تنفع من يرفضها. فالعطية تُقدَّم، لكنها تحتاج إلى قبول واستجابة.
بهذا المعنى، الله يعرض على الإنسان فرصة التوبة المؤدية إلى الحياة، لكن الإنسان يبقى مسؤولًا عن قبولها أو رفضها. الله لا يظلم أحدًا في تقديم الدعوة، والإنسان لا يستطيع أن يلوم الله إذا رفض ما قُدّم له.
ثانيًا: التوبة تُستخدم بمعنيين متكاملين
الاحتمال الثاني هو أن النصوص تستخدم التوبة بمعنيين مختلفين، لا متناقضين:
- التوبة كفرصة أو ميل واستعداد يمنحه الله.
- التوبة كفعل وقرار يقوم به الإنسان.
فعندما يقال إن الله يعطي التوبة، يكون المقصود أنه يفتح بابها، ويهيئ فرصتها، ويمنح النعمة التي تدعو الإنسان إليها. وعندما يقال للإنسان «تب»، يكون المقصود أن عليه أن يستجيب فعليًا ويرجع عن الخطية إلى الله.
| التوبة من جهة عطية الله | التوبة من جهة فعل الإنسان |
|---|---|
| فرصة معطاة من الله | استجابة حرة من الإنسان |
| ميل أو استعداد يمنحه الله | عمل يقوم به الإنسان |
| تدبير ونعمة إلهية | قرار ومسؤولية شخصية |
| الله يفتح الباب | الإنسان يدخل بالتوبة |
ثالثًا: الله لا يتوب بدلًا من الإنسان
حتى لو قيل إن الله يعطي التوبة، لا يوجد نص يقول إن الله يتوب نيابة عن الإنسان. فالإنسان، بصفته كائنًا أخلاقيًا مسؤولًا، مدعو أن يتوب هو بنفسه.
لذلك لا تلغي نعمة الله مسؤولية الإنسان، كما أن مسؤولية الإنسان لا تلغي احتياجه إلى نعمة الله. الله يدعو ويمنح ويهيئ، والإنسان يجيب أو يرفض.
رابعًا: أمر الله بالتوبة يؤكد مسؤولية الإنسان
قول بولس إن الله «يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا» يثبت أن التوبة ليست شيئًا يحدث للإنسان دون اختياره أو مسؤوليته. فالأمر الإلهي يفترض أن الإنسان مطالب بالاستجابة.
ولو كانت التوبة فعلًا إلهيًا فقط لا علاقة لاختيار الإنسان به، لما كان للأمر «توبوا» معنى أخلاقي مباشر.
خامسًا: لا تعارض بين النعمة والمسؤولية
في التعليم الكتابي، الله هو المبادر بالنعمة، والإنسان هو المسؤول عن الاستجابة. وهذا يظهر في التوبة كما يظهر أيضًا في الإيمان. فالله يعلن الحق ويدعو الإنسان ويعمل فيه، لكن الإنسان لا يُعفى من مسؤوليته في قبول الحق والرجوع إلى الله.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين 2 تيموثاوس 2: 25 ومرقس 1: 15 أو أعمال 17: 30. فالنص الأول يتكلم عن التوبة كعطية أو فرصة يمنحها الله، بينما النصوص الأخرى تتكلم عن التوبة كفعل مسؤول يطلبه الله من الإنسان. المعنيان متكاملان: الله يعطي، والإنسان يتوب.
التوبة عطية من الله من جهة أنه يفتح بابها ويمنح فرصتها ونعمتها، وهي فعل من الإنسان من جهة أنه مسؤول أن يرجع إلى الله. لا يوجد نص يقول إن الله يتوب بدلًا منا.
خلاصة دفاعية
الشبهة تقوم على وضع النعمة والمسؤولية في مواجهة غير لازمة. فالكتاب يعلّم أن الله يمنح التوبة ويدعو إليها، وفي الوقت نفسه يأمر الإنسان أن يتوب. لذلك فالتوبة ليست عملًا إلهيًا يلغي إرادة الإنسان، ولا عملًا إنسانيًا مستقلًا عن نعمة الله. إنها عطية تُقبل، وفرصة يُستجاب لها، وقرار أخلاقي يتحمله الإنسان أمام الله.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 504. Victor Books: Wheaton, Ill.