هل اقتبست العبرانيين مزمور 40 بطريقة خاطئة؟ عبرانيين 10: 6-7
الاختلاف بين «أذنيّ فتحت» و«هيأت لي جسدًا» يشرح المعنى ولا يحرّف النص

تظهر شبهة عند مقارنة مزمور 40 بعبرانيين 10. فالمزمور يقول: «أذنيّ فتحت»، بينما يقتبس كاتب العبرانيين العبارة هكذا: «هيأت لي جسدًا». ويظن البعض أن هذا تغيير كبير جدًا، بل تحريف لمعنى النص الأصلي. لكن عند فهم طريقة الاقتباس في العهد الجديد، ومعنى التعبير العبري، وسياق الطاعة والذبيحة، يتضح أن الاقتباس ليس تحريفًا، بل شرح أمين للمعنى المقصود.
لا، لم يحرّف كاتب العبرانيين مزمور 40. هو يقتبس المعنى بحسب الترجمة اليونانية للعهد القديم، ويوضح أن عبارة «أذنيّ فتحت» تشير إلى تهيئة العبد للطاعة الكاملة. وبما أن طاعة المسيح الكاملة وذبيحته تمت في جسد حقيقي، عبّر العهد الجديد عن المعنى بعبارة: «هيأت لي جسدًا».
الشبهة
يقول مزمور 40:
«بِذَبِيحَةٍ وَتَقْدِمَةٍ لَمْ تُسَرَّ. أُذُنَيَّ فَتَحْتَ. مُحْرَقَةً وَذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ لَمْ تَطْلُبْ.»
مزمور 40: 6
لكن كاتب العبرانيين يقتبس النص قائلًا:
«لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ: هأَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا اللهُ.»
عبرانيين 10: 5-7
فيقول المعترض: أين التشابه بين «أذنيّ فتحت» و«هيأت لي جسدًا»؟ أليس هذا تغييرًا كاملًا للعبارة الأصلية؟
الخطأ هو افتراض أن كل اقتباس في العهد الجديد يجب أن يكون نقلًا حرفيًا مطابقًا للنص العبري. لكن العهد الجديد أحيانًا يقتبس المعنى بأمانة، خصوصًا عندما يستخدم الترجمة السبعينية اليونانية أو يقدّم صياغة شارحة للمعنى المقصود.
أولًا: كاتب العبرانيين يقتبس من الترجمة اليونانية للعهد القديم
جزء من الاختلاف يرجع إلى أن مزمور 40 كُتب أصلًا بالعبرية، بينما استخدم كاتب العبرانيين صياغة معروفة في الترجمة اليونانية للعهد القديم. وهذا أمر شائع في العهد الجديد، إذ كان الرسل والكتّاب يستخدمون أحيانًا الترجمة اليونانية المنتشرة بين القراء.
لكن هذا لا يعني أن الاقتباس غير صحيح، لأن الوحي في العهد الجديد حين يقتبس نصًا يؤكد صحة المعنى الذي يورده. والسؤال الحقيقي ليس: هل الكلمات متطابقة حرفيًا؟ بل: هل المعنى الذي يقدمه العهد الجديد أمين لمعنى النص الأصلي؟
ثانيًا: «أذنيّ فتحت» تعني التهيئة للطاعة
تعبير «أذنيّ فتحت» ليس مجرد وصف جسدي للأذن، بل يحمل معنى الاستعداد للسماع والطاعة والخضوع. فالأذن المفتوحة في اللغة الكتابية مرتبطة بسماع صوت الله والخضوع لإرادته.
وقد تكون العبارة أيضًا إشارة إلى صورة العبد الذي يعلن خضوعه الطوعي لسيده، كما في شريعة العبد الذي تُثقب أذنه علامة على التزامه بالبقاء في خدمة سيده:
«يُقَدِّمُهُ سَيِّدُهُ إِلَى اللهِ، وَيُقَرِّبُهُ إِلَى الْبَابِ أَوْ إِلَى الْقَائِمَةِ، وَيَثْقُبُ سَيِّدُهُ أُذْنَهُ بِالْمِثْقَبِ، فَيَخْدِمُهُ إِلَى الأَبَدِ.»
خروج 21: 6
إذن المقصود في المزمور ليس الأذن كعضو فقط، بل الاستعداد الكامل للطاعة والخدمة.
ثالثًا: «هيأت لي جسدًا» يوضح وسيلة الطاعة الكاملة
إذا كان معنى «أذنيّ فتحت» هو تهيئة العبد للطاعة، فإن عبارة «هيأت لي جسدًا» توضّح كيف تمت طاعة المسيح الكاملة في التجسد. فالمسيح لم يطع الله نظريًا، بل دخل إلى العالم في جسد حقيقي، وقدّم نفسه ذبيحة كاملة.
لذلك لا يغيّر كاتب العبرانيين المعنى، بل يشرحه في ضوء التجسد والفداء. فالجسد المهيأ هو وسيلة الطاعة الكاملة التي بها قال الابن: «هأنذا أجيء… لأفعل مشيئتك يا الله».
رابعًا: يمكن فهم الاقتباس كاستخدام للجزء للدلالة على الكل
من الحلول المطروحة أن عبارة «أذنيّ فتحت» تستخدم جزءًا من الجسد، أي الأذن، للدلالة على الشخص كله في حالة طاعة. فإذا كان الله قد فتح الأذن لكي يسمع العبد ويطيع، فهذا يستلزم أن الله هيأ الشخص كله، أي الجسد كله، ليتمم الطاعة.
بهذا المعنى، لا يوجد تعارض بين العبارتين:
- المزمور يركّز على الأذن باعتبارها رمز السماع والطاعة.
- العبرانيون يركّز على الجسد باعتباره أداة الطاعة والذبيحة.
والفكرة الواحدة في الحالتين هي: تهيئة المسيح للطاعة الكاملة لمشيئة الله.
خامسًا: سياق عبرانيين يؤكد أن المقصود هو طاعة المسيح الذبيحية
كاتب العبرانيين لا يستخدم مزمور 40 ليغيّر موضوعه، بل ليبيّن أن الله لم يرد الذبائح الحيوانية كغاية نهائية، بل أراد الطاعة الكاملة التي تحققت في المسيح:
«فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً.»
عبرانيين 10: 10
فالموضوع كله يدور حول طاعة المسيح وتقديم جسده ذبيحة مرة واحدة. لذلك فإن عبارة «هيأت لي جسدًا» منسجمة تمامًا مع حجة كاتب العبرانيين.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض. مزمور 40 يعبّر عن الطاعة بعبارة «أذنيّ فتحت»، وكاتب العبرانيين يقدّم المعنى نفسه في ضوء التجسد والذبيحة: «هيأت لي جسدًا». الاقتباس ليس نقلًا حرفيًا مطابقًا، لكنه أمين للحق الذي يحمله النص الأصلي.
«أذنيّ فتحت» تعني تهيئة المسيح للطاعة، و«هيأت لي جسدًا» تشرح أن هذه الطاعة تمت في جسد حقيقي قُدّم ذبيحة. الاختلاف في الصياغة لا يعني تحريفًا، بل توضيحًا للمعنى.
خلاصة دفاعية
الشبهة تقوم على اشتراط التطابق اللفظي بين الاقتباس والنص العبري. لكن العهد الجديد لا يلتزم دائمًا بالحرفية اللفظية، بل يقتبس النصوص بأمانة لمعناها. وفي عبرانيين 10، لا يحرّف الكاتب مزمور 40، بل يكشف أن طاعة المسيح التي يرمز إليها فتح الأذن قد تحققت في الجسد الذي هيأه الله للابن، لكي يدخل العالم ويتمم مشيئة الآب بتقديم نفسه مرة واحدة.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 521. Victor Books: Wheaton, Ill.