تخطى إلى المحتوى

هل الملائكة الساقطون مقيدون أم أحرار في تجربة البشر؟ بطرس الثانية 2: 4

  • بواسطة

هل الملائكة الساقطون مقيدون أم أحرار في تجربة البشر؟ بطرس الثانية 2: 4

الدينونة الإلهية حُكم نهائي، لكن نشاط الشياطين لم ينتهِ بعد

هل الملائكة الساقطون مقيدون أم أحرار في تجربة البشر؟ بطرس الثانية 2: 4
هل الملائكة الساقطون مقيدون أم أحرار في تجربة البشر؟ بطرس الثانية 2: 4

تُثار شبهة حول قول بطرس الرسول إن الله طرح الملائكة الذين أخطأوا في الجحيم وسلّمهم إلى قيود الظلام محفوظين للدينونة. فكيف يكونون مقيدين، بينما يعلّم العهد الجديد بوضوح أن الشياطين تتحرك وتجرّب وتقاوم وتؤذي البشر، بل وتدخل في بعض الناس؟

الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض. فإما أن بطرس يتكلم عن المصير النهائي المحكوم به على الملائكة الساقطين، لا عن حالتهم العملية الحالية، أو أنه يتكلم عن فئة خاصة من الملائكة الساقطين مقيدة بالفعل، بينما لا تزال شياطين أخرى طليقة إلى وقت الدينونة.

الشبهة

يقول بطرس الرسول:

لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ.
بطرس الثانية 2: 4

ويقول يهوذا أيضًا عن بعض الملائكة الساقطين:

وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ، حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلاَمِ.
يهوذا 1: 6

لكن العهد الجديد يذكر أيضًا أن الشياطين تعمل في العالم، وتؤذي البشر، وتدخل في البعض، وتقاوم عمل الله. فكيف يقول بطرس إنهم في قيود الظلام، بينما تظهر الشياطين في مواضع أخرى كأنها حرة في الحركة والعمل؟

مفتاح فهم الشبهة
مفتاح الحل هو عدم افتراض أن كل نص يتكلم عن كل الشياطين بالطريقة نفسها. فقد يكون النص عن المصير النهائي المحكوم به عليهم، أو عن فئة معينة من الملائكة الساقطين، لا عن جميع الأرواح الشريرة بلا استثناء.

أولًا: قد يكون بطرس يتكلم عن المصير النهائي لا الحالة الحالية

التفسير الأول أن بطرس يتكلم عن الحكم الإلهي النهائي الصادر ضد الملائكة الساقطين، لا عن حالتهم العملية في كل لحظة الآن. أي أنهم محكوم عليهم بالفعل بالدينونة الأبدية، ومصيرهم محسوم، وإن لم يكونوا قد دخلوا بعد في التنفيذ الكامل والنهائي لهذا الحكم.

وهذا المعنى معروف في الكتاب المقدس، إذ يمكن أن يكون الحكم مقررًا ومؤكدًا قبل أن تتم كل مراحله زمنيًا. فالشيطان وأجناده تحت دينونة الله، ونهايتهم معلنة، لكن الله يسمح لهم إلى حين بنشاط محدود تحت سلطانه.

ثانيًا: الشياطين تعرف أن وقت دينونتها آتٍ

يدعم هذا الفهم أن الشياطين نفسها تعرف أن لها وقتًا محددًا للدينونة. فعندما تقابل الرب يسوع مع المجنونين في كورة الجرجسيين، صرخت الشياطين قائلة:

مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟
متى 8: 29

عبارة «قبل الوقت» مهمة جدًا، لأنها تكشف أن الأرواح الشريرة تعلم أن لها دينونة قادمة، وأن وقتها لم يأتِ بعد من جهة التنفيذ النهائي. فهي ليست خارجة عن سلطان الله، وليست أبدية الحرية، بل تتحرك إلى حين وهي تعلم أن نهايتها آتية.

ثالثًا: قد يكون النص عن فئة خاصة من الملائكة الساقطين

التفسير الثاني أن بطرس ويهوذا يتكلمان عن فئة معينة من الملائكة الساقطين، لا عن كل الشياطين. فبعض الملائكة قد يكونون مقيدين فعلًا الآن في قيود الظلام، بينما تبقى أرواح شريرة أخرى طليقة تتحرك في العالم إلى يوم الدينونة.

وهذا يفسر كيف يتكلم بطرس عن ملائكة محفوظين في قيود، بينما يتكلم العهد الجديد في مواضع أخرى عن شياطين تعمل وتقاوم وتضل. النصان لا يلزماننا بالقول إن كل الملائكة الساقطين في الحالة نفسها.

رابعًا: ارتباط النص بسياق نوح قد يشير إلى حادثة تكوين 6

يرى بعض المفسرين أن بطرس يشير إلى «بني الله» المذكورين في تكوين 6، الذين ارتبطوا بحادثة الانحراف العظيم قبل الطوفان. ويقوي هذا الاحتمال أن بطرس يذكر نوحًا والطوفان في العدد التالي مباشرة:

وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا كَارِزًا لِلْبِرِّ، إِذْ جَلَبَ طُوفَانًا عَلَى عَالَمِ الْفُجَّارِ.
بطرس الثانية 2: 5

فإذا كان بطرس يقصد تلك الفئة الخاصة، فقد يكون سبب تقييدهم أنهم ارتكبوا فعلًا خاصًا قبل الطوفان، ولذلك حُفظوا في القيود حتى لا يكرروا ما فعلوه. أما بقية الشياطين، فهي لم تدخل بعد في هذا النوع من التقييد النهائي، مع أنها محكومة بالدينونة.

خامسًا: نشاط الشياطين لا يعني خروجها من سلطان الله

وجود شياطين طليقة تعمل في العالم لا يعني أنها حرة بمعنى مطلق. فالكتاب لا يقدم الشيطان وجنوده كقوة مساوية لله أو خارجة عن سلطانه. بل يقدمهم كقوات شريرة متمردة، لكن محكومة بحدود إلهية، ومصيرها النهائي مؤكد.

لذلك فحتى عندما يذكر العهد الجديد نشاط الشياطين، مثل إخراج المسيح للشياطين أو مقاومة الأرواح الشريرة لعمل الله، فهو لا ينفي حقيقة الدينونة القادمة، بل يؤكد سلطان المسيح عليها.

الاحتمال الأول الاحتمال الثاني
بطرس يتكلم عن المصير النهائي للملائكة الساقطين. بطرس يتكلم عن فئة خاصة من الملائكة الساقطين.
هم محكوم عليهم بالدينونة، وإن كان التنفيذ النهائي لم يكتمل بعد. بعضهم مقيد فعلًا، بينما توجد شياطين أخرى لا تزال طليقة.
الشياطين تعرف أن وقت عذابها آتٍ. السياق القريب من ذكر نوح قد يشير إلى حادثة ما قبل الطوفان.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين بطرس الثانية 2: 4 والنصوص التي تتحدث عن نشاط الشياطين في العالم. فإما أن بطرس يتحدث عن الحكم النهائي المقرر عليهم، أو أنه يتحدث عن فئة خاصة من الملائكة الساقطين المقيدين بالفعل. وفي الحالتين لا ينفي النص وجود شياطين أخرى تعمل الآن تحت حدود وسلطان الله إلى أن يأتي وقت الدينونة.

خلاصة الفكرة
الملائكة الساقطون تحت حكم الله ودينونته، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل الشياطين مقيدة الآن بالطريقة نفسها. بعضهم قد يكون محجوزًا بالفعل، والباقون يعرفون أن وقتهم قصير وأن دينونتهم آتية.

خلاصة دفاعية

الشبهة تزول عندما نميز بين الدينونة المحكوم بها والدينونة المنفذة بالكامل، أو بين فئات مختلفة من الملائكة الساقطين. فالكتاب المقدس لا يصوّر الشياطين ككائنات حرة بلا حدود، ولا ككائنات انتهى كل نشاطها بالفعل، بل يعلن أن الله قد حكم عليها، وأن بعضها محفوظ في قيود، وأن الباقين يعملون إلى حين وهم يعلمون أن وقتهم محدود. لذلك فبطرس لا يناقض بقية العهد الجديد، بل يضيف بُعدًا مهمًا عن يقين دينونة الأرواح الشريرة وسلطان الله المطلق عليها.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 538. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل الملائكة الساقطون مقيدون أم أحرار في تجربة البشر؟ بطرس الثانية 2: 4