تخطى إلى المحتوى

هل اقتبس يهوذا من كتاب أخنوخ غير الموحى به؟ يهوذا 14

  • بواسطة

هل اقتبس يهوذا من كتاب أخنوخ غير الموحى به؟ يهوذا 14

اقتباس حقيقة من مصدر خارجي لا يجعل المصدر كله موحى به

هل اقتبس يهوذا من كتاب أخنوخ غير الموحى به؟ يهوذا 14
هل اقتبس يهوذا من كتاب أخنوخ غير الموحى به؟ يهوذا 14

يذكر يهوذا نبوّة لأخنوخ قائلًا إن الرب يأتي في ربوات قديسيه. وبما أن هذه العبارة موجودة في كتاب أخنوخ، وهو كتاب غير قانوني ومصنّف ضمن الكتابات المنحولة، يظن البعض أن يهوذا أعطى كتاب أخنوخ سلطانًا إلهيًا. فهل هذا صحيح؟ وهل اقتباس يهوذا من هذا القول يعني أن كتاب أخنوخ كله موحى به؟

الإجابة المختصرة
لا يلزم من ذكر يهوذا لقول أخنوخ أن يكون كتاب أخنوخ موحى به أو قانونيًا. قد يكون يهوذا استخدم تقليدًا شفهيًا صحيحًا كان معروفًا، أو اقتبس عبارة صحيحة موجودة في كتاب غير قانوني. والوحي يضمن صدق ما اقتبسه يهوذا، لا صحة كل ما في المصدر الخارجي.

الشبهة

يقول يهوذا:

وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلًا: «هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمِ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ».
يهوذا 14-15

وبما أن هذا الكلام يشبه ما يوجد في كتاب أخنوخ، يعترض البعض قائلين: كيف يستشهد سفر قانوني موحى به بكتاب غير موحى به؟ أليس هذا يعني أن يهوذا اعتبر كتاب أخنوخ ذا سلطان إلهي؟ وإذا كان كتاب أخنوخ غير قانوني، فهل يضع ذلك سفر يهوذا نفسه موضع شك؟

مفتاح فهم الشبهة
الخلط هنا بين اقتباس عبارة صحيحة من مصدر خارجي وبين إعلان أن المصدر كله موحى به. الكتاب المقدس قد يقتبس حقًا موجودًا خارج أسفاره دون أن يمنح كل المصدر الخارجي سلطان الوحي أو القانونية.

أولًا: ليس مؤكدًا أن يهوذا اقتبس مباشرة من كتاب أخنوخ

لا نستطيع الجزم أن يهوذا كان يقتبس نصيًا من كتاب أخنوخ كما وصل إلينا. فقد يكون يهوذا يذكر حدثًا أو قولًا محفوظًا في تقليد صحيح، وهذا التقليد نفسه وُجد أيضًا في كتاب أخنوخ.

ومن المهم أن يهوذا لا يقول: “كما هو مكتوب في كتاب أخنوخ”، ولا ينسب السلطان إلى كتاب أخنوخ نفسه، بل يقول فقط:

وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلًا…
يهوذا 14

أي أن تركيزه على القول المنسوب إلى أخنوخ، لا على الكتاب المنحول ككتاب ذي سلطان قانوني. لذلك من الممكن جدًا أن يكون يهوذا استخدم تقليدًا شفهيًا صحيحًا عن أخنوخ، لا أنه اعتمد كتاب أخنوخ بوصفه وحيًا.

ثانيًا: وجود العبارة في كتاب غير قانوني لا يجعلها كاذبة

حتى لو افترضنا أن يهوذا أخذ العبارة من كتاب أخنوخ، فهذا لا يعني أن العبارة خاطئة. فالمصادر غير القانونية قد تحتوي على أقوال صحيحة، كما قد تحتوي على أمور غير صحيحة. وجود الحق في مصدر خارجي لا يجعل المصدر كله موحى به، ولا يجعل كل محتواه صحيحًا.

فالكتاب غير القانوني قد يتضمن معلومة صحيحة تاريخيًا أو تعبيرًا صادقًا لاهوتيًا، ويستطيع كاتب موحى به أن يستخدم هذه العبارة الصحيحة دون أن يصادق على كل الكتاب.

مثال توضيحي
إذا اقتبس كاتب مسيحي عبارة صحيحة من شاعر أو مؤرخ، فهذا لا يعني أنه يعتبر كل أشعار ذلك الشاعر أو كل كتابات ذلك المؤرخ موحى بها. الاقتباس يثبت صحة العبارة المستخدمة في السياق، لا عصمة المصدر كله.

ثالثًا: بولس اقتبس من شعراء وثنيين دون أن يجعل كتبهم موحى بها

هذه ليست الحالة الوحيدة التي يستخدم فيها الكتاب المقدس عبارة صحيحة من مصدر خارج الأسفار المقدسة. فالرسول بولس نفسه اقتبس من شعراء وثنيين عندما خاطب أهل أثينا:

لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ.
أعمال الرسل 17: 28

كما اقتبس بولس قولًا معروفًا:

لاَ تَضِلُّوا: فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ.
1 كورنثوس 15: 33

وفي رسالته إلى تيطس قال:

قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ: «الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ، وُحُوشٌ رَدِيَّةٌ، بُطُونٌ بَطَّالَةٌ».
تيطس 1: 12

ومع ذلك، لا أحد يفهم أن بولس جعل كتب الشعراء الوثنيين جزءًا من الكتاب المقدس، أو أنه اعتبرهم أنبياء موحى بهم بنفس معنى أنبياء الله. هو فقط استخدم عبارات صحيحة لخدمة الحجة.

رابعًا: الوحي يضمن صحة الاقتباس لا صحة كل المصدر الخارجي

عندما يستخدم سفر موحى به عبارة من مصدر خارجي، فإن الوحي يضمن أن هذه العبارة، كما استخدمها الكاتب الكتابي، صحيحة ومناسبة لسياقها. لكنه لا يضمن أن كل ما في المصدر الخارجي صحيح أو موحى به.

لذلك إذا كان يهوذا قد أخذ هذا القول من كتاب أخنوخ، فالوحي يضمن صدق هذا القول عن مجيء الرب للدينونة، لكنه لا يحوّل كتاب أخنوخ كله إلى سفر قانوني.

والأمر نفسه يظهر حتى في أمثلة غريبة داخل الكتاب المقدس. فقد نطق حمار بلعام بكلام حقيقي عندما فتح الرب فمه:

فَفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأَتَانِ، فَقَالَتْ لِبَلْعَامَ: «مَاذَا صَنَعْتُ بِكَ حَتَّى ضَرَبْتَنِي الآنَ ثَلاَثَ دَفَعَاتٍ؟»
العدد 22: 28

صدق الكلام في موضع معين لا يعني أن كل مصدر أو وسيلة صدر عنها الكلام تحمل سلطان الوحي الكتابي.

خامسًا: أخنوخ نفسه شخصية كتابية حقيقية

لا ينبغي الخلط بين وجود أخنوخ كشخصية كتابية حقيقية وبين قانونية كتاب أخنوخ. فالكتاب المقدس نفسه يذكر أخنوخ في العهد القديم:

وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ.
تكوين 5: 24

كما يشهد له العهد الجديد في رسالة العبرانيين:

بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ.
عبرانيين 11: 5

إذن وجود أخنوخ واتصاله بالله أمر ثابت كتابيًا. لكن هذا لا يعني أن كل كتاب منسوب إليه لاحقًا هو كتاب موحى به أو قانوني.

سادسًا: قانونية سفر يهوذا لا تتأثر بهذا الاقتباس

توجد شواهد خارجية قوية على قبول سفر يهوذا منذ وقت مبكر في الكنيسة. فقد عُرف السفر واستُخدم منذ زمن إيريناوس تقريبًا في القرن الثاني، وهو موجود في برديات بودمر P72 التي ترجع تقريبًا إلى سنة 250م، كما توجد آثار مبكرة له في الديداخي، التي يرجح أنها من القرن الثاني.

هذه الشواهد تدل على أن الكنيسة تعاملت مع سفر يهوذا كسفر ذي سلطان، ولم ترَ في ذكر قول أخنوخ سببًا لإسقاط قانونيته.

فالمشكلة المزعومة مبنية على افتراض خاطئ: أن الاقتباس من مصدر غير قانوني يجعل المصدر قانونيًا، أو يجعل السفر المقتبس غير قانوني. وكلا الأمرين غير صحيح.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض. يهوذا لم يقل إن كتاب أخنوخ كله موحى به، ولم يطلب من الكنيسة أن تقبله كسفر قانوني. هو ذكر قولًا صحيحًا عن أخنوخ، سواء أخذه من تقليد شفهي صحيح أو من عبارة موجودة في كتاب أخنوخ.

والكتاب المقدس نفسه يقدّم سوابق لاستخدام أقوال من خارج الأسفار المقدسة دون إعطاء تلك المصادر سلطان الوحي. لذلك فاقتباس يهوذا لا يضعف قانونية سفره، ولا يثبت قانونية كتاب أخنوخ.

خلاصة الفكرة
استخدام يهوذا لقول منسوب إلى أخنوخ لا يعني أن كتاب أخنوخ موحى به. فالحق يمكن أن يوجد في مصدر خارجي، والوحي يضمن صحة العبارة التي استخدمها يهوذا، لا صحة كل ما في المصدر غير القانوني.

خلاصة دفاعية

إن سفر يهوذا لا يستمد سلطانه من كتاب أخنوخ، ولا يمنح كتاب أخنوخ سلطانًا قانونيًا. بل يستخدم قولًا صحيحًا عن دينونة الرب للمضلين، في سياق تحذيره من الأشرار والمعلمين الكذبة.

لذلك، لا توجد مشكلة في أن يذكر سفر موحى به حقيقة موجودة أيضًا في مصدر غير موحى به. فالكتاب المقدس لا يعلّم أن كل ما هو خارج أسفاره باطل، بل يعلّم أن ما يثبته الوحي داخل أسفاره هو حق مضمون من الله.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 548. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل اقتبس يهوذا من كتاب أخنوخ غير الموحى به؟ يهوذا 14