تخطى إلى المحتوى

إذا كانت المحبة تطرح الخوف خارجًا فلماذا نُطالب بمخافة الله؟ يوحنا الأولى 4: 18

  • بواسطة

إذا كانت المحبة تطرح الخوف خارجًا فلماذا نُطالب بمخافة الله؟ يوحنا الأولى 4: 18

المحبة الكاملة تطرد خوف العذاب لا رهبة التقوى

إذا كانت المحبة تطرح الخوف خارجًا فلماذا نُطالب بمخافة الله؟ يوحنا الأولى 4: 18
إذا كانت المحبة تطرح الخوف خارجًا فلماذا نُطالب بمخافة الله؟ يوحنا الأولى 4: 18

تظهر شبهة من قول يوحنا الرسول إن «المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج»، إذ يبدو أن هذا يعارض نصوصًا كثيرة في الكتاب المقدس تطلب من المؤمن أن يخاف الله، وتقول إن مخافة الرب هي بداية المعرفة، وإننا يجب أن نعبد الرب بخوف. فهل المحبة المسيحية تلغي مخافة الله؟

الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض، لأن كلمة «الخوف» تُستخدم بمعنيين مختلفين. فهناك خوف مقدس بمعنى الوقار والرهبة والثقة الخاشعة في الله، وهذا مطلوب وممدوح. وهناك خوف معذِّب ناتج عن تصور خاطئ أن الله يريد إهلاك الإنسان، وهذا هو الخوف الذي تطرحه المحبة الكاملة خارجًا.

الشبهة

يقول يوحنا الرسول:

لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ، لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ.
يوحنا الأولى 4: 18

لكن الكتاب يقول أيضًا:

مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ، أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ.
أمثال 1: 7

اعْبُدُوا الرَّبَّ بِخَوْفٍ، وَاهْتِفُوا بِرَعْدَةٍ.
مزمور 2: 11

وقال بولس الرسول أيضًا:

فَإِذْ نَحْنُ عَالِمُونَ مَخَافَةَ الرَّبِّ نُقْنِعُ النَّاسَ.
كورنثوس الثانية 5: 11

فهل يجب أن يخاف المؤمن الله، أم أن المحبة الكاملة تلغي كل خوف؟

مفتاح فهم الشبهة
مفتاح الحل هو التمييز بين نوعين من الخوف: خوف صحي مقدس هو الوقار والرهبة أمام الله، وخوف مريض معذِّب يقوم على الرعب من الله وكأنه ضد الإنسان. يوحنا يرفض النوع الثاني، لا الأول.

أولًا: الخوف في المعنى الصالح هو وقار وثقة خاشعة

حين يتكلم الكتاب عن «مخافة الرب» بمعناها الصالح، فهو لا يقصد رعبًا مرضيًا من الله، بل يقصد توقير الله، واحترام قداسته، والعيش أمامه بجدية وطاعة. هذه المخافة لا تناقض المحبة، بل هي جزء من العلاقة الصحيحة مع الله.

فالإنسان الذي يحب الله لا يتعامل معه باستخفاف أو استهتار، بل يقف أمامه بإكرام ووقار. لذلك يقول الكتاب:

فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ.
كورنثوس الثانية 7: 1

فهنا مخافة الله مرتبطة بالقداسة، لا بالهروب من الله. إنها مخافة تجعل الإنسان يأخذ الله بجدية، لا مخافة تجعله يظن أن الله يتربص به.

ثانيًا: الخوف الذي تطرحه المحبة هو خوف العذاب

يوحنا نفسه يوضح نوع الخوف الذي يقصده، إذ يقول: «لأن الخوف له عذاب». إذًا هو لا يتحدث عن رهبة مقدسة، بل عن خوف معذِّب، خوف يجعل الإنسان يرتد إلى الوراء أمام الله كأنه أمام عدو يريد إهلاكه.

هذا الخوف غير صحي، لأنه يقوم على عدم فهم قلب الله ومحبته. فمن لم يدرك أن الله محبة، يبقى أسير تصور مرعب عن الله. أما حين يعرف الإنسان محبة الله كما أعلنها في المسيح، لا يعود يخاف الله بهذا المعنى المعذِّب.

وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي لِلَّهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ.
يوحنا الأولى 4: 16

ثالثًا: المحبة لا تلغي الوقار بل تنقّيه

المحبة الكاملة لا تجعل الإنسان يتعامل مع الله بلا احترام. بل بالعكس، المحبة الحقيقية لله تجعل الإنسان يوقره أكثر، ويخضع له بفرح، ويحيا أمامه بقداسة. لذلك يقول بطرس الرسول:

أَكْرِمُوا الْجَمِيعَ. أَحِبُّوا الإِخْوَةَ. خَافُوا اللهَ. أَكْرِمُوا الْمَلِكَ.
بطرس الأولى 2: 17

لاحظ أن بطرس يجمع بين المحبة ومخافة الله، ولا يرى بينهما أي تعارض. فالمحبة المسيحية ليست جرأة مستهترة، ومخافة الله ليست رعبًا مريضًا. المحبة تعطي ثقة، والمخافة تعطي وقارًا، وكلاهما ضروري في العلاقة السليمة مع الله.

رابعًا: الفرق بين الخوف المقدس والخوف المعذِّب

الخوف المقدس الخوف المعذِّب
رهبة ووقار أمام قداسة الله. رعب مرضي من الله كأنه ضد الإنسان.
يقود إلى الطاعة والقداسة. يقود إلى الهروب والاضطراب.
ينسجم مع المحبة والثقة. يناقض الثقة في محبة الله.
ممدوح في الكتاب المقدس. هذا هو الذي تطرحه المحبة خارجًا.

خامسًا: معرفة أن الله محبة تزيل الخوف الخاطئ

حين يقول يوحنا إن «الله محبة»، فهو لا يقول إن الله بلا قداسة أو بلا دينونة، بل يعلن أن طبيعة تعامل الله مع أولاده ليست قائمة على التربص والإرعاب، بل على المحبة المقدسة. لذلك فالمؤمن الذي يتثبت في محبة الله لا يعيش تحت عذاب الخوف، بل في ثقة البنوة والرجاء.

لكن هذه الثقة لا تعني التهاون. فالمؤمن يحب الله ويوقره في الوقت نفسه. يقترب من الله بثقة، لكنه لا ينسى عظمة الله وقداسته.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين يوحنا الأولى 4: 18 والنصوص التي تطلب مخافة الله. يوحنا يتكلم عن الخوف المعذِّب الذي يجعل الإنسان يرتعب من الله بسبب عدم اكتمال المحبة في قلبه. أما نصوص مخافة الرب، فهي تتكلم عن الوقار المقدس والرهبة التقوية التي تليق بالله.

خلاصة الفكرة
المحبة الكاملة لا تطرد مخافة الله بمعنى الوقار، بل تطرد الخوف المعذِّب. فالمؤمن لا يخاف الله كعدو يريد إهلاكه، بل يهابه كإله قدوس يحبه ويقدسه.

خلاصة دفاعية

الكتاب المقدس لا يناقض نفسه في موضوع الخوف. فهو يدعو الإنسان إلى مخافة الرب بمعنى الوقار والخضوع والرهبة المقدسة، لكنه يرفض الخوف المعذِّب الناتج عن عدم فهم محبة الله. فكلما نضج المؤمن في المحبة، تحرر من الرعب المرضي، لكنه لم يفقد احترامه لله. المحبة الحقيقية لا تلغي المخافة المقدسة، بل تجعلها أنقى وأعمق وأكثر اتزانًا.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 540. Victor Books: Wheaton, Ill.

إذا كانت المحبة تطرح الخوف خارجًا فلماذا نُطالب بمخافة الله؟ يوحنا الأولى 4: 18