هل المسيح رحيم أم غضوب؟ رؤيا 6: 16
المسيح رحيم بالتائبين وديّان عادل لغير التائبين

تُظهر الأناجيل الرب يسوع في صورة الرحمة والشفقة: يشفي المرضى، ويبارك المساكين، ويعزي الحزانى، ويغفر للخطاة. لكن سفر الرؤيا يتحدث عن “غضب الخروف” وعن مجيء المسيح للدينونة. فهل يوجد تناقض بين رحمة المسيح وغضبه؟ أم أن النصوص تتكلم عن جوانب مختلفة من عمل المسيح بحسب الزمن وحالة الإنسان أمامه؟
لا يوجد تناقض بين رحمة المسيح وغضبه. في مجيئه الأول جاء المسيح أساسًا في رسالة رحمة وخلاص، أما في مجيئه الثاني فسيأتي كديّان عادل. كما أن المسيح في كل زمان رحيم بالتائبين، وغاضب على الشر والرياء وعدم التوبة.
الشبهة
تقدم الأناجيل المسيح كالمخلّص الرحيم الذي جاء لا ليهلك الناس بل ليخلصهم. فقد قال الرب:
لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ.
لوقا 9: 56
وقال أيضًا:
لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ.
لوقا 19: 10
لكن سفر الرؤيا يتكلم عن الناس وهم يصرخون إلى الجبال والصخور قائلين:
وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْخَرُوفِ.
رؤيا 6: 16
كما يصف سفر الرؤيا مجيء المسيح للدينونة:
ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ.
رؤيا 19: 11
فكيف يكون المسيح هو الحمل الوديع الرحيم، وفي الوقت نفسه له غضب ودينونة؟ هل تغير المسيح؟ أم أن الكتاب يقدم صورتين متعارضتين؟
المشكلة ناتجة عن الخلط بين زمنين مختلفين في عمل المسيح: مجيئه الأول للخلاص والرحمة، ومجيئه الثاني للدينونة العادلة. كما أن رحمة المسيح لا تعني التساهل مع الشر، وغضبه لا يعني غياب المحبة، بل هو غضب القدوس العادل على الخطية ورفض التوبة.
أولًا: مجيء المسيح الأول كان أساسًا رسالة رحمة وخلاص
في مجيئه الأول، جاء المسيح ليعلن محبة الله، وليطلب الخطاة، وليحمل خطايا العالم. لذلك قال يوحنا المعمدان عنه:
هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.
يوحنا 1: 29
فالمسيح جاء كالحمل الذي يبذل نفسه، ويحتمل الألم، ويفتح باب الخلاص للخطاة. لذلك نراه في الأناجيل يشفي المرضى، ويقبل التائبين، ويغفر للزناة والعشارين، ويحن على الجموع.
وقد سبق إشعياء فتنبأ عن رقة خدمته قائلًا:
قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ.
إشعياء 42: 3
هذه الصورة لا تعني أن المسيح بلا عدل، بل تعني أن مجيئه الأول كان زمن إعلان النعمة والدعوة إلى التوبة والخلاص.
ثانيًا: مجيء المسيح الثاني سيكون للدينونة العادلة
سفر الرؤيا يركز على مجيء المسيح الثاني، حيث يظهر المسيح لا كمن يأتي ليحمل الخطية مرة أخرى، بل كمن يأتي ليحكم ويدين الشر. لذلك يقول السفر:
وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ يَقُولُ لِي: لاَ تَبْكِ. هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ.
رؤيا 5: 5
فالمسيح هو الحمل الذي مات لأجل الخطاة، وهو أيضًا الأسد الذي يغلب ويدين. الصورتان لا تتناقضان، بل تكمل إحداهما الأخرى: الحمل يعلن ذبيحة الخلاص، والأسد يعلن سلطان الملك والدينونة.
وقد سبق المزمور الثاني فأعلن عن سلطان المسيح الملك:
تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ. مِثْلَ إِنَاءِ خَزَّافٍ تُكَسِّرُهُمْ.
مزمور 2: 9
إذن، لا يتكلم سفر الرؤيا عن مسيح آخر، بل عن نفس المسيح في مرحلة أخرى من عمله: بعدما رفض الناس النعمة وأصروا على التمرد، يأتي الدينونة.
ثالثًا: حتى في مجيئه الأول كان المسيح غاضبًا على الرياء والشر
ليست صورة المسيح في الأناجيل رحمة بلا قداسة أو حب بلا حق. فالمسيح، في مجيئه الأول نفسه، كان رحيمًا بالخطاة التائبين، لكنه كان شديدًا على الرياء والقساوة واستغلال العبادة.
ففي متى 23 وبّخ المسيح الكتبة والفريسيين بسبب ريائهم، وقال:
وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ.
متى 23: 13
كما طهّر الهيكل عندما حوّل البعض بيت الله إلى تجارة:
فَوَجَدَ فِي الْهَيْكَلِ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ بَقَرًا وَغَنَمًا وَحَمَامًا، وَالصَّيَارِفَ جُلُوسًا. فَصَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال، وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ.
يوحنا 2: 14-15
ولعن التينة غير المثمرة، وكانت رمزًا للدين الشكلي بلا ثمر:
فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا فَقَطْ، فَقَالَ لَهَا: لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ. فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ.
متى 21: 19
إذن، حتى الأناجيل نفسها لا تقدم المسيح كرحمة منفصلة عن الحق، بل كقدوس رحيم يغفر للتائبين ويقاوم الشر والرياء.
رابعًا: رحمة المسيح وغضبه يتجهان إلى حالتين مختلفتين
المسيح لا يكون رحيمًا بالتائبين وغاضبًا عليهم في نفس المعنى، ولا يكون غاضبًا على غير التائبين بمعنى أنه يكره الخير. بل رحمته وغضبه يظهران بحسب موقف الإنسان من النعمة والحق.
| المسيح تجاه التائبين | المسيح تجاه غير التائبين |
|---|---|
| يغفر الخطايا | يدين الإصرار على الخطية |
| يشفي المنكسرين | يكشف الرياء والشر |
| يفتح باب الخلاص | يغلق باب التهاون مع التمرد |
| يظهر كالحمل الذي يبذل نفسه | يظهر كالملك الديان العادل |
لذلك، لا يصح أن نأخذ نصوص الرحمة ونلغي بها نصوص الدينونة، ولا أن نأخذ نصوص الدينونة وننسى رحمة المسيح. المسيح كامل في رحمته وكامل في عدله.
خامسًا: غضب الخروف هو غضب المحبة المرفوضة
تعبير “غضب الخروف” عميق جدًا؛ لأنه لا يقول فقط “غضب الملك” أو “غضب الديان”، بل “غضب الخروف”. أي أن الذي يدين هو نفسه الذي قُدِّم ذبيحة لأجل الخطاة.
فغضب المسيح ليس غضبًا متقلبًا أو انتقامًا بشريًا، بل هو غضب القداسة على الشر، وغضب النعمة المرفوضة. فالخروف الذي مات لأجل العالم يملك الحق أن يدين الذين رفضوا خلاصه وأصروا على العصيان.
وهذا يجعل الدينونة أكثر جدية، لأن من يرفض المسيح لا يرفض فقط سلطان الملك، بل يرفض أيضًا محبة الحمل الذي بذل نفسه.
سادسًا: المسيح لم يتغير بين الأناجيل والرؤيا
المسيح في الأناجيل هو نفسه المسيح في سفر الرؤيا. لم ينتقل من الرحمة إلى القسوة، ولا من المحبة إلى الانتقام، بل أعلن في كل مرحلة ما يناسب قصد الله في ذلك الوقت.
في مجيئه الأول، أعلن الخلاص ودعا الناس إلى التوبة. وفي مجيئه الثاني، سيظهر كملك وديّان. وبين المرحلتين، يبقى هو نفسه: قدوسًا، محبًا، عادلًا، رحيمًا، ورافضًا للشر.
القاضي العادل قد يكون رحيمًا بمن يعترف بخطئه ويرجع، لكنه لا يكون عادلًا إن ترك الشر بلا حكم إلى الأبد. الرحمة الحقيقية لا تلغي العدل، والعدل الحقيقي لا ينقض الرحمة.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين المسيح الرحيم في الأناجيل والمسيح الديان في سفر الرؤيا. الاختلاف يرجع إلى اختلاف الزمن والغرض: مجيئه الأول كان للخلاص والرحمة، ومجيئه الثاني سيكون للدينونة وإعلان العدل.
كما أن المسيح في كل وقت يرحم التائبين ويغضب على عدم التوبة. لذلك فغضبه لا ينفي رحمته، ورحمته لا تنفي قداسته وعدله.
المسيح هو الحمل الذي مات لأجل الخطاة، وهو أيضًا الأسد الذي يأتي ليدين الشر. في مجيئه الأول أعلن الرحمة والخلاص، وفي مجيئه الثاني سيعلن الدينونة العادلة. هو دائمًا رحيم بالتائبين وغاضب على الشر وعدم التوبة.
خلاصة دفاعية
إن صورة المسيح الكتابية ليست رحمة رخوة بلا عدل، ولا غضبًا بلا محبة. المسيح الكامل هو الذي يبكي على الهالكين، ويدعو الخطاة إلى التوبة، ويبذل نفسه كحمل الله، لكنه أيضًا لا يترك الشر إلى الأبد بلا دينونة.
لذلك، فإن “غضب الخروف” لا يناقض إنجيل النعمة، بل يكشف خطورة رفض النعمة. فالذي يأتي ديانًا في سفر الرؤيا هو نفسه الذي جاء مخلّصًا في الأناجيل، ومن يرفض رحمة الحمل سيقابل عدل الملك.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 552. Victor Books: Wheaton, Ill.