من أي ابن من أبناء داود جاء المسيح؟ سليمان أم ناثان؟ متى 1: 6 ولوقا 3: 31
المسيح جاء من داود قانونيًا عبر سليمان، وطبيعيًا عبر ناثان

يعرض إنجيل متى نسب المسيح من داود عبر سليمان، بينما يعرض إنجيل لوقا النسب عبر ناثان ابن داود. فهل يوجد تناقض بين النسبين؟ هل جاء المسيح من سليمان أم من ناثان؟ أم أن متى ولوقا يقدمان خطين مختلفين: أحدهما قانوني عبر يوسف، والآخر طبيعي عبر مريم؟
لا يوجد تناقض. متى يقدم نسب المسيح القانوني من جهة يوسف، الذي كان من نسل داود عبر سليمان، وباعتبار يسوع ابنًا قانونيًا ليوسف صار وارثًا شرعيًا لبيت داود. أما لوقا فيبدو أنه يقدم نسب مريم، ومن خلالها جاء المسيح طبيعيًا من نسل داود عبر ناثان. وهكذا فالمسيح داودي قانونيًا عبر سليمان، وداودي جسديًا عبر ناثان.
الشبهة
يقول إنجيل متى في سلسلة نسب المسيح:
وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا.
متى 1: 6
أما إنجيل لوقا فيذكر نسب المسيح عبر ناثان:
بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتَّاتَ، بْنِ لاَوِي، بْنِ سِمْعَانَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، بْنِ مَلِيَا، بْنِ مِينَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ.
لوقا 3: 29-31
فهل جاء المسيح من نسل داود عبر سليمان كما يقول متى، أم عبر ناثان كما يقول لوقا؟
مفتاح الحل هو التمييز بين النسب القانوني والنسب الطبيعي. متى يقدّم نسب يسوع من جهة يوسف، الأب القانوني ليسوع، أما لوقا فيبدو أنه يقدّم نسب مريم، الأم البشرية الوحيدة للمسيح بحسب الجسد. لذلك يلتقي النسبان في داود، لكنهما يمران عبر ابنين مختلفين: سليمان في خط يوسف، وناثان في خط مريم.
أولًا: متى يقدم النسب القانوني من جهة يوسف
يفتتح متى إنجيله بإعلان هدف سلسلة النسب:
كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ.
متى 1: 1
ثم يسير النسب من إبراهيم إلى داود، ومن داود إلى سليمان، ثم إلى يوسف. وهذا مناسب جدًا لغرض متى، لأنه يكتب ليُظهر أن يسوع هو المسيح الملك، ابن داود، والوارث الشرعي للوعود الملكية.
لكن متى لا يقول إن يوسف وَلَد يسوع كما قال عن الآباء السابقين. ففي النسب تتكرر صيغة:
إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحَاقَ، وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ.
متى 1: 2
أما عند الوصول إلى يوسف، تتغير الصياغة بوضوح:
وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.
متى 1: 16
لم يقل متى: “ويوسف ولد يسوع”، بل قال إن يوسف هو رجل مريم، وأن يسوع وُلد من مريم. وهذا يثبت أن متى يعرف تمامًا أن يوسف ليس الأب البيولوجي للمسيح، لكنه يقدمه كالأب القانوني الذي من خلاله ينال يسوع حق الوراثة الملكية في بيت داود.
ثانيًا: يسوع صار وارثًا قانونيًا ليوسف
بحسب الوضع القانوني، كان يسوع يُنسب إلى يوسف لأنه كان زوج مريم، وقد قبله يوسف في بيته ودعاه اسمه بأمر الملاك:
فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ، لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ.
متى 1: 21
وبهذا صار يسوع ابنًا قانونيًا ليوسف، لا بمعنى أنه مولود منه جسديًا، بل بمعنى أنه وارثه الشرعي. وبما أن يوسف من نسل داود عبر سليمان، صار يسوع له الحق القانوني في اللقب الداودي والملكي.
وهذا مهم جدًا، لأن الوعد المسياني مرتبط بكرسي داود وبيت داود. فمتى يوضح أن يسوع هو الملك الشرعي الآتي من خط داود الملكي.
ثالثًا: لوقا يبدو أنه يقدم نسب مريم
أما لوقا، فيقدم سلسلة نسب مختلفة تصل إلى داود عبر ناثان لا سليمان. ويبدأ نسبه بهذه العبارة الدقيقة:
وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنُ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي.
لوقا 3: 23
عبارة “على ما كان يُظن” مهمة جدًا؛ لأنها تنبّه القارئ إلى أن يسوع لم يكن ابن يوسف بيولوجيًا، وإن كان الناس يظنون ذلك. وهذا يفتح الباب لفهم أن لوقا لا يقصد أن يثبت النسب الجسدي عبر يوسف، بل يلفت الانتباه إلى النسب الحقيقي من الجهة البشرية، أي من جهة مريم.
وبحسب هذا الفهم، فإن “هالي” المذكور في لوقا هو والد مريم، أي حمو يوسف، بينما “يعقوب” المذكور في متى هو والد يوسف الحقيقي:
وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.
متى 1: 16
ومن هنا يكون يوسف “ابن هالي” بالمعنى القانوني أو المصاهري، أي زوج ابنته مريم، بينما هو ابن يعقوب بحسب النسب الطبيعي الخاص به.
رابعًا: لوقا يناسبه أن يقدّم النسب البشري العام للمسيح
إنجيل لوقا لا يقف عند إبراهيم كما يفعل متى، بل يرجع بالنسب إلى آدم:
بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ اللهِ.
لوقا 3: 38
وهذا يناسب تركيز لوقا على المسيح كمخلص العالم كله، لا كالمسيح اليهودي فقط. فمتى يبرز يسوع ابن داود وابن إبراهيم، أما لوقا فيبرز يسوع كابن الإنسان المرتبط بالجنس البشري كله.
وبما أن يسوع لم يكن ابنًا بيولوجيًا ليوسف، فالطريق الطبيعي الوحيد لإثبات نسبه البشري إلى داود هو من جهة مريم. لذلك يبدو أن لوقا يعرض نسب مريم، الذي يصعد إلى داود عبر ناثان.
خامسًا: ناثان أيضًا ابن داود وبثشبع
ليس ناثان شخصًا غريبًا عن بيت داود، بل هو أيضًا من أبناء داود. يذكر سفر أخبار الأيام:
وَهؤُلاَءِ وُلِدُوا لَهُ فِي أُورُشَلِيمَ: شِمْعَا وَشُوبَابُ وَنَاثَانُ وَسُلَيْمَانُ، أَرْبَعَةٌ مِنْ بَثْشُوعَ بِنْتِ عَمِّيئِيلَ.
1 أخبار الأيام 3: 5
إذن، إذا كان نسب مريم يمر عبر ناثان، فهذا لا يخرج المسيح من نسل داود، بل يثبت أنه داودي طبيعيًا من فرع آخر من أبناء داود.
وبذلك يكون يسوع من نسل داود من جهتين مختلفتين: قانونيًا عبر يوسف وسليمان، وطبيعيًا عبر مريم وناثان.
سادسًا: متى ولوقا لا يقدمان نفس الخط ثم يختلفان، بل خطين مختلفين
الخطأ في الشبهة هو افتراض أن متى ولوقا يحاولان تقديم نفس سلسلة النسب بطريقة واحدة، ثم أخطأ أحدهما. لكن الأقرب أن كل إنجيل يقدم غرضًا مختلفًا:
| إنجيل متى | إنجيل لوقا |
|---|---|
| يعرض النسب من جهة يوسف | يبدو أنه يعرض النسب من جهة مريم |
| النسب القانوني والملكي | النسب الطبيعي والبشري |
| يمر عبر سليمان ابن داود | يمر عبر ناثان ابن داود |
| يصل إلى إبراهيم | يرجع إلى آدم |
| يبرز يسوع الملك ابن داود | يبرز يسوع ابن الإنسان ومخلص العالم |
وعندما نفهم هذا التمييز، تزول المشكلة. فليس السؤال: هل جاء المسيح من سليمان أم ناثان؟ بل الجواب: جاء قانونيًا من سليمان عبر يوسف، وطبيعيًا من ناثان عبر مريم.
سابعًا: متى نفسه يحمي عقيدة الميلاد العذراوي
من المهم جدًا أن متى، رغم تقديمه نسب يوسف، يغيّر صياغته عند الحديث عن ولادة المسيح. فهو لا يقول إن يوسف ولد يسوع، بل يقول إن يسوع وُلد من مريم:
وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.
متى 1: 16
ثم يشرح مباشرة أن مريم وُجدت حبلى من الروح القدس قبل أن يجتمعا:
أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
متى 1: 18
إذن متى لا يناقض الميلاد العذراوي ولا يجعل يوسف أبًا جسديًا للمسيح. بل يجمع بين حقيقتين: يسوع مولود عذراويًا من مريم، وفي الوقت نفسه وارث قانوني لبيت داود من خلال يوسف.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين متى ولوقا. متى يتتبع الخط القانوني الملكي عبر يوسف وسليمان، أما لوقا فيتتبع على الأرجح الخط الطبيعي عبر مريم وناثان. وكلا الخطين يلتقيان في داود.
وبذلك يثبت العهد الجديد أن يسوع هو ابن داود من الناحية الشرعية القانونية، ومن الناحية البشرية الطبيعية أيضًا. فهو وارث عرش داود قانونيًا، ومن نسل داود جسديًا بحسب مريم.
متى يقدم نسب المسيح من جهة يوسف، فيثبت حقه القانوني في ميراث داود عبر سليمان. أما لوقا فيبدو أنه يقدم نسب مريم، فيثبت نسبه الطبيعي إلى داود عبر ناثان. لذلك جاء المسيح من داود قانونيًا عبر سليمان، وطبيعيًا عبر ناثان.
خلاصة دفاعية
إن اختلاف اسمي سليمان وناثان لا يهدم نسب المسيح الداودي، بل يكشف عمق الشهادة الإنجيلية. فالمسيح ليس مجرد شخص نُسب قانونيًا إلى بيت داود دون علاقة جسدية به، ولا هو فقط من نسل داود جسديًا دون حق قانوني في الملك، بل هو الاثنين معًا.
فهو ابن داود في النسب الطبيعي من مريم، ووارث داود الملكي من يوسف. وبذلك تجتمع في المسيح شرعية العرش وحقيقة النسب، ليكون هو ابن داود الموعود والمسيح المنتظر.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published as Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 316. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.