تخطى إلى المحتوى

ماذا قصد يسوع بقوله دع الموتى يدفنون موتاهم؟ متى 8: 22 ولوقا 9: 60

  • بواسطة

ماذا قصد يسوع بقوله دع الموتى يدفنون موتاهم؟ متى 8: 22 ولوقا 9: 60

المسيح يعلن أولوية الدعوة الإلهية على كل ارتباط أرضي

ماذا قصد يسوع بقوله دع الموتى يدفنون موتاهم؟ متى 8: 22 ولوقا 9: 60
ماذا قصد يسوع بقوله دع الموتى يدفنون موتاهم؟ متى 8: 22 ولوقا 9: 60

تُثار شبهة حول قول الرب يسوع لأحد أتباعه: «اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم». فيبدو الكلام لأول وهلة قاسيًا، كأن المسيح يمنع الإنسان من الاهتمام بوالده أو من القيام بواجب الدفن. لكن عند فهم الموقف وسياقه، يتضح أن المسيح لا يرفض المحبة العائلية، بل يكشف أولوية التلمذة والدعوة الإلهية حين تتعارض مع التأجيل والتردد.

الإجابة المختصرة
لم يقصد يسوع أن يمنع دفن الأب أو يعلّم القسوة تجاه الأسرة، بل قصد أن يقول للتلميذ إن دعوة الله لا تُؤجَّل إلى أجل غير محدد. فهناك من أفراد الأسرة، وهم أموات روحيًا، يستطيعون الاهتمام بالأمور الجسدية والدفن، أما التلميذ المدعو فكان عليه أن يضع اتباع المسيح أولًا.

الشبهة

يقول متى:

فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: اتْبَعْنِي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ.
متى 8: 22

ويورد لوقا المعنى نفسه:

فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ.
لوقا 9: 60

فيقول المعترض: كيف يأمر يسوع شخصًا أن يترك دفن أبيه؟ أليست هذه قسوة ضد الوالدين؟ وكيف يقول: «الموتى يدفنون موتاهم» مع أن الميت لا يستطيع دفن ميت آخر؟

مفتاح فهم الشبهة
مفتاح الحل هو أن كلمة «الموتى» تُستخدم هنا بمعنيين: الموت الجسدي، والموت الروحي. فالمقصود أن الأموات روحيًا يستطيعون أن يهتموا بدفن الموتى جسديًا، أما من دعاه المسيح فعليه أن يتبع الدعوة الإلهية دون تأجيل.

أولًا: الموقف كان قرارًا بين التأجيل والتلمذة

الموقف لا يتكلم غالبًا عن جنازة قائمة في نفس اللحظة، بل عن شاب يريد أن يبقى في بيته إلى أن يموت أبوه، ثم بعد ذلك يتبع المسيح. وربما كان الأب مريضًا أو كبيرًا في السن، ولا يُعرف كم سيبقى حيًا. لذلك لم تكن القضية مجرد حضور دفن عاجل، بل تأجيل التلمذة إلى أجل غير محدد.

السؤال الحقيقي في الموقف هو: ما الذي له الأولوية القصوى، الله أم الأسرة؟ المسيح رأى أن هذا الإنسان مستعد للتلمذة، ولذلك دعاه إلى قرار حاسم: «اتبعني».

ثانيًا: لم يكن الأب سيُترك بلا رعاية

لا يعني كلام المسيح أن الأب سيُترك بلا اهتمام أو أن الجنازة لن تتم. فبقية أفراد الأسرة كانوا موجودين وقادرين على رعاية الأب المريض والقيام بواجبات الدفن عند موته. لذلك قال يسوع: «دع الموتى يدفنون موتاهم»، أي دع من لم يدخلوا بعد في حياة التلمذة والرسالة يهتمون بهذه المسؤوليات العائلية العادية.

المسيح لا يحتقر الدفن ولا الرعاية العائلية، لكنه يرفض أن تتحول الروابط العائلية إلى سبب لتعطيل الدعوة الإلهية عندما تكون الدعوة واضحة ومباشرة.

ثالثًا: المقصود بالأموات الأولين هم الأموات روحيًا

الموتى في العبارة الأولى هم الأموات روحيًا، أي الذين لم ينتقلوا بعد من الموت الروحي إلى الحياة الأبدية. أما الموتى في العبارة الثانية فهم الموتى جسديًا. لذلك فالمعنى: دع الأموات روحيًا يدفنون الموتى جسديًا.

هذا المعنى يتفق مع تعليم العهد الجديد عن حالة الإنسان بعيدًا عن الله. يقول بولس:

وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا.
أفسس 2: 1

ويقول يوحنا:

اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ.
يوحنا 3: 36

إذًا، من جهة العلاقة الروحية بالله، يمكن أن يكون الإنسان حيًا جسديًا لكنه ميت روحيًا، لأنه لم ينل الحياة في الابن.

رابعًا: المسيح يضع الدعوة فوق كل علاقة بشرية

المسيح لا يعلّم كراهية الأسرة، لكنه يعلّم أن محبة الله وطاعة الدعوة يجب أن تكونا فوق كل علاقة بشرية، حتى أقدس العلاقات العائلية. لذلك قال:

مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي.
متى 10: 37

فالمشكلة ليست في محبة الأب، بل في أن تصبح محبة الأب سببًا لتأجيل طاعة المسيح. المسيح لا يقبل أن يكون تابعًا ثانويًا في حياة الإنسان، بل يطالب بالمكان الأول.

خامسًا: التلميذ كان أمام فرصة لا ينبغي أن تضيع

كانت أمام هذا الشاب فرصة فريدة للتدرب تحت تعليم المسيح والدخول في خدمته. ولو بقي ينتظر وفاة أبيه إلى أجل غير معلوم، فقد يضيع وقت الدعوة والتلمذة. لذلك دعاه المسيح إلى أن لا يجعل الانتظار العائلي غير المحدد عذرًا لتأجيل ملكوت الله.

وفي لوقا يظهر هذا المعنى بوضوح في قول المسيح:

وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ.
لوقا 9: 60

إذًا ليست العبارة دعوة إلى الإهمال العائلي، بل دعوة إلى إدراك خطورة الرسالة وأولوية ملكوت الله.

الفهم الخاطئ الفهم الصحيح
يسوع يمنع الإنسان من دفن أبيه. يسوع يمنع تأجيل الدعوة الإلهية إلى أجل غير معلوم.
المسيح يعلّم القسوة تجاه الأسرة. المسيح يعلّم أن الله له الأولوية حتى فوق الأسرة.
الموتى يدفنون موتاهم عبارة غير منطقية. الموتى روحيًا يستطيعون دفن الموتى جسديًا.
الخدمة تلغي المحبة العائلية. الخدمة لا تلغي المحبة، لكنها لا تسمح للأسرة أن تحل محل الله.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض ولا قسوة في كلام المسيح. فالرب لا ينهى عن إكرام الوالدين أو دفن الموتى، بل يواجه حالة معينة فيها خطر تأجيل التلمذة بحجة الانتظار العائلي. أما مسؤولية رعاية الأب ودفنه، فكان يمكن أن يقوم بها أفراد الأسرة الآخرون.

خلاصة الفكرة
«دع الموتى يدفنون موتاهم» تعني: دع الأموات روحيًا يهتمون بدفن الموتى جسديًا، أما أنت فقد دُعيت إلى اتباع المسيح والمناداة بملكوت الله. فالدعوة الإلهية لا ينبغي أن تُؤجَّل بلا نهاية.

خلاصة دفاعية

كلام المسيح ليس احتقارًا للوالدين ولا إلغاءً لواجبات المحبة، بل إعلان لسلطان الدعوة الإلهية. المسيح يفرّق بين واجب يمكن أن يقوم به آخرون، ودعوة لا يمكن للتلميذ أن يؤجلها. لذلك فالموتى روحيًا يستطيعون الاهتمام بأمور الموت الجسدي، أما من سمع نداء المسيح فعليه أن يضع ملكوت الله أولًا. هذا هو جوهر التلمذة: لا شيء، حتى الأسرة، يأخذ مكان المسيح في القلب والطاعة.

المصدر

Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 324. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.

ماذا قصد يسوع بقوله دع الموتى يدفنون موتاهم؟ متى 8: 22 ولوقا 9: 60