تخطى إلى المحتوى

كيف مات يهوذا الإسخريوطي؟ متى 27: 3-10 وأعمال 1: 18

  • بواسطة

كيف مات يهوذا الإسخريوطي؟ متى 27: 3-10 وأعمال 1: 18

متى يذكر الانتحار شنقًا، وأعمال الرسل يصف ما حدث للجسد بعد السقوط

كيف مات يهوذا الإسخريوطي؟ متى 27: 3-10 وأعمال 1: 18
كيف مات يهوذا الإسخريوطي؟ متى 27: 3-10 وأعمال 1: 18

تُثار شبهة حول موت يهوذا الإسخريوطي، لأن إنجيل متى يقول إنه «مضى وخنق نفسه»، بينما سفر الأعمال يقول إنه «سقط على وجهه وانشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها». فيظن البعض أن هناك تناقضًا بين الروايتين: هل مات يهوذا شنقًا أم مات بسبب سقوطه وانشقاق جسده؟ لكن عند جمع المعطيات، يتضح أن النصين لا يتكلمان عن طريقتين متعارضتين للموت، بل عن مرحلتين من الحدث نفسه: يهوذا شنق نفسه، ثم سقط جسده لاحقًا فانشق بسبب السقوط.

الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض بين متى وأعمال الرسل. متى يذكر طريقة انتحار يهوذا: أنه شنق نفسه. أما أعمال الرسل فيصف ما حدث بعد ذلك عندما سقط جسده من موضع مرتفع أو من غصن انكسر، فانشق جسده وانسكبت أحشاؤه. إذًا مات يهوذا شنقًا، ثم وقعت جثته بعد ذلك بصورة مروعة، وهذا يفسر الروايتين معًا.

الشبهة

يذكر متى أن يهوذا، بعدما رأى أن يسوع قد دِين، ندم وحاول أن يرد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ:

حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلًا: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ.
متى 27: 3-5

أما سفر الأعمال فيقول عن يهوذا:

فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلًا مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا.
أعمال الرسل 1: 18

فيقول المعترض: متى يقول إن يهوذا مات شنقًا، أما أعمال الرسل فيقول إنه مات بسقوطه وانشقاق جسده. فكيف يمكن التوفيق بين الروايتين؟ وهل مات يهوذا بالحبل أم بالسقوط؟

مفتاح فهم الشبهة
مفتاح الحل هو أن متى يذكر فعل الانتحار نفسه، بينما أعمال الرسل يذكر النتيجة اللاحقة لما حدث للجسد بعد السقوط. فالنصان لا ينفي أحدهما الآخر، بل يصفان مرحلتين مختلفتين من النهاية نفسها.

أولًا: متى يذكر بوضوح أن يهوذا شنق نفسه

رواية متى واضحة في بيان سبب الموت المباشر: يهوذا مضى وخنق نفسه. والكلمة اليونانية المستخدمة في متى 27: 5 هي من الفعل الذي استُخدم منذ العصور القديمة بمعنى الشنق. فالنص لا يترك انطباعًا غامضًا، بل يقرر أن يهوذا ربط نفسه بحبل أو أنشوطة وأنهى حياته شنقًا.

وسياق متى يركز على الجانب الأخلاقي والروحي في مأساة يهوذا. لقد خان المسيح بثلاثين من الفضة، ثم لما رأى نتيجة خيانته، لم يصل إلى توبة صحيحة تقوده إلى الله، بل إلى ندم يائس. حاول أن يتخلص من المال بإرجاعه إلى رؤساء الكهنة، لكنهم رفضوا قبوله، لأنه «ثمن دم».

فَقَالَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: «لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ».
متى 27: 6

ثم ألقاها يهوذا في الهيكل، وخرج، ومضى وخنق نفسه. هذا هو العنصر الأول في التوفيق: متى يذكر الطريقة التي انتحر بها يهوذا.

ثانيًا: أعمال الرسل لا يقول إن يهوذا لم يشنق نفسه

سفر الأعمال لا يقول إن يهوذا لم يمت شنقًا. ولا يقول إن متى مخطئ. بل يذكر جانبًا آخر من نهاية يهوذا: أنه سقط على وجهه، فانشق من الوسط، وانسكبت أحشاؤه. وهذا الوصف لا يلزم أن يكون طريقة الموت الأولى، بل يمكن جدًا أن يكون وصفًا لما حدث للجسد بعد الشنق.

بمعنى آخر: يمكن أن يكون يهوذا قد شنق نفسه أولًا، ثم بعد موته سقط جسده من موضع الشنق، إما بسبب انقطاع الحبل، أو انكسار الغصن، أو سقوطه من حافة مرتفعة، فحدث ما وصفه بطرس في أعمال الرسل.

بهذا لا تكون أمامنا روايتان متنافستان، واحدة تقول «مات شنقًا» والأخرى تقول «لم يمت شنقًا بل مات بالسقوط». بل أمامنا رواية أولى تقول كيف بدأ موته وانتحاره، ورواية ثانية تقول ماذا حدث لجسده في النهاية.

ثالثًا: عبارة «اقتنى حقلًا» لا تعني أنه اشتراه بنفسه مباشرة

تظهر شبهة فرعية في أعمال 1: 18، حيث يقول النص إن يهوذا «اقتنى حقلًا من أجرة الظلم». بينما متى يقول إن رؤساء الكهنة هم الذين أخذوا الفضة واشتروا بها حقل الفخاري:

فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. لِهذَا سُمِّيَ ذلِكَ الْحَقْلُ «حَقْلَ الدَّمِ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ.
متى 27: 7-8

فهل يهوذا اشترى الحقل، أم رؤساء الكهنة اشتروه؟ الجواب أن المال كان مال يهوذا، لأنه أُعطي له كأجرة الخيانة، حتى وإن كان قد رماه في الهيكل. ولما اشترى الكهنة الحقل بهذا المال، نُسب الحقل إليه من حيث السبب والملكية المعنوية للثمن. فهو «اقتناه» بمعنى أن ثمنه كان أجرته الدموية، وأن الحقل صار مرتبطًا باسمه ونهايته.

كما يمكن أن يكون في كلام بطرس نوع من السخرية المرة: لقد حصل يهوذا على «قطعة أرض» من أجرة الظلم، لكنها لم تكن ملكًا يفرح به، بل موضعًا ارتبط بموته ودفنه وفضيحته. فالأجرة التي ظن أنها مكسب انتهت إلى حقل دم.

رابعًا: الاحتمال العملي الأقوى: شنق نفسه فوق منحدر ثم سقط جسده

يشرح Archer أن الصورة المنطقية التي تجمع النصين هي أن يهوذا شنق نفسه من شجرة أو غصن كان ممتدًا فوق منحدر أو وادٍ. فإذا كان الغصن يابسًا أو ضعيفًا، أو إذا اشتدت الريح، أو إذا تحلل الجسد بعد مدة، فقد ينقطع الحبل أو ينكسر الغصن، فيسقط الجسد بقوة إلى أسفل.

هذا يفسر عبارة أعمال الرسل: «سقط على وجهه وانشق من الوسط». فالسقوط من موضع مرتفع، بعد الشنق، يمكن أن يؤدي إلى تمزق الجسد بصورة شديدة. ومن ثم لا يكون سفر الأعمال يصف طريقة انتحار مختلفة، بل يصف النتيجة الجسدية المروعة لما حدث بعد الشنق.

وهذا التوفيق لا يحتاج إلى افتراض غريب. فكثير من أماكن الوديان والمنحدرات حول أورشليم تحتوي على أشجار عند الحواف، وبعض التقاليد القديمة تربط موت يهوذا بمنطقة وادٍ أو موضع شديد الانحدار. فإذا شنق نفسه في مكان كهذا، فالسقوط اللاحق يصبح مفهومًا تمامًا.

خامسًا: الظروف المحيطة بموت المسيح تساعد على فهم المشهد

يشير المصدر إلى أن ساعة موت المسيح صاحبتها ظواهر قوية: ظلمة، وانشقاق حجاب الهيكل، وزلزلة، وتشقق صخور. يقول متى:

وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ.
متى 27: 45

وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ.
متى 27: 51

إذا كانت هذه الأحداث قد صاحبتها رياح شديدة أو اضطراب جوي، فهذا يجعل سقوط الجسد من موضع الشنق أمرًا ممكنًا جدًا، خصوصًا إن كان معلقًا في غصن يابس على حافة منحدر. لا يحتاج التفسير إلى المبالغة، بل فقط إلى إدراك أن النصين يصفان مشهدًا مأساويًا وقع في ظروف مضطربة للغاية.

سادسًا: متى يركز على الذنب والندم وثمن الدم

لكل من متى وأعمال الرسل زاوية خاصة. متى يركز على مأساة يهوذا الداخلية وعلى رفض رؤساء الكهنة قبول المال لأنه «ثمن دم»، رغم أنهم هم الذين دفعوه له. يظهر هنا نفاقهم بوضوح: لا يريدون إدخال المال إلى الخزانة لأنه نجس، لكنهم لم يتورعوا عن دفعه لتسليم بريء إلى الموت.

لذلك يهتم متى بتتبع المال:

  • يهوذا أخذ الثلاثين من الفضة.
  • ندم وحاول ردّها.
  • رفض الكهنة قبولها في الخزانة.
  • اشتروا بها حقل الفخاري.
  • صار المكان معروفًا باسم حقل الدم.

محور متى إذًا هو: الخيانة، وثمن الدم، وتحقيق النبوة، ونهاية يهوذا بالشنق.

سابعًا: أعمال الرسل يركز على سقوط يهوذا وضرورة استبداله

أما سفر الأعمال، فالسياق مختلف. بطرس يخاطب جماعة المؤمنين بعد صعود المسيح، قبل اختيار بديل ليهوذا بين الاثني عشر. لذلك يذكر نهاية يهوذا المخزية، لا كقصة تفصيلية عن ندمه، بل كسبب لفراغ مكانه الرسولي:

لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ، وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آخَرُ.
أعمال الرسل 1: 20

لذلك يذكر بطرس أن يهوذا «اقتنى حقلًا من أجرة الظلم» وأن نهايته كانت مخزية، ليؤكد أن موضعه بين الرسل لا بد أن يأخذه آخر. فالمحور في أعمال الرسل هو: سقوط يهوذا، وفضيحته، وخلو مكانه الرسولي، لا تفاصيل الندم وإلقاء الفضة في الهيكل.

ثامنًا: التوفيق الزمني المحتمل للأحداث

يمكن ترتيب الأحداث بحسب الروايتين معًا كما يلي:

  1. خان يهوذا المسيح بثلاثين من الفضة.
  2. بعد الحكم على يسوع، ندم يهوذا ندمًا يائسًا.
  3. ذهب إلى رؤساء الكهنة والشيوخ محاولًا رد المال.
  4. رفضوا استلامه لأنه «ثمن دم».
  5. طرح المال في الهيكل وخرج.
  6. ذهب إلى موضع خارج المدينة وشنق نفسه.
  7. اشترى الكهنة بالمال حقل الفخاري، فسمي حقل الدم.
  8. سقط جسد يهوذا من موضع الشنق، ربما بسبب انكسار الغصن أو انقطاع الحبل أو اضطراب الطبيعة، فانشق جسده كما وصف أعمال الرسل.
  9. ارتبط الحقل والنهاية المخزية باسم يهوذا، وصار موته سببًا لذكر ضرورة اختيار بديل له بين الاثني عشر.

هذا الترتيب يجمع كل عناصر الروايتين دون إلغاء أي منهما.

النص ما يركز عليه هل ينفي النص الآخر؟
متى 27: 3-10 ندم يهوذا، رد الفضة، رفض الكهنة، الشنق، شراء حقل الفخاري. لا، لأنه لا يصف ما حدث للجسد بعد الشنق.
أعمال 1: 18-20 نهاية يهوذا المخزية، سقوط الجسد، حقل الدم، خلو مكانه الرسولي. لا، لأنه لا يقول إن يهوذا لم يشنق نفسه.

تاسعًا: لماذا لا تكفي قراءة سطحية لصنع تناقض؟

القراءة السطحية تقول: «متى يقول شنق نفسه، وأعمال يقول سقط وانشق، إذًا هناك تناقض». لكن هذه القراءة تفترض أن كل رواية يجب أن تذكر كل مراحل الحدث. وهذا غير صحيح. فقد يذكر شاهد سبب الموت، ويذكر آخر ما حدث للجثة بعد الموت. وقد يذكر شاهد بداية الحدث، ويذكر آخر نهايته المأساوية.

مثال ذلك: لو قال شخص إن رجلًا مات شنقًا، وقال آخر إن جسده وُجد بعد ذلك محطمًا في أسفل وادٍ، فلا يلزم أن يكون أحدهما مخطئًا. يمكن ببساطة أن الرجل شنق نفسه فوق الوادي، ثم سقط جسده لاحقًا. هذا بالضبط هو نوع التوفيق بين متى وأعمال الرسل.

عاشرًا: الفرق بين ندم يهوذا وتوبة بطرس

من المهم أيضًا أن نلاحظ البعد الروحي في القصة. يهوذا ندم، لكنه لم يرجع إلى المسيح. أما بطرس فبكى بكاءً مرًا بعد إنكاره، ثم رُدّ إلى الخدمة. الندم وحده لا يساوي التوبة الخلاصية. يهوذا رأى خطأه، لكنه اتجه إلى اليأس والموت، لا إلى الرجاء والعودة إلى الرب.

متى يبرز هذه المأساة: الإنسان الذي اقترب من المسيح، وسمع تعاليمه، ورأى معجزاته، ومع ذلك باعه بثمن عبد، ثم عجز عن حمل ذنبه وانتهى إلى الهلاك. لذلك فالقصة ليست مجرد تفصيل تاريخي عن طريقة موته، بل تحذير روحي عميق من الخيانة واليأس والندم غير التائب.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين متى 27 وأعمال 1. متى يقول إن يهوذا شنق نفسه، وأعمال الرسل يصف سقوط جسده وانشقاقه بعد ذلك. كما أن قول أعمال الرسل إن يهوذا «اقتنى حقلًا» لا يناقض قول متى إن الكهنة اشتروا الحقل، لأن الحقل اشتُري بمال يهوذا، أجر الخيانة، فنُسب إليه من هذه الجهة.

خلاصة الفكرة
مات يهوذا شنقًا بحسب متى، ثم سقط جسده لاحقًا فانشق كما يصف أعمال الرسل. متى يذكر الانتحار، وأعمال الرسل يذكر النهاية الجسدية المخزية. أما حقل الدم، فاشتراه الكهنة بمال يهوذا، ولذلك نُسب إليه باعتباره ثمرة أجرة الظلم.

خلاصة دفاعية

الشبهة تقوم على افتراض أن الشنق والسقوط طريقتان متعارضتان للموت، مع أنهما يمكن أن يكونا مرحلتين في الحدث نفسه. يهوذا خنق نفسه، ثم سقط جسده من موضع الشنق، فانشق كما وصف بطرس في أعمال الرسل. كذلك لا يوجد تناقض في موضوع الحقل، لأن الكهنة اشتروه بالمال الذي كان ليهوذا، فصار الحقل مرتبطًا بأجرته الدموية ونهايته المخزية. لذلك فروايتا متى وأعمال الرسل لا تتناقضان، بل إحداهما تشرح فعل الانتحار، والأخرى تكشف النهاية المروعة لجسد الخائن وحقل الدم.

المصدر

Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 344. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.

كيف مات يهوذا الإسخريوطي؟ متى 27: 3-10 وأعمال 1: 18