هل أخطأ لوقا بشأن كيرينيوس والتعداد؟ لوقا 2: 1-2
التعداد الأول تحت حكم كيرينيوس يفسر المشكلة ولا يناقض التاريخ الروماني

يُثار اعتراض تاريخي مشهور حول رواية ميلاد المسيح في إنجيل لوقا، خاصة ما يتعلق بالتعداد الذي حدث في أيام ولادة يسوع. فيقول لوقا 2: 1-2 إن قيصر أغسطس أصدر أمرًا بأن يُكتتب كل المسكونة، وأن هذا الاكتتاب كان «أول» اكتتاب عندما كان كيرينيوس والي سورية.
لكن المعترض يلاحظ أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس لا يذكر تعدادًا في أيام هيرودس الكبير، الذي مات سنة 4 قبل الميلاد، بينما يذكر تعدادًا آخر قام به كيرينيوس بعد عزل أرخيلاوس سنة 6 أو 7 ميلادية. فإذا كان لوقا يضع التعداد عند ميلاد المسيح قبل موت هيرودس، بينما يوسيفوس يضع تعداد كيرينيوس بعد ذلك بحوالي أربعة عشر عامًا، فكيف يمكن التوفيق بين الروايتين؟
لا يوجد خطأ في لوقا. الحل الأساسي هو أن لوقا نفسه يقول إن هذا كان «التعداد الأول» تحت كيرينيوس، مما يدل على وجود تعداد لاحق يعرفه التاريخ في سنة 6-7م. كما أن كلمة «والي» أو «حاكم» في لوقا لا تتطلب بالضرورة أن يكون كيرينيوس هو الوالي الرسمي الوحيد لسورية، بل يمكن أن تشير إلى قيادته أو إشرافه على هذا العمل الإداري. كان كيرينيوس شخصية رومانية بارزة في المنطقة قبل ولايته الرسمية، ومن الممكن أن أغسطس كلفه بالإشراف على التعداد في فترة انتقالية.
الشبهة
يقول لوقا:
«وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. هذَا الاِكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ.»
لوقا 2: 1-2
المشكلة الظاهرية هي:
- هيرودس الكبير مات سنة 4 ق.م، وكان المسيح قد وُلد قبل موته.
- يوسيفوس يذكر تعدادًا قام به كيرينيوس سنة 6 أو 7م بعد عزل أرخيلاوس.
- الفترة بين الحدثين تقارب أربعة عشر عامًا.
- كما أن سجلات الحكام الرومان لسورية تثير سؤالًا: هل كان كيرينيوس واليًا لسورية أصلًا في وقت ميلاد المسيح؟
أولًا: لوقا نفسه يميز بين تعدادين
الكلمة المهمة في النص اليوناني هي:
hautē apographē prōtē egeneto
أي: «هذا الاكتتاب الأول حدث».
استخدام كلمة «الأول» يفترض وجود شيء لاحق. لذلك لم يكن لوقا يجهل تعداد كيرينيوس الذي حدث بعد ذلك في سنة 6 أو 7م، بل كان يعرفه ويميز بينه وبين التعداد السابق.
وهذا يتفق مع ما نجده في سفر الأعمال، حيث يذكر لوقا نفسه ثورة يهوذا الجليلي:
«بَعْدَ هذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيلِيُّ فِي أَيَّامِ الاِكْتِتَابِ…»
أعمال 5: 37
وهذا هو التعداد الذي يذكره يوسيفوس بعد عزل أرخيلاوس.
ثانيًا: كان الرومان يكررون عمليات التعداد
كان من المعتاد لدى الرومان إجراء إحصاءات دورية للسكان والممتلكات لأغراض الضرائب والإدارة. وتشير المصادر إلى أن الرومان كانوا يقومون بتعدادات دورية تقارب الأربعة عشر عامًا في بعض المناطق.
وبناءً على ذلك يمكن فهم وجود:
- تعداد أول في فترة ميلاد المسيح قبل موت هيرودس.
- تعداد لاحق تحت إدارة كيرينيوس الرسمية بعد سنة 6م.
وهذا ينسجم مع عبارة لوقا الدقيقة: «الاكتتاب الأول».
ثالثًا: هل كان كيرينيوس والي سورية فعلًا؟
الاعتراض الآخر يعتمد على أن حكام سورية المعروفين تاريخيًا في تلك الفترة هم ساتورنيوس وفاروس، وليس كيرينيوس.
لكن المشكلة هنا أن النص اليوناني في لوقا لا يستخدم لقبًا رومانيًا رسميًا مثل:
legatus
وهو لقب الوالي الرسمي للإقليم، بل يستخدم:
hēgemoneuontos
أي «أثناء قيادة أو إشراف كيرينيوس على سورية».
وهذا التعبير أوسع من مجرد اللقب الإداري الرسمي، ويمكن أن يشير إلى شخص كان مسؤولًا أو مشرفًا على مهمة معينة.
رابعًا: كان كيرينيوس شخصية عسكرية بارزة قبل ولايته الرسمية
لا خلاف أن كيرينيوس كان شخصية رومانية مهمة في الشرق الأدنى قبل أن يصبح والي سورية رسميًا.
فبين سنة 12 ق.م وسنة 2 ق.م تقريبًا كان منخرطًا في حملات عسكرية ضد القبائل المتمردة في منطقة بيسيديا الجبلية.
وهذا يعني أنه كان موجودًا في المنطقة، وكان مسؤولًا رفيع المستوى، مما يجعل احتمال تكليفه من أغسطس بالإشراف على عملية تعداد في سورية خلال فترة انتقالية أمرًا معقولًا جدًا.
وبسبب نجاحه في هذه المهمة الأولى، من الطبيعي أن يُكلف لاحقًا بالتعداد الثاني المعروف تاريخيًا سنة 6-7م عندما أصبح واليًا رسميًا.
خامسًا: لماذا لا يذكر يوسيفوس التعداد الأول؟
عدم ذكر يوسيفوس لتعداد فترة هيرودس لا يعني أنه لم يحدث. فالمؤرخون القدماء لم يسجلوا كل الأحداث، بل حفظوا ما رأوه مهمًا من وجهة نظرهم.
كما أن يوسيفوس كان مهتمًا بصورة خاصة بالأحداث السياسية والثورات اليهودية، ولذلك ركز على التعداد الذي أدى إلى ثورة يهوذا الجليلي بعد سنة 6م، وليس بالضرورة على كل الإجراءات الإدارية السابقة.
سادسًا: هل كان هناك تعداد روماني عام في هذه الفترة؟
قد يعترض البعض بأننا لا نملك مرجعًا علميًا خارج الكتاب المقدس يذكر تعدادًا عامًا للإمبراطورية كلها في تلك الفترة.
لكن هذا الاعتراض لا يمثل مشكلة حقيقية. فالمؤرخ Kingsley Davis في دائرة المعارف البريطانية يذكر أن الرومان كانوا يقومون بإحصاء المواطنين وممتلكاتهم لتحديد الالتزامات المالية، وأن هذا النظام توسع ليشمل الإمبراطورية الرومانية.
كما أن كلمة «المسكونة» في لوقا:
oikoumenē
لا تعني بالضرورة كل الكرة الأرضية، بل العالم الخاضع للسلطة الرومانية، وهو استخدام معروف في ذلك العصر.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين لوقا ويوسيفوس. المشكلة تأتي من افتراض أن الحديث يدور عن تعداد واحد فقط.
لكن لوقا يذكر بوضوح أنه كان «التعداد الأول» تحت كيرينيوس، بينما يذكر التاريخ تعدادًا آخر لاحقًا عندما أصبح كيرينيوس والي سورية رسميًا.
لوقا لم يخلط بين زمنين. هو يميز بين تعداد أول حدث في فترة ميلاد المسيح، وتعداد لاحق معروف تاريخيًا بعد عزل أرخيلاوس سنة 6م. كما أن كيرينيوس كان مسؤولًا رومانيًا بارزًا في المنطقة قبل ولايته الرسمية، مما يجعل إشرافه على تعداد سابق أمرًا ممكنًا تاريخيًا.
خلاصة دفاعية
الاعتراض على لوقا يعتمد على قراءة ضيقة للنص التاريخي. فغياب ذكر التعداد الأول عند يوسيفوس لا يعني عدم حدوثه، واستخدام لوقا لعبارة «التعداد الأول» يكشف أنه كان يعلم بوجود تعداد آخر لاحق. كما أن لقب «حاكم» في لوقا لا يلزم أن يعني الوالي الرسمي الوحيد، بل يمكن أن يشير إلى الإشراف الإداري. ومع وجود كيرينيوس في الشرق الأدنى في تلك الفترة كشخصية عسكرية رفيعة، يصبح من الممكن جدًا أن يكون قد أُسندت إليه مهمة التعداد قبل ولايته الرسمية اللاحقة. لذلك لا توجد مشكلة تاريخية حقيقية في رواية لوقا.
المصدر
Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI. p. 365.