تخطى إلى المحتوى

كيف يمكن التوفيق بين يوحنا 5: 28-29 وإنجيل النعمة؟ يوحنا 5: 24-29

  • بواسطة

كيف يمكن التوفيق بين يوحنا 5: 28-29 وإنجيل النعمة؟ يوحنا 5: 24-29

القيامة للدينونة بحسب الأعمال لا تعني الخلاص بالأعمال، بل تكشف حقيقة الإيمان

كيف يمكن التوفيق بين يوحنا 5: 28-29 وإنجيل النعمة؟ يوحنا 5: 24-29
كيف يمكن التوفيق بين يوحنا 5: 28-29 وإنجيل النعمة؟ يوحنا 5: 24-29

تُعد كلمات المسيح في يوحنا 5: 28-29 من النصوص التي أثارت تساؤلات عند البعض، لأنها تبدو لأول وهلة وكأنها تقدم مبدأ الخلاص بواسطة الأعمال الصالحة، لا بواسطة النعمة من خلال الإيمان.

«لا تتعجبوا من هذا، فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة».
يوحنا 5: 28-29

فإذا أُخذ هذا النص بمعزل عن سياقه، قد يبدو وكأن المسيح يعلم أن الإنسان ينال الحياة الأبدية بسبب أعماله، وأن الأعمال هي الأساس الذي يحدد مصير الإنسان أمام الله.

لكن عند قراءة النص في سياقه الكامل، يتضح أن المسيح لم يكن يعلن الخلاص بالأعمال، بل كان يوضح أن الأعمال تكشف حقيقة الإيمان الموجود في الإنسان. فالأعمال ليست سبب الخلاص، لكنها الدليل الظاهر على وجود إيمان حقيقي حي.

الإجابة المختصرة
يوحنا 5: 28-29 لا يناقض عقيدة الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان. فالمسيح نفسه أوضح قبل ذلك مباشرة في نفس الإصحاح أن من يسمع كلامه ويؤمن بالآب الذي أرسله له حياة أبدية. أما ذكر «الذين فعلوا الصالحات» فهو يشير إلى ثمر الإيمان الحقيقي، لأن الإيمان الصادق ينتج أعمالًا صالحة، بينما الإيمان المزيف يبقى بلا ثمر.

الشبهة

يقول المعترض:

إذا كان الكتاب المقدس يعلم أن الإنسان يخلص بالنعمة وليس بالأعمال، فلماذا يقول المسيح إن الذين فعلوا الصالحات سيقومون إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة؟

ألا يبدو هذا وكأن الأعمال هي التي تحدد دخول الإنسان إلى الحياة الأبدية؟

مفتاح فهم الشبهة
المشكلة الأساسية هي الخلط بين «الأعمال كسبب للخلاص» و«الأعمال كدليل على حقيقة الإيمان». الكتاب المقدس لا يعلم أن الإنسان يشتري الخلاص بأعماله، لكنه يعلم أن الإيمان الحقيقي لا يبقى عقيمًا، بل ينتج حياة جديدة وأعمالًا تليق بالله.

أولًا: سياق يوحنا 5 نفسه يرفض فكرة الخلاص بالأعمال

قبل أن يتحدث المسيح عن الذين فعلوا الصالحات والسيئات، كان قد أعلن بوضوح أساس الخلاص:

«الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة».
يوحنا 5: 24

لاحظ أن المسيح لم يقل هنا:

  • من يجمع أعمالًا كافية يحصل على الحياة.
  • من ينجح في حفظ الناموس ينال الخلاص.

بل قال إن الطريق هو:

  • سماع كلمة المسيح.
  • الإيمان بالآب الذي أرسل ابنه.
  • الانتقال من الموت إلى الحياة.

إذن لا يمكن تفسير يوحنا 5: 28-29 بطريقة تناقض الإعلان الواضح في يوحنا 5: 24.

ثانيًا: ماذا يقصد المسيح بـ «فعلوا الصالحات» و«فعلوا السيئات»؟

لفهم كلمات المسيح، يجب أن ندرك أن معيار الله للصلاح والشر يختلف عن تقييم الإنسان الطبيعي.

فالإنسان قد يرى عملًا معينًا حسنًا لأنه نافع أو محبوب اجتماعيًا، لكن السؤال الكتابي ليس: هل أعجب الناس بهذا العمل؟ بل: هل صدر هذا العمل من قلب خاضع لله؟

فالكتاب يقول:

«لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لا يستطيع. فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله».
رومية 8: 7-8

من منظور الله، الإنسان غير المتجدد روحيًا لا يستطيع أن يقدم عملًا صالحًا بالمعنى الكامل، لأن قلبه لم يتغير بعد ولم يخضع لله.

أما العمل الصالح الحقيقي فهو العمل الذي يصنعه الله في الإنسان بواسطة روحه:

«إذًا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية، بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر لله».
رومية 6: 12-13

فالعمل الصالح ليس مجرد فعل خارجي، بل هو ثمرة عمل الله داخل الإنسان.

ثالثًا: الأعمال الصالحة هي ثمرة الإيمان وليست ثمن الخلاص

لا يعني رفض الخلاص بالأعمال أن الأعمال غير مهمة. فالكتاب المقدس يوضح أن الإيمان الحقيقي ينتج أعمالًا.

وهذا ما يؤكده يعقوب:

«الإيمان إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته. لكن يقول قائل: أنت لك إيمان وأنا لي أعمال. أرني إيمانك بدون أعمالك، وأنا أريك بأعمالي إيماني».
يعقوب 2: 17-18

إذن هناك فرق بين:

  • أعمال يحاول الإنسان أن يحصل بها على استحقاق أمام الله.
  • أعمال تصدر من قلب تغير بالنعمة وتظهر حقيقة الإيمان.

الأولى محاولة لتأسيس البر الذاتي، أما الثانية فهي نتيجة طبيعية للحياة الجديدة في المسيح.

رابعًا: تعليم المسيح في متى 7 يوضح الفرق بين العمل الحقيقي والعمل الظاهري

هذا المبدأ يظهر في تعليم المسيح كله. ففي نهاية العظة على الجبل تحدث عن شخصين:

  • رجل سمع كلام المسيح ولم يعمل به.
  • رجل سمع كلام المسيح وعمل به.

ثم تحدث عن أشخاص سيقفون أمامه في الدينونة ويحتجون بأعمالهم:

«كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب! أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم».
متى 7: 22-23

هؤلاء لم يكونوا بلا أعمال، بل كانت لديهم أعمال كثيرة، لكن المشكلة أن أعمالهم لم تكن دليلًا على علاقة حقيقية بالمسيح.

لقد حاولوا أن يؤسسوا برهم الخاص:

«لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله، ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم، لم يخضعوا لبر الله».
رومية 10: 3

خامسًا: الدينونة بحسب الأعمال تكشف حقيقة الإيمان

في متى 25: 31-46 يقدم المسيح مشهد الدينونة عندما يأتي ابن الإنسان في مجده.

ويجمع أمامه جميع الأمم، أي المؤمنين من كل الأمم، ويفحص حقيقة إيمانهم من خلال ثمر حياتهم.

فالذين أطعموا الجائع، وسقوا العطشان، واستقبلوا الغريب، وكسوا العريان، وافتقدوا المتألمين، لم يفعلوا هذه الأعمال لكي يشتروا الخلاص، بل لأن محبة المسيح كانت تعمل فيهم.

لقد فعلوا ذلك للمسيح نفسه:

«بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم».
متى 25: 40

أما الذين لم تظهر في حياتهم هذه المحبة، فقد كشفوا أن إيمانهم كان مجرد ادعاء خارجي.

سادسًا: كيف نفهم 2 كورنثوس 5: 10؟

يقول بولس:

«لأنه لا بد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع، خيرًا كان أم شرًا».
2 كورنثوس 5: 10

هذا النص لا يتحدث عن أشخاص يحاولون إثبات استحقاقهم للخلاص، بل عن تقييم حياة المؤمنين الحقيقيين أمام المسيح.

فالمسيح يكافئ عبيده بحسب أمانتهم وخدمتهم، لكن هذه المكافأة تختلف عن عطية الخلاص نفسها.

سابعًا: الدينونة الأخيرة في رؤيا 20 لا تعلم الخلاص بالأعمال

في رؤيا 20: 12 نقرأ عن الدينونة أمام العرش الأبيض العظيم:

«ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم».
رؤيا 20: 12

لكن هذه الأعمال لا تعني أن الإنسان يستطيع أن يخلص بأعماله، بل تكشف حالة القلب وحقيقة الإنسان.

فالأعمال تكشف هل كان الإنسان متحدًا بالمسيح أم لا.

والأعمال الصالحة الحقيقية هي فقط تلك التي يصنعها الله من خلال الإنسان الذي خضع له.

ولهذا قال المسيح:

«ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله».
متى 19: 17

فلا يوجد صلاح حقيقي مستقل عن الله.

ثامنًا: لا يوجد تعارض بين النعمة والإيمان والأعمال

الكتاب المقدس يقدم الصورة كاملة:

  • الخلاص هو عطية نعمة من الله.
  • الإنسان ينالها بالإيمان بالمسيح.
  • الإيمان الحقيقي ينتج حياة جديدة وأعمالًا صالحة.
  • الأعمال تكشف حقيقة الإيمان يوم الدينونة.

لذلك فإن المسيح عندما تحدث عن الذين فعلوا الصالحات لم يكن يعلم أن الأعمال تشتري الحياة الأبدية، بل كان يعلن أن الذين نالوا الحياة من الله سيظهر أثرها في حياتهم.

هل يوجد تناقض؟

لا يوجد تناقض بين يوحنا 5: 28-29 وإنجيل النعمة. فالمسيح نفسه قال إن الحياة الأبدية لمن يسمع كلامه ويؤمن بالآب. أما الأعمال المذكورة في يوحنا 5 فهي ليست أساس الخلاص، بل العلامة التي تكشف حقيقة الإيمان. الإيمان الحقيقي يعمل، أما الإيمان المزيف فيبقى بلا ثمر.

خلاصة الفكرة
الله لا يخلص الإنسان بسبب أعماله، لكنه لا يخلص إنسانًا بلا تغيير. النعمة تنتج إيمانًا، والإيمان الحقيقي ينتج أعمالًا صالحة. لذلك عندما يدين المسيح بحسب الأعمال، فهو لا يزن الأعمال كعملة لشراء الخلاص، بل يكشف بها حقيقة القلب والإيمان.

خلاصة دفاعية

يوحنا 5: 28-29 لا يقدم إنجيلًا للخلاص بالأعمال، بل يعلن حقيقة مهمة: الإيمان الذي يخلص هو إيمان حي يظهر في الطاعة والمحبة والعمل الصالح. الأعمال لا تسبق النعمة ولا تستبدل الإيمان، لكنها الثمرة الطبيعية لعمل الله في الإنسان. لذلك لا يوجد أي تعارض بين هذا النص وبين الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان بالمسيح.

المصدر

Archer, G. L. 1982. New International Encyclopedia of Bible Difficulties. Originally published: Encyclopedia of Bible Difficulties. Zondervan’s Understand the Bible Reference Series, p. 369. Zondervan Publishing House: Grand Rapids, MI.

كيف يمكن التوفيق بين يوحنا 5: 28-29 وإنجيل النعمة؟ يوحنا 5: 24-29