ليتقدس اسمك – إنجيل لوقا 11 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ليتقدس اسمك – إنجيل لوقا 11 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ليتقدس اسمك – إنجيل لوقا 11 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11: 2):

          لكل الذين يشتهون كلمات الله المقدسة، ها هو صوت إشعياء النبي ينادي:   ” أيها العطاش جميعًا هلموا إلى المياه” (إش55: 1)، لأن كل من يريد، يمكنه أن يستقى من الينبوع المعطي الحياة. ومن هو يا تُرى هذا الينبوع؟ واضح أنه المسيح وتعاليمه، فهو نفسه قال في موضع ما: ” إن عطش أحد فليُقبل إليَّ ويشرب” (يو7: 37). فلنأتِ نحن مرَّة أخرى كما إلى ينبوع، هلم لنملأ أنفسنا ونشبع ذواتنا من روضة النعمة، فداود المبارك يتحدث عنه في المزامير مخاطبًا الله الآب: “ يروون من دسم بيتك، ومن نهر نعمك تسقيهم، لأن عندك ينبوع الحياة” (مز36: 8). لأن نهر النِعم يتدفَّق بوفرة لأجلنا، وكذلك ينبوع الحياة، أي تلك الحياة التي في المسيح، الذي تكلم عنه واحد من أنبيائه بخصوصنا هكذا ” هاأنذا أنحني إليهم كنهر سلام وأفيض عليهم كسيل جارف بمجد الأمم ” (إش66: 12 س).

          انظروا كيف يروينا المسيح بينابيع غنية من البركات الروحية، فماذا يريد أن يلقِّنَنَا من تعاليم بعد ذلك؟ إنه يقول لنا: ” متى صلَّيتم فقولوا: أبانا، ليتقدس اسمك“، لنتبيَّن بأية طريقة ينبغي أن نفهم هذه أيضًا.

          هل نحن إذن نصلى حتى أن مزيدًا من القداسة يمكن أن يضاف لله كُلِّي القداسة؟ وكيف لا يكون هذا أمرًا سخيفًا وغير معقول على الإطلاق؟ لأنه لو أن الله الذي هو فوق الكل كان ينقصه أي شيء، لكان محتاجًا لمزيد من القداسة، لكي يصير كاملاً وغير محتاج إلى أي شيء. ولكن إن كان ممتلئًا، كما يقول هو، وهو كامل من كل جهة في ذاته وبذاته، وهو مانح القداسة للخليقة من “ملئه” (إش1: 11 سبعينية)؛ فما هي الإضافة التي يمكن أن ينالها؟ لأن كل الأشياء هي له، وهو بالغ أعلى الكمال في كل صلاح، لأن هذه أيضًا إحدى خواصه بالطبيعة. وبالإضافة إلى ذلك، فمن الجهل والسخف بمكان أن يتصور الذين يُصلُّون أنهم يقدمون توسلاتهم لا نيابة عن أنفسهم بل نيابة عن الله. فماذا يكون إذن معنى “ليتقدس اسمك”؟

          نقول إذن إن البشر لا يبتهلون من أجل مزيد من القداسة لله العلِيِّ على الكل، لأن من هو أعظم منه حتى يستطيع أن يعطيه ازدياد؟ ” لأنه بدون أدنى شك الأصغر يُبارَك من الأكبر” (عب7:7). وإنما هم بالحري يطلبون أن تُمنح هذه القداسة لهم وللبشرية كلها، لأنه حينما يكون يقيننا وإيماننا الراسخ أن الذي هو بالطبيعة الله العلي على الكل، هو قدس الأقداس؛ فإننا نعترف بمجده، وجلاله الأعلى، وعندئذ نحصل على مخافة في قلبنا، ونحيا حياة مستقيمة وبلا لوم، لكي عندما نصير نحن أنفسنا هكذا قديسين، نستطيع أن نكون بالقرب من الإله القدوس ـ لأنه مكتوب: ” كونوا قديسين لأني أنا قدوس” (لا11: 44)، وقد قال أيضًا مرَّة لموسى معلِّم الأقداس Hierophant : ” سأتقدس في أولئك الذين يقتربون مني” (لا10: 3). فالصلاة، إذن، هي: ليت اسمك يُحفظ مقدَّسًا فينا، في أذهاننا وإرادتنا، فهذا هو معنى الكلمة ” ليتقدس”. وكما أن من يعاني من مرض في بصره الجسدي ولا يستطيع أن يرى إلاَّ قليلاً وبصعوبة، فمتى صلَّى قائلاً، ” يا رب الكل، امنحني أن ينيرني نور شعاع الشمس أيضًا”، فهو لا يُقدِّم ابتهالاته لأجل الشمس، بل بالعكس، من أجل نفسه، هكذا أيضًا إذا قال إنسان: ” أبانا، ليتقدس اسمك“، فهو بهذا لا يطلب أن تحدث أية إضافة إلى قداسة الله، لكنه بالحري يطلب أنه هو نفسه يقتني مثل ذلك الذهن والإيمان، لكي يشعر أن اسم الله مُكرَّم وقدوس. فهذا الفعل (التقديس) هو مصدر الحياة وسبب كل بركة، فإذا كان الإنسان ينعطف هكذا نحو الله، فكيف لا يكون هذا مدعاة لأسمى اعتبار، ونافع لخلاص النفس؟ ولكن لا تتخيَّل أنه حينما يكون الذين يعتمدون على محبته، جادِّين في توسُّلاتهم إلى الله، أنهم يطلبون منه مثل هذه الأمور لأجل أنفسهم فقط، بل اعلم أن غرضهم هو أن يشفعوا لأجل كل السكان على الأرض، ولأجل كل الذين قد آمنوا مِن قَبْل، ومن أجل كل الذين لم يقبلوا الإيمان بعد، ولا اعترفوا بالحق. لأنهم من جهة أولئك الذين آمنوا مِن قبل، يطلبون لهم أن يكون إيمانهم راسخًا، وأن يستطيعوا ممارسة أمجاد الحياة الأفضل والممتازة جدًّا. بينما من جهة الذين لم يصيروا مؤمنين بعد، فهم يطلبون لأجلهم أن ينالوا الدعوة وأن تنفتح أعينهم، وهم في هذا إنما يتبعون أثر خطوات المسيح، الذي بحسب كلمات يوحنا هو: ” الشفيع عند الآب، لأجل خطايانا، وليس لخطايانا فقط بل لكل العالم أيضًا” (1يو2: 1). إذن فالذي هو الشفيع عن القديسين وعن كل العالم، يريد من تلاميذه أن يكونوا مثله. فإذن عندما نصلِّي للآب قائلين: ” ليتقدس اسمك“، فنحن نضع في أذهاننا أنه وسط أولئك الذين لم يحصلوا بعد على نور الحق، ولم يقبلوا الإيمان، ويُزدرى باسم الله بينهم، لأنه لم يظهر لهم بعد أنه قدوس ومُكرَّم وجدير بالعبادة. ولكن حالما يشرق عليهم نور الحق ويستفيقون بجهد شاق كما من ليل وظلمة، فحينئذ يعرفون “من هو”، وكم هو عظيم. ويتعرفون عليه معترفين أنه هو (قدوس الأقداس)، ومِن ثمَّ يكون لهم عواطف مطابقة وإيمان لائق.

          تلك العبارة، أن الله يتقدس بواسطتنا، هو اعترافٌ منَّا بأنه ” قدوس الأقداس”. وهذا لا يمنحه أية قداسة إضافية، هذا هو ما ينبغي أن تفهموه. فقد قال أحد الأنبياء القديسين: ” قدِّسوا الرب فيكون مخافتكم، وإن آمنتم به يصير قداسة لكم” (أى8: 13 سبعينية).

          فهل نحن إذن الذين نجعل الله قدوسًا ؟ هل هو عمل الطبيعة البشرية أن تمنح أي شيء لله؟ هل الشيء المصنوع ينفع الصانع ؟ هل يتصور أي إنسان أن ذلك الذي من ملئه يُوزِّع مواهبه بغنى على المخلوقات، هو نفسه ينال أي شيء منا ؟ أنصت إلى ما يقوله المغبوط بولس: ” أي شيء لك لم تأخذه؟” (1كو4: 7) لذلك فحينما قال النبي: ” قدِّسوا الرب فيكون مخافتكم ويصير قداستكم“، فإننا نؤكد أن ما يُعلِّمه لنا هو: ” آمنوا أنه القدوس، لأنكم ستهابونه عندئذ، وهكذا سيصير هو نفسه واسطة تقديسكم”.

          وقد كُتِب أيضًا عن المسيح مخلِّصنا جميعًا: ” قدِّسوا ذلك الذي قد استهان بنفسه” (إش49: 7 سبعينية)، لأنه قد استهان بنفسه بأنه لم يعمل حسابًا لحياته، واضعًا إياها من أجلنا. ولكن عندما يقول ” قدسوه ” أي اعترِفوا بأنه قدوس، لأنه هو هكذا بالطبيعة، كونه هو الله نفسه، وابن الله، لأن القداسة الجوهرية لا تناسب أيًّا من تلك الأشياء التي أتى بها من العدم إلى الوجود، بل تناسب فقط تلك الطبيعة الفائقة السمو التي تفوق الكل، ولذلك، فإيماننا أنه بالطبيعة قدوس، لأنه هذا هو معنى تقديسنا له ـ ونعترف بالتالي أنه هو الله ذاته.

          لذلك، فلنصلِّ لأجل أنفسنا وليس لأجل الله قائلين: ” ليتقدس اسمك“، لأننا إذا اتَّخذنا هذا الموقف، وقدَّمنا صلوات مثل هذه، بذهن حُر، فإن الله الآب سيقبلنا، ومعه المسيح سيبارِكنا، الذي بواسطته ومعه يليق بالله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين

 

ليتقدس اسمك – إنجيل لوقا 11 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أبانا الذي في السماوات – إنجيل لوقا 11 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أبانا الذي في السماوات – إنجيل لوقا 11 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أبانا الذي في السماوات – إنجيل لوقا 11 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

          كل توَّاق للمعرفة يحتسبه ربنا يسوع المسيح جدير بكل ثناء، لذلك يقول:   ” طوبى للجياع والعطاش إلى البـِر لأنهم يُشبعون” (مت5: 6). لأنه من اللائق أن نجوع ونعطش باستمرار لهذه الأمور، التي بها يصبح الإنسان محبًّا للأمجاد المقدسة، وغيورًا في كل عمل صالح. لمثل هؤلاء، يكشف المسيح الطريق الذي يمكنهم به أن يُحقِّقوا رغبتهم، ولكن معرفة كيف نُصلِّي هي نافعة للأتقياء أكثر من كل شيء آخر للخلاص، حتى لا نُقدِّم طلبات غير مرضية لله القدير. كما كتب لنا الحكيم بولس ” لأننا لسنا نعرف ما نصلِّي لأجله كما ينبغي” (رو8: 26). دعنا إذن نقترب من المسيح معطي الحكمة، ونقول ” علِّمنا أن نصلِّي” (لو11: 1)، فلنكن مثل الرسل القديسين الذين فوق كل شيء سألوه هذا الدرس الهام والخلاصي.

          في اجتماعنا السابق، سمعنا الإنجيل الذي قُرِئ يقول عن المسيح مخلِّصنا جميعًا إنه ” وإذ كان يصلِّي في موضع“. وخاطبناكم شارحين بحسب ما استطعنا، سر التدبير الذي بسببه صلَّى المسيح، وحينما وصلنا في مناقشتنا إلى هذه النقطة، أرجأنا ما تبقَّى إلى فرصة أخرى مناسبة. وها قد حانت الفرصة الآن، فدعونا نتقدم إلى ما يتبع، فالمخلِّص يقول: ” فمتى صلَّيتم فقولوا أبانا[1]، وأحد الإنجيليِّين القديسين الآخرين يضيف ” الذي في السموات” (مت6: 1).

يا للجود الفائق! … ويا للُّطف الذي لا يُبارَى، وهذا يليق بالله وحده! إنه يمنحنا مجده الخاص، فهو يرفع العبيد إلى كرامة الحريَّة، فيكلِّل حالة الإنسان بمثل هذه الكرامة التي تفوق قوة الطبيعة، ويُحقق ما سبق وأخبر به بواسطة صوت المرنم قديمًا: ” أنا قلتُ إنَّكم آلهة وبنو العليِّ كلكم” (مز81: 6 س). فهو هنا يحرِّرنا من مستوى العبودية واهبًا لنا بنعمته ما لم نكن نملكه بالطبيعة، ويسمح لنا أن ندعو الله أبًا لنا، بعد أن أدخلنا في مرتبة البنين، وهذا ـ مع كل الامتيازات الأخرى ـ قد نلناه من الرب، حسبما يشهد بذلك الحكيم يوحنا الإنجيلي إذ يكتب: ” إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله، وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه، الذين وُلِدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل بل من الله” (يو1: 11ـ13) لأننا قد خُلِقنا في البنوَّة، بواسطة تلك الولادة التي حدثت فينا روحيًّا ” لا من زرع يفنى بل بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد” كما يقول الكتاب (1بط1: 23). وأيضًا هذا ما يعلنه أحد الرسل القديسين قائلاً: ” شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه” (يع1: 18).

          والمسيح نفسه يشرح بوضوح في موضع آخر طريقة هذا الميلاد قائلاً:    “ الحق أقول لك، ما لم يولد الإنسان من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو3: 5) إذ بالحري ـ لأنه يحق أن نُكلِّمكم عن تلك الأمور التي هي سِريَّة ـ فالمسيح نفسه قد صار في نفس الوقت كلا من الطريق والباب، وسببًا لنعمة وُهِبَت لنا، وهى نعمة مجيدة هكذا وجديرة بأن نحصل عليها، وذلك باتخاذه صورتنا. فبالرغم من حقيقة كونه هو الله، وهو حُر تمامًا إلاَّ أنه أخذ صورة عبد (فى2: 7)، ليهبنا ما له، ويُثرِى العبد بامتيازاته الفائقة، فهو وحده بالطبيعة حُر تمامًا، لأنه هو وحده ابن الآب، أي مِن ذاك الذي هو العالي وفوق الكل والذي يسود على الكل والذي بالطبيعة وبالحقيقة حُر تمامًا. لأن كل الأشياء التي خُلِقَت تخضع بعنق العبودية لمن خلقها، وها مرنم المزامير يُرتل له قائلاً: ” لأن كل الأشياء متعبِّدة لك” (مز118: 19 س). ولكن كما أنه في التدبير نقل إلى نفسه ما هو لنا، هكذا فقد أعطانا أيضًا ما هو له. ويشهد لنا بذلك بولس الحكيم جدًّا، خادم أسراره، عندما يكتب هكذا قائلاً:     ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا أنتم بفقره ” (2كو8: 9). لأنَّ أخذه ما لنا ـ أي حالة الطبيعة البشرية ـ هو افتقار بالنسبة لله الكلمة، أمَّا أخذنا ما له فهو غِنَى للطبيعة البشرية، وواحدة منها هي كرامة الحُريَّة، وهي هبة تليق خاصة بمن قد دُعوا إلى البنوة، وهذه أيضًا هي هبة منه كما ذكرتُ لأنه قال لنا ” لا تدعوا لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السموات. وأنتم جميعًا إخوة” وهو أيضًا نفسه كذلك، من أجل محبته اللانهائية للبشر، لا يستنكف أن يدعونا إخوة قائلاً هكذا ” أخبر باسمك إخوتي” (مز22:22). فلأنه صار شبيهًا بنا لهذا بعينه قد ربحنا الأُخوَّة معه.

   لذا فهو يوصينا أن تكون لنا دالة ونصلِّي قائلين: “أبانا” نحن أبناء الأرض والعبيد والخاضعون له بحسب ناموس الطبيعة، هو الذي خلقنا ندعوه هو الذي في السماء “أبا”. إنه لمن المناسب جدًّا أن يجعل الذين يُصلُّون يفهمون هذا أيضًا، أنه إذا كنا ندعو الله “أبا” وقد حُسبنا أهلاً لهذه الكرامة السامية جدًّا، ألا ينبغي علينا أن نسلك في سيرة مقدَّسة وبلا لوم تمامًا، وأن نحيا هكذا كما يرضي أبانا، وألاَّ نفتكر في شيء أو أن نقول شيئًا لا يليق أو لا يتناسب مع هذه الحرية التي مُنحت لنا.

          وهكذا يقول أحد الرسل القديسين: ” وإن كنتم تَدعُون أبًا الذي يَحكُم بغير محاباة حسب عمل كل واحد، فسيروا زمان غربتكم بخوف” (1بط1: 17). إنَّه لأمر خطير للغاية أن نُحزِن ونُغضِب أبًا لنا بالإنحراف وراء الأمور غير المستقيمة، فكيف يتصرَّف الآباء الأرضيون أو ما هو شعورهم نحو أبنائهم عندما يرونهم موافقين لرغباتهم، سالكين ذلك الطريق الذي يرضيهم؟ إنهم يحبونهم ويكرمونهم، ويفتحون لهم بيوتهم، ويغدقون عليهم هدايا كثيرة من كل ما يرغبون، ويعترفون بهم كورثة لهم. أمَّا إذا كانوا متمرِّدين غير طائعين، لا يحترمون نواميس الطبيعة غير مبالين حتى ولا بالحب الفِطري المغروس فينا، فإنهم يطردونهم من بيوتهم ويعتبرونهم غير جديرين بأيَّة كرامة أو تسامح أو محبة، بل إنهم يأبون أن يعترفوا بهم كأبناء، ولا يُقرُّون بأي ميراث لهم.

          والآن أدعوكم لنرتفع بتفكيرنا من هذه الأمور الحاصلة معنا إلى تلك السمائية التي تفوقها. فأنت تدعو الله أبًا، فأكرمه بطاعة متأهِّبة، وقدِّم له الخضوع الذي يحق له، وعش الحياة التي ترضيه، ولا تسمح لنفسك أن تكون عنيفًا أو متكبرًا، بل على النقيض مذعنًا خاضعًا، مستعدًّا بلا أيِّ إبطاء أن تتبع أوامره حتى يكرمك هو بدوره ويجعلك شريكًا في الميراث مع من هو ابنه بالطبيعة، لأنه إذا كان قد ” بذله لأجلنا، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء” (رو8: 32) حسب تعبير المبارَك بولس. ولكن إن كنتَ لا تُراعي نفسك، ولا تُبالي بسخاء النِّعمة التي أُعطِيت، فقد برهنتَ على أنك بلا حياء ـ وإن جاز القول ـ بلا ملح ـ محبًّا للذة أكثر من حبك للآب السماوي، فخف إذن لئلا يقول عنك الله أيضًا ما قيل عن الإسرائيليين بفم إشعياء ” اسمعي أيتها السموات وأصغى أيتها الأرض لأن الرب يتكلم، ربَّيتُ بنين ونشَّأتهم، أمَّا هم فعصوا عليَّ” (إش1: 2).

   فظيع ـ من كل ناحية ـ يا أحبائي هو جُرم الذين يتمرَّدون، وإثم عظيم للغاية هو رفض الإنسان (لله). فإذن، لَحِكمة بالغة ـ كما قلت ـ يمنحنا مخلِّص الكل أن ندعو الله ” أبًا “، حتى إذ نعرف جيدًا أننا أبناء الله، نسلك بطريقة تليق بمن أكرمنا هكذا، فإنه هكذا سيقبل ابتهالاتنا التي نُقدِّمها في المسيح، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

[1] يلاحظ القديس كيرلس أنَّ عبارة ” الذي في السموات” لم تكن موجودة في الإنجيل بحسب لوقا، فإضافتها هنا ترجع إلى أنَّ الصيغة الكاملة الموجودة في الإنجيل حسب متى هى المعروفة أكثر، كما وُجدت في ليتورجيات الكنيسة.

أبانا الذي في السماوات – إنجيل لوقا 11 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة الربانية – إنجيل لوقا 11 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة الربانية – إنجيل لوقا 11 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الصلاة الربانية – إنجيل لوقا 11 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11: 1ـ4):    ” وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ لَمَّا فَرَغَ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: يَا رَبُّ عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أَيْضًا تَلاَمِيذَهُ. فَقَالَ لَهُمْ: مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ. واغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ“.

 

          أيها الحارُّون والملتهبون بالروح، ها قد أتيتم الآن أيضًا، ونحن نرى ساحة الله المقدسة وقد غصَّت بالمستمعين الشغوفين، وهدف اجتماعكم بلا شك هو هدف تَقَوي، فقد اجتمعتم معًا لكي تتلقوا التعليم، وموزِّع العطايا الإلهية سيشبعكم هو أيضًا بالأمور التي ترغبون أن تُحسبوا أهلاً لنوالها، وسيهيئ لكم مائدة روحية، ويصرخ قائلاً: ” تعالوا كلوا خبزي واشربوا من الخمر التي مزجتها لكم” (أم9: 5) وكما يقول المرنم: “خبز يُقوِّي قلب الإنسان، وخمر عقلي يفرحه” (مز104: 15). لذلك فلنقترب الآن من المائدة المهيَّأة أمامنا، أي لنقترب من معنى دروس الإنجيل: ولنلاحظ بانتباه شديد ما هي الفائدة التي تعطيها لنا، وما تُولِّده فينا من الصفات اللازمة للكرامة اللائقة بالقديسين.

 

          يقول الكتاب، إن المسيح ” كان يصلى على انفراد” ومع ذلك فهو الله، وهو ابن الله الذي هو فوق الكل، وهو الذي يُوزِّع على الخليقة كل الأشياء التي بها تزدهر وتُحفظ في الوجود، وهو ليس في احتياج على الإطلاق إلى أي شيء، لأنه هو ممتلئ كما قال عن نفسه. وقد يتساءل أحدهم قائلاً: ” إذن فما الذي يحتاجه ذلك الذي له، بحق طبيعته، كل ما للآب”؟ لأنه قال بوضوح: “ كل ما للآب فهو لي” (يو16: 15). ولكن خاصية الآب هي أن يكون ممتلئًا من كل صلاح ومن تلك الامتيازات التي تليق بالألوهية، وهذا أيضًا هو ما للابن. والقديسون إذ يعرفون هذا يقولون ” ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا” (يو1: 16). ولكن إن كان يُعطي من ملئه الإلهي الخاص، فلأي شيء يمكن أن يحتاج؟ وما الذي يحتاج أن يأخذه من الآب، كما لو لم يكن له من قبل؟ وما الذي يصلِّي لأجله إن كان هو ممتلئًا ولا يحتاج إلى شيء مما للآب!

 

          نجيب على هذا فنقول: إنه بحسب طريقة التدبير في الجسد، فهو يسمح لنفسه أن يمارس الأعمال البشرية حينما يريد، وكما تستلزم المناسبة دون أن يُلام لأنه فعل هذا. فإن كان قد أكل وشرب ونام، فلماذا يكون من غير المعقول ـ وهو قد وضع نفسه إلى مستوانا، وأكمل البِرَّ البشري ـ أن يُقدِّم الصلاة أيضًا؟ ومع ذلك فهو بالتأكيد غير محتاج إلى شيء، لأنه ” ممتلئ” كما سبق أن قلنا. فلأي سبب إذن، ولأي واجب ضروري ونافع، قد صلَّى هو؟ لقد فعل هذا لكي يُعلِّمنا ألاَّ نتراخى في هذا الأمر بل بالحري أن نكون مداومين على الصلاة وبإلحاح شديد، ولا نقف في وسط الشوارع. فهذا ما اعتاد أن يعمله بعض اليهود، أي الكتبة والفريسيون. ولا نجعل هذا فرصة للتباهي، بل بالحري نُصلِّى على انفراد وبهدوء، أي نتحدَّث بيننا وبين الله وحده، بذهن نقي غير مشتَّت. وهذا قد علَّمنا إيَّاه بوضوح في مكان آخر عندما تكلَّم عن الذين يتظاهرون بصلواتهم، قائلاً: ” إنهم يحبُّون أن يُصلُّوا قائمين في زوايا الشوارع، وفى المجامع… أمَّا أنت فمتى صَلَّيتَ فادخل مخدعك وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء، وأبوك الذي يرى في الخفاء سوف يجازيك” (مت6: 5ـ6). لأنه يوجد قوم يربحون لأنفسهم شهرة التقوى، وهم يلتفتون باهتمام إلى المظاهر الخارجية، وهم من الداخل ممتلئون من محبة المجد الباطل. هؤلاء عند دخولهم الكنيسة، قبل كل شيء يجولون بأنظارهم في كل اتجاه لينظروا عدد الواقفين هناك وليروا إن كان هناك نُظَّارة كثيرون، وبمجرَّد أن يُسرُّوا بعدد الحاضرين، يرفعون يدهم إلى جبهتهم، ليس مرة فقط بل مرات عديدة يصنعون علامة الصليب الثمين، وهكذا إذ ينسجون صلاة طويلة حسب خيالهم الخاص، فإنهم يثرثرون بصوت عال كما لو كانوا يُصلُّون للناس وليس لله. لمثل هؤلاء نقول كلمات المخلِّص ” قد استوفيتم أجركم” (مت6: 5). لأنكم تُصلُّون لتتصيَّدوا مديح الناس، وليس لتطلبوا أي شيء من الله. لقد تحقَّقَت رغبتكم، فقد مُدحتم كأنكم أتقياء، ونلتم المجد الباطل، إلاَّ أنكم اشتغلتم في عمل لا ثمر له، لقد زرعتم فراغًا وستحصدون عدمًا. هل تريدون أن تروا نهاية ما تصنعونه؟ اصغوا إلى قول المرنم داود: ” الله قد بدَّد عظام الذين يرضون الناس” (انظر مز53: 5)، والمقصود بالعظام طبعًا ليس عظام الجسم، لأنه لا يوجد أمثلة لأي أناس حدث لهم هذا، ولكن المقصود هو مَلَكَات الفكر والقلب التي بها يصنع الإنسان الصلاح. فقوَّات النفس إذن هي الغيرة التي تؤدِّي إلى المثابرة، والشجاعة الروحية، والصبر والاحتمال، هذه الصفات يبددِّها الله من هؤلاء الذين يهتمون بإرضاء الناس.

 

          لذلك، فلكي نبتعد عن هذه الطرق الخاطئة، ونهرب من الفخاخ التي يتعرَّض لها الذين يسعون إلى إرضاء الناس، ولأجل أن نُقدِّم لله صلاة مقدسة، بلا لوم، وغير مدنَّسة، فقد قَدَّم المسيح لنا نفسه مثالاً، إذ اعتزل عن أولئك الذين كانوا معه، وصلَّى منفردًا. لأنه من الصواب أن يكون رأسنا ومعلِّمنا في كل عمل صالح ونافع، ليس آخر سوى المسيح الذي هو بكر بين الجميع، وهو الذي يَقبَل صلوات الجميع، والذي يمنح، مع الله الآب، أولئك الذين يسألونه، كل ما يحتاجون إليه، لذلك فإن رأيته يُصلِّى كإنسان، فذلك إنما لكي تتعلَّم أنت كيف تصلِّي، وإياك أن تبتعد عن الإيمان والاعتقاد أنه إذ هو بالطبيعة الله الذي يملأ الكل، فإنه صار مثلنا ومعنا على الأرض كإنسان، وتمَّم كل الواجبات البشرية حسبما اقتضى التدبير، ولكنه مع ذلك فهو الجالس في السماء مع الآب، يُوزِّع من ملئه الخاص، كل الأشياء للجميع، ويقبل الصلوات من سكان الأرض، ومن الأرواح التي فوق، والجميع يكلِّلونه بالتسابيح، فهو بصيرورته مثلنا لم يتوقف عن أن يكون إلهًا، ولكنه استمر رغم ذلك، كما كان قبلاً، لأنه يليق أن يكون دائمًا هو هو كما كان قبلاً، وكما تشهد الكتب المقدسة، ليس معرَّضًا حتى إلى ” ظل دوران” (يع1: 17).

 

          ولكن لأنَّ ما تبقَّى يحتاج إلى حديث طويل، لذلك نتوقف الآن عن الحديث، حتى لا يصير كلامنا مملاًّ للسامعين، ثم نعود فنشرحه لكم بمعونة الله عندما يجمعنا المسيح مخلِّصنا جميعنا هنا في المرَّة القادمة، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

 

الصلاة الربانية – إنجيل لوقا 11 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الثاني PDF الخوري بولس الفغالي

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الثاني PDF الخوري بولس الفغالي

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الثاني PDF الخوري بولس الفغالي

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الثاني PDF الخوري بولس الفغالي

تحميل كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الثاني PDF الخوري بولس الفغالي

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الأول PDF الخوري بولس الفغالي

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الأول PDF الخوري بولس الفغالي

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الأولPDF الخوري بولس الفغالي

كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الأول PDF الخوري بولس الفغالي

 

تحميل كتاب الأبانا عند آباء الكنيسة الجزء الأول PDF الخوري بولس الفغالي

تأملات عقائدية في الصلاة الربانية PDF – دكتور سمير هندي

تأملات عقائدية في الصلاة الربانية PDF – دكتور سمير هندي

تأملات عقائدية في الصلاة الربانية PDF – دكتور سمير هندي

تأملات عقائدية في الصلاة الربانية PDF – دكتور سمير هندي

تحميل الكتاب PDF

 

كتب الدكتور الدياكون سمير هندي PDF

Exit mobile version