إن تاريخ الكنيسة يوضح أن فهم الكتاب المقدس هو أمر شديد الأهمية، لكنه شديد الصعوبة. فالطاقات الهائلة التي تكرست لتفسير الكتاب المقدس سواء من خلال المنبر، أو في الحجرات الدراسية في المعاهد اللاهوتية، أو من خلال أبحاث وكتابات اللاهوتيين، تظهر الأهمية العظمى لفهم الكتاب المقدس. ومن ناحية أخرى، فإن انقسام الكنيسة إلى العديد من المذاهب والطوائف يشهد لحقيقة أن العلماء ورجال الكنيسة هو أبعد عن أن يتفقوا على ما يعنيه الكتاب المقدس.
فإن كان الكتاب المقدس هو كلمة الله، ويكشف عن مشيئته، فلا يوجد ما هو أعظم أهمية من فهمه. وإن كان الكتاب المقدس قد أعطي لنا لكي يكشف الحق، وليس لكي يخفيه، فلا بد أن الله يقصد أن نفهمه. فإن لم نفهمه، فلا بد أن الخطأ يكمن فينا، وليس فيه. وإن لم نكن نفهم ما يريد أن يوصله لنا، فمن اللازم أن نحدد سبب ذلك.
بعض الناس لا يفهمون الكتاب المقدس لأنهم لا يؤمنون أنه حق وصادق، أو على الأقل، لا يؤمنون أن كل أجزائه صحيحة. بينما آخرون لا يفهمونه لأنهم لا يرغبون في طاعته. كما أن هناك آخرون يسيئون فهمه لأنهم لا يرغبون في الاجتهاد في البحث عن المعنى. بالنسبة لأولئك الناس الذين يضلون في فهمهم للكتاب المقدس، توجد عدة كلمات من الله:
كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح. (2تيموثاوس 3: 16-17).
فكلمة الله يجب أن يوثق بها وأن تطاع. لذلك فالشخص الذي لا يثق فيها، أو لا يكون مستعداً لأن يطيعها. لا يمكن أن يتوقع أن يفهم بالكامل ما يقوله الله.
اجتهد أن تقيم نفسك لله مزكى عاملاً لا خزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة. (2تيموثاوس 2: 15).
لا يكفي أن نثق ونطيع ببساطة؛ بل يجب على المرء أن يكون مستعداً لأن يعمل باجتهاد لكي يفهم الكتاب المقدس.
ومع ذلك فإن الاتجاه الصحيح في الاقتراب من الكتاب المقدس ليس كل ما هو ضروري لفهم معناه. فهل الاتجاه الصحيح والالتزام بالعمل الجاد يمكن وحده أن يمكن الشخص من تصميم قطعة أثاث جميلة؟ كلا، لأن هناك طريق سليمة وطريقة خاطئة للتصميم. الأكثر من ذلك، رغم استخدام الشخص للوسيلة الصحيحة، يجب عليه تطوير مهارات معينة قبل أن يتمكن من التصميم بطريقة سليمة. هكذا الأمر بالنسبة لفهم الكتاب المقدس. إذ يجب على المرء ليس فقط أن يكون لديه الاتجاه الصحيح؛ بل أن يستخدم أيضاً وسائل جيدة، ويطور بعضاً من المهارات في استخدامها. ويعرض هذه الوسائل وتطوير بعض من المهارات في استخدامها نكون قد توصلنا إلى الهدف الرئيسي من هذه الدراسة.
إن الأساليب التي يختارها الشخص لتفسير الكتاب المقدس تعتمد على افتراضاته بشأن طبيعة هذا الكتاب. لهذا السبب، سنقوم أولاً بدراسة الافتراضات الأساسية الخاصة بالكتاب المقدس، ثم نقوم بتحديد أي منها هو الذي يتفق مع الكتاب المقدس. وعندما نستخدم تلك الافتراضات التي تتفق مع الكتاب المقدس، سنحدد مبادئ التفسير الكتابية التي تتطلبها هذه الافتراضات. وهكذا سيكون ترتيب دراستنا كالآتي:
أولاً، الافتراضات؛ ثم المبادئ التي تبنى على هذه الافتراضات. بعد ذلك، سنتجه إلى الجزء الرئيسي من الدارسة، وهو فحص المهارات العملية اللازمة لتطبيق هذه المبادئ. من خلال هذه الوسيلة الدراسية، يجب أن يتمكن الطالب من الحصول على المعرفة وتطوير المهارات اللازمة لتحديد وتطبيق معاني الكتاب المقدس.
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
محتوى كتاب الراعي لهرماس
لقد تميز كتاب «الراعي» بعمقه الروحي، وبسعة المواضيع التي طرحها، عن باقي المؤلفات الأخرى التي وصلتنا من القرن الثاني المسيحي. فهو يحتوي على خمس رؤى واثنتي عشرة وصية وعشرة أمثال ضمّت جميع الإرشادات والتوجيهات والتعاليم التي تلقّاها من الامرأة، التي تمثل الكنيسة، ومن الراعي، الذي يمثل الملاك المرسل إليه من الله.
كل ذلك ضمن وحدة الموضوع ووحدة العقيدة. أمّا الرؤى فهي تحدد الغاية التي من أجلها كتب الكتاب، وأمّا الوصايا والأمثال فهي توسيع وشرح لما جاء في الرؤى. والغاية الأخيرة للكتاب هي الدعوة إلى التوبة والتجدّد الروحي. وهذه التوبة على هرماس نفسه أن يبدأ بها أولاً، ثم عليه أيضاً أن يبشّر بها أفراد عائلته والكنيسة والمؤمنين ورجال الدين أنفسهم. إنها دعوة لتهيئة النفس قبل عودة المسيح المنتظر.
أ/ الرؤى في كتاب الراعي لهرماس:
يبدأ كتاب «الراعي» بخمس رؤى تأخذ طابع الوحي، وهي تذكرّنا برؤى حزقبال النبي وبرؤيا القديس يوحنا الرسول، وهذا ما يحرّك القارئ ويجعله مشدوداً إلى ما جاء فيها وما هو منتظر من الذي يقرأها. وبعد أن يخبرنا هرماس عن الأحداث التي حصلت له وهو في طريقه إلى «كوماس»، وعن الدعوة إلى التوبة، تتراءى له الكنيسة بشكل امرأة مسنّة أعطته كتاباً لينقله على نسختين وتحذرّه من أن أبناءه قد اخطأوا ضد الله وجدّفوا على السيد، وأن امرأته قد أخطأت بنميمتها، الأمر الذي يستدعي توبة عميقة ليغفر الله لهم خطاياهم.
ثم تتراءى له الامرأة، في الرؤيا الثالثة، وتجلسه عن شمالها لأن اليمين هو محفوظ للذين تألموا وماتوا في سبيل الله، وتريه برجاً مبنياً على الماء، بواسطة الملائكة، بحجارة من قلب الأرض، متراصّة في ما بينها، طالبةً منه أن يحافظ على السلام، وأن يساعد المحتاجين، وأن يشدّد على رؤساء الكنيسة بأن يتحاشوا النزاعات المميتة، وبأن يحافظوا على التعاليم السماوية ويعملوا بها.
وبعد عشرين يوماً، وهو في طريقه إلى «كوماس»، جلس يصلي ويطلب من الله أن يفهمه معنى هذه الرؤى. وإذ هو في هذه الحال شاهد وحشاً كبيراً مخيفاً يخرج من الأرض، فابتدأ بالبكاء وبالصلاة حتى ظهرت له المرأة من جديد وهي في ثياب بيضاء ناصعة، وشدّدت عزيمته وقالت له: إن الوحش ينذر بغضب كبير لا خلاص منه إلا بالتوبة والارتداد إلى الله والمثابرة في حياة طاهرة وبالثقة التامة به تعالى.
وأمّا الرؤيا الخامسة، التي حصلت وهو في بيته، فلقد ظهر له رجل يلبس ثياب راعٍ، وعلى كتفيه جراب وفي يده عصى، يمثل ملاك التوبة الذي أتى ليذكره بالرؤى السابقة ويملي عليه الوصايا والأمثال. من هنا تسمية الكتاب باسم «الراعي».
ب/ الوصايا في كتاب الراعي لهرماس:
الوصايا تشدّد على واجبات الإنسان نحو الله ونحو القريب ونحو الذات. وأسا هذه الواجبات هو الإيمان بإله واحد، خالق كل شيء، والعودة إلى الفضيلة كوسيلة خلاصية. فلإيمان، ومخافة الله، والامتناع عن الشر، التي تتحدث عنها الوصية الأولى، هي الفضائل الثلاث التي تعطي القوة وتشدّد عزيمة الإنسان في مسيرته نحو الله. والوصية الثانية تفرض البساطة والبرارة في العيش، وتمنع النميمة والحقد، وتؤكد على أعمال الرحمة لجميع البشر.
والوصية الثالثة تأمر بأعمال المحبة وبعيش الحقيقة وبالهروب من الخداع والكذب. والوصية الرابعة تشدّد على الطهارة وتفرض التعامل الشريف في الحياة، الأمر الذي دفع بهرماس إلى طرح بعض الأسئلة عن الزواج والزنى والتوبة. والوصية الخامسة تدور حول العدل والفطنة لكي يبقى الروح القدس في داخلنا ونطرد الشيطان من حياتنا اليومية، هذا الشيطان الذي يحاول، بجميع الوسائل، أن يبعدنا عن الله ويحتل قلبنا بدل أن يكون هذا القلب هيكل الروح القدس نفسه. وفي الوصايا اللاحقة يتحدث عن وجود ملاكين عند الإنسان: ملاك الخير وملاك الشر.
فعلى الإنسان أن يتّبع إرشادات ملاك الخير، وأمّا التجارب التي هي من وحي ملاك الشر فعليه أن يبعدها عنه ويرفضها كليّا. وهذا يعود إلى مدى تعمقه بإيمانه وبمحبة الله. وأمّا بالنسبة إلى الخوف فهناك خوفان: خوف الله الذي يبني ويقدّس وخوف الشيطان الذي يهلك. كذلك بالنسبة إلى الامتناع عن أعمال الشر، فالخير هو ضمانة الخلاص، أمّا الشر فهو طريق الهلاك.
الوصية التاسع تشدّد على الابتعاد عن الشك والتردد في طلب الله بحجّة أن الخطيئة تبعد عن الحق. فتنقية القلب هي السبيل إلى عدم الشك، ولبوس الإيمان هو القوة بالذات لأنه يأتي من الله ويبعد الشيطان وأحابيله عن قلب الإنسان.
الوصية العاشرة تتحدث عن الحزن الذي هو أخ الشك والغضب. هذا الحزن هو أشرّ الأرواح وأكثرها قساوة وإفساداً للإنسان. إنه يطرد الروح القدس ويسبّب الغضب للذين ينجرّون وراء أباطيل الدنيا. فتنقية القلب من الحزن المميت تحيي الإنسان في الله. وتعطيه نقاوة ومحبة له تعالى، كاملة في الفرح، ومتجددة في النقاوة.
الوصية الحادية عشرة تذكّر بأن أقوياء الإيمان هم المتشحون بأثواب الحقيقة، البعيدون عن الشيطان الذي يملأ الإنسان بروحه الشريرة ويجعله عرضةً للاستماع إلى الأنبياء الكذبة وإلى عبادة الأوثان الفارغة من الحقيقة.
أمّا الوصية الثانية عشرة والأخيرة فتأمر بالابتعاد عن الرغبات الشريرة والوحشية التي تستهلك الإنسان بقسوة وتسلمه للموت. ثم تشدّد على الابتعاد عن رغبة المرأة الغريبة وعن الثروات والتنعم بالباطل والسكر وكل شهوة الملذات الصبيانية، وتفرض ممارسة الفضيلة والعدل والمسلك الحسن في الحق وفي خوف الله، وفي الوداعة التي هي ميزة الإنسان الصالح.
وينهي «الراعي» وصاياه الاثنتي عشرة بقوله: «إنك تعرف هذه الوصايا فاسلك وفقاً لها وعلّم الآخرين أن يسلكوا كذلك، واطلب أن تكون توبتهم طوال حياتهم نقية خالصة. أتم هذه الخدمة التي ألقيها عليك بجدٍّ، وإذا ما عملت جاهداً فإنك تقوم بعمل عظيم وستجد نعمة عند أولئك الذين سيتوبون وسيثقون بكلامك، وإني سأكون معك وسأجبرهم على الاعتقاد بك» (الوصية الثانية عشرة، 3، 3).
ج/ الأمثال في كتاب الراعي لهرماس:
هذا القسم الأخير من «الراعي» له الطابع الرؤيوي كما القسم الأول من الكتاب، مرتكزاً على بعض الأمثال التي وردت في الإنجيل المقدس. فالصور التي يعطيها تشدّد على نقاط أساسية وجوهرية في العقيدة المسيحية. ففي المثلين الأولين يتكلم «الراعي» عن المقتنيات والأملاك التي هي بحوزة المؤمنين، وعن طريقة استعمالها الحسن في هذه الدنيا.
وبما أنه ليس للإنسان مدينة أرضية ثابتة، فعليه أن لا يعلّق قلبه بثروات الأرض لأن هذه الثروات أعطيت من الله لتكون في خدمة المحتاجين. وبهذا المعنى يقول: «لماذا تقتنون الحقول الواسعة والعمارات الكبيرة والقصور والأبنية والبيوت ما دمتم تعرفون أن المدينة التي ستستوطنوها ليست هنا؟» (المثل الأول، 1). فالغني يملك ثروة كبيرة إلا أنه فقير في خدمة الله لأن أمواله تستنزف كل تفكيره وأوقاته. أما إذا التصق الغني بالفقير وأعطاه ما يحتاج إليه، فعطيته له باستطاعتها أن تحقق له أجره عند الله.
صلاة الفقير واعترافه بخطاياه زاخران بالغنى، ولصلاته قوة عظيمة عند الله. وعلى الغني أن يعطي الفقير كل شيء وبدون تردد لأن الفقير الذي يعطيه الغني فإنه يعطيه شكر الله عمّا أعطاه. وهكذا إذا ضاعف الغني اهتمامه بالفقير، وبقي في شركة دائمة مع حياته، فإن صلاة الفقير تساعده ليكون مقبولاً عند الله.
الغني والفقير يتمّان عملاً واحداً، هذا بالصلاة، وهي ثروته التي أخذها من الرب ويقدمها للرب مختاراً، وذاك بماله الذي أعطاه الرب ليعطي المحتاج بدون تردد. وهكذا يتم عملاً عظيماً يرضي الله لأنه استعمل ثروته بتعقّل وروية واستخدمها لصالح الإنسان وحقق إرادة الرب.
ثم ينتقل «الراعي» إلى شرح التصوّف المسيحي في المثل الخامس، مشدّداً على الصوم ودوره الخلاصي، فيقول: «الصوم الذي تصومه ليس بصوم، إني سأعلمك معنى الصيام الكامل المقبول لدى الله. انتبه أن الله لا يريد صياماً بطالاً كهذا الصوم وإنك لا تفعل شيئاً عادلاً إذا صمت كما تصوم. صم للرب هذا الصوم: لا تصنع الشر واعمل بقلب نقي وحافظ على وصايا الله وسر حسب أوامره ولا تدخلن إلى قلبك رغبة شريرة وآمن بالله.
فإذا فعلت ذلك وخشيت الله تكون قد صمت صياماً عظيماً مقبولاً عند الله» (المثل الخامس، 1، 3-4). فالمحافظة إذاً على الوصايا، والقيام بالأعمال الحسنة التي ترضي الله، وتطبيق تعاليم الله، ومساعدة الفقراء والأرامل، والبعد عن الكلام الشرير والرغبة الخبيثة، والمحافظة على الشريعة والناموس… جميع هذه تكون أفضل من الصوم، لا بل هي جوهر الديانة المسيحية.
في المثل السادس يرى هرماس راعيين مع قطيعيهما، يمثلان ملاك الشهوة وملاك العقاب. الأول يفسد أرواح عبيد الله ويصرفها عن الحقيقة إلى الشهوة الخبيثة حيث تضيع فتنسى وصايا الله الحي وتسلك طريق الشهوات الخداعة البطالة، منقادة إلى الفساد والموت، والثاني يستلم البشر الذين ضلوا طريق الله وغرقوا في الشهوات والملذات العالمية ليعذبهم حسب خطاياهم ويعاقبهم عقوبات مخيفة متنوعة.
فكل إنسان يغرق في لذة الشهوات يخضع لعقوبات عديدة لأنه يسلم نفسه للموت في الوقت الذي يملك فيه على الحياة. لذلك نرى أن الذين يعملون الخير يشعرون بلذة فعلهم، وهذه اللذة تكون مفيدة وتمنحهم الحياة، أما الذين يتّبعون الشهوات المضرّة فإنهم يجلبون عليهم المحن والعقاب الذي يقود إلى الموت الأبدي.
وفي المثل السابع يطلب هرماس من «الراعي» أن يبعد عن بيته ملاك العقاب. غير أن الراعي يقول له: «إن خطاياك كثيرة ولكنها لا تستحق أن تسلم بسببها إلى هذا الملاك إلا أن بيتك قد اجترح الخطايا والآثام الكبرى التي مرمرت الملاك العظيم، لذلك أمر أن تتعذّب ليتوب أهل بيتك ويتنقوا… ولا يمكن أن يتألم أولئك إذا لم يروا رب البيت متألماً. فالملاك يضطرهم بواسطتك إلى الألم. أمّا إذا انتفى عنك الألم فإنهم يشعرون أن المهم قد زال» (المثل السابع، 2-4).
وفي المثلين الثامن والتاسع تظهر الكنيسة بصورة صفصافة وبرج. ففي الصفصافة المتشعبة ينال كل مؤمن غصناً يمثله، فإذا كان الغصن فارغاً فهذا يعني أن المؤمن في حياة روحية نامية وعلى اتصال عميق بالله، أمّا إذا كان الغصن ذابلاً فيدل على حالة المؤمن النفسية التي تشوبها الأخطاء والنقائص، وهذا يعني أن كل إنسان سينال جزاءه أو عقابه حسب الحالة التي يكون عليها الغصن الذي يمثله.
أمّا الخطأة الخاضعون للتوبة فإذا عملوا بها نجواـ وإذا لم يعملوا هلكوا. وأمّا بالنسبة إلى البرج فإن حياتهم لله وعملوا الخير وكانوا مثالاً صالحاً في هذه الدنيا، غير أن الأشرار فلقد أبعدوا عن المساهمة في هذا البناء الذي يجب أن يكون كاملاً على صورة الكمال الذي رسمه المسيح لكنيسته.
أخيراً يبقى المثل العاشر الذي هو بمثابة خلاصة يشدّد فيها الملاك على هرماس لكي يتوب عن خطاياه هو وأهل بيته. كذلك يأمره الملاك بأن يعلن للجميع وسيلة خلاصهم، هذا الخلاص الذي لا يتم إلا بالتوبة، وبالتوبة الحقيقية، طالما أن البرج يُبنى. ولكن إذا لم يتب الجميع قبل نهاية بناء البرج، فإن التوبة بعد نهاية البناء لا تنفع مطلقاً.
وينهي الملاك كلامه قائلاً لهرماس: «قم برسالتك حق قيام وأذع على الناس عظائم الله، وستلقى استحقاقك من جرّاء خدمتك. من يتبع وصاياك يتمتع بحياة ووجود مغبوط. أما الذين يهملونها فإنهم لا ينالون الحياة وسيشقون في حياتهم» (المثل العاشر، 4، 1).
خلاصة تعليم كتاب الراعي لهرماس
أ: الثالوث الأقدس وسر التجسد في كتاب الراعي لهرماس:
إن المطلع على كتاب «الراعي» يلحظ بوضوح أنه كتاب توجيهي، همّه معالجة الأمراض التي ضربت الكنيسة، لا محاولة رفض البدع التي كانت سائدة إلى حد ما، ولا محاولة عرضٍ لاهوتي للعقيدة المسيحية ولشؤون الإيمان، رغم أننا تجد فيه تأكيداً واضحاً على وحدة الله وعلى الخلق من العدم (المثل الخامس، 5، 2؛ المثل السابع، 4). لذلك نراه غير قاطع في تحديده للثالوث الأقدس ولسرّ التجسد.
فكره غامض, ولغته غير واضحة. ولذلك أيضاً حاول كثيرون من اللاهوتيين والمؤرخين، من خلال مؤلفاتهم، التأكيد على أرثوذكسيته، مثل «جاكمان» (Jackman)، و «فريبل» (Freppel)، و «هارناك» (Harnack)، وغيرهم من اللاهوتيين الذين رأوا ثبات العقيدة فيه رغم الغموض الذي فرضته لغة الرؤى والوصايا والأمثال.
وباختصار، فإن لغته تشكو من عدم الوضوح، بيد أن عقيدته لا غبار عليها. والمثال على ذلك هو هذا المقطع الثاني من المثل الخامس الذي نورده هنا لنرى علاقة الآب والابن بالعبد. يقول «الراعي»: «كان لإنسان حقل وعبيد وقد زرع قسماً منه كرماً واختار له عبداً أميناً يحترمه.
ولمّا دعاه قال له: خذ هذا الحقل الذي غرسته وسيّجه حتى أعود ولا تفعل غير ذلك. حافظ على وصيتي فتحيا حياة سعيدة في بيتي. ثم سافر سيد الحقل إلى مكان بعيد. فأخذ العبد بعد سفر سيده بتسييج الحقل، وعندما أنهى عمله رأى أن الحقل مليء بالأشواك.
ففكر في نفسه وقال: ها إني قد أتممت العمل كما أمرني سيدي، فلماذا لا أفلح الكرم وأنقّيه من الأعشاب ليصبح جميل المنظر وتزادا ثماره؟ وبالفعل فلح العبد الكرم واقتلع منه كل الأشواك فصار الكرم جميلاً خالياً من الأعشاب التي كانت تعيق نموّه. بعد مضي وقت طويل عاد سيد الحقل وذهب لزيارة أرضه فوجد أن الكرم لم يكن مسيّجاً فقط، بل ومفلوحاً فلاحة حسنة ومنقى من الأعشاب المضرّة، والدوالي مليئة بالعناقيد، فدهش من عمل عبده وأعجب.
فاستدعى ابنه الحبيب ووريثه وكل المستشارين أصدقائه وأخبرهم بالأمر الذي أمر به وبالأفعال التي رأى عبده قد فعلها بعد عودته فهنأ هؤلاء العبد على الشهادة التي نالها من سيده. وقال لهم السيد: لقد وعدت هذا العبد بحريته إذا أتّم أوامري إلا أنه لم يتمّم أوامري فحسب بل عمل أكثر بكثير ممّا أمرته به، لذلك سأجعله، مكافأة على أعماله، شريكاً مساوياً لابني يرث معه لأنه يملك تفكيراً صائباً وقد حقق هذا التفكير ولم يهمله» (المثل الخامس، 2، 1-7).
في هذا النص نرى ثلاثة أشخاص: السيد والابن والعبد. فمن هم هؤلاء الثلاثة في نظر «الراعي»؟. الحقل يمثل ، أولاً، العالم، والسيد هو الله خالق كل شيء، وابن السيد هو الروح القدس، والعبد، الذي حرّره السيد، وقد أصبح أيضاً ابن الله لأنه اقتلع، من الكنيسة، التي هي الحقل، الشرور والخطايا بواسطة أعماله وآلامه وعذاباته. وهذا هو عمل الخلاص. ولكن الملفت للنظر أن «الراعي» لا يذكر مطلقاً اسم «المسيح» «يسوع» و«كلمة الله»، وحتى أنه لا يفرّق بين البنوّة الإلهية والروح القدس.
أمّا بالنسبة إلى سر التجسد، فالمقطع السادس من المثل الخامس يذكره كالتالي: «انتبه أن ابن الله لم يظهر بشكل عبد بل ظهر متشحاً بقدرة عظيمة وسلطان عظيم. قلت: كيف؟ إني لا استطيع أن أفهم ذلك. أجابني: إن الله الذي غرس كرمه، أي عندما خلق شعبه أوكل أمره لابنه والابن جعل الملائكة لحمايتهم وهو الذي نقّىشعب الله من خطاياهم وقد تعب كثيراً لأن كل كرمة تحتاج إلى تعب شديد لفلاحتها وتنقيتها.
هو الذي نقى خطايا البشر وأرشدهم إلى سبيل الحياة وأعطاهم الناموس الذي تسلّمه من أبيه. أرأيت كيف أنه سيد البشر وأن أباه أعطاه كل سلطان؟ قلت لك إن السيد قد استشار ابنه والملائكة القديسين بشأن اشتراك العبد بالميراث. إليك مل يعني ذلك.
الروح القدس كان قبل الخليقة، البسه اللباس الذي أراده. وهذا الجسد الذي لبسه الروح القدس خدم الروح بكرامة وسلك نقياً طاهراً دون أن يسبب له أي دنس. وبمسلكه النقي هذا وتعبه مع الروح وبتعاونه معه في كل الأمور ماشاه بقوة وشجاعة وأراد أن يجعله شريكاً لروحه المقدس. إن مسلك الجسد أعجب الله لأنه لم يتدنس في هذه الأرض وهو يحمل الروح. ولقد استشار الابن والملائكة الممجدين ليعطي لهذا الجسد الذي خدم الروح بأمانة كلية مكاناً يستريح فيه لا يبقى إخلاصه بدون مكافأة.
كل جسد سكنه الروح وخدمه بإخلاص ينال المكافأة بشرط أن يبقى نقياً طاهراً خالياً من كل دنس» (المثل الخامس، 6، 1-7). ويعلق اللاهوتي «باردنهيفر» على هذا النص قائلاً: «ماذا بإمكاننا أن نستنتج من ذلك سوى أن التجسد وحده هو الذي أوضح لنا الفارق بين الروح القدس وابن الله.
فإن ابن الله والروح القدس، لم يكونا سوى واحد قبل التجسد» (باردنهيفر: آباء الكنيسة، الترجمة الفرنسية، باريس 1898، الجزء الأول، ص94). وبمعنى آخر، فإن فكرة الثالوث، في نظر «باردنهيفر»، لم توضح كلياً إلا بعد التجسد، وبالتالي بعد أن تمجّدت إنسانية المخلّص بارتفاعها إلى مستوى الآب والروح القدس.
يذكر «الراعي» مراراً أن هناك ملاكاً هو، في الدرجة، أعلى من الملائكة الستة الكبار الذين يشكلون مجلس استشارة الله، وهذا الملاك يدعوه مرّة «المحترم» ومرّة أخرى «القديس» ومرّة ثالثة «الممجّد»، ولقد رأى فيه البعض «المسيح» (الرؤيا الخامسة، 2؛ الوصية الخامسة، 1، 7؛ المثل الخامس، 4، 4؛ 7، 1، 5). ولن هرماس يسمّيه «ميخائيل» (المثل السابع، 3،3). فهل هذا يعني أنه لا يفرّق بين ابن الله ورئيس الملائكة ميخائيل؟ ربما الأمر كذلك لأن «الراعي» يعتبر أن مهمة الاثنين هي إياها غالب الأحيان.
فهما (أعني ابن الله والملاك ميخائيل) مقلّدين بقوة الله نفسها بالنسبة إلى سلطتهما على شعب الله (المثل الخامس، 6؛ المثل الثامن، 3،3)، وهما اللذين يعلنان عن مصير المؤمنين (المثل الثامن، 3،3؛ المثل التاسع، 5، 2-7؛ 6، 3-6؛ 10، 4)، وهما اللذين يوكلان أمر الخطأة إلى ملاك التوبة لإصلاحهم (المثل الثامن، 2، 5؛ 4، 3؛ المثل التاسع، 7، 1-2). ولكن هذا التشابه بالرسالة وبالحالة لا يعني، حقيقة، أن الشخصين هما واحد.
فالملاك ميخائيل يسميه دائماً ملاكاً، بينما ابن الله ليس وحسب سيد الشعب (المثل الخامس، 5، 6، 4)، بل هو أيضاً سيد البرج ومالكه وربّه. إنه مطلق السلطة عليه (المثل التاسع، 5، 2، 6، 7؛ 7، 1). وبينما الملاك ميخائيل يضع الشريعة في قلب المؤمنين، يذكر «الراعي» أن هذه الشريعة هي «ابن الله» بذاته.
إذاً، رغم الغموض في مفردات «الراعي»، فإن التأكيد على سر الثالوث الأقدس وسر التجسد هو واضح جدا، وأن هرماس كان واعياً إلى هذا الأمر، لذلك شدّد على دور الآب والابن والروح القدس، وخصوصاً على دور الابن بعد التجسد. وإذا أردنا أن نفسر هذا الغموض، فربما الفكرة الوحيدة التي تعبّر عن ذلك هي أن اللغة الرؤيوية هي التي جعلتنا لا نرى الأمور بوضوح كما في التحديدات اللاهوتية التي نجدها عند آباء الكنيسة الذين كان همّهم توضيح الأمور بكل دقة ووعي.
ب/ الملائكة:
بالنسبة إلى الملائكة، فإن هرماس لا يتكلم عن طبيعتهم وهويتهم، ولكنه يشدّد على عددهم الكبير وعلى المهمات العديدة التي يأمرهم الله للقيام بها. وهو يقسمهم إلى قسمين: الملائكة القديسون الذين يسهرون على شعب الله وهم مستشاروه، أعني رؤساء الملائكة، والملائكة المرؤوسون الذين أوكل إليهم أمر الكنيسة (المثل الخامس، 5، 3).
هؤلاء الملائكة يبنون البرج الروحي بإدارة رؤساء الملائكة الممجدين (المثل التاسع، 6، 2). ورؤساء الملائكة يشكّلون مجلس الاستشارة لله ويسهرون على عبيده لكي يعملوا حسب إرادته ليرثوا الملكوت السماوي الذي هو مكافأة للصلّاح والمؤمنين (المثل الخامس، 6، 4-7).
أمّا مهمات الملائكة فهي: الحثّ على التوبة، والسهر على الإنسان لكي يعيش بخوف الله. وكما أن هناك الملاك الحارس (ملاك العدل) الذي يرشد إلى الخير، كذلك هناك الشيطان (ملاك الظلم) الذي يسعى لإبعاد الإنسان عنه تعالى: «هدف هذه الوصية تثقيفك في الإيمان ونمّوك في أعمال ملاك العدل. إنك إذا طبقت أعماله تحيا في الله.
كن واثقاً أن أعمال ملاك الظلم هي خاطئة وبتجنّبك لها تعيش لله» (الوصية السادسة، 2، 10). لذلك، على الإنسان أن يبعد عنه ملاك الظلم لكي لا يعيقه عن حفظ الوصايا ويمنع عنه الخلاص الذي يرجوه من الله. ولكن، رغم كل محاولات الشيطان (ملاك الظلم) ضد خدّام الله، فإن ملاك التوبة يسيطر عليه ويبعده عنهم: «عودوا أيها الذين يسلكون طريق الشيطان القاسية الوعرة ولا تخشوه لأنه ضعيف لا قوة له.
سأكون أنا ملاك التوبة معكم وأنا الذي سأسوده. الشيطان يثير المخاوف، إلا أن خوفه فارغ كليّاً. لا تخافوه فيبتعد عنكم» (الوصية الثانية عشرة، 4، 6-7). وهكذا، عندما يخذل هذا الشيطان أمام القلوب المليئة بالإيمان يفتش عن القلوب الفارغة ليسكن فيها: «كذلك الشيطان يجرّب عبيد الله، فمن كانت قلوبهم مليئة بالإيمان وقفوا بوجهه بقوة فارتدّ عنهم خائباً لأن قلوبهم مملوءة. لذلك يفتش عن القلب الذي يجد فيه فراغاً ليملأه فيدخله ويوجهه وفقاً لإرادته» (الوصية الثانية عشرة، 5، 4).
ج/ الكنيسة في كتاب الراعي لهرماس:
هرماس ليس واضحاً في كتاب «الراعي» عندما يتكلم عن تنظيم الكنيسة، لكنه يذكّر بدور الأسقف والشيوخ والمتقدّمين فيها عندما تطلب منه المرأة إعطاء الكتيّب إلى «كليمنضوس» لإرساله إلى المدن التي في الخارج: «اكتب كتيّبين، كتيّب إلى كليمنضوس وكتيّب إلى غرابتي. ويسمح لكليمنضوس أن يرسل ذلك إلى المدن التي في الخارج، وعلى غرابتي أن تنصح الأرامل والفقراء.
أمّا أنت فعليك أن تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدّمي الكنيسة» (الرؤيا الثانية، 4، 3). كذلك نراه يؤكد على أن الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة هم الحجارة المربعة البيضاء في البرج الذي يمثل الكنيسة: «إليك ما تعنيه الحجارة التي دخلت البناء. الحجارة المربعة البيضاء المتشابهة كليّاً تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذين سلكوا طريق الرب المقدس ورعوا وعلموا وخدموا بإخلاص وطهارة مختاري الله.
بعضهم مات وبعضهم لا يزال على قيد الحياة وكانوا دائماً على وفاق فيما بينهم، يسودهم السلام ويطيعون بعضهم بعضاً. لذلك تراهم في هذا البرج حجارة متلاحمة كليّاً وفي اتّساق عظيم» (الرؤيا الثالثة، 5، 1). وبعد ذلك نراه يشدّد على التفاهم بين أعضاء الكنيسة، وعلى عدم الشقاق، وعلى الثبات في الإيمان والمحبة: «أقول هذا الآن لمتقدّمي الكنيسة ولمتصدّري المجالس.
لا تكونوا كبائعي السموم الذين يحفظون سمومهم في علب، وعلبكم هي قلوبكم بأحقادكم وخبثكم. إنكم قساة عتاة لا تريدون أن تنقوا قلوبكم وتحققوا الدمج الكليّ لحكمتكم بنقاوة قلوبكم فتنالوا رحمة الملك العظيم. احذروا يا أبنائي أن تفقدكم شقاقاتكم حياتكم. كيف تريدون أنتم المختارين أن تنقوا أولئك الذين لا نقاوة فيهم؟ نقوا نفوسكم أولاً وتسالموا فيما بينكم حتى إذا ما وقفتم أمام الآب، أقف أنا بثبات أمامه لأقدم له مسردة الحساب عن جميعكم» (الرؤيا الثالثة، 9، 7-10).
وفي زمن كانت المواهب النبوية تزوّر، والأنبياء الكذبة يحاولون استغلال المؤمنين، نجده يشدّد على النبي الحقيقي الذي يُعرف من استقامة سيرته، ومن تواضعه، ومن حياته الروحية الصوفية، ومن رصانته وفطنته، ومن إعلانه الحقيقة أمام الجميع دون خوف ولا تراجع، ومن التزامه بكلام الرب الذي يوحيه إليه بواسطة الروح القدس: «قلت: كيف نميّز بين النبي الكاذب والنبي غير الكاذب؟
قال: من حياة المرء نستطيع أن نميّز النبي الكاذب والنبي الحقيقى. من كان فيه روح الله، فروح الله يأتي من فوق، يكون لطيفاً متواضعاً يهرب من الشر ومن الرغبات البطّالة ويجعل نفسه دون هذا الجيل.
لا يجيب على سؤال ولا يتكلم إلا علانية. الروح القدس لا يعطي وزناً لرغبات البشر ولا يتكلم إلا عندما يريد الله منه. عندما يدخل الإنسان الذي فيه روح الله إلى نجلس الصالحين المؤمنين بالله، يصلي المجلس فتتحرك روح النبوّة فيه ويملآه ويتكلم بملء إيمانه أمام الجميع كما يأمره الرب. بهذا نعرف النبوة الحقيقية من النبوة الكاذبة، ومن قوتها نعرف الألوهة الموحية» (الوصية الحادية عشرة، 7-10).
وباختصار، فإن الذي يشدّد عليه هرماس هو كنيسة القديسين الموحّدين بالله. ولقد حاول لمرّتين أن يشبهها بالبرج المبني على الماء، تلميحاً إلى شفافية العماد: هذا البرج الذي يضم القديسين الذين مات بعضهم وبقي البعض الآخر على هذه الأرض. فهم الحجارة المنتقاة البيضاء التي تمثل الرسل والأساقفة والمعلمين والشمامسة الذي عاشوا في القداسة وسلكوا طريق الرب ورعوا وعلموا وخدموا، بإخلاص وطهارة، مختاري الله (الرؤيا الثالثة). ومرّة ثانية (المثل التاسع) نرى البرج مبنياً على صخرة صلدة صامدة هي المسيح، باب الكنيسة.
والحجارة التي يُبنى فيها هذا البرج هي المعمّدون والخطأة والصديقون، وذلك لأن البناء يجب أن نبعد عنه كل حجر لا يجمّله ونسلمه إلى ملاك التوبة لكي يعيده إلى البرارة التي يريدها الله من مختاريه. وهذا الملاك هو وحده الذي يحم إذا كان المؤمنون قد أصبحوا أهلاً للبناء أم لا، بحيث أن الكنيسة يجب أن لا تضم إليها إلا الحجارة المصقولة البيضاء، أعني النفوس التي لها الفكر نفسه والعاطفة نفسها والإيمان نفسه والمحبة نفسها.
وهكذا، فعندما تصبح النفوس جميعها كاملة بالله تكون الكنيسة كاملة هي أيضاً، وتكون قد قامت بالمهمات الملقاة على عاتقها لخلاص البشرية جمعاء.
د/ العماد والحياة المسيحية في كتاب الراعي لهرماس:
يقول هرماس: «أريد أن أسألك أموراً أخرى. قال: ماذا تريد؟ قلت: لماذا أخرجت هذه الحجارة من الأعماق لتوضع في جدران البرج، ما دام الرجال الذين تمثلهم هذه الحجارة كانوا يحملون في ذواتهم هذه الأرواح؟ أجابني: كان عليهم أن يخرجوا من الماء لينالوا الحياة، ولم يكن بإمكانهم أن يدخلوا إلى الملكوت قبل أن يطرحوا الطبيعة الميتة لوجودهم الأول.
مع أن هؤلاء البشر كانوا أمواتاً فقبلوا ختم ابن الله ودخلوا الملكوت. وقد سبق وقال لي الراعي: الذين لا يحملون اسم ابن الله هم أموات، إلا أنهم عندما ينالون الختم يخلعون عنهم الموت ويلبسون الحياة. الختم هو ماء المعمودية. ننحدر أمواتاً إلى الماء ونصعد أحياء. هؤلاء سمعوا بالختم فاختتموا لكي يدخلوا إلى الملكوت» (المثل التاسع، 16، 1-4).
هذا النص يؤكد لنا على أن سر العماد يغفر جميع الخطايا السابقة، وهو ضروري ليصبح الإنسان في شراكة الكنيسة، وليساهم في بناء البرج المقدس. غير أنه من الضروري أيضاً أن يبقى الإنسان، بعد العماد، بدون خطيئة لأنه لا يجوز لمن غفرت خطاياه أن يخطئ من جديد. وبهذا المعنى يجيب «الراعي» هرماس عندما سأله: «أيمكنني يا سيدي أن أسألك سؤالاً آخر؟ قال: قل. قلت: سمعت بعض المعلمين يقولون إنه لا توبة إلا التوبة التي نلناها بعد المعمودية حيث نلنا مغفرة الخطايا. قال: صحيح ما سمعت وهذه هي الحقيقة بعينها.
لا يجوز لمن غفر له أن يخطئ، عليه أن يبقى في النقاوة» (الوصية الرابعة، 3، 1-2). فالعماد يمنح المعمّد قداسة ويجعله هيكل الروح القدس، شرط أن يحافظ على جسده نقياً، بلا دنس: «انتبه، احفظ جسدك نقياً بلا دنس حتى ينال شعادة الروح القدس القاطن فيه. احذر أن تأتيك الفكرة بأن جسدك فان ومعد للدمار، ولا تفسح المجال لتدنيسه لأنك إذا دنّست جسدك دنّست روحك، وإذا دنّست روحك فلن تحيا.
قلت: ما هو نصيب من فعل ما يدنس جسده قبل سماعه لهذه الكلمات؟ أيمكنه أن يخلص؟ اله هو الذي يشفي الخطايا الحاصلة عن جهل. انتبه الآن. الله الغفور يغفر لك خطاياك السابقة بشرط أن يبقى جسدك الآن بدون دنس. أنت ترى الاتصال الوثيق بين الجسد والروح. إنك إذا دنّست الجسد دنّست الروح، فإحفظهما نقيّين حتى تحيا لله» (المثل الخامس، 7، 1-4).
وأمّا عن الحياة المسيحية، فالإيمان ومخافة الله، وخصوصاً العفّة، هي الفضائل الأساسية للخلاص: «إليك ما تعنيه الأولى ذات الأيدي القوية. إنها تسمّى الإيمان. وبه يخلص مختاروا الله. والثانية المزنّرة ذات الهيئة الرجولية تسمّى العفّة، إنها ابنة الإيمان، ومن يتبعها تصبح حياته مغبطة لأنها تبعد كل الأفعال الشريرة. ومن يبتعد عن العمل الشرير يرث الحياة الأبدية» (الرؤيا الثالثة، 8، 3-4).
والعفّة، في نظر «الراعي»، تعني الامتناع عن كل الشرور وعمل الخير. والشرور التي يجب الامتناع عنها هي: الزنى، والفسق، والسكر، والكبرياء، والكذب، والشتم، والخبث، والرياء، والمكر، والسرقة، والغش، وشهادة الزور، والبخل، والشهوات غير المرتبة. وأن يكون الإنسان عفيفاً، فذلك يعني أن يعيش إيمانه بخوف الله، وأن يعيش المحبة والعدل والحقيقة والصبر، وأن يساعد الأرامل واليتامى والفقراء، ويكون مضيفاً للغرباء. هذه جميعها مفروضة على المسيحي ليكون مخلصاً، أو بالأحرى عليه أن يطبّق إيمانه بأعمال الخير وبالبعد عن جميع الشرور.
وفي حالة البرارة، التي ينالها الإنسان، من مجرّد قبوله سر العماد، يحصل على استحقاقات كثيرة إذا ما حفظ الوصايا، وتبع المشورات، وعاش الفضائل البطولية التي تحقق له مكافأة خاص من الله. إنه بذلك ينتقل من العبودية إلى البنوّة، والله يتبنّاه ويجعله وارثاً وشريكاً: «حافظ على وصايا الله لتصير مقبولاً عنده ومستحقاً لتكون من المسجلين في سجل حافظي وصاياه.
فإذا فعلت حسنة، علاوة على أوامر الله، فإنك تحقق مجداً عظيماً، وتكون ممجّداً عند الله حيث تدعى لتكون. إذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 2-4).
وردّاً على هرماس الذي اعتبر أن إتباع الوصايا هو أمر صعب جداً يقول «الراعي»: ليس هناك من صعوبة إذا أراد الإنسان ذلك: «قلت: يا سيدي، إن هذه الوصايا عظيمة وصالحة وممجّدة ويمكنها أن تفرح القلب، قلب الإنسان الذي يستطيع أن يحافظ عليه. لكني لا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يحافظ عليها لأنها صارمة جداً. أجابني قائلاً: إذا اعتقدت أنك تستطيع أن تحافظ فستحافظ ولن تكون صارمة بالنسبة لك.
أما إذا أهملتها ولم تحافظ عليها واعتقدت أنه يصعب على البشر أن يحافظوا عليها فلن تخلص لا أنت ولا أهل بيتك. بقولك إنك لا تستطيع أن تحافظ على الوصايا تدين نفسك وتحكم عليها حكماً قاطعاً» (الوصية الثانية عشرة، 3، 4-6). وعندما لفت هرماس «الراعي» إلى أن الشيطان يحارب الإنسان ويمنعه من إتباع الوصايا أجابه قائلاً: «قلت: أن الإنسان، يا سيدي، مستعد ليحافظ على وصايا الله ويطيعها، إلا أن الشيطان قاس ويتغلّب على الإنسان.
قال: إنه لا يستطيع أن يتغلّب على عبيد الله الذين يؤمنون من أعماق قلوبهم. الشيطان يجيد الصراع لكنه لا يغلب إذا صمدتم في وجهه بل يندحر ويهرب خجلاً. الأشخاص الفارغون هم الذين يخافون الشيطان كقوي» (الوصية الثانية عشرة، 5، 1-2).
وهكذا، باختصار، فإن العماد، بعد أن يغفر الخطايا، يعطي الإنسان قوة ليحارب الشيطان ولينتصر عليه، وليعيش بخوف الله، بعيداً عن كل الشرور، محققاً خلاصه الأبدي، شرط أن لا يعود إلى الخطيئة ثانية.
هـ/ التوبة والخلاص الأبدي في كتاب الراعي لهرماس:
السؤال المطروح الآن هو التالي: كيف بإمكاننا أن نحافظ على وسم العماد، ونعيش العفة في الحقيقة، ونصل إلى الكمال الذي دعانا إليه الله، والضعف البشري يجعلنا عرضةً للسقوط في الخطيئة كل لحظة؟ وهل المسيحي الذي يسقط، من جديد، في الخطيئة، بإمكانه أن يخلص؟ هناك رأيان متناقضان في ذلك: رأي الغنوصيين المتساهلين، ورأي المتشددين المبالغين. فالغنوصيين يعتبرون أن كل خطيئة مقترفة، بعد العماد، غير مهمة بحيث أنهم لا يتركون عبيد الله يتوبون توبة حقيقية.
وهذا ما يذكرّ به «الراعي» في المثل الثامن، 6، 5، قائلاً: «أمّا الذين سلموا أغصانهم يابسة ولم ينخرها السوس، هؤلاء يشبهون الأول. ‘نهم مراؤون، يحملون تعاليم غريبة ويضللون عبيد الله، وخصوصاً الخطأة. إنهم لا يتركونهم يتوبون ويعملون لإقناعهم بتعاليمهم البطالة السطحية، مع أن مجال التوبة مفتوح أمام هؤلاء». وأما المتشدّدون المبالغون، فلقد بشرّوا بتقشّف متطرّف، وفرضوا تصوفاً كاملاً في الحياة المسيحية، وعفة مطلقة في كل شيء.
ولكن هرماس طالب بحلّ إنساني إذ قبل بإمكانية مغفرة الخطايا بعد العماد، وبالتالي بالعودة إلى حالة البرارة بعد التوبة. وبهذا المعنى يقول: «بعد أن أنهى الراعي تفسير معاني الأغصان كلها قال لي: اذهب وقل لجميع الخطأة أن توبوا ليحيوا في الله لأن الرب، لرأفته بالجميع، يوزع التوبة على الجميع حتى لو كان البعض لا يستحقونها بسبب أعمالهم فالله طويل الأناة يريد أن يحقق دعوة ابنه للخلاص» (المثل الثامن، 11، 1).
وفي موضع آخر يقول: «المعمودية تغفر الخطايا، والمخلص وضع التوبة للذين آمنوا قبل هذه الأيام لأنه هو العارف خفايا القلوب والمالئ الكل رأى الضعف البشري ورأى أحابيل الشيطان والشباك التي يحاول أن يوقع فيها خليقته، لذا تحنن برحمته وأوجد التوبة وأعطيت لي سلطتها» (الوصية الرابعة، 3، 4-6).
إذاً، الله وحده يشفي الخاطئ. ولكن كيف؟ بواسطة التوبة (Metanoia). فبمقابل الإرادة الإلهية التي تريد خلاص المعمّدين، وبمقابل رحمة الله المستعد دائماً لغفران الخطايا وللشفاء منها، على الخاطئ أن يتجاوب بتوبة نصوح وعميقة. وهنا، كما يؤكد هرماس، التوبة لا تعني سر التوبة بالمفهوم الكنسي القانوني، ولكن المقصود هي فضيلة التوبة وممارستها، أعني تغيير حالة النفس، أو بالأحرى تجديد داخلي، خلقي ومسلكي، وحتى تجديد بالأفكار وبالعواطف والعادات على شكل ارتداد أو انقلاب داخلي.
بهذا المعنى يقول: «إني أعطي الوعي للتائبين لأني أنا لهم. ألا تعتقد أن عملية التوبة هي عملية إدراك؟ إن التوبة هي عملية حكمة عظيمة. إن الخاطئ يتعقّل عندما يدرك أنه فعل شراً أمام الله، فيذكر العمل الشرير الذي صعد إلى قلبه ويتوب ويمتنع عن عمل الشر، وليس هذا فقط بل يفعل الخير ويضع نفسه ويعذبها لأنها أخطأت. أرأيت أن التوبة هي عملية إدراك عظيمة؟» (الوصية الرابعة، 2، 2).
هذه التوبة تطبّق على جميع الخطايا دون تمييز، وحتى على الخطايا المحفوظة مثل الكفر والزنى والقتل (الوصية الرابعة، 1، 7؛ المثل التاسع، 26، 5). فالامرأة الزانية، مثلاً، على زوجها أن يقبلها إذا تابت بعد أن تعترف بخطيئتها، والكفرة كذلك إذا لم يكن كفرانهم إلا بالكلام وحسب، وليس بارتداد القلب إلى الشر. وهذه التوبة، إذا كانت تطال جميع الخطايا، لكنها لا تطال جميع الخطأة.
إنها تطال المسيحيين القدامى وليس المسيحيين الذين تعمّدوا أو الذين سيتعمّدون. فالمسيحي الذي يسقط في الخطيئة بعد العماد يُبعد عن الجماعة ويكون في حالة انفصال عن الكنيسة. والكنيسة تفرض عليه كفّارات عديدة لأنها تعتبر أن العماد أدخله في جماعة القديسين وعليه أن يبقى قوياً، ولا يخطأ، بنعمة الله التي تسهر عليه.
من هنا، فالتوبة يجب أن تكون مخلصة وصادقة، والله يعطي حينئذٍ الغفران الكامل، الذي هو نعمة خاصة، للذين طهّروا نفوسهم وقلوبهم، بينما الخبثاء والكفرة المتمسكون بكفرهم يرفضهم ويبعدهم عن البرج الذي هو كنيسته. وبهذا المعنى يقول هرماس «عندما أنهى الراعي فحص كل الأغصان قال لي: لقد أريتك هذه الشجرة المحبة للحياة. أرأيت كم هم التائبون والمخلصون؟ قلت: إني أرى يا سيد.
قال الراعي: إن الله أعطى روح التوبة لمستحقيها حتى تدرك عظمة رحمته. قلت: لماذا لم يتب الجميع؟ قال: إن الله يعطي روح التوبة للقلوب التي يجب أن تتنقّى وتتطّهر، أما القلوب التي يملؤها الخبث فإن توبتها تكون توبة مرائية، ولن يعطيها روح التوبة لئلا تهين اسمه» (المثل الثامن، 6، 1-2).
وباختصار، فالكنيسة يجب أن تكون جماعة القديسين، وهي تؤمن وتعتقد أنه بإمكان كل مسيحي أن يحافظ على براءة العماد دون خطيئة، رغم أنها أيضاً تعرف مدى الضعف البشري. لذلك تقدّم للخاطئ وسيلة خلاص بعد هذا العماد إذا أخطأ من جديد، ولكن لمرّة واحدة. وبذلك يكون سر التوبة القانوني معطى بعد عيش روح التوبة الحقيقية. كل ذلك لأن رحمة الله وغفرانه هما المحرك الأساسي في قلب جماعة المسيح التي هي كنيسته على الأرض.
و/ الزواج في كتاب الراعي لهرماس:
بالنسبة إلى الزواج المسيحي، فإن عدم فسخه يؤكد عليه هرماس مراراً في كتاب «الراعي»، وحتى في حالة الزنى، كما أن الزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين هو مسموح، بعكس ما بشّر به المتزمّتون في بعض البدع. ونعرض هنا الصعوبات والمشاكل التي طرحها هرماس والتي أجاب عليها «الراعي» بوضوح:
أولاً: هل يخطئ الزوج الذي يعيش مع امرأته الزانية؟ يجيب الراعي: كلا إذا كان يجهل ذلك. وأمّا إذا عرف بزناها وبقي معها فإنه كمن يشاركها بذلك: «قلت: اسمح لي يا سيدي أن أوجّه لك بعض الأسئلة. قال: قل. فقلت: يا سيدي، إذا كان لرجل زوجة وكان يعتقد أنها مخلصة ثم تبيّن له أنها تزني أيخطئ إن استمر عائشاً معها؟ أجاب: إذا عاش معها وكان لا يدري بأنها تخطئ فإنه لا يخطئ، أمّا إذا اكتشف أنها تزني ورفضت أن تتوب وثابر على العيش معها فإنه يخطئ ويشترك معها في الزنى.
قلت: ماذا يجب أن يفعل الزوج إذاً؟ أجاب: عليه أن يتركها وأن يعيش وحيداً، أمّا إذا تزوج ثانية بعد ترك زوجته فإنه يزني» (الوصية الرابعة، 1، 4-6).
ثانياً: إذا ندمت الإمرأة الزانية، بعد أن يكون تركها زوجها، فهل يعود إليها ويقبلها؟ يجيب الراعي: نعم يجب أن يقبلها إذا تابت، وإلا ارتكب خطيئة، وعليه تحمّل المسؤولية: «قلت: وإذا تابت المرأة بعد تركه لها، وأرادت أن تعود إلى زوجها، ألا يجب أن يقبلها؟ قال: لا شك.
قلت: وإذا رفض قبولها؟ قال: إنه يرتكب خطيئة ويتحمّل مسؤولية كبرى لأنه يجب أن يقبل التائب لمرّة واحدة لا لأكثر، لذلك لا يجوز لرجل أن يتزوج مرة أخرى، وكذلك المرأة» (الوصية الرابعة، 1، 7-8).
ثالثاً: وهل ما هو متوجب على الرجل بالنسبة لامرأته هو نفسه متوجب على المرأة؟ يجيب الراعي: الأمر نفسه يطبق على الرجل الذي يزني كما على المرأة: «لا يزني المرء إذا دنس جسده فقط، بل إذا تصرّف كما تتصرّف الأمم أيضاً. إذا ثابر أحدهم على ذلك ولم يقبل أن يتوب فابتعد عنه ولا تعاشره، وإلا تكون شريكاً في خطيئته. لذلك يمنع الرجل والمرأة من الزواج الثاني لأن المنع يفسح المجال للتوبة.
قال: إني لا أسهل مثل هذه الأعمال. هدفي هو منع الخاطئ عن الخطيئة. من أخطأ سابقاً فهناك من يستطيع شفاءه. يشفيه المالك القدرة لفعل كل شيء» (الوصية الرابعة، 1، 9-11).
رابعاً: أمّا إذا مات أحد الزوجين، فهل يخطئ الزوج الحيّ إذا تزوج مرة ثانية؟ يجيب الراعي: كلا، لكن يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص إذا حافظ على عفته: «ثم سألته قائلاً: ما دمت يا سيدي قد احتملت أسئلتي فاسمح لي أن أسألك هذه المرة أيضاً. لو فرضنا يا سيدي أن الزوجة قد توفيت أو بالعكس، أيجوز لأحدهما أن يتزوج؟ وهل يخطئ إذا فعل ذلك؟ قال: كلا لا يخطئ، ولكن إذا بقي بدون زواج فإنه يحوز على شرف عظيم ويكرّم المخلص.
حافظ إذاً على العفة والشرف فتحيا في الله. حافظ من الآن على كل ما قلته وسأقوله لك. حافظ على ذلك من تاريخ استلامي لك ودخولي إلى بيتك. إذا حفظت وصاياي فخطاياك السابقة تغفر لك، لا بل كل خطايا الآخرين تغفر لهم إذا حافظوا على هذه الوصايا وسلكوا طريق العفة» (الوصية الرابعة، 4، 1-4).
وهكذا، باختصار، فإن الزاني تغفر خطيئته لمرة واحدة، والزواج الثاني بعد موت أحد الشريكين ليس خطأً، لكن الحفاظ على العفة هو شرف عظيم وتكريم للمخلص.
الخلاصة
من كل ما تقدّم يمكننا اختصار تعليم هرماس في «الراعي» بأنه تعليم أدبي، أخلاقي، روحي. فالهمّ الأساسي الذي كان يشغل المؤلف هو حثّ المؤمنين على العيش بالتزام وبإخلاص للعقيدة التي اعتنقوها في زمن كانت فيه الكنيسة تتنفس الصعداء بعد الاضطهادات التي توالت وقبل الاضطهادات التي ستلي، بحيث أن الرخاء القليل الذي حصلت عليه جعل الكثيرين من أبنائها يفترون في إيمانهم، ويصبحون منهمكين بشؤونهم الزمنية، الأمر الذي تطلّب تذكيراً بجوهر الروح المسيحية.
فالمسيحي الحقيقي ليس ذلك الذي حفظ الوصايا وحسب، بل أيضاً ذلك الذي يقوم بأعمال صالحة ليحقق لنفسه الغبطة. وبهذا المعنى يقول في المثل الخامس: «فإذا فعلت حسنة علاوة على أوامر الله فإنك تحقق مجداً عظيماً وتكون ممجداً عند الله حيث تدعى لتكون. وإذا حافظت على وصاياه وأضفت إليها أعمالاً صالحةً بتطبيقك لها فإنك تحقق لنفسك الغبطة» (المثل الخامس، 3، 3).
غير أن هرماس لم يكن ذلك اللاهوتي البارع، على حدّ قول اللاهوتي «باردي» (Bardy) في كتابه «لاهوت الكنيسة من القديس كليمنضوس الروماني إلى القديس ايريناوس»، باريس 1945، ص 141. لذلك نراه في حيرة كبرى عندما يتكلم عن التجسّد. فاسم «يسوع» مثلاً، واسم «المسيح» لا يأتي على ذكرهما إلا قليلاً.
هو يتكلم عن ابن الله، أو عن الابن الحبيب، ولكن ابن الله هذا يتطابق. والروح القدس. وبهذا المعنى يقول: «الحقل هو العالم، وسيد الحقل هو خالق الكل ومجهزّه ومقوّيه، وأمّا الابن فهو الروح القدس، وأما العبد فهو ابن الله» (المثل الخامس، 5، 1). كذلك نراه أيضاً يجعل من الملاك ميخائيل، الملاك العظيم والممجّد، ابن الله ورئيس الملائكة.
في حالة كهذه، ماذا يمكننا القول عن كتاب لاهوته غير واضح؟ الجواب هو التالي:
أولاً: إن الالتباس بين «ابن الله» و«الروح القدس» كان منتشراً في ذلك العصر. وهذا ما بيّنه اللاهوتي «جان دانييلو» (Jean Danielou) في كتابه «تاريخ المعتقدات المسيحية قبل مجمع نيقيا»، تورنه – باريس، 1958 – 1961. فالعقيدة لم تحدّد كليّاً إلا في ذلك المجمع.
ثانياً: إن اللاهوتيين كانوا غارقين في التفاسير أكثر منه في التحديدات. وهرماس كان من هؤلاء الذين كانوا يشدّدون على الحياة الأخلاقية والمسلكية أكثر منه على التحديدات اللاهوتية. وبهذا المعنى يقول اللاهوتي «جولي» (Joly) في مقدمته لكتاب «الراعي»: «إنه الكاتب الأخلاقي الذي يلفت الانتباه. فهرماس أراد أن يكون كاتباً أخلاقياً، ولم يؤكد مرة واحدة على أنه لاهوتي بحصر المعنى» (هرماس: الراعي، المقدمة، 33).
من هنا يمكننا استنتاج ما يلي: إن الجهد الإنساني، في نظر هرماس، يجب أن يشدّد على الحفاظ على روح الله الموجود فينا. ومخافة الله، التي يتكلم عنها دائماً، هي مفتاح ذلك. والمحافظة على الوصايا لا تكفي، بل علينا أن نضيف إليها أعمالاً صالحةً. فالأعمال الصالحة هي واجبة وضرورية للخلاص كما الالتزام بالتعليم الإلهي. وكل عمل لا يكون خاضعاً لإرادة الله هو عمل ناقص، وربما يحمل إلينا العقاب بدل الجزاء الحسن.
لذلك، على المسيحي أن يسير بخطى الله وبوحيه كما تعلّم الكتب المقدسة، وكما تعلّم الكنيسة الجامعة التي تجسّد تعليمه وتسهر عليه، خدمة للنفوس، وتمجيداً لله. وكل ما جاء في الرؤى والوصايا والأمثال شاهد على ذلك.
كتاب الراعي لهرماس – كتابات الآباء الرسوليون – بحث
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورة لمستشفى الواحة في منطقة العين – أبو ظبي عليها آيات من الإنجيل المقدس، ولهذا باشرنا في اليتيا التدقيق في الموضوع. مستشفى الواحة هو مشفى خاص أسسته الدكتورة الأمريكية ماريان كنيدي هي وزوجها بات أوائل ستينيات القرن الماضي، عرف أهل مدينة العين الدكتورة كنيدي باسم ”ماما لطيفة” وتوفيت عن عمر يناهز 84 عاما.
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
ولامارة أبو ظبي محبة كبيرة للعائلة حيث عند وفاتها بعثت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك برقية تعزية الى عائلة كينيدي قالت فيها إن أبناء الإمارات وخاصة في مدينة العين والمنطقة الشرقية سيذكرون دائما الدكتورة ماريان وأياديها البيضاء من خلال الخدمات الطبية والرعاية الصحية الجليلة التي قدمتها إليهم.
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
ويعتبر المستشفى شاهدا على قصة تطور مجتمع يحمل في طياته وثنايا ذاكرته قصصاً وحكايات يتبادلها أبناء المدينة عن أول مستشفى في مدينة العين، وكيف كانوا يتلقون العلاج، وكيف كـــــــانت العيادات في بداية عهدها تحت سعف النخيل.
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
رسالة المستشفى هي توفير معيار دولي للرعاية الصحية وخدمات عالية الجودة إلى المجتمعات التي تخدمها، بينما تمثل حنان وحب يسوع المسيح. وفي بحثنا، عرفت أليتيا أن المرضى يحصلون على انجيل عند دخولهم المستشفى، كما وتحتفل المستشفى بالأعياد المسيحية والمسلمة على حد سواء.
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
هذا ما يريده العالم، انفتاح مسيحي اسلامي وهذا ما جعل من دولة الامارات احدى أبرز دول العالم اقتصادياً وثقافياً.
ما صحة وجود آيات من الإنجيل على جدران إحدى مستشفيات العين – أبو ظبي؟
“فماذا إن خان بعضهم؟ أتبطل خيانتهم وفاء الله”؟ (رو 3: 3)
رسالة وشهادة : ما هو الكتاب المقدس؟ هل هو كتاب كالكتب الأخرى المعدَّة للقارئ العادي الذي ننتظر منه أن يستوعب معناه مباشرة؟ إنه بالأحرى كتاب شريف موجَّه إلى المؤمنين أولاً. وممَّا لا شك فيه أن المرء يقدر أن يقرأ أي سفر مقدَّس كما يقرأ “النصوص الأدبية” عادة. لكن هذه القراءة لا علاقة لها بهدفنا المباشر، فنحن لا نهتم بالحرف بل بالرسالة. هذا ما عبَّر عنه بقوة القديس إيلاريون في قوله: “الكتاب المقدس ليس بقراءته، بل بفهمه” (Scriptura est non in legendo, sed in intelligendo). هل نجد في الكتاب المقدَّس، مأخوذاً كلاًّ، وكتاباً واحداً، رسالة معيَّنة؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فإلى من تكن هذه الرسالة موجَّهة بشكل خاص؟ أ إلى أشخاص مؤهَّلين لفهم الكتاب وتفسير رسالته؟ أم إلى الجماعة والأشخاص بصفة كونهم أعضاء في هذه الجماعة؟
مهما كان أصل النصوص التي يشتمل عليها الكتاب المقدس فمن الواضح أنه في مجمله من خلق الجماعة في التدبير القديم والكنيسة المسيحية على حد سواء. فهو لا يشتمل على كلِّ النصوص التاريخية والتشريعية والتعبّدية الموجودة، بل على نخبة منها. وهذه النخبة أصبحت ذات سلطان من خلال استعمالها -وعلى الأخص في الليتورجيا- وفي وسط الجماعة ومن خلال القيمة التي أعطتها لها الكنيسة. لقد كان هناك هدف واضح يحدِّد هذه “النخبة” ويعيِّنها: “وصنع يسوع أمام تلاميذه آيات أخرى غير مدوَّنة في هذا الكتاب. أمَّا الآيات المدوَّنة هنا، فهي لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله. فإذا آمنتم نلتم باسمه الحياة” (يوحنا 20: 30-31). ينطبق هذه الهدف على الكتاب كلِّه.
فما حصل هو أن بعضاً من الكتابات اختير وجُمع وسُلِّم بعد ذلك إلى المؤمنين ليكون نسخة عن الرسالة الإلهية يجد اعتمادها. إن الرسالة إلهية وآتية من الله، بل إنها كلمته، لكن المؤمنة هي التي سلَّمت بصحة الكلمة التي قيلت وهي التي شهدت لحقيقتها. لذلك فإننا نؤكد الصفة المقدسة للكتاب بواسطة الإيمان. ولأن الكتاب أُلِّف ضمن الجماعة بهدف بنيانها، فلا نقدر أن نفصل الكنيسة عن الكتاب المقدس. فالكتاب والعهد متصلان اتصلاً وثيقاً، والعهد يفترض وجود شعب، ولذلك ائتُمن الشعب على كلمة الله (رو3: 2) في التدبير القديم. أمَّا في التدبير الجديد فائتُمنت كنيسة الكلمة المتجسد على رسالة الملكوت. فالكتاب هو حقاً كلمة الله، لكنه يستند إلى شهادة الكنيسة التي وضعت قانون الكتاب وثبتته.
على المرء ألاَّ يغفل الخلفية التبشيرية للعهد الجديد الذي تجسَّدت ودُوِّنت فيه “البشارة الرسولية” بهدفيها: بنيان المؤمنين وهدي العالم. إذن، العهد الجديد ليس كتاب الجماعة حصراً كما كان العهد القديم. فهو ما زال كتاباً تبشيرياً، لكنَّه يبقى مع ذلك في حمىً عن الغرباء. كان موقف ترتليان من الكتاب المقدس نموذجياً، لأنه لم يكن مستعداً للبحث مع الهراطقة على أسس كتابية في المواضيع الإيمانية التي لم يكونوا على اتفاق فيها. فالكتاب يخصّ الكنيسة، ولذلك كان احتكام الهراطقة إليه غير شرعي، إذ لا حقّ لهم في ملك غريب. هذه الحجَّة الرئيسة نجدها في مبحثه الشهير “معارضة الهراطقة” (De praescriptione haereticorum) حيث يؤكد أن غير المؤمن لا يحقّ له لمس الرسالة، لأنه لم “يستلمها”. فلا “رسالة” له في الكتاب المقدس.
لم يكن مصادفةً إعتبار منتخبات متعدَّدة ومدوَّنة في أوقات مختلفة وعلى يد مؤلفين عديدين كتاباً واحداً. فلفظة ta biblia بصيغة الجمع، في حين أن لفظة Bible (الكتاب) بصيغة المفرد. وهذا دليل على أن هذه الأسفار تؤلف كتاباً مقدساً واحداً، ذا موضوع رئيسي واحد ورسالة واحدة، بل تؤلف رواية العلاقات بين الله وشعبه المختار، ومدوَّناً يودر أفعال الله وعظائمه (Magnalia Dei).
فالله ابتدأ بالمسيرة، إذ هناك بداءة ونهاية تكون الهدف والغاية، أي هناك نقطة إنطلاق كامنة في كلام الله “في البدء” (تكوين 1: 1) ونهاية يشير إليها كلام الرؤيا الختامي: “تعالي أيها الرب يسوع” (رؤيا 22: 20). إذن، هناك قصة كاملة تبتدئ من سفر التكوير وتنتهي بسفر الرؤيا، وهذه القصة هي تاريخ، ومسيرة تتحرك بين هاتين النقطتين. ولهذه المسيرة إتجاه معيَّن. وهناك هدف أساسي ورجاء إكتمال سيتحقق في آخر الأزمنة. فهذه القصة ذات مراحل وكل مرحلة ترتبط بطرفي المسيرة ولها مكانة صحيحة وفريدة في القصة كلِّها. لذلك تُفهم كلّ مرحلة من السياق كلِّه والمنظور كلِّه.
كلَّم الله آباءنا “مرَّات كثيرة وبمختلف الوسائل” (عبر 1: 1) وكشف عن نفسه خلال العصور باستمرار قائداً شعبه من حقيقة إلى حقيقة. فهناك مراحل في إعلانه واستزادة (per incrementa). وهذا التنوع يجب ألا يُهمل أو يُغفل. ولكن يبقى الله في هذا الإعلان المتعدِّد الأنواع هو هو ورسالته السامية هي هي. فتماثل الرسالة هو الذي يعطي الكتابات المختلفة وحدتها الحقيقية، رغم تنوع أساليبها. لقد أُدرجت في الكتاب روايات مختلفة دون أن تُغيَّر، حتى أن الكنيسة عارضت كلّ المحاولات لاستبدال الأناجيل الأربعة بإنجيل واحد يؤلِّف بينها، أي عارضت تحويل “الأناجيل الأربعة” (Tetraevangelion) إلى “الإنجيل الرباعي” (Diatessaron)، رغم الصعوبات الناجمة عن “الاختلافات بين الإنجيليين” (التي تصارع معها المغبوط أوغسطين). والسبب هو أن الأناجيل الأربعة تثبّت وحدة الرسالة تثبيتاً تاماً، ربما بشكل أكثر تماسكاً من أي جامع يجمعها.
إن الكتاب المقدس سِفر عن الله، لكّن إله الكتاب ليس مخفيّاً (Deus absconditus) بل معلن (Deus revelatus) يكشف عن ذاته ويفعل في صميم الحياة الإنسانية. فما الكتاب مجرّد مدوَّن إنساني عن أعمال الله وأفعاله، بنوع من التدخل الإلهي نفسه. فالكتاب يحمل في طيّاته الرسالة الإلهية. وبما أن أعمال الله تؤلّف رسالة، فإننا لا نحتاج إلى تجاوز الزمان أو التاريخ حتى نلاقي الله. فهو يلاقي الإنسان في التاريخ، أي في العنصر الإنساني، في وسط وجود الإنسان اليومي.
فالتاريخ ينتسب إلى الله، والله يدخل التاريخ الإنساني. إن الكتاب المقدس في جوهره مرلَّف تاريخي يدوّن أعمال الله، من غير أن يكشف أسراره الأزلية، لأن هذه الأسرار لا تُدرك إلاّ عن طريق التاريخ: “ما من أحد رأى الله. الابن الأوحد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه” (يوحنا 1: 18). وأخبرنا عنه بدخوله التاريخ، أي بتجسده المقدّس. ولذلك يجب ألاّ نتخلّص من الإطار التاريخي للإعلان، لأننا لا نحتاج إلى تجريد الحقيقة المعلَنة لنا عن الإطار الذي حصلت فيه الإعلانات. فتجريد كهذا يلغي الحقيقة ذاتها التي ليست فكرة بل شخص هو الرب المتجسد.
ما يستوقفنا في الكتاب هو تلك العلاقة الخالصة بين الله والإنسان، فهي أُلفة العهد، أُلفة اختيار وتبنٍّ. وهي تبلغ أوجها في التجسد عندما “أرسل الله ابنه مولوداً لامرأة، مولوداً في حكم الشريعة” (غلاطية 4: 4). في الكتاب لا نرى الله وحده، إذ نرى الإنسان أيضاً. إنه إعلان الله، لكن ما أُعلن هو اهتمام الله بالإنسان. فالله يعلن للإنسان عن نفسه ويظهر له ويكلّمه، ويكشف له عن المعنى الخفي لوجوده وعن الهدف الأسمى لحياته. إننا نرى الله آتياً ليعلن عن نفسه ونرى الإنسان يلاقيه ويسمع صوته ويجيبه، أي إننا لا نسمع صوت الله فقط، بل صوت الإنسان مجيباً بكلام الصلاة والشكر والعبادة والرهبة والمحبة والحزن والنم والتهليل والأمل واليأس. ففي العهد شريكان، الله والإنسان، يجتمعان في سرّ اللقاء الإلهي – الإنساني الحقيقي، الموصوف والمدوَّن في قصة العهد، حتى إن الإجابة الإنسانية تندمج في سرّ كلمة الله.
في الكتاب حوار يشترك فيه الله والإنسان، لأنه ليس مونولوجاً إلهياً. فهما يتكلمان، ولكن تكون صلوات كاتب المزامير وتضرعاته، مع ذلك، “كلمة الله”. فالله يريد ويتوقع ويطلب هذا الجواب أو الاستجابة من الإنسان، لأنه يكشف له عن نفسه ويحاوره ويقيم العهد مع أبناء الناس، من دون أن تعرَّض هذه المودة والأُلفة تعالي الله للخطر. “فمسكنه نور لا يُقترب منه” (1 تيمو 6: 16). لكن هذا النور “حاء العالم لينير كلّ إنسان” (يوحنا 1: 9). هذا هو سرّ الإعلان و”غرابته”.
ولأن الإعلان تاريخ للعهد، فالإعلان المدوَّن -الكتاب المقدَّس- هو قبل كلّ شيء تاريخ. فالشريعة والأنبياء والمزامير والنبوءات أمور محوكة في النسيج التاريخي الحيّ. إن الإعلان الإلهي ليس مجموعة أقوال إلهية وحسب بل هو في الأساس بيان عن الأعمال الإلهية وممرّ لله إلى التاريخ. وهذا الإعلان بلغ أوْجَه عندما تجسَّد كلمة الله وتأنَّس. لكنَّ كتاب الإعلان مصنَّف عن المصير الإنساني أيضاً، لأنه يقص حوادث خلق الإنسان وسقوطه وخلاصه. وبما أن الكتاب يقصّ تاريخ الخلاص فالإنسان ينتمي عضوياً إلى هذه القصة، فيظهره لنا الكتاب في طاعته وثورته العنيدة وفي سقوطه ونهوضه. ويتلخَّص المصير الإنساني كلّه في مصير إسرائيل القديم والجديد الذي هو شعب الله المختار.
إن لحدث الاختيار أهميَّة بالغة، لأن شعباً قد اختير وفٌرز عن الأمم الأخرى وصار واحة مقدسة وسط الفوضى الإنسانية. فالله أقام عهده مع شعب واحد وأعطاه شريعته المقدسة. ومن هذا الشعب برز كهنوت حقيقي وإنْ كان كهنوتاً مؤقتاً، ومنه ظهر أنبياء حقيقيون نطقوا بكلمات ملهمَة من روح الله. فكان هذا الشعب مركزاً مقدَّساً وإن كان مركزاً خفيّاً للعالم كلّه، وواحة حبْتنا بها رحمة الله في عالم ساقط وخاطئ وضال وغير مخلَّص. كل هذه الأمور لا تشكِّل حرف الرسالة الكتابية، بل قلبها، فهي لم تكن عملاً بشرياً، بل أتت من الله. لكنها كانت “من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا”. إن الميزات التي أُعطيت لإسرائيل القديم خضعت لهدف أسمى وهو الخلاص الكوني “لأن الخلاص يجيء من اليهود” (يوحنا 4: 22).
كونيٌّ هدف الخلاص، لكنه يتمّ عن طريق الفرز والاختيار، عندما يُوجِد الله في وسط السقوط والدمار الإنسانيين واحة مقدَّسة. فالكنيسة أيضاً هي واحة مفروزة لكنها غير منفصلة عن العالم، لأنها ليست ملجأ وحمى فقط، بل حصن أماميّ وطليعة جيش الله.
في الكتاب المقدس هناك خط الأحداث الزمنية مركز أو نقطة حاسمة تكوِّن بداءة جديدة، لكنها لا تقسم المسيرة إلى مرحلتين، بل تزيدها تماسكاً واتحاداً، حتى إن التمييز بين العهدين ينتمي إلى وحدة الإعلان الكتابي. يجب أن نميِّز بين العهدين تمييزاً واضحاً دون أن نخلط بينهما، رغم ارتباطهما العضوي. وهذا الإرتباط لا يقوم فقط على كونهما منهجين، بل أساساً على شخص يسوع المسيح. إن يسوع المسيح ينتمي إلى العهدين كليهما. فهو يُتمّ التدبير القديم ويكمل “الشريعة والأنبياء” ويدشِّن العهد الجديد، وبالتالي يكمل العهدين، أي الكل. هو مركز الكتاب المقدس نفسه لأنه هو البدء (arche) والنهاية (to telos). هذه الوحدة السرِّية بين البدء والمركز والنهاية تعطي المسيرة الزمنية بشكل غير متوقَّع واقعيتها الأصيلة ومعناها التام، من دون أن تهدم الحقيقة الوجودية للزمن. فلا يوجد مجرَّد أحداث تعبر، بل وقائع ومآثر وأمور جديدة تبرز دوماً إلى الوجود: “ها أنا أجعل كلّ شيء جديداً” (رؤيا 21: 5).
في النهاية يجب أن نعتبر العهد القديم “كتاباً لميلاد يسوع المسيح، ابن داود، ابن إبراهيم” (متى 1: 1)، لأنه كان فترة وعود وانتظار وزمن عهود وتنبوءات. فلم يكن الأنبياء وحدهم الذين يتكلَّمون بالنبوءات، بل الأحداث. كان التاريخ كلّه نبوياً و”نموذجياً” وعلامة نبوية تشير إلى الاكتمال المستقبلي. أمَّا الآن فقد انتهت فترة الانتظار وتحقَّق الوعد وجاء الرب ليقيم مع شعبه إلى الأبد. انتهى تاريخ اللحم والدم وظهر تاريخ الروح: “وأمَّا بيسوع المسيح فوهبنا النعمة والحق” (يوحنا 1: 17). إنه إكمال للقديم وتحقيق له وليس هدماً. “إن العهد القديم يمتد إلى العهد الجديد” (Vetus Testamentum in Novo patet). والفعل “patet” يعني “أُعلن” و”أُكمل”.
وهكذا تبقى أسفار العبرانيين مقدَّسة حتى عند إسرائيل المسيح الجديد، ويجب ألاَّ نتخلَّى عنها أو نهملها، لأنها ما زالت تروي لنا قصة الخلاص وعظائم الله (Mangnalia)، وتشهد للمسيح. ولذلك يجب أن تُقرأ في الكنيسة ككتاب تاريخ مقدَّس، من دون أن تتحوّل إلى مجموعة من النصوص الإثباتية والشواهد أو المواقع اللاهوتية (Loci theologie) أو إلى كتاب أمثال وحِكَم. فالنبوءات تحققت والنعمة حلَّت محلّ الشريعة، لكن لم يزُل أيّ شيء، لأن “الماضي” في التاريخ المقدَّس لا يعني ما “انقضى” أو “زال”، بل أساساً ما أُنجز وأُكمل. “والإكمال” هو المقولة الأساسية في الإعلان الإلهي.
فكلّ ما تقدَّس يبقى مكرَّساً إلى الأبد وحاملاً ختم الروح القدس الذي ما زال ينفخ في الكلمات التي أوحى بها. وقد يصح أن نقول إن العهد القديم ليس أكثر من كتاب عندنا وعند الكنيسة، لأن الإنجيل أخذ مكان الشريعة والأنبياء. أمَّا العهد الجديد فهو أكثر من كتاب، لأننا ننتمي إليه، مؤلِّفين شعب الميثاق الجديد. ولذلك نحن نفهم الإعلان في العهد القديم ككلمة الله “ونشهد للروح الذي تكلَّم بواسطة الأنبياء”. لأن الله تكلَّم بواسطة ابنه في العهد الجديد، ونحن نُدعى لا لأن نسمع فقط، بل لأن ننظر إليه: “الذي رأيناه وسمعناه نبشِّركم به” (1 يوحنا 1: 3). فنحن نُدعى لأن نكون “في المسيح”.
إن ملء الإعلان الإلهي هو يسوع المسيح، والعهد الجديد هو تاريخٌ كالعهد القديم. فهو التاريخ الإنجيلي عن الكلمة المتجسد وبدء التاريخ الكنسي، وهو التنبؤ الإعلاني (apocalyptic) أيضاً. الإنجيل تاريخ والأحداث التاريخية هي أساس الإيمان ومصدره وقاعدة الرجاء المسيحي، لأن العهد الجديد يقوم على وقائع وأحداث وأعمال وليس على تعاليم ووصايا وكلمات فقط. منذ البدء، في يوم الخمسين، عندما شهد القديس بطرس، بصفته شاهد عيان، على أن ملء الخلاص قد تمَّ بالرب الناهض قائلاً: “ونحن كلُّنا شهود (martyres) على ذلك” (أعمال 2: 32)، كانت للبشارة الرسولية صفة تاريخية أكيدة. وعلى أساس هذا الشاهد التاريخي تقوم الكنيسة. إن للعقائد المسيحية بنية تاريخية أيضاً، لأنها ترجع دائماً إلى الأحداث والواقع التي تشكّل التاريخ المقدس. وفي سرّ المسيح “يحل ملء الألوهية كلّه حلولاً جسدياً” (كولوسي 2: 9).
هذا السرّ لا يُفهم على الصعيد الأرضي فقط، لأن له بعداً آخر، لكنَّ الحدود الأرضية لا تُلغى، بل تظهر بعض العوامل التاريخية بجلاء في صورة المسيح المقدسة. كان التبشير الرسولي دوماً سرداً لما حصل، هنا وفي هذه اللحظة (Hic et nunc)، وما حصل كان جديداً وجوهرياً، لأن “الكلمة صار بشراً” (يوحنا 1: 14). فالتجسد والقيامة والصعود هي أحداث تاريخية، لكنَّها لا تحمل معنى أحداث حياتنا اليومية نفسها ولا تكون على المستوى نفسه. لكنَّها لم تكن أقل تاريخية وواقعية، لأنها كانت تزخر بالواقعية أكثر من تلك. من الطبيعي ألا نستطيع تأكيدها إلاَّ عن طريق الإيمان. لكن هذا التأكيد لا يبعدها عن إطارها التاريخي.
فالإيمان يكتفي بالكشف عن بعد جديد ويفهمنا المعطى التاريخي في عمقه وحقيقته الكاملة. إن الإنجيليين والرسل لم يكونوا مؤرخين عاديين حتى حتى يوردوا كل أعمال يسوع وأفعاله يوماً فيوماً وسنة فسنة. إنهم دوَّنوا سيرة حياته وسردوا أعماله ليقدِّموا لنا صورته التاريخية والإلهية بوقت واحد. فهذه الصورة لم تكن صورةً لملامح جسده، بل أيقونة تاريخية للإله المتجسد. الإيمان لا يخلق قيماً جديدة، بل يكشف عن قِيَمٍ موجودة. إنه نوع من الرؤيا “وتصديق ما لا نراه” (عبرانيين 11: 1). (يفسِّر الذهبي الفم لفظة elenchos “التصديق” أو “الإيقان” مثلما يفسِّر لفظة opsis “وجه”). فما “لا يُرى” لا يقلّ واقعية عمّا “يُرى” ولعلّه أكثر واقعية. “لا يقدر أحد أن يقول إن يسوع رب إلاّ بإلهام من الروح القدس” (1 كور 12: 3). أي إننا لا نقدر أن نستوعب عمق المعاني الإنجيلية إلا عن طريق الخبرة الروحية. وما يكشفه الإيمان يُعطى بحقّ.
ولأن الأناجيل كُتبت في الكنيسة فهي شهادة الكنيسة ومدوّنات خبرتها وإيمانها، كما أنها سرد لأحداث تاريخية وشهادة لوقائع حدثت فعلاً في مكان معيَّن وزمن محدَّد. وإذا كنَّا نكتشف “بالإيمان” أكثر ممّا نكتشف “بالحواس” فهذا دليل واضح على عدم كفاية الحواس في معرفة الأمور الروحية، خصوصاً أن ما حدث كان عملاً جبَّاراً قام به إلهنا المنقذ، وتدخلاً إلهياً في مجرى الأحداث التاريخية. لكن يجب ألاَّ نفصل بين “الحدث” و”معناه” لأنهما يقدِّمان لنا الحقيقة.
بما أن الكنيسة تحفظ الإعلان فهي تفسِّره تفسيراً صحيحاً. ولا شك أن الإعلان يُصان بالكلمات المدوَّنة، لكنَّ هذه الكلمات لا تستنفد الإعلان كله، لأن الكلمات البشرية ليست سوى علامات ومدلولات لا تحييها إلاَّ شهادة الروح. إننا لا نعني بهذا إنارة الروح القدس لعدد من البشر في وقت معيَّن، بل العون الدائم الذي يهبه الروح القدس لكنيسة الله، “عمود الحق ودعامته” (1 تيمو 3: 15). يحتاج الكتاب المقدس إلى تفسير وشرح، لأن الشيء الجوهري هو رسالة الكتاب لا كلامه. هنا يقوم عمل الكنيسة التي أقامها الله لتشهد دائماً للحقيقة المطلقة وللمعنى الكامل للرسالة، لأنها تنتمي إلى الإعلان بكونها جسد الرب المتأنس. بل إن نشر الإنجيل والتبشير بكلمة الله ينتميان كلاهما إلى جوهر (esse) الكنيسة التي تعتصم بشهادتها. وما هذه الشهادة رجوعاً إلى الماضي أو تذكراً لأحداث غابرة وحسب، بل كشف مستمر عن الرسالة المعلنة إلى القديسين والمصونة بالإيمان.
فالرسالة تتحقَّق من جديد في حياة الكنيسة حيث يكون المسيح حاضراً كمخلِّص وكرأس لجسده، مكملاً عمله الخلاصي فيها. ولذلك، لا يُعلن الخلاص في الكنيسة فقط، بل يتحقَّق فيها، لأن التاريخ المقدس ما زال مستمراً وعظائم الله باقية. هذه العظائم (magnalia Dei) لا تقتصر على الماضي، بل يستمر حضورها ووجودها في الكنيسة وبواسطتها في العالم. الكنيسة جزء لا يتجزأ من رسالة العهد الجديد وهي قسم من الإعلان الإلهي وقصة “المسيح التام” (“المسيح التام، رأس وجسد”، totus Christus caput et corpus على حد تعبير أوغسطين) والروح القدس. لكنَّ نهاية (telos) الخلاص لم تبرز إلى حيِّز الوجود بعد. إن خبرة الكنيسة وحدها تُبقي العهد الجديد حيّاً، لأن تاريخ الكنيسة هو قبل كل شيء تاريخ الخلاص. ولذلك تُعلَن وتُثَبَّت حقيقة الكتاب بنمو الجسد الذي هو الكنيسة.
تاريخ ومنهج: يجب أن نقبل مباشرة كون الكتاب المقدس صعباً ومختوماً بسبعة أختام. وكلَّما مرَّ الزمان أصبح أكثر صعوبة. ولكنَّ صعوبته لا ترجع إلى أنه مدوَّن “بلغة مجهولة” أو إلى احتوائه “كلمات سرِّية لا يُسمح لنا بتلاوتها”. فبساطته التامة هي حجر عثار لنا، لأن أسرار الله موضوعة في قوالب الحياة اليومية عند الإنسان العادي، حتى إن التاريخ كلّه يظهر بشرياً مثلما كان الرب المتجسد.
الكتاب “موحى به” من الله، فهو كلمته. لكنَّ بحث ماهية الوحي بدقة أمر مستحيل، لأنه محاط بسر، بسر مواجهة الله للإنسان. إننا لا نستطيع أن نفهم الطريقة التي سمع بها “قديسو الله” كلمة سيدهن، ولا كيفية تعبيرهم اللغوي عمَّا أوحى به الله إليهم. وحتى في عملية تعبيرهم الإنسان كان صوت الله معهم. هذه هي معجزة الكتاب وأسراريته: إنه ظهور كلمة الله مدوَّنة في لغة بشرية. ومهما كانت الطريقة التي نفهم بها الوحي الإلهي فعلينا ألاَّ تغفل عاملاً أساسياً وهو أن الكتاب ينقل إلينا كلمة الله في لغة بشرية.
فالله كلَّم الإنسان بالفعل، وهذا يفترض وجود من يسمع الكلمة ويعيها. ولذلك ترتبط “التشبيهية” (anthropomorphism خلع الصفات الإنسانية على الله) بهذا الأمر، لأنه لا مجال هنا لانزلاق نحو الضعف البشري، لأن اللسان البشري لا يفقد خصائصه الطبيعية عندما يصير عربة للإعلان الإلهي. فإذا ما أردنا أن تكون كلمة الله مدوِّية، فلساننا يجب أن يبقى لساناً بشرياً. إن الإلهام الإلهي لا يمحو العنصر البشري، بل يغيِّر وجهه فقط. فكل “ما يفوق الطبيعة” لا يهدم “ما هو طبيعي”: “ما هو فوق الطبيعة” (hyper physin) لا يعني “ما هو بخلاف الطبيعة” (para physin). واللغة الإنسانية لا تخون الإعلان الإلهي ولا تقلِّل من شأنه أو تقيِّد قوة كلمة الله. وما دام الإنسان مخلوقاً على صورة الله ومثاله فهو يقدر أن يعبِّر عن كلمة الله بكلماته البشرية بشكل كافٍ وصحيح، لأن كلمة الله لا تخفت عندما ينطق بها لسان بشري. أمَّا قبول الله مخاطبة الإنسان فقد أكسب الكلمة البشرية قوة وعمقاً جديدين، وأعطاها شكلاً مختلفاً.
وعندما ينفخ الروح في نظام اللغة البشرية يقدر الإنسان أن ينطق بكلام الله وأن يتحدَّث عن العلي، أي يكون “اللاهوت” ممكناً. فاللاهوت (Theologia) هو كلام على الله (Logos peri Theou). وهو ممكن من خلال الإعلان الإلهي فقط. إنه استجابة بشرية لما تكلَّم به الله أولاً، وشهادة إنسانية لله الذي كلَّمه ولمن سمع كلمته وحفظها. وهو يدوِّنها ويردِّدها الآن. تبقى طبعاً هذه الاستجابة غير كاملة، لأن اللاهوت يتكوَّن باستمرار. لكنَّ منطلقه يبقى هو هو: كلمة الله والإعلان. يرجع اللاهوت دائماً إلى الإعلان الإلهي ويشهد له بطرق متعدِّدة: بقوانين الإيمان والعقائد والطقوس والرموز الكنسية. فالكتاب هو بمعنى من المعاني كلمة الله والاستجابة الإنسانية بآن واحد، أي كلمة الله المعبَّر عنها من خلال استجابة الإنسان الإيمانية. لذلك نعثر دائماً على تفاسير بشرية في العرض الكتابي لكلمة الله، لأن هذا العرض يتأثر دوماً بالظروف التي يتكوَّن فيها. فهل يقدر الإنسان أن يفلت من وضعه البشري؟
لخصت الكنيسة رسالة الكتاب المقدس في دساتير إيمانها وفي طرق أخرى، فأصبح الإيمان المسيحي منهجاً من القناعات والاعتقادات. وفي منهج كهذا تتضح البنية الداخلية للرسالة الأساسية وتظهر كلّ البنود الإيمانية في علاقاتها المتبادلة. إننا نحتاج إلى منهج للإيمان مثلما نحتاج إلى خارطة في أسفارنا، ونحتاج إلى ربط المنهج العقيدي بالإعلان الإلهي مثلما ترشدنا الخارطة إلى أرض واقعية. ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن الكنيسة لم تفكِّر يوماً في أن منهجها العقيدي يقدر أن يحلّ محلّ الكتاب المقدس. بل آمنت أنه يجب حفظهما جنباً إلى جنب. إذن، عندنا من جهة عرض عام للرسالة الأساسية في إطار منهجي أو في دستور إيماني، وعندنا من جهة أخرى كلّ المراجع الخاصة التي تشير إلى مراحل معيَّنة من مراحل الإعلان. يمكن القول إنه لدينا المنهج والتاريخ.
هنا تظهر لنا مشكلة مُهمة وهي إلى أي مدى نقدر أن نضع التاريخ في قالب منهجي؟ وكيف نستخدم الكتاب المقدس إستخداماً لاهوتياً؟ وكيف نستخدم الشواهد المتعدِّدة التي تغطي مئات السني لرسم شكل واحد؟ يجب أن نتذكر دائماً أن الكتاب المقدس واحد، رغم كونه مجموعة من الأسفار. فحلّ هذه المشكلة يعتمد على فهمنا للتاريخ ورؤيتنا للزمن. والحلّ الأسهل هو محاولة إغفال تعددية الأزمنة وتجاوز الحقبة الزمنية التي وقعت فيها العملية كلّها. هذه التجربة واجهت المسيحية منذ زمن مبكر. فإننا نجدها متأصلة في جذور التفاسير الاستعارية منذ أيام فيلون الإسكندري وبرنابا المنحول (Pseudo-Barnabas) إلى أيام ما بعد الإصلاح البروتستانتي، عند إحياء النزعات الاستعارية.
كما واجهت هذه التجربة جميع الصوفيين. لقد نظروا إلى الكتاب كمجموعة من الأمثال المقدَّسة المدوَّنة بأسلوب رمزي خاص. لذلك كانت مهمة التفسير الكشف عن المعاني الخفية والإفصاح عن الكلمة الإلهية التي عُبِّر عنها بأساليب متعدِّدة وأُخفيت تحت حجب مختلفة. أمّا الحقيقة التاريخية والمنظور التاريخي فلا صلة لهما بالأمر. كما أن الملموسية التاريخية عندهم هي إطار تصويري أو خيال شعري، لأن ما يهمَّهم هو المعنى الأبدي. هذه النظرة تحوِّل الكتاب المقدس إلى مصنَّف لأمثال بنَّاءة ورموز عظيمة تشير إلى الحقيقة الأبدية. أوَليست حقيقة الله هي هي على الدوام وإلى الأبد؟ في هذه الحال يكون البحث في العهد القديم عن شواهد لكل المعتقدات المسيحية البارزة أمراً طبيعياً. فيذوب بذلك كلّ عهد في الآخر وتنطمس ميزاته الخاصة. إن عيوب المنهج التفسيري ومخاطرة ظاهرة بوضوح، لذلك لا تتطلَّب دحضاً مطوَّلاً. أمَّا علاجه فهو تصحيح النظرة التاريخية. فالكتاب تاريخ وليس منهجاً إيمانياً ويجب ألاّ يُستعمل “كخلاصة لاهوتية” (Summa Theologiae).
كما أن ليس تاريخ الإيمان البشري، بل تاريخ الإعلان الإلهي. لكن المشكلة الأساسية تبقى من غير حلّ وهي: لماذا نحتاج إلى تاريخ ومنهج؟ ولأي سبب حفظتهما الكنيسة معاً؟ هنا أيضاً الجواب الأسهل هو الأقل إرضاء. وهو أن نزعم بأن الكتاب المقدَّس هو النص الأوحد الذي يعوَّل عليه بالنسبة للإعلان وبأن كلّ ما تبقَّى هو تفسير له فقط علماً أنه لا يمكن أن يكون للتفسير السلطان الذي للنص الأصلي.
هناك شيء من الحقيقة في هذا الكلام. لكنَّ الصعوبة الحقيقية التي نواجهها هي: لماذا تبطل المراحل الحديثة في الإعلان المراحل القديمة؟ وهل نحتاج في عهد المسيح إلى الشريعة والأنبياء؟ وهل تظلّ تحتفظ بالسلطان الذي تتمتَّع به الأناجيل وكتابات العهد الجديد الأخرى؟ إنها ما زالت فصولاً أساسية في الكتاب الواحد كما كانت سابقاً، لأنها لم تُدرج في قانون الكتاب المقدَّس كوثائق تاريخية فقط، أو كأسفار تتعلَّق بمراحل تاريخية عابرة. وهذا الشيء يصحّ في العهد القديم خاصة: “فإلى أن جاء يوحنا كان هناك نبوءات الأنبياء وشريعة موسى” (متى 11: 13). إذن، لماذا نحتفظ بالشريعة والأنبياء؟ وما هو الاستخدام الصحيح للعهد القديم في كنيسة المسيح؟
أولاً يجب أن نستخدمه استخداماً تاريخياً إلاَّ أن هذا التاريخ مقدَّس، لأنه ليس تاريخ قناعات بشرية وتطوراتها، بل تاريخ أعمال الله وعظائمه. فأعمال الله هذه ليست تدخلاً إليهاً وعشوائياً في الحياة البشرية، بل أعمال متكاملة قادت الشعب المختار إلى هدف الله السامي، أي إلى المسيح. لذلك نرى الأحداث الأولى تنعكس على الأحداث اللاحقة، لأن هناك استمراراً في العمل الإلهي ووحدة في الهدف والقصد. هذا الاستمرار هو أساس المنهج التفسيري الذي يرتكز على دراسة رموز الكتاب (Typology). فالمصطلحات الآبائية كانت وفيرة في هذا المنهج التفسيري.
لكن يبقى التمييز بين منهجين تفسيريين واضحاً، لأن الاستعارة (allegory) منهج تفسيري أيضاً. فيه يسعى المفسِّر إلى البحث في النصوص والمقاطع والجمل وحتى الكلمات ليتوصل إلى المعنى الخفي الذي يوجد فيها، “وراء الحرف”. أمَّا في منهج “دراسة الرموز” فيسعى إلى شرح الأحداث وتفسيرها دون شرح النص نفسه. ولذلك ما كانت منهجاً فيلولوجياً فقط، بل كانت منهجاً تاريخياً يهدف إلى إبراز التوافق الضمني بين الأحداث في العهدين، الذي يجب كشفه وتثبيته وتقويمه. إن المفسِّر “الرمزي” لا يسعى إلى بحث الأمور المتشابهة، لأننا لا نجد لكلّ أحداث العهد القديم “ما يُشبهها” في العهد الجديد، مع أن بعض الأحداث الأساسية في التدبير القديم كانت صوراً ورموزاً أو “نماذج” لأحداث أساسية في العهد الجديد. وكانت نتيجة قصد إلهي لأنها تشير إلى مراحل التدبير الخلاصي الواحد.
مارس بولس الرسول نوعاً من هذا التفسير حين قال في غلاطية (4: 24): “في ذلك رمز” (estin allegoroumena Hatina). هناك غاية واحدة إلهية وراء أفعال الله وقد أُعلنت كلّها في يسوع المسيح. يقول أوغسطين في هذا الصدد: “يجب أن نفتِّش عن السرّ في الفعل نفسه، وليس في الكلمة فقط” (In ipso facto non solum in dicto, mysterium requirere debemus) (العظة 6، 2 في المزمور 68). كان المسيح “سرّ” العهد القديم، لا لأن موسى والأنبياء “تحدَّثوا” عنه فقط، بل لأن مجرى التاريخ المقدس كلّه يتجِّه إليه. وبهذا المعنى كان تتمَّة لكل النبوءات. ولذلك لا نقدر أن نفهم العهد القديم بدقّة أو أن نكشف عن “أسراره” إلاَّ على ضوء المسيح، وقد كُشفت فعلاً بمجيء “المنتظر”.
فالمعنى النبوي الحقيقي للنبوءات لا يُرى بوضوح إلاّ بعد أن تتحقق، لأن النبوءة التي لم تتحقق تظل مبهمة وغامضة (كما هو الحال في سفر الرؤيا الذي تشير نبوءاته إلى ما سيأتي “في النهاية”). هذا لا يعني إضافة معنى جديد إلى النص القديم، فالمعنى موجود فيه، لكننا لا نراه بوضوح. فمثلاً، عندما نماثل في الكنيسة الخادم المتألم في سفر أشعيا بالمسيح المصلوب، فإننا لا “نطبِّق” رؤية من رؤى العهد القديم على حدث من أحداث العهد الجديد، إنما نوضح معناها الذي لم يكن ممكناً أن يُفهم بوضوح قبل المسيح. فالذي كان أولاً رؤية (أي “توقّعاً أو حدساً”) أصبح الآن واقعاً تاريخياً.
نقطة أخرى مهمة وهي أن “الصوَر” في نظر المشتغل بتفسير الاستعارات ليست سوى انعكاسات للنموذج الأصلي الموجود سابقاً أو وصف “لحقيقة” أزلية مجرَّدة، أي أنها تدلّ على ما يفوق الزمان. أمَّا دراسة الرموز فتتجه إلى المستقبل، لأن “الرموز” توقعات وتصورات مسبقة لأمور ستحدث في المستقبل. لذلك، كانت دراسة الرموز منهجاً تاريخياً أكثر منها منهجاً فيلولوجياً، لأنها تفترض وجود حقيقة تاريخية موجَّهة من الله وترتبط بفكرة العهد. فيرتبط الماضي والحاضر والمستقبل بالهدف الإلهي الأوحد الذي هو المسيح.
لدراسة الرموز إذن معنى خريستولوجي (أي ذو صلة بالكنيسة أيضاً كونها جسد المسيح وعروسه). لكن من حيث التطبيق لم يُحفظ التوازن الحقيقي بشكل دقيق. فحتى في الاستخدام الآبائي أٌفسدت دراسة الرموز كثيراً بانحرافات استعارية وإضافات خارجية خاصة بالعبادة والوعظ. والمهم أنه في تقليد الكنيسة الأولى التعليمي الذي يرتبط بإقامة الأسرار حٌفظ هذا التوازن الأسراري. هذا هو تقليد الكنيسة، أمَّا الانحرافات فنعزوها إلى فضول العلماء الشخصية وتخيُّلاتهم. لقد وعت الكنيسة الأمور تاريخياً، ولذلك قُرئ الكتاب المقدَّس دائماً في الكنائس مع عرض العقيدة (أي المنهج) لكي يذكِّر المؤمنين بالأسس التاريخية لإيمانهم ورجائهم.
يعتقد أوغسطين أن الأنبياء تكلَّموا على الكنيسة بشكل أوضح من كلامهم عن المسيح أي ماسّيا (في المزمور 30، 2 و ennaratio 2، مجموعة الآباء اللاتين مين 36، 244). كان هذا بمعنى من المعاني أمراً طبيعياً، لأم الكنيسة كانت موجودة بادئ ذي بدء. فإسرائيل، شعب الله المختار وشعب الميثاق، كان كنيسة أكثر منه أمَّة “كالأمم” الأخرى. في الكتاب -وفيما بعد- استعملت اللفظتان ta ethne وgentes (الأمم) لتصفا الأمميين أو الوثنيين، بخلاف الشعب الواحد (أو الأمة) الذي كان أيضاً وأساساً كنيسة الله. إن الشريعة أُعطيت لإسرائيل بوصفه كنيسة كي تشمل الحياة “الروحية” “والزمنية” للشعب، لأن الوصايا الإلهية تضبط الوجود الإنساني كله وتنظِّمه.
وبذلك يكون تقسيم الحياة بين ما هو “روحي” وما هو “زمني” تقسيماً لا أساس له. كان إسرائيل جماعة مؤمنين أقامها الله، متَّحدة بالشريعة الإلهية والإيمان الحقيقي والطقوس المقدسة والسلطة الكهنوتية. هنا نجد كلّ عناصر التحديد التقليدي للكنيسة. لكنَّ التدبير القديم وجد كماله في التدبير الجديد، عندما أقام الله عهداً جديداً ورفض إسرائيل القديم لقلة إيمانه. وهذا ما جعله يخسر يوم الرب أو يوم الافتقاد. وأتت كنيسة المسيح لتكون الاستمرار الحقيقي الأوحد للعهد الذي أقامه الله قديماً. (فلنتذكر أن لفظتي “الكنيسة” و”المسيح” هما من أصل عبري. “الكنيسة” هي qahal و”المسيح” يعني Messiah). فهي إسرائيل الحقيقي بحسب الروح (Kata Pneuma).
وبهذا المعنى رفض القديس يوستينوس رفضاً قاطعاً الفكرة التي تقول إن العهد القديم هو صلة الوصل بين الكنيسة والمجمع اليهودي. فالعكس هو الصحيح في نظره، ولذلك يجب أن نرفض الإدِّعاءات اليهودية من أساسها، لأن عدم إيمانهم بيسوع المسيح جعل العهد القديم لا ينتمي إليهم، وجعله ملك الكنيسة وحدها. فلا يحق لأي شخص بعد أن يدَّعي الانتماء إلى موسى أو الأنبياء، إذا لم يكن أولاً مع يسوع المسيح. فالكنيسة هي إسرائيل الجديد والوارث الأوحد للوعود القديمة. في هذا الكلام العنيف الذي صرَّح به هذا المدافع المسيحي القديم نجد مبدأً تفسيرياً ذا أهمية بالغة وهو أننا يجب أن نقرأ العهد القديم ونفسِّره بكونه كتاب الكنيسة وربما يجب أن نضيف إلى هذا فنقول أنه كتاب عن الكنيسة.
اتُّخذ الحق بدلاً من الشريعة، لأنها وجدت فيه كمالها. ولهذا أٌبطلت الشريعة ولم يبقَ حفظها واجباً على المهتدين حديثاً. فإسرائيل الجديد كان له دستوره الخاص. وصار هذا الجزء من العهد القديم وكأنه مهجور، لأنه يرتبط أساساً بالوضع التاريخي -لكن لا بمعنى النسبية التاريخية العامة، بمقدار ما هو بمعنى التدخل الإلهي والعناية الإلهية. فالرب أوجد الوضع الافتدائي الجديد ودشَّنه، فهو أوْجَدَ وضعاً جديداً في المنظور المقدّس للخلاص. كلّ ما انتمى إلى الحالة السابقة فَقَدَ معناه، وإذا ما احتفظ بهذا المعنى فكسابق تصوّر فقط.
حتى إننا لا نستثني الوصايا العشر من هذه القاعدة لأن “الوصية الجديدة” قد نسختها. والآن يجب أن نستخدم العهد القديم من خلال علاقته بالكنيسة فقط. ففي التبرير القديم اقتصرت الكنيسة على أمَّة واحدة. أمَّا في التدبير الجديد فأُبطلت الفوارق القومية وزال التفريق بين اليوناني واليهودي وصار الجميع واحداً في المسيح الواحد. وبكلام آخر، لا يجوز أن نُبعد بعض أجزاء العهد القديم التي تتعلَّق بحياة الكنيسة، ولكن لا يحق لنا في الوقت ذاته أن نجعل منها نماذج كتابية لحياة الشعوب الزمنية.
فإسرائيل القديم كان كنيسة مؤقتة، لكنه لم يكن نموذجاً للأمم. طبعاً، إننا نقدر أن نتعلَّم الشيء الكثير من الكتاب المقدس عن العدالة الاجتماعية التي كانت جزءاً من رسالة الملكوت الآتي، وعن التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي عند اليهود عبر العصور. وقد تكون هذه الأمور عوناً لنا في مناقشاتنا الاجتماعية. لكن لا يجوز أن نجد في الكتاب المقدس وخاصة العهد القديم نموذجاً مثالياً ودائماً للتنظيم السياسي والاقتصادي في عصرنا هذا أو في أي عصر آخر. ولعلَّنا نتعلَّم أموراً كثيرة من التاريخ العبري، لكنها تبقى درساً تاريخياً، وليس درساً لاهوتياً، لأن الكتاب ليس مرجعاً للعلم الاجتماعي أو العلم الفلكي. فالدرس الاجتماعي الأوحد الذي نأخذه منه هو حقيقة الكنيسة التي هي جسد المسيح. لذلك لن نقول إن الاستناد إلى الكتاب في الأمور “الدنيوية” هو “شاهد كتابيّ”، لأن “الشواهد الكتابية” هي في الأمور اللاهوتية فقط.
هذا لا يعني عدم وجود توجيهات وإرشادات في الكتاب، لأن بحثاً من هذا النوع لا يمكن أن يُعتبر “استعمالاً لاهوتياً للكتاب المقدس. ولعلَّ أمثولات التاريخي العبري القديم لا تفوق أمثولات الشعوب الأخرى. إذن، يجب أن نميِّز بكثير من الانتباه، الوقتي (المرتبط بحالة معيَّنة) عن الدائم في الميثاق القديم (وعلينا قبل كل شيء أن نتجاوز حدوده القومية)، وإلاَّ فإننا نقع في خطر إغفال ما هو جديد في الميثاق الجديد. وعلينا في العهد الجديد أن نميِّز بوضوح الوجهين التاريخي والنبوي، لأن موضوع الكتاب الرئيسي هو المسيح وكنيسته، وليس الأمم والمجتمعات ولا السماء والأرض.
كان إسرائيل القديم رمزاً للجديد الذي هو الكنيسة الجامعة، وليس رمزاً لأي أمة معيَّنة. فشمولية الخلاص ألغت الإطار القومي لكنيسة العهد القديم. وصارت هناك بعد المسيح “أمة” واحدة، الأمة المسيحية (genus christianum) – وبتعبير قديم “أمة ثالثة” (tertium genus) – أي الكنيسة شعب الله الأوحد. وكل وصف قومي آخر لن يجد ضمانة كتابية له. فالفروقات القومية تنتمي إلى نظام الطبيعة، لكنه لا تتعلق بنظام النعمة.
الكتاب المقدس كامل وتام، لكنَّ التاريخ المقدس لم يكتمل بعد. فقانون الكتاب يحوي سفر الرؤيا النبوي، وهذا دليل على أن هناك ملكوتاً سيأتي واكتمالاً سيتحقَّق. ففي العهد الجديد إذاً نبوءات، كما في العهد القديم، بل إن كيان الكنيسة كلَّه نبوي بمعنى من المعاني، لكنَّ للمستقبل معنى مختلفاً “بعد مولد المسيح” (post Christum natum). إن التوتر بين الحاضر والمستقبل يأخذ في كنيسة المسيح معنى وصفة غير اللذين اتخذهما في التدبير القديم لأن المسيح لا ينتمي إلى المستقبل فقط، بل إلى الماضي أيضاً وبالتالي إلى الحاضر. هذا المنظور الانقضائي له أهمية بالغة لفهم الكتاب بشكل صحيح. بل يجب أن نفحص كل “مبادئ” التفسير و”قوانيه” من خلا هذا المنظور. لكن علينا أن نتجنَّب خطرين كبيرين:
أولاً: إننا لا نقدر أن نقول بوجود تشابه دقيق بين العهدين، لأن “الوضع الميثاقي” الجديد يختلف جذرياً عن القديم، فصلة الواحد بالآخر كصلة “الصورة” بـ “الحقيقة”. والفكرة التي تسود الشرح الكتابي عند الآباء تدول حول كون كلمة الله تكشف عن نفسها باستمرار وبمختلف الوسائل في العهد القديم بمجمله. لكن يجب ألاَّ نضع هذه الظهورات الإلهية (theophanies) على مستوى تجسد الكلمة وحجمه، خوفاً من أن يتحوَّل حدث الخلاص العظيم إلى ظل استعاري. “فالرمز” ليس سوى “ظل” أو صورة. ففي العهد الجديد نجد الفعل نفسه، لأنه أكثر من “صورة” عن الملكوت الآتي. فهو في جوهره حقل للإنجازات الإلهية.
ثانياً: من السابق لأوانه أن نتحدَّث عن “الانقضائية المحقَّقة” (realized eschatology). فالانقضاء (eschaton) لم يأت بعد والتاريخ المقدَّس لم ينته إلى الآن. لذلك نفضِّل عبارة “الانقضائية المدشَّنة” (inaugurated eschatology)، لأنها تصف بكل دقة تحليل الكتاب المقدس، ألا وهو أن الحدث الحاسم في الإعلان الإلهي وقع في الماضي. “الحاسم” (أو “الجديد”) قد دخل التاريخ، وإن كانت المرحلة الأخيرة لم تحدث. في العهد الجديد ما عدنا في عالم الرموز، بل في عالم الحقيقة، ولكن تحت علامة الصليب. الملكوت دُشِّن، لكنه لم يتحقق كلياً. إن قانون الكتاب الثابت نفسه يرمز إلى إنجاز. فالكتاب المقدس أُغلق، لأن كلمة الله تجسَّد، وأصبح مرجعنا شخصاً حيّاً وليس كتاباً. مع هذا يحتفظ الكتاب المقدس بسلطانه ليس فقط كمصنَّف عن الأحداث الماضية، بل كمؤلف نبوي مليء بالإشارات إلى المستقبل والنهاية.
ما زال تاريخ الفداء مستمراً حتى يومنا الحاضر، لأنه تاريخ الكنيسة التي هي جسد المسيح. والروح-المعزِّي يقيم فيها دائماً. لكننا لا نقدر أن نجد منهجاً كاملاً للإيمان المسيحي، لأن الكنيسة مازالت في محجتها. أمَّا الكتاب فقد احتفظت به الكنيسة كمصنَّف تاريخي يذكِّر المؤمنين بطبيعة الإعلان الإلهي الفاعل “مرَّات كثيرة وبمختلف الوسائل” (عبر 1: 1).
الزمن يدور بسرعة والنهاية تقترب. فالمسيحي غير المطلع على العلوم الخارجية والعلوم اللاهوتية, والذي يكتفي بإيمان تطبيقي, لا يتأمل حقيقته الإيمانية, عند أول مناقضة لإيمانه يحتار ويخاف, ويبدأ يغرق كبطرس, حيث لا مجال للغرق. هذه هي المشكلة. إن هناك عقلية غير عقليتنا تطرح الأمور خلاف ما نطرحها نحن, فيجب مجابهتها.
الأرشمندريت أندريه سكريما.
تقليل شديد من مكانة الكتاب المقدس وقصور في فهم هدفه ومُبتغاه عندما نربطه بالعلم، فالعلم والكتاب المقدس ميدانان متوازيان لا يتلاقيان ابدًا، بل هم دائمًا في مكانتين حيث لا تعارض ولا تلاقي. هذا وأن العلم لا يستطيع مناقضة الكتاب, لأن حقيقة الكتاب تجري على صعيد آخر غير ميدان الحقيقة العلمية. ينبغي الإشارة هنا إلى خطأ بعض المسيحيين الذين لا يريدون مقابلة الكتاب بالعلم.
إن العلم إنما هو للكون المنظور وما هو قابل للإثبات, أما الكتاب فهو للحقيقة الروحية, لسرّ الخلاص حيث لا مكان للعلم، إذ يفقد الأرض الخصبة التي يستطيع أن يعمل عليها، وهي ملاحظة المادة.
فالبحث عن إعجاز او خطأ علمي في الكتاب المقدس هو عبث محض، مثله مثل من يبحث عن إعجاز علمي في عمل أدبي لأديب مُعاصر كنجيب محفوظ، أو من يبحث عن خطأ علمي عند شاعر معاصر وعارف بالعلوم كالأبنودي، وحتى هذا وذاك رغم أنهم عارفين بعلوم العصر إلا أنه بإخضاع أعمالهم لميزان العلم فسيسقطون كصخرة في ماء، لأن لمثل هذه الأعمال المناخ المُناسب لإختبارها، وللعلم مجال.
لكلٍ منهم إتجاه مُغاير وميدان خاص به لا يمكن أن يخضع لإختبارات ميدان آخر ويصمد، لأن الأديب لم يستهدف من البداية أن يتوافق مع العلم، بل رُبما على العكس، قد أراد أن يتعدى حدود الواقع والمُستقر بين الناس، وذاك في ميدان الأدب يحسب له من حسن البلاغة والتصوير. ولذلك عندما نقيس النص، يجب أن نختار بدقة المعايير التي يُمكن بها قياس ذلك النص بحسب الهدف الذي كُتِب لأجله، فلا يُمكن أن نختبر قدرات طيار في سباق للعجل! أو أن نُقارن بين سعة البحر وشموخ برج إيفل!
يحدث هذا الخلط عادة عندما يحاول خادم الكلمة أن يُقدم فكره الخاص ليضيفه للنص الكتابي، ولا يمكن حدوث هذا الخلط العلم-ديني إلا إذا بصم الخادم فكره الخاص علي ما يُريد أن يقوله النص، فيحوله من رسالة للخلاص، وإعلان عن علاقة صميمية بين الله والإنسان، إلي نص دوّنه الله بهدف إيصال معلومات علمية وتاريخية دقيقة للإنسان، وكأن هذا جزء من هدف النص وهو في الواقع إنحراف تام عن مقاصد النص وعن طبيعته وعن معنى وجوهر الوحي المسيحي.
إذا نزعنا عن الكتاب معناه الأساسي، أي جوهر رسالته، وهو الحوار بين الله والإنسان في تاريخ الخلاص.. وما إلي ذلك، وشرحناه بمعانٍ بشرية علمية كانت أو تاريخية محضة أو فلسفية بحتة، مُعتمدين فقط علي ما يُمليه الفكر البشري المُجرد، فإننا نكون قد بترناه عن أصله الإلهي وأبتعدنا عن حقيقته الكلية والهدف الذي وجِدَّ لأجله.
في الحقيقة أن آفة المسيحيين العرب هي إختلاط الثقافات، حيث تداخل مفهوم الوحي المسيحي بالوحي في الثقافة السائدة الذي يعني أنه عمل إلهي محض، ومُنزل من السماء ومعصوم حرفيًا، وعليه، فقد تورطنا في شبكة أُخري حيث ان أصله إلهي محض [وليس شركة بين الإنسان والله كالوحي المسيحي] فيجب أن الله لم يخطئ في توصيل رسائل علمية وتاريخية عجز عنها جميع العلماء والمؤرخين!
ويجب أن نُشير أن مشكلة الخلط بين الكتاب المُقدس والعلم، وتصدير هذا الخلط -الناتج عن سوء تفسير- على أنه تصادم بين الأثنين، هي مشكلة حديثة نسبيًا، قديمًا كان وقت اعتبر فيه كل ما جاء في الكتاب حقيقة كلية دون أي مجال للبحث؛ فالكتاب كله معًا وكل ما جاء فيه له قيمة مطلقة. إن اهتزاز ذنب كلب طوبيا كان له قيمة روحية! والتوصية بالخمر لمعدة تيموثيئوس كانت لها قيمة لكافة الأمراض, كونها وصية إلهية بحد ذاتها.
وكانت التوراة أيضًا, منذ وقت قريب نسبيًا, تلخص كافة المعلومات البشرية. منذ خمسة قرون فقط, كان العلم غير متنوع ولا يؤلف مثل الآن علومًا عدة تتشعب كل منها إلى علوم فرعية, واختصاصات عديدة (في الطب مثلاً نرى التخصص يصل إلى كل عضو من الجسم…).
والعلم الآن لا يدعي شمول مجموع المعرفة البشرية, بينما قبل عصر النهضة فقط كان يظن الإنسان أنه من خلال بعض الكتابات القليلة نسبيًا يُمكنه أن يُحصل معرفةً شمولية لكل الحقيقة. وكان يُظن أن الكتاب المقدس في تجرده محتويًا على كل شيء لأنه كتاب إلهي. كان الإنسان في الحقيقة ليس مؤمنًا بل مصدقًا ساذجًا يصدق كل شيء, كأنه من الله مباشرة, على منوال الأطفال حين يشاهدون الأعمال السحرية. فينبغي إذًا التفريق بين هذا الوضع الذي لم يكن روحيًا, بل ظرفيًا ناتجًا عن وضع الإنسان المسيحي غير المتعمق وغير المستنير, وعن شبه عبادته للكتاب, وبين الوضع الروحي الأصيل[1].
الكتاب المقدس في المفهوم المسيحي هو مختلف كليًا وبعيد كل البعد عن هذه المعاني، فهو نتاج شركة وتفاعل بين الله والإنسان، فعن طريق الإنسان يُوصل الله رسالة تعلن عن التدبير الالهي ومشيئة الله تجاه الإنسان وطريق خلاصه، تاركًا للكاتب المستنير بالروح كل امكاناته المتاحة ليستخدمها في الكتابة، فالشاعر يكتب نص شعري او نثر، والفيلسوف يكتب معاني اعمق من الكلمات الظاهرية، والصياد او الشخص البسيط يكتب بلغة ركيكة بسيطة كل البساطة علي قدر امكاناته، حتى إنه متروكًا للكاتب أن يرجع الي الوثائق التاريخية والكتابات المتاحة في عصره، كما حدث بخصوص سفر ياشر[2]، ولهذا يقول القديس غريغوريوس النيزنزي:
هكذا فإن المفهوم الحقيقي للكتاب لا يُعرف دائمًا بسهولة من الكل. لأن الحقيقة الإلهية تُصاغ بمساعدة اللغة البشرية والتي تعبر دائمًا عن إمور مخلوقة ومحدودة, وليس إطلاقًا عن الجوهر الالهي, لذا ينبغي أن يُعتبر الكتاب كإظهار وإعلان للإرادة الإلهية[3].
ويكتب أوريجانوس:
فإن كلمة الله الذي تسربل بالجسد من مريم, قد جاء إلي هذا العالم، وما رؤيَّ فيه كان شئ ما, وما فُهم كان شيئًا آخر. لإن منظر جسده كان متاحًا للكل أن يروه, لكن معرفة لاهوته قد اُعطيت لقليلين… هكذا أيضًا حين جائت كلمة الله بالأنبياء ومُعطي الناموس (موسى), فإنها لم تأت من دون أن تتسربل بشكل مناسب. لإنه مثلما كانت هُناك مغطاة ببرقع الجسد او حجابه (2كو 3 : 14)، هكذا هُنا أيضًا جائت بحجاب المعني الروحي المخبأ داخل الحرف….طوبى لتلك العيون التي ترى الروح الإلهي المخفي في حجاب الحرف[4].
وكتب اللاهوتي الارثوذكسي الاب جورج فلوروفسكي:
إنَّ الكتاب المُقدس تاريخي بالجوهر[5]… فيه لا نسمع صوت الله فقط إنما صوت الإنسان أيضًا… في داخله تكمن معجزة الكتاب وسرّه، أي كلمة الله في لغة بشرية[6].
فالكنيسة تنظر للكتاب المُقدس من هذه الزاوية أي تتحرك في حرية من خلال العلاقة بين الحق الكتابي وإحتياجات ومفاهيم الإنسان المُعاصر، ولا تتحرك بإسلوب العالم الذي يريد البقاء ويخشى فقدان ثروته وسلطانه ومجده وأفكاره المكتسبة غير المقلقة. كل شيء جديد يقلق السلاطين. ولكن حقيقة الله هي الحرية نفسها, وعندما لا تدرك الكنيسة ذلك فلا يمكنها أن تتقدم, فتعارض الكنيسة العلم, ويعارض العلم الكنيسة بالتبعية[7].
فكوننا نؤمن أن الكتاب المُقدس معصوم تاريخيًا أو علميًا، فهذا يستدعي بالضرورة أن الوثائق التي رجع إليها الكُتَّاب كانت ايضًا معصومة تاريخيًا وعلميًا، وهكذا يصبح كل كاتب او عالم مًعاصر لعصر كتابة أحد الاسفار او سبقه ويعود إليه كاتب السفر معصومًا تمامًا من أي خطًا علمي أو تاريخي، وبالتالي فثقافة عصر الكاتب نفسها معصومة، وهذه أمور لا يُمكن تصديقها بل هي محض خرافات.
ففي كل التاريخ القديم لا يوجد مؤرخ واحد معصوم بل جميعهم خلطوا الخرافة بالتاريخ، حتى أن يوسيفوس المؤرخ اليهودي الأشهر، يذكر واقعة عن الإسكندر المقدوني جاعلاً منها علامةً علي تدخل إلهي لمساعدة مجموعة من الغزاة! فيقول: إنَّ أُناسًا من القدماء لم يعرفوا الرزيلة، قد إنشق لهم عبر البحر طريق للنجاة، حين رآي جنود الإسكندر ملك مقدونيا، بحر بامفيليا يتراجع أمامهم، وأصبح لهم طريقًا بعد أن ضلوا كل طريق، وذلك عندما أراد الله أن يقضي على قوة الفرس. هذا ما يتفق عليه تمامًا جميع رواة أخبار الإسكندر[8].
وهكذا كما نرى لا يُمكننا القول بأن مؤرخي العصور القديمة كانوا معصومين من الخطأ، حيث أنهم –كعادة جميع الشعوب القديمة- يضعون الحدث التاريخي في غلاف إسطوري كحكاية شعبية يحفظها ويتناقلها العامة. والأنبياء في نقلهم من هذه الوثائق –الغير معصومة- لم يمنعهم الروح القدس من نقل ما بها من معلومات سواء صحت تاريخيًا أو لم تتوافق مع التاريخ، لأن للروح المُوحي للأنبياء هدفًا آخر، ألا وهو إيصال رسالة ذات معنى يختص بالإنسان والله، وهو بعيد كل البعد عن معاني العصمة التي إنتقلت إلينا من عصور الظلام.
فهناك دائمًا قصد داخل النص الكتابي وهو جوهر الرسالة وما أراد الروح إيصاله، هذا ما دفع القديس يوحنا ذهبي الفم أن يقول في إحدى عظاته: كما أن البناء الذي بلا أساس يكون مُختلاً ولا يؤمَنَ له، كذلك الكتاب المُقدس يصير بلا منفعة إطلاقًا، إذا فشل الفرد في استقصاء القصد منهُ[9]. ويقول أثناسيوس الرسولي عن أولئك الذين يخترعون لأنفسهم مقاصد بعيدة عن قصد الكاتب: هم يضلون كثيرًا إذ هم لا يدركون هدف الكتاب الإلهي[10].
فالكتاب المُقدس نافع في ذاته وفيه كل الحق. لكنه كأي كتاب آخر لكي يتم فهمه بشكل صحيح فأحد أهم العوامل المساعدة لذلك هي وضعه في سياق زمنه وتاريخه ومعرفة الثقافة التي نشأ فيها. ولا يُمكن الآخذ بهذه المعايير مع الوضع في الإعتبار بوهم الإعجاز العلمي الذي نشأ كفكرة من العدم مع بدايات القرن الثامن عشر. فلم يكن هدف الكاتب الملهم أن يعلمنا عن طبيعة الأشياء ونظام الكون، بل أن يعطينا كلام الله مستعينًا بما كان يعرفه الناس ويتداولونه في ذلك الزمان، فهو لم يرغب في إثراءنا بمعلومات عن أشياء لا تنفع للخلاص.
ولهذا لم يقم بأبحاث علميّة، بل صوّر الأمور بالصوَر والتشابيه التي عرفها أبناء عصره. وهنا يتجلى المفهوم المسيحي عن كلمة الله التي تتجسد في الزمان والمكان. والتي صاغها إنسان مُلهم بالروح منقيًا كل العناصر التي استخدمها من المفاهيم المغلوطة والوثنية علي ضوء إيمانه.
كما أن منهج العلم يختلف تمامًا عن منهج الدين، وهذا لا يعيب أحدهما فكما قلنا هما ميدانان مختلفان تمامًا، وأي محاولة للدمج بين العلم والدين ليست فقط لن تصمد امام النقد المنطقي، بل من شأنها ايضًا هدم الكتاب بأكمله وزعزعة الإيمان وبلبلة العامة، فمنظار جاليليو لازال شاهدًا أن كنيسة العصور الوسطى لأجل نظرتها الضيقة للنص الكتابي قد هرطقت الرجل وقطعته من الشركة، والآن كل العالم المسيحي على علم بأن المشكلة كانت كامنة في المُفسرين ضيقي الأفق خالطي الدين بالعلم، وليست المشكلة في النص. ولكن –للأسف- نحن نحتفظ بالتاريخ كذكريات بشرية لا كدرس لتلافي أخطاء الأولين.
يكفينا أن نقرأ نصوص الكتاب المقدّس لنتبيّن أنّها لا تحوي نظرة علميّة عن عمر الأرض، بل وحيًا دينيًا عن خلق الأرض. وفضلاً عن ذلك، نجد بعض الصوَر التي لا تتوافق وأيّة علوم واختبارات. كيف يكون الجلد جسمًا جامدًا، وكيف نقول بوجود قنوات مياه في السماء؟ كيف نقول بخلق النور قبل تكوّن الشمس والقمر والكواكب، وكيف نقول إنّ النبات وجدّ قبل أن تُخلق الشمس الضروريّة لحياة النبات؟ في الرواية الأولى يخلق الله كلّ شيء ثُم يخلق الإنسان، وفي الرواية الثانية يخلق الله الإنسان ثمّ يخلق النبات والحيوان.
كلّ هذه الملاحظات وغيرها تُبيّن لنا أنّ الكتاب المُقدّس ما أراد أن يعلّمنا كيف خُلِق الكون، بل مَن خلق الكون. أراد أن تكون كلماته تعبيرًا عن فعل إيمان بالله الذي خلق العالم[11].
فالله لم يرغب في أن يُعطينا رسالة علميةّ او محتوي تاريخي وقصص شعوب! بل أراد الله إعلان تدبير الخلاص المنشود في وجه المسيح ويعلن عن علاقته بحبيبه الإنسان الذي خلق كل شئ ووضعه تحت قدميه مُنصّبًا إياه إلهًا على الأرض. وعلى هذا الأساس فقط يُقاس تفسير النص وهذه هي الأهداف التي كان دائمًا ما يضعها الله علي قلب الكاتب الموحى إليه.
يجب أن نقتنع بأن الكتاب المُقدس لا يتحدث عن الديناصورات ولا عن أيام حرفية ولا عن عمر الأرض ولا عن التطور. من الغريب أن الناس يتوجهون إلي الكتاب لأجل الإجابة على هذه الأسئلة والكثير غيرها.
يجب أن نُصدق أن أول وأهم شئ يتحدث عنه التكوين هو عن الله. لا تستطيع قراءة للنص أن تتغاضى عن هذه الحقيقة. فهو يبدأ بأن الله هو خالق الكون، وينتهي بوعد من الله أنه سيُخلص إسرائيل من العبودية. وما بين هذا وذاك، نجد فاعلية الله. الله يتكلم، الله يبارك، الله يعاقب، الله يقاضي، الله يختار، الله يقود، الله يحرر، الله يجب أن يُعبد. فإذا سألنا أحدهم: عن ماذا يتحدث الكتاب المُقدس في مجمله؟ فنجيب: في المجمل الكتاب يتحدث عن الله[12].
ربما رسم تصويري من ذاكرة الطفولة قادر أن يجعلنا نفهم الفكرة. هل تتذكر كتب تلوين الصور التي كنت تصل فيها النقاط ببعضها واحد تلو الآخر لتحصل علي رسمة؟ شئ مثل هذا حدث في سفر التكوين الإصحاح الأول. فالكاتب يستخدم الأيام كالنقاط التي كنت توصلها ببعضها، وذلك لكي يصب هذا في صورة تخبرنا عن تفاعل الله الخالق. كل يوم يخبرنا عن فاعلية الله الصانع والذي يشعر بما يصنع… فالكاتب يريدنا أن نعرف الصورة الكلية عن فاعلية الله الخالق، ويستخدم كل الوسائل ليتأكد من أننا قد حصلنا على تلك الصورة[13].
ولهذا فالأصل دائمًا لمحاولة فهم النص بشكل صحيح هو محاولة معرفة قصد الكاتب من كتابة النص، كما يقول ذهبي الفم: ينبغي علينا ألا نختبر الكلمات كأنها كلمات مجردة وإلا فسينتج عن ذلك سخافات كثيرة, ولكن يجب أن نتتبع فكر الكتاب[14]. ويكمل كيرلس عمود الدين: كذلك ينبغي على الدارس للأقوال الإلهية أن يفحص أيضًا الأشخاص ويتفكر في الزمن, ولأي سبب قيل كل قول. وذلك حتى يُمكن لكل أحد أن يطبق التفسير اللائق بنعمة الروح لكل قول من هذه الأقوال[15].
ثم لا ننسَ أن الكتاب هو كلام الله خلال تاريخ البشرية بكامله, وهو يتكيف مع الإنسان في وضعه الظرفي حسب مراحله. كلام الله يتناول الإنسان من أدنى حالات السقوط ليرفعه إلى الخلاص. والناس في الكتاب يتكلمون لغة زمانهم, فغروب الشمس وشروق الشمس طريقة في التعبير, وليست إقرارًا علميًا فلكيًا! إنَّ الكتاب يستخدم لغة الزمان والمكان, وهذا شكل الإعلان الإلهي لا فحواه. لذا نجد فرقًا ملحوظًا بين سفر القضاة وسفر أشعياء مثلاً, أو بين إيليا ويوحنا المعمدان, فيوحنا يدع أخصامه يقتلونه بدلاً من أن يقتلهم.
ثم أن الكتاب يتكلم بلغة رمزية في كثير من الأحيان, برموز تتجاوز المعنى المباشر فيجب بذل جهد لفهمها. قصة الخلق مثلاً؛ أنها رواية صحيحة, ولكن يجب أن لا تُفهم فهمًا حرفيًا وماديًا. عندما يقول الكتاب إن الله يتكلم, هذا لا يعني أن له فمًا, وكذلك عبارة (القديم الأيام) لا تعني أن له لحية بيضاء… ينبغي الإرتفاع إلى المعنى الرمزي لأن الأشياء الروحية لا تُصوّر ماديًا, والإنسان الحديث خاصة, يعسر عليه تصورها لأنه يُدرك الأمور ماديًا فقط. ومع ذلك فإن العلم الآن قد تبين استحالة تصوير الإلكترون مثلاً، فقديمًا قد كانوا يظنون الإلكترون شيئًا كرويًا صغيرًا, ولكنه لم يعد قابلاً للتصوير الآن. إذًا يجب تجاوز الإدراك المادي للكتاب, والإرتقاء إلى المعنى الذي يختفي بين السطور. يجب أن نتجاوز أنفسنا في قراءة الكتاب[16].
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
برغم خروج هراطقة نهاية القرن الأول وبداية ومنتصف القرن الثاني، ككل، عن المسيحية، وخلطهم للإيمان المسيحى إما بالفكر اليهودى الذي كان رمزاً للمسيحية وتم في شخص الرب يسوع المسيح والعهد الجديد، مثل الختان ويوم السبت والأعياد اليهودية وغيرها من العادات اليهودية التي تمت رمزيا في المسيح[1]،
أو وبالفكر الوثني غير الموحى به، إلا أن شهادتهم لوحى الإنجيل بأوجهه الأربعة وقانونيته لها قيمة عالية لأن هذه الجماعات خرجت، أصلاً، عن المسيحية وكان الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد هي قانونهم الأول[2] وقد بنوا أفكارهم فى أحيان كثيرة على فهم خاطئ لنصوصه وآياته.
ويؤكد القديس إيريناؤس على حقيقة أنهم آمنوا بالأناجيل الأربعة وسعى كل هرطوقي لتأييد فكره الهرطوقي وعقائده الهرطوقية منها قائلاً: ” الأرض التي تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق، ويسعى كل منهم لتأييد عقيدته الخاصة منها.
فالأبيونيون الذين يستخدمون الإنجيل بحسب متى، يستخرجون منها عقائدهم بنفس الأسلوب، مفترضين افتراضات كاذبة بخصوص الرب[3]. ولكن ماركيون يشوه الإنجيل بحسب لوقا، مبرهنا أنه جدف على الله الواحد الموجود من هذه الفقرات التي لا يزال يحتفظ بها. وأولئك الذين يفصلون يسوع عن المسيح[4] مدعين أن المسيح بقي غير متألم، وأن الذي تألم هو يسوع، يفضلون الإنجيل بحسب مرقس، والذي لو قرءوه بمحبة الحق لكانوا قد صححوا أخطاءهم.
وأيضاً هؤلاء الذين يتبعون فالنتينوس يستخدمون الإنجيل بحسب يوحنا كثيراً موضحين بأمثلة ارتباطهم مبرهنين كل أخطائهم من الإنجيل نفسه، كما بينت في كتابي الأول. ونظراً لأن خصومنا يشهدون لنا ويستخدمون هذه الوثائق، فبراهيننا المأخوذة منها قوية وحق “[5].
وقد اكتشف لهم مؤخراً في نجع حمادي (1945م) أكثر من أربعين كتاباً تضم عددا كبيرا مما أسموه بالأناجيل وأعمال الرسل وأسفار رؤى بل وزيفوا رسائل نسبوها للقديس بولس، تمتلئ بنصوص وآيات من معظم أسفار العهد الجديد، خاصة من الإنجيل للقديس يوحنا، وكان على رأس الهراطقة الغنوسيين باسيليدس الذي كتب، كما يؤكد أكليمندس الإسكندري في فترة حكم الإمبراطور الروماني هادريان (117 -139م)
وقد اقتبس، كما يشير هيبوليتوس[6] من الأناجيل للقديسين متى ولوقا ويوحنا ومن رسائل القديس بولس الرسول؛ 1كورنثوس وأفسس وكولوسي و1تيموثاوس ومن رسالة بطرس الأولى، ثم جماعة الأوفايتس Ophites[7]، والذي يعنى اسمهم ” عابدو الحية “، وكانوا أول من استخدموا كلمة ” غنوسيين – Gnostics”، وزعموا، كما يقول هيبوليتوس، أن عقيدتهم جاءت من يعقوب أخو الرب، واستخدموا، كما يشير هيبوليتوس أيضاً، الإنجيل بحسب متى ولوقا ويوحنا، ورسائل بولس الرسول؛ رومية و1و2 كورنثوس وأفسس وغلاطية وعبرانيين، وكذلك سفر الرؤيا، وذلك إلى جانب كتبهم الأخرى[8].
وكذلك إنجيل العبرانيين الذي يتكون بنسبة 90% من الإنجيل للقديس متى، وإنجيل توما الذي يتكون أكثر من 60% منه من الإنجيل للقديس متى أيضاً، وإنجيل بطرس الذي يتكون بنسبة 90% من الأناجيل الأربعة.
بل وقد بنيت جميع الكتب التي اسموها بالأناجيل، مثل إنجيل فيليب وإنجيل مريم المجدلية، والأعمال، مثل أعمال يوحنا وأعمال بطرس وأعمال بولس، والرؤى رؤى بطرس ويعقوب ويوحنا، بل والرسائل، مثل الرسالة إلى لاودكية[9]، الأبوكريفية، بفكر ومضمون وجوهر نصوص رسائل القديس بولس القانونية.
وهناك ملاحظة يجب أن نضعها في الاعتبار وهى وجود تمازج واختلاط واندماج، في عقل الهراطقة، بين فكر أسفار العهد الجديد وفكرهم الوثني، فقد اختلط داخلهم الفكر المسيحي بالفكر الوثني وصار مزيجاً واحداً، ولذا فعندموا كتبوا كتبهم خرج هذا المزيج منهم تلقائياً فامتلأت كتبهم بجوهر ومضمون الفكر المسيحي الممتزج بالفكر الوثني، لذا نرى مضمون العهد الجديد، خاصة الأناجيل الأربعة، واضحاً بشكل لا يمكن أن تخطئه العين ويسهل على الدارس والباحث قراءته واستخراجه.
وهذا يجيب لنا على السؤال؛ لماذا لا نجد، في أغلب الاحيان، اقتباساً أو استشهاداً مباشراً بنصوص العهد الجديد؟ وهناك أيضاً بعض من هذه الكتب التي اقتبست واستشهدت بنصوص العهد الجديد بشكل مباشر وغير مباشر وإن كنا نجد بها اختلافات طفيفة عن النص المقتبس منه بسبب الاعتماد على الذاكرة للأسفار القانونية.
1 – ماركيون هرطقته وأفكاره:
ظهر ماركيون (Μαρκίων – حوالي 85 – 160م)، والذي ترجع أهم مصادرنا عنه للقديس إيريناؤس أسقف ليون (حوالي 120 – 202م)، والعلامة ترتليان (145 – 220م) من شمال أفريقيا والعلامة هيبوليتوس (حوالي170 – 236م) أسقف روما، وكلسس اليهودي (القرن الثاني الميلادي)، الذي جادل المسيحيين من كتابات ماركيون، وكذلك الآباء التاليين لهم خاصة أبيفانيوس (حوالي 315 – 403م) أسقف سلاميس بقبرص.
وذلك إلى جانب ما تم اكتشافه من مخطوطات لأغلب الكتب الابوكريفية، خاصة ما تم اكتشافه في نجع حمادي سنة 1945م. وقد ولد ماركيون في مدينة سينوب[10] والتي كانت الميناء الرئيسي لمدينة بونتوس[11] على الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود، سنة 110م.
وكان ابناً لأسقف[12]، وكان تاجرا ثرياَ وصاحب سفينة في آسيا الصغرى[13] ثم ذهب إلى روما حوالي سنة 142- 143م، وطرد منها سنة 144م وردوا عليه مبلغ 200،000 من عملة روما الفضية والتي كان قد تبرع بها للكنيسة[14]. وعاد إلى آسيا الصغرى وبدأ ينشر تعليمه وهرطقته وأسس نظام موازي للكنيسة في روما وأقام نفسه أسقفاً. ويقول أبيفانيوس (315 – 403م) أسقف سلاميس أن والده طرده من الكنيسة بعد أن أغوى عذراء مكرسة[15]، وأن كان الكثيرون من العلماء لا يقبلون هذا القول، خاصة المؤرخ الكنسي فيليب شاف وغيره من الذين
يرون أن هذا القول لا يتفق مع فكره عن الزهد، ولم يقل به لا إيريناؤس ولا ترتليان[16]. ويرى بارت إيرمان أشهر ناقد نصي للعهد الجديد في الوقت الحالي أن هذه القصة رمزية ترمز لتدنيسه لعقيدة الكنيسة التي اعتبرها عذراء. ويقول ترتليان أنه كان قبل تحوله مستقيم الرأي (أرثوذكسياً)[17].
وقد وصفه جميع آباء الكنيسة في الشرق بالهرطوقي بل وأشر الهراطقة وقال عنه بوليكاربوس تلميذ القديس يوحنا الإنجيلي والرسول كما ينقل عنه العلامة إيريناؤس أنه: ” بكر الشيطان “[18].
وقد نادي ماركيون بعقيدة غريبة وشاذة ومضادة لما تسلمته الكنيسة عن الرسل وتلاميذ المسيح ” الإيمان المسلم مرة للقديسين ” (يه1:3)، وهي قوله بوجود إلهين[19]؛ لكل منهما شخصيته المتميزة، الإله السامي والصالح وغير المعروف وغير المدرك، إله الحب الذي أُعلن في يسوع المسيح، أو ظهر بالتجسد في يسوع المسيح، وإله العهد القديم واليهود (يهوه – Yahweh)، خالق الكون والذي الصق به كل ما قالته الغنوسية الوثنية عن الديميورج (Demiurge)[20]، والذي تقول الأسطورة الغنوسية أنه وُلد من صوفيا (الحكمة) المنبثقة، الخارجة، من ذات الإله السامي والصالح غير المرئي وغير المدرك
وأن هذا الديميورج لم يكن يعرف شيئاً عن الإله السامي، غير المدرك وغير المرئي وغير المعروف، لذا تصور أنه هو نفسه، الديميورج، إله الكون فقام بخلق الكون المادي ولما أراد أن يخلق الإنسان صنع الأجساد لكن لم يستطع أن يخلق لها الروح، لأنه كان صانعاً وليس خالقاً، فوضع الايونات، أو الشرارات الإلهية المنبثقة من الإله السامي وسجنها في هذه الأجساد!! ومن ثم فقد وصف ماركيون الله في العهد القديم، بإله العهد القديم واليهود وقال عنه أنه كان جاهلا بوجود الإله السامي ولم يعرف عنه شيئاً إلا بعد أن أُعلن في يسوع المسيح.
ووصفه بالإله الأقل أو الأصغر من الإله السامي، وقال أنه الذي خلق الأرض وأعطى موسى العهد والناموس الذي يمثل العدالة الطبيعية العارية ووصفه بالإله الثانوي والأقل والقاسي والغيور، بل وبالإله القبلي الذي يهتم فقط برفاهية اليهود، على عكس الإله السامي الذي يهتم بالكون كله ويحب البشرية ككل وينظر لأولاده بكل حب ورحمة. وقال أن يهوه إله اليهود بعد أن خلق البشر كرههم بسبب خطاياهم وعاقبهم على ذلك وجعلهم يتألمون حتى الموت بالمعنى القانوني المحدد.
على عكس الإله السامي والآب السماوي الذي ظهر كمحب لأقصى درجة عندما تجسد في ابنه يسوع المسيح وشفى المرضى وصنع معجزات وأخيرا قدم ابنه ليضحي بنفسه على الصليب، فقد صار يسوع، كالآب البشري، جسدا، وسدد دين خطية البشرية المدانة بها لإله العهد القديم، وبتضحيته هذه مسح خطية البشرية وجعلها ترث الحياة الأبدية.
أي أنه نادى بأن المسيح جاء من قبل الإله السامي، وليس من قبل الله، يهوه، الذي وصفه بإله اليهود، بل وأنه ليس هو المسيح الذي تنبأ عنه العهد القديم والذي ينتظره اليهود، والذي لم يأت بعد، والذي سيكون ضداً للمسيح.
بل ويؤمن بمسيحين؛ مسيح إله اليهود والذي تنبأ عنه العهد القديم، والمسيح ابن الله الذي أعلن الإله السامي، مسيح المسيحية والذي هو إله من إله. وقال أن العهد القديم والعهد الجديد لا يمكن أن يتفقا معاً، فالعهد القديم شريعة مضادة لشريعة العهد الجديد.
ويقول عنه يوستينوس الشهيد (100 – 165م)، والذي كتب سنة 150م: أنه كان ” يحض الناس على إنكار أن الله هو خالق كل الأشياء، ما في السماء وعلى الأرض وأن المسيح الذي تنبأ عنه الأنبياء هو ابن الله، كما أدعى ماركيون بأنه يوجد إله أخر غير الخالق، ابن آخر “[21].
وبعد دراسة مقارنة مستفيضة للعهد القديم وتعاليم المسيح، من وجهة نظره، وضع ماركيون ما خرج به من أفكار هرطوقية في كتاب اسماه ” المتناقضات – ἀντίθέσeις – Antithesis “[22]. قابل فيه بين ما ووصف به يهوه في العهد القديم وبين تعاليم المسيح، بمفهومه الخاص دون أن يحاول أن يعرف أسباب الفروق بين العهدين[23].
وعارض الطريقة التي تفسر بها الكنيسة العهد القديم واتفاقه مع العهد الجديد، ورفض التفسير المجازي للعهد القديم وأكد على تفسيره الحرفي، وقال أن إله العهد القديم ليس هو الإله السامي الذي بشر به يسوع بل هو الديميورج (Demiurge) الذي خلق العالم المادي والناقص!! لذا رفض العهد القديم وقبل جزءًا من العهد الجديد، وهو الإنجيل للقديس لوقا مع عشر رسائل للقديس بولس، ولكن بعد تعديل بعض أجزائها الخاصة بوجود نصوص للعهد القديم وإعادة تحريرها!!
وزعم أن تلاميذ المسيح الانثى عشر أساءوا فهم رسالة المسيح وتعليمه ونادى به كمسيح إله اليهود، والذي يرى أنه، إله اليهود، إله الشر، وليس مسيح الإله السامي والصالح، إله الحب. وفهم كلام المسيح خطأ، وحذف كل ما تصور أنه يؤيد هذه الوجهة من وجهة نظره!! وقال أنه لم يفهم رسالة المسيح أحد غير القديس بولس الرسول، ومن ثم فقد قبل الإنجيل للقديس لوقا فقط باعتباره شريك القديس بولس ورفيقه في الكرازة، وأسماه إنجيل الرب كما دعي أيضا بإنجيل ماركيون.
وقد وصفه الآباء خاصة إيريناؤس أسقف ليون وترتليان وهيبوليتوس بأنه غنوسي ويتكلم بلسان الشيطان، أو أن الشيطان يتكلم بلسانه. ونظرا لصعوبة تحديد تعبير غنوسي، فقد كان هو أقرب الغنوسيين إلى قلب وفكر الكنيسة الأولى. لذا وصفه البعض بأنه كان في تضاد مع الغنوسية وأيضاً اليهودية[24].
وكان ماركيون كما يقول الآباء، إيريناؤس[25] وكذلك ترتليان[26] وهيبوليتوس[27]، قد تبع معلمه الغنوسي السرياني سردوا (Cerdo)، وطور تعليمه. وكان سردوا يعتقد أن إله العهد القديم هو غير إله العهد الجديد الذي هو أبو يسوع المسيح والذي جاء المسيح ليكشفه، ومختلفاً عنه. أو كما يقول يوسابيوس القيصري نقلا عن إيريناؤس ” أما ماركيون البنطي فقد خلف سردوا ووسع تعاليمه “[28].
2– ماركيون والإنجيل للقديس لوقا:
أعتقد ماركيون بأن هناك إنجيلاً واحداً حقيقياً، هذا الإنجيل تحول إلى نسخ عديدة، وقد أوضح ذلك بما جاء في غلاطية (1:6 – 9)؛ ” إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ! لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! “.
وقال أن الأخوة الكذبة يحاولون تحويل المؤمنين عن هذا الإنجيل الذي أعتقد، ماركيون، أنه الإنجيل للقديس لوقا. فقد أعترف فقط بالإنجيل للقديس لوقا لأن مدونه كان رفيقاً للقديس بولس، وقال أنه يحمل تقليداً أمينا عن الآخرين. وصار هذا الإنجيل هو إنجيل ماركيون بدون تحديد كاتبه بالروح القدس[29].
ولكنه حذف منه كل ما تصور أنه آثار يهودية أو له صلة بالعهد القديم لأن يسوع من وجهة نظره ظهر في مظهر البشر ولكنه لم يكن بشراً على الإطلاق[30]، بل إله من الإله السامي أو الأعلى، ولا يمكن أن يكون قد ولد من امرأة لذا حذف منه الإصحاحات الأولى والتي تحتوي على ميلاد المسيح ويوحنا المعمدان لأنها تضم نبوات للعهد القديم ذات صلة بالأحداث التاريخية. وسلسلة نسب المسيح.
وبدأ ب (لو3:1) فقط مسجلاً بداية خدمة المسيح في أيام الإمبراطور الروماني طيباريوس قيصر وبيلاطس البنطي الذي كان والياً على اليهودية. ويبدأ بخدمة المسيح في كفر ناحوم (لو4:31)، معطيا الإيحاء بأنه نزل من السماء إليها مباشرة[31]. وكذلك الإصحاحات الأخيرة وركز على قيامة المسيح الذي قال أنها تمت في صمت.
ويقول إيريناؤس: ” فقد بتر الإنجيل الذي بحسب لوقا حاذفا منه كل ما هو مكتوب بخصوص ميلاد الرب، وحذف الكثير من تعاليم الرب التي سجلت بكل وضوح أن خالق الكون هو أباه “. كما أشار إلى حذفه لكل ما جاء في رسائل بولس من اقتباسات وإشارات تقول أن الله الذي خلق الكون هو أبو يسوع المسيح[32].
3 – ماركيون والقديس بولس وقانون العهد الجديد:
كان ماركيون مقتنعا أن القديس بولس وحده من بين قادة الكنيسة الرسولية الأولى هو الذي فهم مغزى أن يسوع المسيح جاء من الإله السامي ومن ثم قبل عشر رسائل فقط من رسائله هي؛ 1و2 كورنثوس وغلاطية ورومية و1و2 تسالونيكي وأفسس وكولوسي وفيلبي وفليمون، ودعاها رسولية، وحذف الرسالتين 1و2 تيموثاؤس، والرسالة إلى تيطس والرسالة إلى العبرانيين. وأبقى على ثماني رسائل من الرسائل العشر كما هي بين أيدينا الآن، ودون أن يحذف منها شيئاً، وحذف من الرسالتين إلى رومية وغلاطية كل ما له صلة باليهودية!! فقد حذف من رومية (1: 17؛1: 19-21؛3:31 – 4:25؛8: 19؛10: 5 – 11: 32). وكل الإصحاحين 15 و16: 26.
وحذف من غلاطية الحوار بين القديس بولس والقديسين بطرس ويعقوب في أورشليم (1:18 -24)، ورواية إيمان إبراهيم (3: 6-9)، وفقرات أخرى[33]. فقد حذف كل ما تصور أنه لا يوافق فكر القديس بولس وما له صلة باليهودية[34]. وذلك إلى جانب الإنجيل للقديس لوقا والذي دعاه بالإنجيل، ووصف الإنجيل (Euangelion) والرسائل (Apostolikon) ب (Euangelion and Apostolikon)، وذلك بالإضافة إلى العمل الذي أسماه المتضادات (Antitheses)، والمذكور أعلاه.
وما فعله ماركيون هذا دفع آباء الكنيسة لوضع قانون العهد الجديد ووضع أسماء الإنجيليين الذين دونوا الإنجيل بأوجهه الأربعة على ما دونه كل واحد منهم، فقد وضعوا على الإنجيل الذي دونه القديس متى ” بحسب متى – κατα Μαθθαιον – Acording to Matheon “[35]، ومثله الأناجيل الثلاثة الأخرى (بحسب مرقس – Κατά [36]Μάρκον – Markon Acording to – بحسب لوقا – Acording to Lokan – Κατά Λουκάν[37] – بحسب يوحنا – [38]Acording to Iwannin – Κατά Ιωάννην)، للتفريق بينها وبين ما نسب لماركيون، وبين ما كتبه الهراطقة الغنوسيين الآخرين، الذين كتبوا الأناجيل الأبوكريفية المنحولة ونسبوها للرسل.
فقد كانت الأسفار القانونية، الموحى بها، منتشرة في الكنائس التي كتبت بها أو لها والتي نسخت عنها نسخ كثيرة في بلاد كثيرة، ومعترف بها دون أن يسأل أحد من الناس عن مدى صحتها وقانونيتها لأنهم استلموها مباشرة من الرسل وقد كتبت أصلاً بناء على طلب منهم، فقد طلبوها من الرسل وكتبها الرسل بناء على طلبهم واستلموها منهم.
يقول أف أف بروس (F.F. Bruce): ” ترجع الأهمية الرئيسية لماركيون في القرن الثاني في رد الفعل الذي أحدثه بين قادة الكنائس الرسولية، فقد حفز قانون ماركيون الكنيسة الجامعة لتحديد قانون العهد الجديد بأكثر قوة ليس ليسود على قانون العهد القديم بل ليكمله. وهكذا بصفة عامة، فقد قاد تعليم ماركيون الكنيسة الجامعة لتحديد إيمانها بحرص أكثر بنصوص محسوبة لتقصي التفاسير الماركيونية “[39].
ويضيف: ” وقد حفز انتشار أفكار ماركيون بصورة واسعة الكنيسة لكي تعبر عن اسبقيتها في وضع قانون أسفار العهد الجديد للآخرين “[40].
كان ماركيون هو أول من جمع مجموعة من الأسفار المسيحية في قانون واحد، كما حفز الكنيسة على وضع قانون للإيمان، وهو ما يعرف الآن بقانون إيمان الرسل والذي ترجع أصوله للقرن الثاني. هذا القانون أوضح أن الله الآب وليس الديميورج، إله اليهود، هو الذي خلق السماء والأرض والكون وكل ما فيه وأنه لا يوجد إلا إله واحد والذي تحدد أكثر في نيقية[41].
كما رفض ماركيون التفسير المجازي للعهد القديم بل ورفض العهد القديم كله، الذي كان بالنسبة له مجرد تاريخ لليهود والمتحدث عن الديميورج[42]. وكان يميل إلى التقشف والزهد، ويقول ترتليان أنه منع الزواج لأن التناسل كان من اختراع الديميورج[43]. ومع ذلك فقد أكتسب تعليمه شعبية وانتشارا. بل ويقول يوستينوس أن تعليمه أنتشر بين كل سلالات البشر[44]. واستمرت هرطقته إلى القرن الخامس.
4 – فالنتينوس [45] وقانون العهد الجديد:
ولد فالنتينوس (Valentinus – حوالي 100- 175م) بمنطقة الدلتا بمصر (حوالي 100م) وتوفى سنة (175م) وتعلم التعليم اليوناني في متروبوليس بالقرب من الإسكندرية التي كانت في ذلك الوقت عاصمة العالم للثقافة الهيلينستية اليونانية ومن المحتمل أنه قابل فيها الفيلسوف الغنوسي باسيليدس الذي كان يعلم هناك ومن المحتمل أيضاً أنه تأثر بأفكاره.
وفي الإسكندرية أيضاً تعرف على الفلسفة اليونانية، كما تعرف على الفكر الأفلاطوني والذي ربما يكون قد تأثر به عن طريق التفسير اليهودي الهيلينستي لأسفار العهد القديم وقد كان واضحا في إحدى فقرات عظة من عظاته أنه كان يعرف كتابات الفيلسوف اليهودي العظيم فيلو اليهودي (Philo Judaeus) (30 ق م – 45م)، الذي كان يفسر العهد القديم بصورة مجازية.
وكان فالنتينوس يدرس في الإسكندرية (117 – 138م)، وقد أدعى أنه تلقى تعليمه المسيحي عن طريق ثيوداس الذي قال أنه كان تلميذا للقديس بولس الرسول، وفي حوالي سنة 136 إلى 140م سافر إلى روما وحاول أن يكون له دور كنسي هناك. ويقول لنا القديس إيريناؤس أسقف ليون (180م) أنه بني فكره ونظامه اللاهوتي على الأسطورة الغنوسية[46].
ويضيف[47]: ” جاء فالنتينوس إلى روما في وقت هيجينيوس (Hyginus حوالي 136 – 140م)، وأزدهر تحت بيوس (حوالي 150 – 155م)، وظل حتى أنيسيتوس (حوالي 155 -160م)[48]، وكان أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص هو أول من قال أنه ولد في مصر وتعلم في الإسكندرية وقد نشر فكره في مصر قبل أن يذهب إلى روما، ويضيف ابيفانيوس أنه غادر روما فيما بعد إلى قبرص[49].
ويوجد في كتاب المتفرقات لأكليمندس الإسكندري ست فقرات من كتابات فالنتينوس مدمجة في كتابه؛ اثنتان منها من خطاباته واثنتان من عظاته واثنتان لا يعطي لنا أي توضيح عن أي كتاباته أخذهم[50]. ويضيف كواستن: ” وجد فالنتينوس أتباع كثيرين في الشرق والغرب، ويحدثنا هيبوليتوس عن مدرستين واحدة شرقية وواحدة في إيطاليا “[51].
ويقول عنه ترتليان: توقع فالنتينوس أن يكون أسقفاً، لأنه كان رجل ذكياً وفصيحاً مقتدراً، ولما حصل غيره على هذه الكرامة، بسبب ما قيل أنه أب للاعتراف، فقد أنتقم وفقد إيمان الكنيسة الحقيقي. ومثل الذين تكون روحهم غير مستقرة فقد أثاره الطموح، ودبت فيه رغبة الانتقام، ومن ثم فقد دفع نفسه بكل ما يمكن أن يؤدي لإفساد الحق؛ ووجد مفتاح ذلك في تحقيق الرأي القديم وحدد لنفسه طريق رقة الحية “[52].
ويعبر ترتليان عن فكر فالنتينوس من جهة الكتاب المقدس فيقول: ” توجد طريقتان لتشويه تفسير الأسفار المقدسة، واحدة هي طريقة ماركيون فقد استخدم السكين ليستأصل من الأسفار المقدسة كل ما لا يتفق مع رأيه، ويبدو فالنتينوس من جهة أخرى أنه يستخدم كل العهد الجديد (Instrumentum)، ويفسد معناه بسوء تفسيره “[53].
ويقول بروس (F.F. Brauce)، نقلاً عن (W. C. Van Unnik)؛ أن هذا يبين لنا وجود مجموعة من كتابات العهد الجديد التي كانت معروفة ومقبولة في روما وموحى بها. ويؤكد بروس أن فالنتينوس ألمح في مقالته، عن القيامة، لاستخدام الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا وسفر أعمال الرسل ورسالة يوحنا الأولى ورسائل القديس بولس، فيما عدا الرسائل الرعوية[54]، والرسالة إلى العبرانيين وسفر الرؤيا. ولم يلمح إليها فقط بل استشهد بنصوص تفترض أنها ذو سلطان، وموحى بها[55].
ومن أهم كتابات فالنتينوس التي استشهد بها وأقتبس فيها من أسفار العهد الجديد هو كتاب ” إنجيل الحق[56] “[57]، والذي تم أكشافة في نجع حمادي سنة 1945م. فقد استشهد بالأناجيل الأربعة وسفر الأعمال وسفر الرؤيا ورسالة يوحنا الأولى ورسائل بولس الأربع عشرة، مثل الرسالة إلى رومية وإلى كورنثوس الأولى وإلى العبرانيين، واقتبس من الرسالة إلى أفسس باعتبارها كلمة الله وسفر مقدس.
وهذا يبرهن فى نظر العلماء على وجود أسفار العهد الجديد، جميعاً في روما فى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني. وفيما يلي بعض الفقرات التي استشهد بها أو بنى فكره على مضمونها وجوهرها دون نصها:
في النص التالي يقول: ” هذا هو الذي يدعى المخلص، لكونه اسم لمهمته التي يجب أن يقوم بها لعتق أولئك الذين لم يتعرفوا على اسم الآب “. يأخذ مضمون وجوهر وفكر الآيات التالية: ” لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ ” (مت1:21)، ” أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ ” (يو17:6)، ” وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ ” (أع4: 12).
وفي الفقرة التالية: ” فجعله بلا قوة. وقد سُمر على الصليب… الآب غير المحدود, غير المتخيل, ذلك الآب الكامل الذي صنع الكل, وفيه الكل, وله الكل “. يأخذ روح ومضمون الآيات التالية: ” فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ 00 الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ ” (كو1:17)، ” حَيْثُ صَلَبُوهُ ” (يو19: 18)، ” الَّذِي أَيْضًا قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ ” (أع 10: 39).
ويقول أكليمندس الإسكندري[58]: ” يقال أن الابن هو وجه الآب لكونه يعلن شخص الآب للحواس الخمس بارتدائه لنفسه الجسد “. ويقول نص إنجيل الحقيقة المكتشف في نجع حمادي: ” بعد كل هذا جاء أيضاً الأطفال الصغار, هؤلاء الذين يملكون معرفة الآب. وحين أصبحوا أقوياء تعلموا سمة وجه الآب “. وهذا جوهر ومضمون قوله: ” لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ” (مت18:10).
وفي هذا النص: ” هذا الكتاب الذي لم يقدر احد أن يأخذه, لأنه حفظ للذي سيأخذه ويذبح. ولم يستطع أحد من هؤلاء الذين آمنوا بالخلاص التجسد مادام الكتاب لم يظهر. لهذا السبب, كانت عاطفة وولاء يسوع صبرا في معاناته حتى أخذ ذلك الكتاب, حيث أنه علم أن موته يعني الحياة للعديدين “. هو وفكر وصدى ما جاء في رؤيا (5:1-5): ” وَرَأَيْتُ عَلَى يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ سِفْرًا مَكْتُوبًا مِنْ دَاخِل وَمِنْ وَرَاءٍ… فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ… أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ… هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ “.
والنص التالي: ” بل بالأحرى هي حروف الألف باء حيث الذين يدركونها يعبرون عن أنفسهم. كل حرف هو فكر كامل، كل حرف هو كتاب حقيقي كامل مكتوب بالألف باء لوحدة الآب “. هو صدى لجوهر ومضمون قوله: ” أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي ” (رؤ1:8).
5 – المونتانية وقانون العهد الجديد:
ترجع المونتانية إلى مونتانوس (Montanus) من أردابو قرية في فريجية بآسيا الصغرى، لذا دُعيت هذه الهرطقته، أولاً، بالهرطقة الفريجية، وقد ظهر حوالي سنة 170م. وسبب ظهوره انشقاقًا في الكنيسة انتشر بصورة شاسعة، وبقيت أثاره إلي القرن الرابع[59]. كان مونتانوس وثني الأصل ويري العلامة ديديموس الضرير أنه كان كاهن وثن[60]. وعلم بأن الإعلانات الإلهية الفائقة لم تنتهِ بانتقال الرُسل من العالم، بل كان من المتوقع وجود إعلانات أكثر عجباً من عصر الرسل وذلك بتدبير الباراقليط.
ودعيت هذه الهرطقة باسم مؤسسها ” المونتانية (Montanism) “، إلى جانب الفريجية. وأدعى مونتانوس أنه هو نفسه الباراقليط الذي وعد الرب يسوع المسيح أن يرسله ليحل على تلاميذه، كما أدعى أنه يتكلم بوحي الروح القدس ويرى رؤى إلهية وأنه نبي ومن ثم فقد كان أتباعه يعتبرون كلماته هي كلمات الله نفسه. كما تطرف للقول بأنه هو نفسه الروح القدس الذي قال عنه ووعد به المسيح[61]. وأشار أكليمندس الإسكندري إليهم كأنبياء كذبة[62]. أما ترتليان الذي أنضم إليهم فدافع عنهم في عمله المفقود في 6 كتب عن الدهش.
وقال المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري عن مونتانس: ” كان هناك شخص اسمه مونتانوس متنصر حديثاً، وبسبب تعطشه الذي لا يحد للقيادة أعطى للخصم فرصة ضده. وأصبح خارج عقله، وإذ صار في حالة خبل وذهول صار يهذي وينطق بأمورٍ غريبةٍ، ويتنبأ بحالة مُغايرة لعادة الكنيسة السليمة المُسلمة إليها من التقليد منذ البداية. اشتد غضب بعض من سمعوا أقواله الزائفة وقتئذٍ ووبخوه كشخص قد مسه خبل، وساقط تحت سلطان إبليس، ومدفوع بروح مضل ومضلل للشعب، فمنعوه من الكلام، متذكرين نصيحة الرب نحو ضرورة التمييز، الحذر من مجيء الأنبياء الكذبة “[63].
ويقول ابيفانيوس، عن مونتانوس، أنه قال: ” يا للأسف الإنسان كاذب، وأنا أطير فوقه كالذي يجني، الإنسان ينام وأنا أراقب “[64]. ويضيف قوله: ” لم آت كملاك ولا رسول، ولكن الرب، الله الآب قد أتى “[65]. وكان من تلاميذه سيدتان هما بريسكلا (Priscilla) وماكسيّملا (Maximilla)[66]، اللتان سقطتا في حالة انفعال شديد، وكان مونتانوس وأتباعه ينظرون إليهما كنبيتان مكرمتان جدًا.
وأدعى مونتانوس وبريسكلا ومكسميلا أنهم يقعون في غيبوبات رؤوية ويتكلمون بالروح القدس، ويحثون أتباعهم على الصوم والصلاة، حتى يشتركوا في الرؤى التي يرونها، كما أدعى أتباعهم أنهم نالوا موهبة النبوة من الأنبياء كوادراتوس وأميّا اللذان من فيلادلفيا، واعتقدا أن لديهما جزءًا من خط النبوة الذي يعود إلى أجابوس وبنات فيلبس المبشر[67].
ويقول ابيفانيوس أن مونتانوس قال عن نفسه: ” أنا الرب، الله كلي القدرة الذي أسكن في الإنسان “[68]. ويقول ديديموس الضرير أنه قال: ” أنا هو الآب والابن والباراقليط “[69]. وينقل عنه ابيفانيوس أيضاً: ” لماذا تقولون أن الإنسان السوبر الذي خلص؟ لأن الرجل البار يشرق أكثر لمعاناً من الشمس مئة مرة، وحتى الصغار بينكم قد صاروا بخلاصهم أكثر لمعاناً من القمر مئة مرة “[70]. ويقول مونتانوس عن دفنه: ” عندما أموت يجب أن أدفن تحت الأرض بخمسين ذراعاً، لأن النار التي ستأتي على كل الأرض ستلتهمني إذا لم أدفن في هذا العمق “[71].
وتقول مكسيّملا عن نفسها: ” بعدي لن تكون هناك نبوّة “[72]. ” أنا مُقادة بعيدا مثل الذئب، وأنا لست ذئباً. أنا كلمة وروح وقوة “[73]. ” الرب أرسلني كنصيرة لهذا الواجب، مجبرة على فعل ذلك، وسواء كنت أريد أو لا أريد، لأكون معطية الوحي لهذا العهد، ومترجمة للوعد، ولنقل المعرفة من الله “[74].
وتقول بريسكلا عن المونتانيين: ” يرون رؤى، ويحولوا وجوههم لأسفل، فهم يسمعون أصوات ظاهرة صحية فوق الأسرار “[75]. وتقول عن نفسها: ” جاء المسيح إلي [ وأنا نائمة ] يظهر لي كامرأة لابسة روب مشع. ووضع الحكمة فيّ وكشف لي المكان المقدس وأن أورشليم ستنزل من السماء في هذا الموقع “[76].
يقول يوسابيوس القيصري: ” وهكذا بالمكر والحيل الشريرة دبر إبليس هلاكاً للعصاة فأكرموه, وهو لا يستحق أي إكرام, في الوقت الذي ألهب هو أذهانهم التي كانت قد انحرفت فعلاً عن الإيمان السليم, علاوة على هذا فقد حرك امرأتين وملأهما روح الضلال حتى صارتا تتكلمان بشكل غريب وبلا روية ولا منطق, كالشخص السابق ذكره (مونتانوس), أما الروح (الشرير) فقد أعلن أنهم مباركون إذ سروا وافتخروا به ونفخهم بوعوده الخلابة, غير أنه في بعض الأحيان كان يوبخهم علانية بطريقة حكيمة أمينه لكي يظهر كناصح ومؤدب, ولكن الذين انخدعوا من أهل فريجية كانوا قليلي العدد. وقد علمهم الروح المتغطرس احتقار الكنيسة بأكملها، الجامعة تحت السماء, لأن روح النبوة الكاذبة لم ينل منها أي إكرام ولا سمح بدخولها “[77].
كان الموضوع الجوهري للمونتانية هو الباراقليط، روح الحق، الذي وعد به المسيح في الإنجيل للقديس يوحنا، وقد أظهر نفسه للعالم في مونتانوس والأنبياء والنبيتان المساعدتين له.
وادعوا أن النبوة المونتانية جديدة، بل ولم يفعل الأنبياء مثلما فعل مونتانوس، وأن لديهم نوعاً من قوة الدهش، الغيبوبة الروحية، وفي حالة من الانفعالية يحصلون على الكلمات التي يتكلمون بها ويزعمون أنها كلمات الروح القدس، وقد زعم مونتانوس أنه هو الإعلان النهائي للروح القدس وأنه إضافة لتعاليم المسيح والرسل، ويجب أن تقبل الكنيسة هذا الإعلان الكامل.
ولم يكن المجيء الثاني للمسيح يشغل اهتمامهم وآمنوا بأورشليم السمائية (رؤيا 12) التي زعموا أنها ستنزل حالاً على الأرض في المدينة الفريجية الصغيرة بيبوزا (Pepuza)[78]، فتخلى عنهم كثيرون من أتباعهم وكثير من الجماعات المسيحية.
ولقناعته بنهاية العالم الوشيكة وضع، مونتانوس، مبادئ أخلاقية صارمة زاعماً تطهير المسيحيين وفصلهم عن رغباتهم المادية. وقد عُرف المونتانيون بالنسك الشديد والزهد في الحياة، وكثرة أيام الصوم والأمتناع عن اللحوم والخمر والاستحمام والمشروبات كعصير الفواكه (فيما عدا أيام السبت والأحد)، وتعظيم العذرية، البتولية، والرغبة في الاستشهاد ورفض الزواج، الذي عادوا فقبلوه وحرموا الزواج الثاني للأرامل! كما كانوا يتسمون بالعنف في قبول الذين سقطوا في خطايا خطيرة.
وادعوا أنهم يقومون بعملية إحياء روحي من خلال النبوة الجديدة داخل الأرثوذكسية، وكرموا التقليد واعترفوا بالقواعد الكتابية للإيمان المسيحي وقبلوا المواضيع الرؤوية (نهاية العالم)، ورفضوا نظام الرتب والكهنوت المسيحي.
ووقفت الكنيسة في آسيا الصغرى ضد هذه الهرطقة وحاربتها بشدة منذ أيام ديوناسيوس أسقف كورنثوس (فيما بين 160 و170م)، واستمرت حتّى القرن الثالث، حين فندها زفيرينوس أسقف روما (198 – 217م)[79] حوالي السنة 200م، وحذا أساقفة قرطاج وبقية أساقفة أفريقيا حذو أساقفة آسيا الصغرى ودعوها بالهرطقة الفريجية[80].
وكان يعتقد أن هؤلاء الأنبياء الفريجيين تمتلكهم أرواح شريرة وكانت كل من مكسيملا وبرسيكلا أهداف للتعاويذ الفاشلة[81]. وأعلنت كنائس آسيا الصغرى أن نبواتهم تجديف وحرموا أتباعهم[82].
وحوالي سنة 177م قام أبوليناريوس (Apollinarius) أسقف هيرابوليس وترأس مجمع أدان فيه هذه الهرطقة ونبوتها المزعومة[83]، كما يقول يوسابيوس، أنه (أبوليناريوس) ومعه أشخاص آخرون مقتدرون قد تركوا لنا مادة غزيرة جداً استقينا منها الكثير من المعلومات عند كتابة تاريخنا هذا “[84]. وتحاور معهم كابوس[85]، أحد المفندين لهرطقتهم، والذي يقول عنه يويسابيوس أنه: ” من جهابذة العلماء “، في روما في عهد زفيرينوس، وكذلك بروكلوس الذي كان خصماً عنيداً للفريجية، وهاجم جراءتهم على إبراز أسفار جديدة. ويذكر فقط ثلاث عشرة رسالة للرسول المبارك، غير حاسب رسالة العبرانيين مع الرسائل الأخرى “.
ويضيف يوسابيوس: ” فالمؤمنون في آسيا كانوا يجتمعون في أماكن مختلفة في جميع أرجاء آسيا للتفكير في هذا الأمر, وفحصوا الأقوال الغريبة, وأعلنوا فسادها ورفضوا البدعة, وأستقر رأيهم على إبعاد هؤلاء الأشخاص من الكنيسة, ومنعوهم من الشركة “[86]. كما واجه مجمع القسطنطينية قبل سنة 381م، خطورة فكرهم وأدانها بالرغم من دفاع ترتليان، الذي اقتنع ببعض أفكارها، وصار رئيساً لجماعه فيها[87].
أما عن موقفهم من قانونية أسفار العهد الجديد فيقول ابيفانيوس أسقف سلاميس: ” هؤلاء الفريحيين، كما نسميهم، يقبلون كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد ويؤمنون بقيامة الموتى أيضاً. ولكنهم… ويتفقون مع الكنيسة الجامعة المقدسة عن الآب والابن والروح القدس “[88].
وقد أنتشر تأثير هذه الهرطقة في الأوساط المسيحية وكان تأثيرها ذو شقين؛ الأول هو أنهم كتبوا كتب جديدة دعوها بالأسفار المقدسة زاعمين ومدعين أنهم رأوا مضمونها في رؤى! وهذا دفع الكنيسة لعدم الثقة في الأدب الرؤى عموماً، بما في ذلك رؤيا يوحنا، لدرجة أن أحد أتباع الكنيسة الجامعة رفض رؤيا يوحنا لهذا السبب.
وكانوا يستخدمون أسفار العهد الجديد ويستشهدون بها ويقتبسون منها كثيراً كأسفار مقدسة. وقد وضع هؤلاء ثلاثة تقسيمات للأسفار المقدسة، هي؛ (1) العهد القديم، (2) العهد الجديد، (3) كتابات المونتانيين الذين كتبوها هم وادعوا أن الروح القدس هو الذي أوحى لهم بها! ولذلك حرمتهم الكنيسة الجامعة[89].
كما دفعت المونتانية بعض المدافعين المسيحيين، الذين هاجموها بضراوة، لرفض بعض أسفار العهد الجديد التي اعتمدت عليها هذه الهرطقة كثيراً! فقد قام أحد هؤلاء المدافعين بتفنيد أفكارها الهرطوقية وأندفع في هجومه عليها وفي ذروة اندفاعه رفض سفر الرؤيا!! بسبب حديث، هذه الهرطقة، عن الملك الألفي واستخدامها الكثير فيما أسمته بالنبوة الجديدة، ورفض الإنجيل للقديس يوحنا بسبب ما جاء فيه عن البارقليط، المعزي، وإدعاء مونتانوس بأنه هو نفسه الباراقليط، بل واستخدامهم الكثيف له.
والخلاصة هي أن مونتانوس وأتباعه، المونتانيين، أو الفريجيين، آمنوا بكل أسفار العهد الجديد، ولكن وبسبب استخدامهم الكثير للإنجيل للقديس يوحنا، وخاصة في حديثه عن الباراقليط، فقد رفض أحد الذين هاجمهم وفند هرطقتهم الإنجيل نفسه، ورفض آخر سفر الرؤيا بسبب آياتها التي تتحدث عن الملك الألفي، ورفض آخر نسبة الرسالة إلى العبرانيين للقديس بولس.
وعلى أية حال ما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو أن المونتانيين، برغم كل هرطقتهم فقد قبلوا، في القرن الثاني الميلادي، كل أسفار العهد الجديد السبعة وعشرين كأسفار قانونية وموحى بها، متفقين في ذلك مع الكنيسة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية.
مما سبق يتضح ويتأكد لنا أن الإنجيل بأوجهه الأربعة بصفة خاصة، ورسائل بولس الرسول وبقية أسفار العهد الجديد بصفة عامة، كانت منتشرة ومعروفة فى كل البلاد التى انتشرت فيها المسيحية وكان جميع المؤمنين يؤمنون بأنها كلمة الله الموحى بها والتى استلموها من الرسل شهود العيان ورجال الروح القدس، وأنها أسفار مقدسة ومكتوبة بواسطة الرسل أنفسهم والذين كتبوا مسوقين ومحمولين بالروح القدس، وكانت تقرأ في جميع الكنائس.
كما كانت منتشرة بأعداد كبيرة فى كل البلاد التي انتشرت فيها المسيحية وفى وسط أناس حفظوها شفوياً قبل أن يستلموها مكتوبة، وكان الرسل، في حياتهم، خير ضمان لوحيها والحفاظ عليها ثم صار تلاميذهم، الآباء الرسوليون، والذين صاروا قادة للكنيسة من بعدهم، خير ضامن أيضاً لوحي هذه الأسفار، الإنجيل، وللحفاظ عليها، باعتبارهم هم أيضاً شهود عيان وأول من استلم منهم الإنجيل شفاهة ومكتوباً.
وكان القديس يوحنا الرسول والذى عاش إلى نهاية القرن الأول الميلادى خير شاهد وضامن لوحى الإنجيل وبقية أسفار العهد الجديد. كما كانت جميع النسخ الأصلية أو النسخ المنقولة عنها مباشرة موجودة في جميع الكنائس الرسولية الرئيسية في بداية القرن الثالث الميلادي ولا نعرف إلى متى ظلت موجودة بعد ذلك، فربما تكون قد بقيت موجودة بعد ذلك بمئات السنين.
[2] أنظر كتابنا ” إنجيل برنابا هل هو الإنجيل الصحيح ” ف 6.
[3] خرجت الابيونية بعد خراب الهيكل ودمار أورشليم سنة 70م من جماعة تدعى اليهود المتنصرين، ودعاهم العلامة هيبوليتوس بالمسيحيين اليهود، لتمسكهم بالعادات والتقاليد اليهودية والناموس وحفظهم للسبت. وقد دعاهم رجال الكنيسة
بالابيونيين من كلمة ابيون العبرية وجمعها ابيونيم والتي تعني الفقراء لفقر تعاليمهم وحقارتها. يقول عنهم المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري ” وقد كان الأقدمون محقين إذ دعوهم ” ابيونيين ” لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة ” (يوسابيوس ك 3 ف 27). وبرغم قلة عددهم فقد كان كل فريق منهم يرى في شخص المسيح غير ما يراه الآخرون؛ ” وقال بعضهم؛ أن يسوع لم يولد من عذراء وإنما ولد ولادة طبيعية من يوسف ومريم، وقد تبرر فقط بسبب فضيلته السامية “.
وقال بعض آخر بولادته من عذراء ” وبخلافهم كان هناك قوم آخرون بنفس الاسم، ولكنهم تجنبوا الآراء السخيفة التي أعتقدها السابقون، ولم ينكروا أن الرب وُلد من عذراء ومن الروح القدس.
ولكنهم مع ذلك رفضوا الاعتراف أنه كان كائنا من قبل لأنه هو الله، الكلمة ” (يوسابيوس ك3 ف 27). ويقول القديس إيريناؤس ” ولكن رأيهم فيما يختص بالرب مثيل بما قاله كيرنثوس وكربوكريتس؛ ” اللذان قالا أن المسيح الإله حل على يسوع في شكل حمامة ودخل فيه ” (Iren. Ag. Her.1:26). كما يزعمون أنه لم يولد من الآب إنما خلق كواحد من رؤساء الملائكة… وهو يحكم على الملائكة وكل مخلوقات القدير (N.T Apoc. Vol. 1 p, 158). فهو بالنسبة لهم إله ولكن بدرجة أقل من الآب!! فقد صار، من وجهة نظرهم، أعظم من الأنبياء والملائكة والكائن الثاني في الكون بعد الله!!
[4] مثل كيرنثوس وكربوكريتس (Cerinthus and Carpocrates) اللذان قالا أن المسيح الإله حل على يسوع في شكل حمامة ودخل فيه في المعمودية وتركه عند الصليب (أنظر Iren. Ag. Her.1:26).
[5] Irenaeus, Against Heresies, 3:11,8.
[6] Hippolytus, Refutation of Heresies,7:14.
[7] See Ire. Ag. Haer. 1:30
[8] See Refut. Haer.6:1 and Ire. Ag. Haer. 7:8, 14 and ANF vol. 5 pp. 106, 107
[9] كتب الهراطقة بعض الرسائل الابوكريفية ونسبوها للرسل، منها ثلاث رسائل نسبوها للقديس بولس إحداها ما اسموه بالرسالة إلى لاودكية. والتي تتكون من عشرين عدداً، وهي مجموعة متناثرة من عبارات مأخوذة من رسائل القديس بولس القانونية وقد نسجت في خيط واحد. ذكرت في المخطوطة الموراتورية (170م) ونصها لا يزال موجوداً.
[10] W.H.C. Frend, The Rise of Christianity, P. 213.
[16] Philip Schaff, History of the Christian Church, Vol. 2, 1910.
Bart D. Ehrman, in Lost Christianities, suggests that his seduction of a virgin was a metaphor for his corruption of the Christian Church, the Church being the virgin.
[19] يؤمن هذا الفكر المأخوذ عن افلاطون بأنه كان يوجد في الكون الإله السامي، غير المرئي وغير المدرك، والمادة الموجودة في الكون ولكن في حالة فوضى ولا تكوّن، وهما أبديان، لا بداية لهما ولا نهاية، وأن الله قدوس وطاهر بشكل مطلق والمادة تمثل الشر والدنس، ونظراً لأن الإله السامي طاهر ولا يمكن أن يلمس المادة الدنسة لذا بثق (أخرج) من ذاته 365 أيون، أي كائن روحاني، بعدد أيام السنة الشمسية، وكل أيون بثق من ذاته 365 أيون.. وهلم جرا. وكان أقرب الايونات إلى الإله السامي أربعة هم؛ أوتوجينيس، أي ذاتي الجنس، ومونوجينيس، أي وحيد الجنس، وباربيلو، أي عقل الآب، وصوفيا، أي الحكمة.
واعتقدوا أن هذه الايونات مكتملة الجنس بمعنى أنها مكتملة الذكورة والأنوثة في ذاتها، ومن ثم فقد حبلت صوفيا ذاتيا وولدت كائن اسموه بالديميورج أو يلدابوس ومعناه الصانع أو الحرفي وليس الخالق، والذي كان يجهل وجود الإله السامي ولا يعرف عنه أي شيء من ثم تصور أنه هو نفسه إله الكون! فصنع الكون ونظم المادة ولما أراد أن يخلق الإنسان صنع الاجساد وعجز عن خلق الأرواح لأنه ليس خالق، فاخذ الايونات المنبثقة من بعضها البعض والمنبثقة أصلا من الإله السامي ووضعها في الأجساد لتحيا، فجعلها سجينة الأجساد المخلوقة من المادة الشريرة بعد أن كانت حرة طليقة!
ومن هنا احتاج الإنسان للخلاص، خلاص روحه من جسده، وآمنوا أن الخلاص لابد أن يكون بالمعرفة، أي يعرف البشر أنهم أرواح أو شرارات من الإله السامي ويجب أن تعود كما كانت وإن الإله الحقيقي هو الإله السامي، غير المرئي وغير المدرك، وأن الديميورج هو إله شرير لأنه أدعى أنه إله الكون ولأنه سجن الايونات المنبثقة من الإله السامي في الاجساد المخلوقة من المادة الشريرة.
ولما جاء المسيح اعتقدوا أنه جاء من عقل الآب، الإله السامي، في شبه جسد وظهر في هيئة وشكل وشبه الإنسان لكن لم يتخذ جسدا من العذراء بل نزل من السماء إلى الأرض مباشرة ودون أن يولد من العذراء.
[20] والذي يعني اسمه الحرفي (craftsman)، أي الصانع لأنه لم يكن إلهاً خالقاً.
[21] Justin Martyr, Apology 1: 58.
[22] Antithesis من اليونانية “ ἀντί ” وتعني ضد و ” θέσις ” أي ترتيب أو موضع، وتعني الكلمة كاملة مضاد أو متضاد.
[23] وعلى سبيل المثال فقد قال: كانت شريعة موسى هي شريعة ” العين بالعين ” (تث19:21)، والتي تركها المسيح (مت5:39)، وجعل، إله العهد القديم، الدببة تأكل الأطفال الذين دعا عليهم أليشع النبي (2مل2:23و24)، وعلى العكس فقد قال المسيح: ” دعوا الأولاد يأتون إلى ” (لو18:16)، وأوقف إله العهد القديم الشمس ليشوع ليواصل ذبح أعدائه (يش10:13)، وعلى العكس اقتبس بولس الرسول وصية المسيح القائلة: ” لا تغرب الشمس على غيظكم ” (أف4:26)، وسمح العهد القديم بتعدد الزوجات والطلاق وهذا غير مسموح به في تعاليم المسيح (مت5:31).
[24] K.S. Latourette, A History Of Christianity, P. 125.
[25] Ag.. Haer. I.27.1; III.4.3
[26] Ag. Marc. I.2, 22; III.21; IV.17.
[27] Refut. 10,15.
[28] يوسابيوس ك 4: 11.
[29] Tertullian, Ag. Marc. 4,2.
[30] أنظر كتابنا ” أبوكريفا العهد الجديد كيف كتبت؟ ولماذا رفضتها الكنيسة؟ ” الجز الثاني تحت الطبع.
[31] Bruce, Canon135, 138.
[32] Ag. Haer. I.27.2.
[33] (2:6-9أ؛ 3: 1-12، 14أ، 15-25؛4: 27-30).
[34] F.F. Bruce, The Canon Of Scripture. PP. 138-139.
[35] أو الإنجيل بحسب متى ” Euangelion Kata Matheon – Ευαγγέλιον κατα Μαθθαιον “.
[36] أو الإنجيل بحسب مرقس “Euangelion Kata Markon – Ευαγγέλιον Κατά Μάρκον “.
[37] أو الإنجيل بحسب لوقا ” Euangelion Kata Lokan – ΕυαγγέλιοvΚατά Λουκάν “.
[38] أو الإنجيل بحسب يوحنا ” Euangelion Kata Iwannin – ΕυαγγέλιοvΚατά Λουκάν “.
[39] F.F. Bruce, The Spreading Flame. P. 252.
[40] F.F. Bruce, The Canon Of Scriptures, P. 144.
[41] Latourette, PP. 135-136.
” بالحقيقة نؤمن بإله واحد الله الأب ضابط الكل خالق السماوات والأرض ما يرى وما لا يرى “. وأن الرب يسوع المسيح قد تجسد وولد بصورة طبيعية، بدون زرع بشر؛ من العذراء القديسة مريم ومن الروح القدس، أتخذ جسداً حقيقياً، وأنه سيعود ثانية ليدين الأحياء والأموات. وليس كما قال ماركيون أن الله كلي الحب لا يدين، بل الديميورج، إله اليهود، هو الذي يدين.
[42] Latourette, 126: Frend, Rise 214.
[43] Johnson, 47. Walker, 126.
[44] دفاع 1:26.
[45] See Ire. Ag. Haer. 1:1 أعتقد بوجود سلسلة من الآلهة.
[46] Bentley Laytonm, The Gnostic Scriptures, p. 217.
[47] Ire. Ag. Haer. 3,4,3.
[48] وهذا ما يؤكد أيضاً المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (ك 4 ف 11.1,3).
[49] The Panarion of Epiphanius of Salamis, 31,7 to 12.
[50] J. Quasten, Patrology, v. 1, p. 260.
[51] J. Quasten Patrology, v. 1, p. 261.
[52] Tertullian, Adversus Valentinianos, iv.
[53] Tertullian, Adversus Valentinianos, iv.
[54] 1و2 تيموثاوس وتيطس.
[55] F.F. Brauce, P. 147.
[56] Ire.Ag Haer. 3.11.9.
[57] F. F. Brauce, The Canon Of Scriptures, pp. 146-148.
[58] Stromata, V.6.
[59] وقد انتشرت بدعة مونتانوس في الغرب فوصلت إلى ليون (فرنسا) وروما وقرطاجة في شمال أفريقيا، وحوالي سنة 206م أنضم إليهم ترتليان سنة وصار مدافعاً متحمساً عنها، وقد أسّس جماعة منشقّة.
[60] الثالوث 3 – 41.
[61] لوبرت بايكر، موجز التاريخ الكنسي21.
[62] متفرقات 4: 13
[63] يوسابيوس ك 5 ف 16: 7 و 8 و13.
[64] Panarion, IV. 4,2.
[65] Panarion, IV. 3,11.
[66] Tabbernee, William, Prophets and Gravestones: An Imaginative History of Montanists and Other Early Christians, P. 89.
[67] Tabbernee, pp. 37, 40–41 notes 6–8.
[68] In Epiphanius of Salamis’ Medicine-Chest (Panarion), 48:11.
[69] In Didymus The Blind’s On The Trinity, 3:41.
[70] Panarion, 48:10.
[71] In Michael the Syrian’s Chronicle, 9:33.
[72] Panarion, 48:2.
[73] يوسابيوس ك 5 ف 18:
[74] Panarion, 48:13.
[75] Tertullian’s Exhortation To Chastity, 10.
[76] Panarion, 49:1.
[77] يوسابيوس ك 5 ف 16:9و10.
[78] Encyclopedia Britannica and Metzger.
[79] يوسابيوس ك 5 ف 28؛ ك 6 ف 20:3.
[80] B. M. Metzger, P. 102.
[81] Tabbernee, PP. 31–32.
[82] Tabbernee, P. 25.
[83] Tabbernee, PP. 21–23.
[84] يوسابيوس ك 5 ف 18:5.
[85] يوسابيوس ك 2 ف 20:6؛ حيث يقول: ” يؤيدها كابوس، أحد أعضاء الكنيسة الذي قام في عهد زفيرينوس أسقف روما. فأنه في مساجلة مع بروكلوس، مبتدع الهرطقة الفريجية، يذكر ما يأتي عن المواضه المقدسة التي أودعت فيها جثتا الرسولين السابق ذكرهما (بطرس وبولس).
[86] يوسابيوس ك 6 ف 16:10-13.
[87] القس حنا جرجس الخضري، تاريخ الفكر المسيحي ص517.
[88] Panarion, IV. 1,1- 4.
[89] B. M. Metzger, P. 105.
قادة الهراطقة ونظرتهم للأسفار القانونية والعهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
موقفنا بالنسبة للإعتماد على روايات شهود العيان لإناجيل العهد الجديد يعتمد على صدق الكتاب والثقة فيهم.
عادة ما يتم تقييم “شهادة” شهود العيان في المحاكمات الجنائية عن طريق طرح أربعة أسئلة حاسمة:
هل كان شهود العيان حاضرين حقاً وقت وقوع الجريمة ؟
هل يمكن تعزيز شهادة الشهود بطريقة ما ؟
هل الشهود لديهم محاباة أو تحيز مما يجعلهم يكذبون او يبالغون أو يسيئوا تفسير ما قد رأوه ؟
فنحن أيضاً يمكننا ان ندرس الأناجيل وكتابها من خلال طرح أسئلة مماثلة.
هل الكتاب المقدس صادق؟
نعم الكتاب المقدس صادق لأنه:
الأناجيل، كتبت فى وقت مبكر
انه من الصعوبة الشديدة ان تقول كذبة متقنة فى نفس الجيل وبين أولئك الذىن شاهدوا الحقيقة.
كتبت الأناجيل في وقت مبكر بما فيه الكفاية ليتم فحصها من قبل أولئك الذين ما زالوا على قيد الحياة، أولئك الذين يكونون على علم أفضل بما حدث “ومنهم اليهود الذين رفضوا.
خلاص المسيح وغيرهم من الأمم والوثنيين”.
المعلومات الناقصة “الغير مذكورة” فى سفر أعمال الرسل – على سبيل المثال – دمار الهيكل، حصار أورشليم، موت بطرس، بولس ويهوذا “تدل على صدق الاناجيل فالكتاب يكتبون ما عاصروه فعلا من احداث لأن الكتاب هم شهود عيان لما يكتبون بينما الاحداث الأخرى لم تحدث فى حياتهم مما يدل على ان من يكتب قد شاهد بالفعل تلك الأحداث”.
الدليل التراكمى ” هو افضل مفسر بأن سفر الأعمال كتب قبل سنه 61 ميلاديا. ولوقا، كتب إنجيله قبل سفر أعمال الرسل.
إشارة بولس للوقا ” لوقا 10 : 6-7 ” “تيموثاوس الاولى 5 : 17 – 18 ” كتب فى 63 الى 64 ولوقا 22 : 19 – 20 مع كورنثوس الاولى 11 : 23 – 26 والذى كتب ما بين 53 – 57 بعد الميلاد، هى أكبر توضيح بأن إنجيل لوقا كان فى الفترة من 53 إلى 57 بعد الميلاد.
إشارة لوقا في إنجيله بأنه “محافظ على النظام” في لوقا 1: 3 (بالمقارنة مع وصف الأسقف بابياس من القرن الأول ( ومراجع لوقا المتكررة من إنجيل مرقص أفضل تفسير بأن إنجيل مرقس قبل إنجيل لوقا من 45-50 بعد الميلاد “و يؤكد على شهادة المؤرخين بصدق كتاب الأناجيل”
الأناجيل قد تثبتت “بشهادة المسيحيين واليهود المقاومين والمؤرخين المعاصرين”
إعتبار وقيمة الإنجيل الذى يعود إلى القرن الأول، أفضل “تأييدا وتوثيقا وتثبتاً ” من أى قيمة تاريخية قديمة أخرى.
يؤكد علم الأثار صحة العديد من الأشخاص والأماكن والأحداث التى وصفت فى الأناجيل.
القصص اليهودية واليونانية والوثنية، تؤكد وتعزز فكرة وجود يسوع وحياته وموته وقيامته.
كتاب الأناجيل، بشكل صحيح يقدمون التعريف والتوضيح لبعض الاماكن الجغرافية بملامحها وخصائصها وكذلك المدن التى فى المنطقة المرتبطة بالأحداث.
تكرار إشارة مرقص والتآلف مع بطرس يؤكد وصف بابياس بأن مرقص هو أصل الكتابة “و يؤكد على التوافق بين الكتاب والهارمونى فلا يوجد افكار او تعاليم متعارضة او متناقضة”
كتاب الأناجيل، يؤيدون بعضهم البعض بشكل غير مقصود وبتفاصيل التفاصيل الغامضة بين ما يكتبون.
لقد تم تسليم الأناجيل “من جيل الى جيل” بكل دقة.
لقد تم إحترام الأناجيل والتعامل معها ككتب مقدسة من الاوقات الاولى “للمسيحية”.و نستطيع ان نختبر المحتوى ودقة النقل والتسليم.
العهد الجديد “سلسلة من الرعاية والأهتمام من الله لكنيسته ” يمكن إعادة بنائها من كتاب الأناجيل “من خلال تلاميذهم اللاحقين من أجل تأكيد المحتوى الأصلى للوثائق “الأناجيل”
الكثير من الأناجيل والملامح الهامة “لشخصية” يسوع، نستطيع أن نؤكدها من كتابات آباء الكنيسة.
عدد كبير من النسخ القديمة من الأناجيل يمكن مقارنتها مع بعضها البعض لتحديد وإزالة الإضافات المتأخرة وإزالة كل ما هو مقلد او غير اصيل داخل النص.
المسئولون الأوائل على النص “بالرعاية والأهتمام” يهتمون جدا لدقة النص بأن يكون “صحيح ومحدد” باعتباره وثيقة إلهيه موحى بها ومستحقة بالحفظ بعناية وحذر.
كتاب الاناجيل لم يكونوا مغرضين او متحيزين.
كتاب الأناجيل، الذين هم شهود عيان وقد تغيروا من هيئة لأخرى من خلال ملاحظتهم ليسوع الناصرى “فحياتهم قد تغيرت من الظلمة الى نور المسيح الحقيقى فجالوا مبشرين باسمه بكل محبة وسلام ولم يحملوا يوما سيفا او يحتلوا بلادا او يأذوا غيره بل تحملوا كل الالام من اجل محبتهم فى الملك الكسيح الذى غير حياتهم”
كتاب الأناجيل، كانوا يقدمون شهادتهم على أساس الملاحظة بنفسهم والرؤية العينية ولم يكونوا ابدا منحازين لى شيىء بشكل مسبق.
الدوافع الثلاثة التى تقود إلى التحيز والمحابة كانت غائبة فى حياة كتاب الأناجيل. لم يكونوا مدفوعين بمكاسب مادية أو بدوافع جنسية أو بدوافع من علاقات المنفعة أو من أجل البحث عن النفوذ والسلطة.. لقد ماتوا بدون ان يحصلوا على اى من هذه المميزات. “فكان كل هدفهم هو الكرازة بخلاص المسيح دون غرض آخر.
كانت شهادة الكتاب موثقة من خلال إرادتهم ان يموتوا من أجل ما شهدوا به واعلنوه. لا يوجد دليل أن ايا منهم قد تراجع عن شهادته التى أعلنها. “بل أن بطرس الرسول قال امام المجمع اليهودى العظيم وبدون خوف انه ينبغى ان يطاع الله أكثر من الناس”
كتاب الانجيل كانوا مع يسوع اثناء حياته وكتبوا شهادتهم مبكرا بما يكفى بان تكون محققة من حلال الذين يعرفون يسوع فى أجيالهم.
شهاداتهم يمكن إثباتها بما فيه الكفاية ولقد سلمت لنا بدقة عبر العصور “المختلفة”.
الكتاب، لم يكن لديهم دافع لأن يكذبوا تجاه شهادتهم، بل لقد ضحوا بحياتهم من أجلها ورفضوا بكل قوة ان يتراجعوا عن شهادتهم.
هل يمكننا أن نثق في الإنجيل؟ هل الإنجيل صادق؟
المرجع
Is the Bible True? The Cumulative Case for the Reliability of the Gospels Warner Wallace
لقد تدربت على معرفة حضور الله وغيابه، والمليء وغير المليء (الفراغ)، الشركة الروحية القوية والبعد في الظلام. وفي رحلة حياتي أدهشني تتابع واختلاف تلك الخطوات التي اتخذتها في حياتي، وبينما كنت أنظر حول بحثاً عن خريطة الطريق التي قد تساعدني في معرفة ما أتوقعه، فإنه على عكس ذلك تماماً، إذ قد ازداد ارتباكي.
بعض مجموعات من المؤمنين يساوون بين النضوج الروحي والتقشف والزهد: فمن يسير طبقاً للمبادئ الصارمة يتمتع بالقرب من الله. وأعلم أن هذا أمر خاطئ وغير صحيح، لأن المسيح نفسه كان يتمتع بحرية نسبية بمقارنة مع يوحنا المعمدان او الفريسيين.
كما أن بعض المؤمنين الآخرين يقللون من قيمة وقدر البحث والاجتهاد، كي تكون لنا شركة قريبة من الله. ولديّ أصدقاء يعملون في القضاء ينتقدون النظم الروحية ويعتبرونها نوعاً من التزمت والتصوف”. ومع أنني معجب بالتزامهم وأوافق على بعض ما يقولونه، فلا يمكنني أن أتجاهل الفقرات الكتابية الكثيرة عن الاتحاد بالله، والحاجة للقداسة. إذاً من هو المؤمن الناضج؟ وكيف يؤثر سلوكي على علاقتي مع الله؟
واضعاً هذه الموضوعات في ذهني، بدأت أقرأ ببطء العهد الجديد بأكمله، ووضعت علامة صفراء على كل فقرة تشجع المؤمنين لكي ينمو روحياً. وحاولت أن أبحث بعمق في كل الوصايا والأوامر المباشرة: لا يسرق السارق فيما بعد…. ساعدوا الفقراء…، لكي أعرف المعاني والدوافع التي وراء هذه الوصايا. ما هو هدف المسيح وبولس والآخرين من أقوالهم؟ وملأت صفحات كثيرة بملاحظاتي التي نقحتها بحثاً عن اتجاهات معينة.
يقدم العهد الجديد الحياة مع الله في صورة رحلة مع أتباع آخرين، موجودين في أماكن مختلفة كثيرة عبر الطريق. ولتسهيل الأمور قررت تقسيم هذا الأمر إلى ثلاث مجموعات: الطفل، البالغ، والوالد. واضعاً بعض العلامات في الهوامش معرفة أي مستوى من النمو سأوجه إليه الكلام. وتلخص هذه الفئات الثلاث بالنسبة لي مراحل النمو في الحياة الروحية. ونظرت أولاً إلى كل الفقرات الموجهة للمؤمنين الذين بدأوا رحلتهم مع الرب، أو ربما تعثروا في مرحلة الطفولة.
يعلم أي شخص قام بتربية طفل أن التطلع إلى المبادئ السامية منذ البداية قد لا يُجدي. وأعرف زوجين حاولا منذ البداية أن يدفعا ابنهما لكي يتخذ كل قرار بنفسه، موضحين له نتائج سلوكه، ثم يتركون الولد يتخذ القرار الأخير. ورأيت بنفسي ما حدث، في أحد أيام فصل الشتاء في شيكاغو، وكانت درجة الحرارة تحت الصفر، والأرض مغطاة بالجليد. وأعتقد الولد – وكان اسمه “درو”، وعمره 4 سنوات – أنه سوف يستمتع كثيراً إذا خرج للخارج لكي يلعب مرتدياً ال تي شيرت، وبنطلوناً قصيراً. وشرح الوالدين للطفل كيف أن مقاومة الجسم ضعيفة وخاصة في الطقس البارد، وستؤدي للإصابة بالأمراض… ولكن الولد أصرّ على موقفه قائلاً: “أريد الخروج الآن”. وتركاه والداه للخروج آملين أنه سيعود بعد قليل بسبب البرودة الشديدة.
وفي الصيف يحدث منظر مختلف تماماً على شاطئ بحيرة ميتشجان. هناك يجلس طفل على مقعد اسمنتي وهو ينظر إلى مياه البحيرة، ويقول: “لا، لا، لا” مكرراً لنفسه التعليمات التي حاول الوالدين أن يقنعاه بها. قد لا يستطيع الطفل أن يعبّر لماذا يريدان منعه من التمتع بالبحيرة، ولكنه يعرف الأوامر. وبلا شك، ربما فكّر الوالدان في اللجوء إلى التهديد بالعقاب.
وعندما رجعت إلى العهد الجديد، وجدت أنني كتبت كلمة طفل على فقرات كثيرة. إن يسوع نفسه لم يتردد بالتهديد بالعقاب الصارم لمن يعصي الوصية، كما وعد بالمكافأة لمن يطيع. هناك بعض السلوكيات ضارة للغاية، لذلك يجب أن نتجنبها. والشخص الذي يعطي المشورة لا يمكن أن ينصح السكير بالتقليل من شرب الخمر، أو أن يشرب في المساء فقط. كما أن القاضي لا يطلب من اللص أن يحاول كبح نفسه، أو يقترح عليه بأن يسرق المنازل أثناء العطلة الأسبوعية فقط بدلاً من كل يوم. إن الرسالة المناسبة في هذا الوضع هي ما قاله بولس: “لا يسرق السارق فيما بعد…”
إن رسائل بولس الأخلاقية مملوءة بالسخط والغضب: “ألا تعلمون… ألا تدركون…؟”، إنه يتحدث بكل اندهاش وغضب عن أناس مدعوين من الله لكي يكونوا قديسين، ولكن بدلاً من ذلك يتنازعون على قضايا أخرى مثل: أكل اللحم، الختان. إنه يتحدث بكلام نشط وحيوي مثل الأب الذي يشجع ابنه لكي يأكل الخضراوات لفائدته الشخصية.
لا يستطيع من دونوا العهد الجديد أن يفهموا لماذا يتراجع بعض المؤمنين إلى مرحلة المراهقة الروحية، في حين كان يجب عليهم أن يسلكوا ككبار. ومع أنهم قد يفضلون مناشدتهم لإتباع الدوافع السامية، فإن الذين دونوا العهد الجديد يواصلون توضيح النتائج المخيفة التي تنتظر الذين يتصرفون بطريقة خاطئة، لأنهم يعلمون أن الاختيار الحكيم الناجم عن دوافع ناضجة يتغلب على الاختيار الخاطئ. فإذا امتنع المراهقون عن ممارسة الجنس غير الشرعي، وعن تدخين السجائر، خوفاً من المرض، وليس لأي سبب آخر، فلن تستفيد أرواحهم، ولكن أجسادهم سوف تستفيد، بكل تأكيد.
تجنبت، حتى الآن الكتابة عن أصعب فترة في حياتي، تلك الفترة التي عانيت فيها من متاعب جسدية صعبة، ولم أتمكن فيها من أن أتحدث أو أمشي. رقدت على سريري طوال اليوم، غير قادر على تحريك ذراعي أو رجلي. ولم أتمكن من التركيز على شيء بعيني، ولا أستطيع أن أطعم نفسي، أو أن أتحكم في عضلاتي. ولم أتمكن من فهم ما يدور حولي، واستسلمت لما أنا فيه، ولم أتوقع أي تحسن.
والآن؛ بعد أن شفيت تماماً، أنظر إلى تلك الفترة على أنها فترة انتقالية ضرورية، طفولة إنسانية. فلا يصل أحد لمرحلة الشباب دون المرور بفترة من عدم النضج. وبالمثل؛ لا يظل الإنسان السليم صحيحاً إلى الأبد. لا أعرف شيئاً أكثر حزناً في الحياة من توقف عملية النضوج والنمو: يرقة دودة القز التي لا تتحول إلى فراشة كاملة، فرخ الضفدع الذي لا يتحول إلى ضفدع كامل، طفل معاق ذهنياً يظل في سريره لمدة 30 عام.
إن الطفل، المولود حديثاً، له كل أجزاء الجسم التي يحتاجها، ومع ذلك فيجب أن تنمو هذه الأعضاء لكي تُستخدم في أداء وظائفها. وينطبق نفس المبدأ روحياً على حياة الإيمان. يوبخ بولس الرسول أهل كورنثوس بالقول: “وأنا أيها الأخوة لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين كأطفال في المسيح. سقيتكم لبناً لا طعاماً لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضاً لا تستطيعون”. ومن الكثير من صغار المؤمنين عجز أهل كورنثوس عن تخطي مرحلة الطفولة، وعدم النضج إلى مرحلة أكثر نضجاً وتقدماً.
وعلى الجانب الآخر يقول يسوع بكل وضوح: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات”. يجب علينا أن نتعلم التمييز بين سلوك الطفل الذي يناسبنا، وهو شرط أساسي لدخول ملكوت السماوات، وبين السلوك الطفولي الذي لا يناسبنا، وهي علاقة تعوق النمو.
مزمور 131، وهو من أقصر المزامير، يُشير إلى الفرق بين الثقة الطفولية والثقة كالأطفال في الله:
يا رب لم يرتفع قلبي
ولم تستعل عيناي
ولم أسلك في العظائم
ولا في عجائب فوقي.
بل هدأت وسكت نفسي
كفطيم نحو أمه.
نفسي نحوي كفطيم.
يعلق “أرتر ويسر” قائلاً:
“إن المؤمن ليس طفلاً يصرخ لكي تضمه أمه في حضنها، ولكنه كطفل مفطوم يستريح في هدوء بجانب أمه، وهو يشعر بالسعادة لكونه جالساً بجوار أمه. وكما أن الطفل يتخلص تدريجياً من عادة التفكير في أمه على أنها هي التي تُشبع رغباته، ويتعلم أن يحبها لذاتها، لهذا وبعد معاناة وجهد يصل المؤمن المتعبد إلى حالة ذهنية يطلب فيها الله لذاته، وليس لأنه يلبي رغباته. وبذلك يتحول مركز الجاذبية في حياته”.
أحن في بعض الأحيان لمرحلة الطفولة ودلالها. عندما يدور العالم من حولي، وعندما تلفت انتباهي صرخة طفل، وعندما يستجيب من حولي لطلباتي دون مجهود مني. وأحيان أخرى أتذكر الماضي في مرحلة مبكرة من رحلة حياتي الروحية عندما كنت أشعر بقرب الله مني، وكان الإيمان قوياً، مرحلة لم تحدث فيها أية اختبارات أو خيبة أمل، إنها مرحلة ما قبل الفطام. ثم يحدث أنني في الكنيسة أو في السوبر ماركت أقابل طفلاً بالصدفة المحضة، ضعيفاً ولا يقوى على الحركة ولا الفهم، وأدرك من جديد حكمة الخلق التي تدفعنا نحو النمو الذي يتطلب طعاماً لا لبناً.
بينما أحلم آثار النمو وآلامه، أتعلم كيف أتكيف وأتجنب بعض مطالب الإيمان الطفولي: توقعات غير حقيقية، التقيد بالناموس والاعتماد غير الصحي على الآخرين.
قد أشرت مرات عديدة إلى خطورة التوقعات غير الواقعية. فالطفل يجب، في بعض الأمور، أن يتعلم قبول العالم كما هو وليس كما يريده هو. فالطفل الذي يضرب الأرض بقدميه قائلاً: “هذا ليس عدلاً”، عندما يكبر ويكتسب حكمة الكبار يقول: “ليس هناك عدل مطلق في الحياة”. ويختلف الناس في الجمال والمستور الاجتماعي، والمهارات الرياضية، والذكاء، والصحة، والثروة، والشخص الذي يتوقع العدالة الكاملة في هذا العالم سوف يعاني من مرارة اليأس. وبالمثل؛ فالمؤمن الذي يتوقع من الله أن يحل كل مشاكله العائلية، ويشفي كل الأمراض، ويوقف الصلع في رأسه، والتجاعيد في وجهه، وأية آثار أخرى لكبر السن، هو مؤمن واهم ولا يتمتع بالإيمان الناضج.
يقول ج. أ. بيكر:
“إن الله رقيق للغاية مع المؤمنين الصغار، تماماً مثلما تفعل الأم مع صغارها. غالباً ما تكون بداياتهم في حياة الإيمان مملوءة بالفرح العاطفي والعناية الإلهية الواضحة، واستجابة الصلوات والثمار السريعة لشهاداتهم الأولى، وهكذا يشجعهم الله ويؤسسهم في الحياة الروحية. ولكن عندما يزداد نموهم وقوتهم يدربهم على ما هو أقوى من ذلك. فيعرضهم لاختبارات من خلال ظروف صعبة على قدر ما يحتملون، ليس أكثر (اكو 10: 13) ولا أقل (أع 14: 22). بهذا يبني الله شخصيتنا ويقوي إيماننا، ويُعدنا لكي نساعد الآخرين.
عند كتابتي لهذا الكتاب، تمنيت مرات عديدة أن أعد بكتابة المزيد من الكتب. وأتمنى أن أشجع المؤمنين، وأزيد من توقعاتهم بأن الله سوف يغير القوانين نيابة عنا ليسهل الحياة. وفي كل مرة تمنيت هذا أواجه تجربة الإيمان الطفولي وهي نفس التجربة التي قاومها المسيح في البرية.
طبقاً لما قاله الرب يسوع وبولس فإن التمسك بالقانون والناموس يمثل عرضاً من أعراض الإيمان الطفولي. وكما وضح بولس الرسول قائلاً: إن صرامة الناموس في العهد القديم لم يُقصد بها تقديم طريق آخر بديل للوصول إلى الله، بل بالحري لكي يثبت أن هذه الصرامة مهما بلغت لا تستطيع أن تحقق قصد الله. فالله يريد الكمال، لهذا نحن بحاجة إلى طريق آخر، وهو طريق النعمة.
كتب داود، في أحد مزاميره: “مع الأمين تكون أميناً، ومع الطاهر تكون طاهراً”. وهو بهذا يعبر عن عهد الإيمان المذكور في العهد القديم. وأتساءل: كيف تمكن داود من كتابة هذا المزمور بعد سقوطه في خطية الزنا مع بثشبع، وقتله لزوجها في الحرب. لقد تعامل الله بالأمانة مع الخائن، وغير الأمين أعدُه للعدالة، وليس للنعمة.
إن التمسك بالناموس والشريعة له مكانة في التقدم الروحي – مثلما يفعل بالتأكيد في نمو الطفل – لكن التمسك الدائم والمستمر بالقانون يعوق النمو: لا تعبر الطريق بمفردك، ابتعد عن الأنهار، لا تلعب بالسكين”. استمعت إلى هذه الأوامر وأنا في مرحلة الطفولة، وكنت أطيعها. والآن عندما كبرت فأنا أهرول وسط مرور المدينة، وأبحر في قارب، وأستخدم السكاكين بمهارة. ومع أنني أتذكر الصرامة التي لقيتها في طفولتي فإنها ساعدت في إعدادي للحرية المسئولة في الشباب، فإنني نادراً ما أتطلع للوراء، لأيامي الأولى بنوع من الحنين أو الأسف.
إن الرسول بولس، الذي تربى بحسب التقاليد اليهودية الصارمة، يعرف مخاطر الإيمان المبني على حفظ الناموس. وفي الحقيقة، لقد وضع إصبعه على نع السخرية الغريبة على السلوك الإنساني: التمسك بالقانون والناموس غالباً ما يشجع على العصيان، وعدم الطاعة، ويتضح هذا كثيراً في العهد القديم. وكما قال بولس لأهل كولوسي: ” تُفرض عليكم فرائض: لا تمس، لا تذق، ولا تجس… التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة، وتواضع زائف، وقهر الجسد ليس بقيمة ما من جهة إشباع البشرية”. إن رسول النعمة لم يستطع أن يتخيل لماذا يريد أي واحد أن يعود في علاقة مع الله تتسم بالتهيج والفشل. وهو يشير إلى حرية غير مبنية على القواعد والقوانين بل على المحبة: “لأن كل الناموس في كلمة واحدة يُكمل: “تحب قريبك كنفسك”.
فإذا رجعنا إلى أزمنة العهد القديم، رأى بولس أيضاً نموذجاً من الاتكال غير الصحي. فمثل الأطفال الذين نشأوا مع آباء أثرياء يمدونهم بكل احتياجاتهم، هكذا وجد الإسرائيليون هويتهم في رفضهم الاتكال على الله. وظلوا في حالة من الثورة الطفولية في حين ان الله أرادهم أن يتحركوا باستمرار نحو الرجولة.
أعرف رجلاً بلغ السبعين من عمره، وما زال يعيش مع أمه، ويطلب منها الإذن عند الخروج، كما يعطيها أجره الأسبوعي في نهاية كل أسبوع. وبعدما أجبرته على ترك خطيبته منذ عدة سنوات عاش تحت سلطانها. وأعرف أيضاً أناساً كبار في السن مستمرين في التصرف كالأطفال بسبب ضغط والديهم عليهم، وعدم رغبتهم في تحريرهم من هذا السلطان. وهم بذلك معاندون لقانون الطبيعة: فهدف الرعاية الأبوية هو تربية أناس تربية صحيحة وليس أطفالاً يعتمدون عليهم حتى في الرجولة. إن أنثى التمساح تساعد صغارها للخروج من البيضة بكسرها، والنسر يحرك عشه ليجبر الفراخ الصغيرة على الطيران، والأب يدع ابنه يتعثر في المسير ويسقط، وبهذا يعلمه كيف يمشي. فالنمو يتضمن ولادة جديدة وتعرضنا للألم واستقلالاً تدريجياً.
يُبنى الإيمان الطفولي على اختبارات غير واقعية، والاستناد على الناموس والقانون، وقد يصلح الاعتماد الخاطئ على الغير فترة محدودة إلى أن يُصدم الشخص بحقيقة جديدة. والاختبار العملي حطم هذا الحاجز مثلما فعل إبراهيم والأنبياء وتلاميذ المسيح. قال لهم يسوع: “لعازر مات، وأنا أفرح لأجلكم، أني لم أكن هناك لتؤمنوا”. لقد كان يُعدهم لحقيقة جديدة وهي القيامة، ولكن ليس قبل الخطوة الضرورية، وهي الموت.
عندما قال يسوع: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، لن تدخلوا ملكوت السماوات”، فهو لم يكن يتحدث عن الإيمان غير الناضج الذي وصفته سابقاً. ولا عن صفات الأطفال التي نراها واضحة وهم يلعبون: مضايقة بعضهم البعض، والمنافسة، والصراخ، والثرثرة. ماذا كان يقصد إذاً؟ وأنا أبحث في أحد خدمات “فريدريك بوتشنر”، وجدت ثلاث صفات للطفولة قد تساعدنا على فهم معنى أن نصير مثل الأطفال.
يقول بوتشنر: “ليس للأطفال أفكار مسبقة عن الحقيقة. فكثير من الأطفال نظروا بقلق إلى المدخنة المغلقة ليتساءلوا: كيف تمكّن بابا نويل من اختراقها لكي يحضر لهم الهدايا.
ونحن نقول عن الأطفال الذين يصدقون الألعاب السحرية: “إنهم لا يعرفون أفضل من ذلك”. غير أنه في بعض الأحيان يعرفون أكثر من ذلك. إن الإيمان الطفولي البسيط هو الذي دفع قائد المائة لأن يطلب من الرب يسوع أن يشفي خادمه، وهو نفسه الذي دفع أصدقاء المشلول لأن ينزلوه من السقف أمام يسوع ليشفيه، ودفع بطرس لكي يمشي على الماء، وهو الذي قاد التلاميذ لأن يدركوا أن الذي بينهم هو يسوع نفسه الذي شاهدوه مصلوباً، ومدفوناً في القبر منذ عدة أيام. في حين أن الكبار في ذلك الوقت، الذين لهم الحكمة ويعرفون أكثر وأفضل من الأطفال حاولوا إقناع الرجل الأعمى الذي فتح يسوع عينيه، أنه من المحتمل لا يستطيع أن يرى، كما أنهم دبروا مؤامرة لقتل لعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات، ودفعوا رشوة للحراس الرومان لكي يشهدوا ضد يسوع.
قد أدهش الإيمان الطفولي البسيط يسوع، وأشعر بالتبكيت لحاجتي إلى هذا الإيمان عندما أقرأ الأناجيل. وكثيراً ما أشعر بضعف الإيمان عند يُسيطر عليّ أمل ضعيف للتغيير، ولا أصدق بقدرة الله على شفاء جراح كثيرة في داخلي، أعيش بها منذ فترة طويلة. الميزان بين الإيمان البسيط والإيمان الطفولي قد يكون غير ثابت، أو مستقر، ولكننا لا نجرؤ أن نميل نحو واحد في محاولة لتجنب الآخر.
ثانياً؛ يقول “بوتشنر”: إن الأطفال يعرفون كيف يتقبلون الهدية. فلأنهم يعتمدون على والديهم منذ الميلاد، فهم يتلقونها بسرور، وبغير وعي. إنهم لا يجادلون فيما إذا كانوا يستحقونها أم لا، كما أنهم لا ينزعجون بخصوص رد هدية بمثلها للآخرين. إنهم يمزقون الأربطة بكل سرعة، ويستمتعون بالهدية. اعتادت جدتي، وهي سيدة حكيمة، أن تعطيني هدية في عيد مولدي، أقل مما تعطيه لأخي. ولم أعاتبها هديتي الطبيعية في عيد مولدي.
يشاركني الله نفسه، في بساطة الأطفال هذه، وهو يقبل الهدايا بلا أية مشاكل. والعهد القديم يوضح ذلك. وعندما كان المسيح على الأرض قبل الهدايا الغالية من المجوس، والناردين غالي الثمن من المرأة الخاطئة والتي سكبته على قدميه، وقبل هدية الوقت والالتزام، من تلاميذه، وهدية السجود من مريم أخت لعازر.
لقد علمني الأطفال الكثير عن تقديم الحمد والشكر لله. أنهم يشكرون كل يوم من أجل الكلب الموجود في البيت، والسنجاب الذي يلعب في الخارج. إنها روح الطفولة فقط هي التي تساعد على تقبل عطايا الله العادية، كل يوم، دون أن أعتقد أنها أمور عادية. وهي نفس الروح التي تسمح لي أن أفتح فمي لأتقبل نعمة الله المجانية، والتي لا صلة لها بما أفعله.
ثالثاً؛ يعرف الأطفال كيف يثقون. فالشارع المزدحم لا يُزعج الطفل، طالما هو ممسك بيد أبيه. ويجب أن تُعلم الأطفال أن لا يثقوا في الغرباء، لأن عدم الثقة ليس من طباعهم.
عندما صلى الرب يسوع في بستان جثسيماني استخدم الكلمة التي يستخدمها الأطفال اليهود عندما ينادون على والدهم: “يا أبا الآب، كل شيء مستطاع لديك، فأجز عني هذه الكأس ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت”. وقد وثق تماماً في الله بالرغم مما كان يراه أمامه، اتكال طفولي حتى وهو على الصليب عندما صلى: “يا أبتاه بين يديك أستودع روحي”.
تحكي لنا “كاثلين نوريس” عن معركة ذهنية طويلة ضد إيمان طفولتها، وقالت إنها وجدت صعوبة لفترة ما في تصديق الكثير من التعاليم المسيحية. وفيما بعد، عندما اختبرت المشاكل في حياتها الشخصية، شعرت أنها بحاجة إلى لقاء بعض المرشدين الروحيين، ولدهشتها، لم يُبد الكثير من الرهبان اهتماماً بشكوكها، وتشتتها الذهني. فكتبت تقول: “لقد تضايقت بعض الشيء… وقد تصورت أن شكوكي هي العقبة أمام إيماني، وشعرت بنوع من الخديعة عندما قال لي أحد الرهبان من كبار السن، أن شكوكي هي بذور الإيمان، وأنها علامة على أن الإيمان ما زال حياً وسينمو”. وبدلاً من مناقشة هذه الشكوك واحداً تلو الآخر، أعطاها الرهبان تعليمات عن العبادة والتقوى.
لقد تعلمت “نوريس” أن كلمة “يؤمن” في أصلها اليوناني تعني “أن يعطي قلبه ل…”، ووجدت أن عملية العبادة يمكن أن تحل محل صورة الإيمان المادي. ولم تجد أية غرابة في ترديد قانون الإيمان الذي قد لا تفهمه، لأنه كما قالت هي: “تعودت كشاعرة أن أقول ما لا أفهمه تماماً”. وتدريجياً أتضح لها أنه لكي تكون لها علاقة مع الله، مثل أية علاقة أخرى يجب أن تندمج فيها دون أن تعرف إلى أين ستأخذها هذه العلاقة. وابتدأت بالثقة، ومن هناك بدأ ينمو الإيمان الناضج.
التوقعات غير الحقيقية، عكس الإيمان المنفتح، والناموس عكس النعمة، والاتكال الخاطئ عكس الثقة البسيطة للإيمان. وغالباً ما أشعر أنني أسير على حبل مشدود بين الإيمان الطفولي والإيمان البسيط الواثق. الفرق بين الاثنين دقيق مع أن: أحدهما يُبقيني في حالة طفولة مستمرة، بينما يقودني الآخر نحو علاقة ناضجة مع الله.
الكتيب الشهير “هو يقودني” الذي كتبه “والترسيزيل” يوضح إيمان الأطفال الذي يمارس في الظروف الصعبة. “سيزيك” كاثوليكي مخلص من بنسلفانيا، التحق بجماعة اليسوعيين، وتطوع للخدمة في بنسلفانيا، التحق بجماعة اليسوعيين، وتطوع للخدمة في الاتحاد السوفيتي وهو في قمة إلحاده. ولدهشته الشديدة عينه رئيسه، بدلاً من ذلك، لأن يذهب للخدمة في بولندا. وبعد مضي بضع سنين اندلعت الحرب وغزا جيش هتلر بولندا. ووسط مجموعة من اللاجئين البولنديين الهاربين إلى روسيا، وجد “سيزيك” فرصة إلهية للذهاب إلى روسيا. وتنكر في زي أحد العمال وهرب مع الهاربين إلى روسيا حيث كان يريد أن يخدم. لقد استجاب الله لصلواته.
ورغم ذلك؛ وبعد فترة بسيطة قبض عليه البوليس السوفيتين، وقضى في أحد سجون موسكون خمسة أعوام، مجتازاً في الكثير من المضايقات والمعاناة. وأثناء وحدته في سجن لوبيانكا في موسكو، قضى سيزيل الليل والنهار موجهاً الأسئلة لله: ما ها هو الخطأ الذي ارتكبته؟ لقد شعر أنه دُعي كخادم وقسيس، ولكن كيف له الآن أن يخدم وهو في الحبس الانفرادي؟ وما فائدة كل التدريب الذي تلقاه؟ لماذا يعاقب؟ وأخيراً استسلم لضغوط البوليس السري K. G. B. ووقع على اعتراف مكتوب بأنه يمارس الجاسوسية. وعندما رفض التعاون معهم فيما بعد، حكموا عليه بخمسة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة في سيبيريا.
في منطقة جولاج حيث الظروف الصعبة، والبرد القارس، والعمل لمدة 14 ساعة حصل سيزيل أخيراً على الفرصة للخدمة كقسيس، بعدما اكتسب تدريجياً ثقة الكاثوليك الأوكرانيين. وقام بمغامرات واحتمل العقوبات وناضل مع الله، وتبددت بقايا الإيمان الطفولي واحدة تلو الأخرى. بدلاً منها نمي إيمان الأطفال البسيط اليانع على المثال الذي اقترحه “فريدريك بوتشنر”.
أولاً؛ كان على سيزيل أن يتكيف مع حقائق جديدة. ففي سنوات تدريبه على الكهنوت لم يعرف شيئاً ولو لمرة واحدة عن كيفية العمل في روسيا، فاجتاز في بولندا أولاً، ثم لوبيانكا، ثم معسكر العمل في سبيريا، وأخيراً في منفى للعمل في إحدى القرى. وفي كل هذا الأماكن واجه ظروفاً ما كان يختارها لنفسه. ولم تكن لديه أية كتب لاهوتية أو روحية يقرأها. وكان عليه أن يهرّب النبيذ والخبز لممارسة شعائر مائدة الرب. ومنعت السلطات كل أنواع التبشير. ولفترة ما شعر سيزيل بالخيانة لأن دعوته للكهنوت لم تسير كما يتوقع لها.
وتعلم سيزيل أن يقبل إرادة الله “ليس كما يريد هو أو كما يعتقد بحكمته البشرية الفقيرة”، بل بالحري “مثل ساعات اليوم الأربع والعشرين: الناس والأماكن، والظروف التي وضعها أمامنا في ذلك الوقت”. وأدرك أن عليه أن يتقبل الحياة ويتوقعها بحسب مشيئة الله وانتظر أن يساعده الله على تحقيق ذلك. وبدلاً من ذلك تعلم أن يقبل المواقف التي يسمح له بها الله بأن يواجهها كل يوم، ومعظمها لا تخضع لسيطرته. وانحصرت رؤية سيزيل في إطار الأربع والعشرين ساعة يومياً.
ثانياً؛ اكتشف سيزيك مواهب جديدة أعطاه إياها الله. وكما كان يصلي “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم” بدأ في قبول هذه المواهب المقدمة له:
“كل يون بالنسبة لي يجب أن يكون أكثر من عقبة أحاول أن أتخطاها أو فترة زمنية عليّ أن احتملها، أو ساعات متتابعة يجب أن أعيشها. كل يوم، بالنسبة لي، يأتيني من يدي الله مخلوق بفرص جديدة لكي أتمم إرادته…. ومن جانبنا يمكننا أن نقبل وأن نقدم له كل صلاة، وعمل، ومعاناة تصادفنا في هذا اليوم، بغض النظر عن مدى أهميتها بالنسبة لنا. ومع ذلك فبين الله والإنسان لا توجد لحظات غير هامة، وهذا هو سر العناية الإلهية”.
وأخيراً؛ وفوق كل ذلك، تعلم سيزيك الثقة في الله. ويسجل كتابه الحزن والألم الذي يعانيه للتغلب على شكوكه والثقة في الله عندما يجد كل شيء في الحياة يظهر كما لو كان ضده. وتعلم ذلك بمراقبة إيمان الفلاحين من حوله. “كان الله بالنسبة لهم حقيقة مثل والدهم، أو أخيهم، أو أعز أصدقائهم”. وقد لا يستطيعون التعبير عن ذلك بالكلام، ولكن في أعماقهم يؤمنون بأمانة الله. ويثقون في الله، ويلجأون إليه في الأوقات الصعبة، ويشكرونه في أزمنة الانفراج والرحب، وإن كانت قليلة، وهم على استعداد لأن يفقدوا كل شيء في العالم على أن يُغضبوا الله، ويتوقعون أن يكون معهم طوال الأبدية.
تحير سيزيك في فهم الشعور بحضور الله. ففي معسكر سجن سيبيريا تعلم حقيقة هامة: “بالإيمان نعلم أن الله موجود في كل مكان، ويوجد لنا عندما نطلبه. ولهذا فنحن الذين يجب علينا أن نضع أنفسنا في حضرته، ونعود إليه بالإيمان، وننتقل من الخيال إلى الإيمان بأننا في حضرة أب محب يقف دائماً على استعداد لأن يستمع لقصصنا الطفولية، ويستجيب لثقتنا الطفولية البسيطة”.
وعندما قرر أن يسلم نفسه لإرادة الله، علم سيزيك أنه كان حينئذ يعبر حاجز الثقة الذي كان يخافه دائماً. ومع ذلك وعندما عبره “كانت النتيجة لا شعوراً بالخوف، بل شعور بالتحرر”.
عندما أراجع رحلتي في الحياة يمكنني أن أرى المخاطر المحزنة في الإيمان الطفولي. كان عليّ أن أتعلم أن الحياة ليست عادلة، وأن الله لن يمهد لي بطريقة سحرية أرض الملعب. وتعلمت
” من هو الأعظم في ملكوت السماوات؟ سأل التلاميذ هذا السؤال لأنهم كانوا يحاولون باجتهاد معرفة الإجابة، وأراهم الرب طفلاً لا يعرف ما هو ملكوت السماوات، ولا معنى السؤال الذي سأله التلاميذ. ثم طلب منهم يسوع أن يكونوا مثل هذا الطفل الصغير، لا يعرف بمعنى يفهم، ولا يهتم بمعنى يقلق”
فريدرك بوتشنر
أن الناموس لا يعلمني الفضيلة، أو النضج، بل ربما يعلمني عكس ذلك. وتعلمت أن الاتكال الخاطئ على الآخرين يمكن أن يوقف النمو الروحي.
إنني ما زلت أسعى لبساطة إيمان الأطفال الناضج. وقد استفدت من أفكار والتر سيزيك. وبالرغم من أن ظروفنا مختلفة فالتحدي متشابه: أن نثق بأن طريق الله هو الأفضل دائماً. وحالة الطفل تمثل حالتي في علاقتي مع الله، لأنني خليقة ساقطة تبحث عن علاقة مع الخالق الكامل.
الليتورجيا والإنجيل – قراءة ليتورجية للإنجيل وقراءة إنجيلية لليتورجيا
الليتورجيا والإنجيل – قراءة ليتورجية للإنجيل وقراءة إنجيلية لليتورجيا
الليتورجيا والإنجيل – قراءة ليتورجية للإنجيل وقراءة إنجيلية لليتورجيا
الباحث رأفت موسى ذكري
أولاً: الاستخدام التاريخي والكتابي لكلمة ”ليتورجيا”:
كلمة ليتورجيا λειτουργι’α كما هو معروف هي كلمة يونانية معناها الحرفي عمل الشعب أو العمل الجماعي[1]، وكلمة الإنجيل Εὐαγγελιον هي أيضًا كلمة يونانية تعني البشارة المفرحة. غير أن مبحثنا الأساسي ليس مبحث لغوي بقدر ما هو محاولة للولوج داخل العلاقة بين المفاهيم الأساسية للكلمتين. استخدمت كلمة ليتورجيا في العالم اليوناني القديم للتعبير عن معني الخدمة الإلزامية أو الإجبارية المفروضة علي العبيد بشكل خاص أو علي الشعب بشكل عام[2]، وفي الترجمة السبعينية استخدمت الكلمة ومشتقاتها أولاً كترجمة للفعل العبري ‘ebhodha’h والذي يعني عبودية للتعبير عن عبودية الشعب العبري في مصر[3]، أو جاءت بمعني يعمل أو يشتغل[4]، أو بمعني خدمة الرب يهوة (أقليل عليكم أن اله إسرائيل أفرزكم من جماعة إسرائيل ليقربكم إليه لكي تعملوا خدمة مسكن الرب و تقفوا قدام الجماعة لخدمتها)[5]، وفي العهد الجديد جاءت الكلمة 15 مرة بثلاث صورة مختلفة[6]:
أولاً: بصيغة فعلية[7]
ثانيا: بصيغة وصفية للأشياء[8]
ثالثا : بصيغة وصفية للأشخاص[9]
هذا معناه أن الشخص أو الشيء أو العمل نفسه كلها أمور ليتورجية بمعني أنها تخص الجماعة، ولكن التساؤل متى استقر حصر المعني في الصلاة الطقسية؟ والإجابة علي هذا السؤال هي. إن الصلاة الطقسية هي التي حصرت الكلمة لان في هذه الصلاة تم حصر كل أنواع الخدمة، من خدمة فقراء أو خدمة عامة، أو أسرار كنسية أخري كالمعمودية ، الكهنوت ، الزيجة. إذا الصلاة الليتورجية هي الحدث الحاصر لكل عمل تعمله الكنيسة، وان كان هناك بعض الأعمال الآن تتم بعيداَ عن الليتورجية، إلا أنها لا تتم بمعزل عن السياق الليتورجي.
ثانيًا: الإنجيل في الليتورجيا
ما قدمناه هو نوع من أنواع الحصر اللغوي لتاريخ استخدام كلمة ليتورجيا حتى يمكننا من خلاله أن ننطلق إلى فهم العلاقة العميقة بين الليتورجيا والإنجيل.
تتميز الكنيسة القبطية بقراءات كتابية لا توجد في معظم الكنائس ، فالكنيسة القبطية تقرأ 9 قراءات يومياَ علي الأقل من الكتاب المقدس[10] بخلاف ما تقرأه من مزامير وأناجيل في صلاة الأجبية. ما كل هذا الزخم الكتابي الذي تحياه الكنيسة ؟ هذا هو سر الكنيسة. إن الإنجيل وهو البشارة المفرحة الخاصة بشخص الرب يسوع المسيح هو عمق وسر الكنيسة، يقول القمص تادرس يعقوب ملطي: نستطيع أن نقول إن من يرى الكنيسة كما هي إنما يعاين السيد المسيح رأسها؛ هي سر المسيح الذبيح وجسده [11].
الليتورجيا المسيحية تعي عمقها اللاهوتي في شخص الرب يسوع، الذي هو ابن الله الكلمة المتجسد في الزمن، سر المسيح الذي استلمته الكنيسة تفتش عنه في ” كتاب ميلاد يسوع المسيح “[12]. والبديع حقا أن الكنيسة تتعامل مع الكتاب بمرونة فنجد أن الفصل الواحد من الإنجيل يُقرأ في مناسبات مختلفة فمثلا يقرأ الفصل الخاص بالسامرية في الأحد الرابع من الصوم الكبير، وفي الأحد الثالث من الخماسين، والأول تؤكد الكنيسة فيه علي مفهوم التوبة، والثاني تؤكد فيه علي مفهوم الكرازة، والذي يوضح الهدف من القراءة الإنجيلية، هو المحتوى الموجود في القراءات الأخرى، وهكذا تستوعب الكنيسة سر عريسها منذ البشارة المفرحة التي صارت بتحية السلام لسيدتنا القديسة مريم، حتى السلام الذي تركه لنا المسيح وهو صاعد إلي أبيه جسديًا معطيها وعده بإرسال الروح الذي يذكرها بكل عملة[13]، ومؤكدًا أنه معنا إلي إنقضاء الدهر[14]. فالكنيسة لا تقرأ الإنجيل كحدث تتذكره؛ خاص بشخص المسيح الذي ظهر في التاريخ ، ولكنها تقرأ الإنجيل كمقابلة شخصية مع عريسها القائم وكأنه مذبوح والذي يعطي نفسه لها من خلال الاستعلان الافخارستي. فالكنيسة تري نفسها واقفة عند البئر مع السامرية، وتري نفسها مع التلاميذ في السفينة حيث يبدو يسوع نائما، تري نفسها مع المولود اعمي، وتستقبل من عريسها حضوره المنير، فالأشخاص الذين تقابلوا مع المسيح هم الكنيسة في كل زمان وفي كل مكان.
إذا الليتورجيا هي الذاكرة الحافظة لعمل المسيح مع الكنيسة والذي نقرأه في الإنجيل مشروحا بواسطة الاحتفال الليتورجي. والكنيسة بدون ليتورجيا لا تعدو أكثر من مجرد كيان اجتماعي، ولكن بالليتورجيا تكون الكنيسة هي جسد المسيح الذي يكمل فيها وبها بنيانه[15]. هكذا تقرأ الكنيسة الإنجيل.
ثالثًا :الليتورجيا في الإنجيل:
توجد أشارات عديدة لليتورجيا في الإنجيل، فكما وجدنا أن الليتورجيا هي الذاكرة الحافظة للخلاص، نجد أن الإنجيل هو الاستعلان الموحي به لتسجيل الحدث الخلاصي. ” ثم ابتدأ من موسى و من جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب … فلما اتكأ معهما اخذ خبزا و بارك و كسر و ناولهما فانفتحت أعينهما و عرفاه ثم اختفى عنهما “[16]. هذا النص الإنجيلي يوضح أن انفتاح العيون لفهم كلمة الله الموحي بها للبشر لن يتم إلاّ من خلال الاتحاد الافخارستي، فتلميذا عمواس لم يفهما إلاّ من خلال اتحادهما بذاك الذي قال “من يأكل جسدي و يشرب دمي يثبت في وأنا فيه “[17].
هناك كلمة هامة قالها القديس بولس حينما تكلم عن الافخارستيا “لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا أن الرب يسوع في الليلة التي اسلم فيها اخذ خبزا شكر فكسر و قال خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم اصنعوا هذا لذكري “[18]. كيف يقول بولس إني تسلمت من الرب، وهو لم يكن معهم في العشاء الافخارستي؟! هو يقول هذا طبقا لمعني كلمة “لذكري” وهي كلمة تحمل في طياتها اختزال الزمان والمكان، فكما آمن بولس أننا دفنا معه وقمنا معه وأصعدنا معه، هكذا كنا معه حينما سلم التلاميذ سر الكنيسة، ولتوضيح هذا، يجب أن نفهم معني الكلمة التي يقولها الكاهن في القداس قبل سر حلول الروح القدس ” ففيما نحن أيضًا نصنع ذكر آلامه المقدسة وقيامته من الأموات وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمينك أيها الآب وظهوره الثاني الآتي من السموات المخوف والمملوء مجدا، نقرّب لك قرابينك من الذي لك “.
ما معنى أننا نصنع ذكر آلامه؟ وما معني أننا نقرب لك قرابينك من الذي لك؟ يقول الكاهن في صلاة التقدمة ” … أنت هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. سبقت أن تجعل ذاتك حملا بلا عيب عن حياة العالم. نسألك ونطلب من صلاحك يا محب البشر أظهر وجهك علي هذا الخبز وعلي هذه الكأس هذين الذين وضعناهما علي هذه المائدة الكهنوتية التي لك …”. وتذكر أنافورا القديس غريغوريوس بكلمات أكثر وضوحا ” يا الذي بارك في ذلك الزمان … يا الذي أعطى تلاميذه القديسين في ذلك الزمان الآن أيضًا يا سيدنا أعطنا وكل شعبك يا ضابط الكل ..” هذه المائدة هي مائدة الرب، وهو هو القائم في كل زمان وفي كل مكان يبارك ويقدس ويعطي. وهكذا فليس الرسول بولس فقط هو الذي يقول إن هذا ما استلمته من الرب بل كل الكنيسة تستطيع أن تقول إن هذا هو ما تسلمناه من الرب، هو عريسها قائم كل حين في وسطها. هذا ما جعل القديس أغسطينوس يقول [ إنه عندما كان السيد المسيح علي الأرض منظورًا كانت الكنيسة مختفية فيه، يفعل كل شئ لحسابها، والآن صعد السيد المسيح إلي السماء وصار مختفيًا في كنيسته، فتعمل هي كل شئ باسمه ولحسابه ][19]، كما يذكر القديس إيريناؤس [ إذا نحن نقدم ماله نعلن علي الدوام تبعيتنا واتحادنا بالجسد والروح ][20].
رابعًا: ما بين الليتورجيا والإنجيل:
إن الإشارات السابقة ـ كانت علي سبيل المثال وليس الحصر ـ توضح الترابط الشديد بين الليتورجيا والإنجيل فلا يمكن أن نحيا الإنجيل بدون الاستعلان الليتورجي، وبدون الإنجيل لا نستطيع أن نحيا الحياة التي تعلنها الليتورجيا وهي أن “… نجد نصيبًا وميراثًا مع جميع القديسين “[21].
فالإنجيل هو بشارة مفرحة تستعلن ليتورجيًا، والليتورجيا هي عمل الكنيسة يستعلن إنجيليًا، أي أن الإنجيل هو بشارة لكل العالم لإعلان حياه يسوع المسيح، هذا الإعلان تحياه الكنيسة وتستوعبه لتقدمه في شكل عبادة طقسية تشترك فيها كل الجماعة مع رأسها الذي هو عريسها. هكذا تصلي الكنيسة “ شعبك وكنيستك يطلبون إليك وبك إلي الآب معك… “[22] فالكنيسة لا تستطيع بدون المسيح أن تتقدم إلي الآب كعروس بغير غضن[23]، فالابن المتجسد هو بكر[24] ورأس الكنيسة [25] الذي تتقدم من خلاله كل البشرية التي قبلته فصاروا أبناء الله[26].
البشارة التي أعلنها الملاك جبرائيل كانت ” أن المولود هو عمانوئيل أى الله معنا“[27]، والبشارة التي أعلنها السمائيون في الميلاد للرعاة ” فرح عظيم لجميع الشعب ” [28]، فالكنيسة تحيا هذا الفرح بسبب مسيحها الكائن في وسطها بمجد أبيه والروح القدس.
[1] Il termine λειτουργια nella grecita biblica ،in (Miscellena Mohlberg)، Vol.II،Roma 1949،467ـ519
2 المرجع السابق
3 خر2: 23، 5: 9
4 خر6: 6
5 عد16: 9
[6] THE GREEK NEW TESTAMENT ،Fourth Revised Edition 1993
7 انظر (أع13: 2 ـ رو15: 27 ـ عب10: 11)
8 انظر لو1: 23 – 2كو9: 12 ـ في2: 17 ـ عب 8 :6 ،9: 21
سيبقى على الأرجح وجود مصادر الأناجيل وقيمتها مواضيع حية للنقاش في البحوث التي تتطرق للعهد الجديد. بعضهم يقبل بـ”ل”، حيث تجرى بحوث مؤخراً تستند إليه. وربما يبقي “م” مصدراً وحيداً لمتى. فمصدر إشارات يوحنا مقبول على نطاق واسع، إلا أن نطاقه موضع نزاع. كما أن “ق” مقبول كجزء من حل مشكلة الأناجيل السنوبتية، إلا أن الكثير من الجدل يخيم على أصله وتطوره وتفسيره.
على الرغم من الإجماع الذي يرافق “ق” ويرافق “ل” ويرافق مصدر الإشارات الخاص بيوحنا إلى درجة أقل بكثير، تبقى هذه المصادر افتراضية. فمهما كانت درجة الإجماع لا يمكن لها التوصل إلى اليقين في هذا الصدد، ويمكن للطبيعة الافتراضية لهذه المصادر أن تنقشع فقط عن طريق اكتشاف وثائق حقيقية أو مراجع موثوقة لها في وثائق أخرى غير مكتشفة، وهذا أمر غير مرجح. وعلاوة على ذلك، قد تكون هذه المصادر ناقصة. فنحن نعرفها فقط لأن الأناجيل استخدمتها، ولا نعرف فيما لو كانوا قد استخدموها بالكامل.
ولا يمكننا إعادة بناء الصياغة الدقيقة لنصل لدرجة اليقين، ولا نستطيع التأكد من ترتيبهم الداخلي الصحيح. فينبغي دائماً إبقاء الطبيعية الافتراضية لهذه المصادر المعاد بناؤها نصب أعيننا. ولنأخذ مثالاً صغيراً، في رأيي ينبغي الاستشهاد بفقرات “ق” بصيغة: لوقا (فصل كذا، آية كذا)، أو لوقا (فصل كذا، آية كذا) “ق”، وليس بصيغة: “ق” (فصل كذا، آية كذا).
كما ينبغي على البحوث أيضاً الترجيب بالأصوات المعارضة التي تتحدى وجود هذه المصادر، والطريقة التي أعاد بها النقاد بناء هذه المصادر، واستخدام البحوث التي تجرى على العهد الجديد لتلك المصادر. كما ينبغي على نقاد المصادر توخي الحذر في أعمالهم.
وعلى الرغم من تطبيق أي عملية نقدية على مصادر الأناجيل بعناية، إلا أن ذلك يبقي محاولة ضرورية وغالباً ما تكون مثمرة. قد يرفض الرافضون ذلك تماماً معتبرين ذلك مشروعاً افتراضياً بطبيعته، لكن من الناحية الثانية، تبقى أي نظرية مصممة لتفسير المشكلة المتعلقة بالأناجيل السينوبتية نظرية افتراضية، حيث ينشأ نقد المصادر إلى حد كبير من النص نفسه وهو محاولة لإيجاد حل لألغازه. كما أن المقترحات الراديكالية هي موضع ترحيب باعتبارها جزءاً من النقاش الدائر حول أصول المسيحية.
وطالما أن الفرضيات تخضع لعمليات اختبار، وأن الأمر الافتراضية يتم مقارنتها مع ما هو معروف نسبياً أنه يتحلى بمزيد من اليقين، فبصورة عامة ينبغي المضي قدماً في المناقشة.
ما يزال يشكل البحث في “ل” وفي مصدر إشارات يوحنا ثقلاً مقابلاً لكن أقل قيمة بالنسبة للبحث الذي يجرى على “ق”. وكما رأينا، يتمتع “ل” بنفس قدر إدعاء “ق” أو أكثر بأنه يحتفظ بتقاليد يسوع الأصلية. بشكله السردي، وألقابه المسيحانية، ومعجزاته، يقدم مصدر إشارات يوحنا الطباق اللازم لـ”ق”.
ففي كثير من الأحيان يميل هؤلاء الذين يعززون قيمة “ق” إلى إغفال مصادر الإنجيل الأخرى ويلمحون إلى أن “ق” هو الذي يمثل المجتمع الفلسطيني الأول، لكن لن تتضح المساهمات النسبية لجميع المصادر إلا عند اتخاذ رؤية شاملة لمصادر الأناجيل.
ماذا حدث لهذه المصادر التي لم تعد موجودة؟ من الواضح أنها، وبغض النظر عن كونها استخدمت في الأناجيل، اختفت دون أن تترك أي أثر. فلم ينجُ أي دليل مكتوب، ولم يذكر أي كاتب مسيحي قديم تلك المصادر.
كما لا يعتبر هذا الصمت في حد ذاته بالضرورة دليلاً على أنها لم تكن موجودة، كما يدعي مايكل غولدر. إن التفسير الذي يُطرح عادة هو أنه عندما تناول كتاب الأناجيل تلك المصادر، أصبحت قديمة و”فقدت”. هذا معقول جداً، لكن المجتمعات التي استخدمتها ونسختها أيضاً اختفت على الأرجح في الكنائس التي استخدمت الأناجيل الكاملة.
أحياناً يكون هناك تمييز بين لاهوت المصادر وبين لاهوت الأناجيل حيث تم الحفاظ عليها. لكن هل استخدم كتّاب متى ومرقص ولوقا المصادر بصورة تتعارض تماماً مع آرائهم الشخصية؟ هذا بالكاد يكون ممكناً. ينبغي علينا أن نفترض على الأقل بعض التوافق في اللاهوت بين الأناجيل ومصادرها. فاعتماد متى وتكيفه مع مسيحية حكمة “ق” يوفر قضية بارزة في صميم الموضوع. فقد استخدم كتاب الأناجيل مصادرهم وجمعوها في بعض الأحيان مع مصادر أخرى ودائماً ما كانوا يجمعون معها مساهماتهم الإنشائية الخاصة بهم.
لقد وضع “ق” في سياق أوسع، بإطار سردي لتعاليم يسوع المأخوذة إلى حد كبير من مرقص وبسرد عن الآلام والقيامة في النهاية. كما قام لوقا بدمج مصدره “ل” أيضاً، جاعلاً إياه يتفق مع أفكاره الدينية عموماً. وقد استخدم كاتب الإنجيل الرابع مصدر الإشارات في جزء كبير من النصف الأول لعمله، مؤكداً ومصححاً لرؤيته للإشارات أثناء كتابته.
وهكذا، قد يكون كتّاب الأناجيل نظروا إلى مصادرهم على أنها تقاليد صحيحة عن يسوع، إلا أنها تحتاج إلى الإضافة والصحيح. وقد يكون هذا جزءاً مما يعنيه لوقا عندما قال إنه تتبع “كل شيء” من الأول بتدقيق (لوقا 3:1). بطريقة أو بأخرى، واصلت الكنيسة هذه العملية عن طريق إدراج أربعة أناجيب في العهد الجديد، وبذلك تبقى تتمتع بأربع وجهات نظر، حتى أن المسيحيين المتعلمين تمتعوا بتنوع أكثر، إذا أردنا التحدث وفق ما يقول نجع حمادي.
تتنوع صورة يسوع التي تنبثق من هذه المصادر. فـ”ل” يصور يسوع على أنه المعلم المخول من الله، حيث تدعم معجزاته زعمه. ومصدر إشارات يوحنا يصوره على أنه مسيح الله، حيث يجلب الإيمان به الحياة. أما “ق” فيصوره على أنه وكيل الله في الملكوت. وتنخفض مسيحانية هذه المصادر بالمقارنة مع المسيحانية الكاملة للأناجيل، لكن هذا أمر متوقع. فجميع المصادر تتحدث عن العلاقة بين تعاليم وأعمال يسوع وبين شخصه.
فكلهم يدعون أن يسوع هو رسول الله المخول، ويصرون على أن موقف الشخص تجاه رسالة يسوع وشخصه تحدد موقف هذا الشخص من الله. وبهذا المعنى، فهم لا يمثلون “حركات يسوع” وإنما يمثلون المسيحية. رؤية يسوع هذه مهمة عندما نفكر بالطريقة التي نظر فيها أولئك الذيم قرؤوا تلك المصادر إلى موت يسوع وقيامته.
فلو كانت تعاليم يسوع مهمة في “ق” فقط، ولو لم يكن يسوع هو “وسيط” لحكم الله، حينها لن تكون حياته وموته وقيامته ذات أهمية. لكن في حال كان شخصه وتعاليمه مرتبطين ببعضهما بعضاً، حينها سيكون الباب مفتوحاً أمام هذه الوثائق ومجتمعاتها للانضمام إلى الأناجيل المتطورة والكاملة وكنائسها التي صنعت هذا الارتباط.
أخيراً، هل ينبغي لنا أن نعيد بناء المسيحية الحديثة على أساس مصادر تعود لحقبة ما قبل الفترة الكنسية؟ هل ينبغي، على سبيل المثال، إدخال “ق” إلى القانون الكنسي للعهد الجديد؟ لقد أصر روبرت فنك على برنامج كهذا.
إن هذا الأمر يعد إلى حد كبير مسألة لاهوتية، حيث لا يمكن للدراسة التاريخية إلا أن تقدم إجابة جزئية فقط. ومع ذلك ونظراً لأن طبيعة المعتقد المسيحي يستند إلى التاريخ، تعتبر هذه القضية قضية مهمة، وينبغي أخذ المحاذير الأربعة التالية بعين الاعتبار.
أولاً، ما هو التفسير الذي ينبغي على المسيحية الاستناد إله من بين هذه التفاسير الكثيرة لـ”ق”؟
ثانياً، إذا تم “إعادة النظر” في المسيحية على أساس “ق” فإن ذلك يعني تجاهل المصادر الأخرى التي جاءت قبل الفترة الكنسية التي تقدم أيضاً رؤية مبكرة ليسوع.
ثالثاً، إذا تم تغيير المسيحية على أساس البحث التاريخي فقط فذلك يعني تجاهل قيود المعرفة التاريخية. إن كانت عمليات البحث غير قادرة على اكتشاف متى ومن هو الذي أطلق المصطلح “ق” في القرن التاسع عشر بصورة أكيدة، وبالضبط ما الذي يعنيه هذا المصطلح بالنسبة لأولئك الذين استخدموه لأول مرة، كيف يمكن لعمليات البحث إعادة بناء وثيقة “ق” التي تعود للقرن الأول بدرجة من اليقين حيث سيخاطر الناس بحياتهم هذه وحياتهم الثانية بناءً عليها؟
رابعاً، ينبغي على المرء، عند التفكير ملياً في احتمالية إعادة بناء أصول المسيحية، النظر في الاستبعاد المتزايد لتلك الاحتمالات التي ترتكز على فرضيات متتالية ومتعددة.
وتنص نظرية الاحتمالات على أن احتمالية التوصل إلى نتيجة تتم عن طريق مضاعفة احتمالات كل حلقة في السلسلة التي تفضي إلى الاستنتاج. في هذه الحالة ترتكز نتيجة أن المجتمع الأول لـ”ق” يمثل أفضل نموذج للمسيحية على خمس افتراضات على التوالي:
1-أولوية مرقص.
2-وجود “ق”.
3-إعادة بناء صياغة “ق”.
4-التصنيف الطبقي الصحيح لـ”ق”.
5-الحكم النسبي بأن نسخة “ق” الأولى هي النسخة الأكثر تمثيلاً لتعاليم يسوع بالمقارنة مع غيرها من المؤلفات المسيحية الأولى.
ولمواصلة المسير نحو (5) في الوقت الذي يقبل فيه علماء العهد الجديد بـ(1) و(2)، يجب جعل هذا الموقف أكثر غموضاً والتباساً وبصورة متسارعة. وهذا لا يعني أنه لا يمكن أو لا ينبغي القيام بذلك، بل يعني أنه ينبغي على هؤلاء الذين يواصلون المسير نحو (3) و(4) و(5) الاعتراف بالضعف المتزايد لمواقفهم. وسينشغل مستقبل دراسات “ق” بكل الاحتمالات بمسألة أهمية “ق” القديمة والحديثة.