الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

الإيمان وموجباته المنطقية  بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله

تؤمن الكنيسة المسيحية الحقة بأن الكتاب المقدس هو كلمة إعلان من عالم آخر، مصدرها الله، إله السماء المثلث الأقانيم. الدليل على كونها كلمة معلنة، منتشرة على صعيد واسع ومتكرر على صفحات الأسفار المقدسة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مصدرها الإلهي، وعصمتها، وحقيقة كونها منزهة عن الخطأ.

كنت في الفصل الثاني تناولت تعليم يسوع بخصوص المصدر فوق الطبيعي للكتاب المقدس، واكتساب تعليمه بالطبع أهمية بالغة. وفي هذا الفصل الثالث، أود الاستفاضة أكثر في شهادة الكتاب المقدس عن نفسه، الأمر الذي يظهر أنه فعلاً كلمة الله المعلنة والموحى بها. سنرى كيف أن الكتاب المقدس ولو أقدم رجال على كتابته بأكمله، فهو يظهر لنا أيضاً على أنه كلمة الله بالتمام، ذلك لأن روح الله الحي هو الذي أوحى لرجال كتابته على صعيدي الكل والأجزاء. إلا أن العلاقة بين كُتاب الكتاب المقدس من جهة وروح الله من جهة أخرى.

لم تكن من قبيل مجرد التعاون أو المشاركة في التأليف. فالرجال ما كان بوسعهم أن يكتبوا الكتاب المقدس (ولا كانوا ليحاولوا الإقدام على ذلك) بمعزل عن عمل الإشراف الذي قام به الروح القدس. فالروح القدس هو مؤلف الأسفار المقدسة بشكل أساسي وأعمق مما كان بمقدور الكتاب البشريين أن يكونوا عليه (أو يتمنون ذلك). كان الله هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة (أوكتر بريماريوس سكريبتورا ساكرا). أما الكتاب البشريون فيعتبرون كتاب الكتاب المقدس على قدر ما كلفهم الروح القدس بذلك، وأطلقهم ودفعهم إلى الكتابة (مانداتم أوت إمبلسم سكريبندي). فالكتاب المقدس في الكل أو في الجزء، لم يكن ليوجد للحظة واحدة لولا تكليف الروح القدس وطابع الوحي فيه.

لذا، فإن اعتبار الكتاب المقدس مجرد مكتبة من الوثائق القديمة الجديرة بالثقة على وجه العموم (كيف بوسع أحدهم التحقق من هذا؟) من نتاج مؤلفين بشر، كما يرغب بعض المدافعين الإنجيلين في القيام به (على الأقل في البداية) كجزء استراتيجيتهم الدفاعية[1]، فإن هذا ينطوي على تجاهل الحقيقة الأكثر جوهرية حول الكتاب المقدس مع الادعاء الرئيس للكتاب المقدس حول نفسه.

إن اقتناع الكنيسة بكون الروح القدس هو المؤلف الرئيس للأسفار المقدسة يحتم اقتناعاً آخر، هو أن تأثير إشراف الروح القدس في أذهان الكتاب فيه الضمان على أنهم سيكتبون بكل دقة ما أرادهم الله أن يقولوه. بكلام آخر، بما أن إله لاحق، من خلال روح الحق، أوحى إلى كتاب الكتاب المقدس كتابة ما أرادهم أن يكتبوا، فيكون قد أسفر عن ذلك في النهاية نتاجاً منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية.

أما الشخص الذي يؤمن بأن الله، إله الحق، أوحى بالكتاب المقدس، لكن الكتاب المقدس لم يكن منزهاً عن الخطأ في صيغته الأصلية، فأقل ما يقال فيه أنه يعاني مشكلة رئيسية من زاوية فلسفة المعرفة. إلى ذلك، إن فاتنا إدراك صوت السيد من خلال الأسفار المقدسة وهو يخاطبنا بحقه المعصوم من عالمه إلى عالمنا، نحن بذلك ندمر نفوسنا ليس من زاوية المعرفة وحسب، بل شخصياً أيضاً.

ذلك لأننا بفعلنا هذا إنما نتخلى عن الأساس الأوحد لمعرفتنا اليقينية “والركيزة ذات معنى” الوحيدة التي تمكننا من المعرفة الحقة لله الواحد اللامتناهي والشخصي، وبالتالي أنفسنا كأشخاص أصحاب كرامة وقيمة[2]. والآن، لماذا على المسيحيين أن يؤمنوا بكل هذا؟ ولماذا عليّ أنا وأنت ان نؤمن به؟

[1] راجع

Benjamin B. Warfield, The Inspiration and Authority of the Bible (Philadelphia: Presbyterian and Reformed, 1948), 210; John Warwick Montgomery, History and Christianity (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 1972) 25-26; R. C. Sproul, John Gerstner, and Lindsley, Classical Apllogetics (Grand Rapids: Zondervan, 1984), 137-55.

[2] راجع كتابي

The Justification of Knowledge (Phillipsburg, N. J. : Presbyterian and Reformed, 1976)

حيث حاججت حول كون الكتاب المقدس يبقى الأساس الأوحد للمعرفة اليقينية عند الإنسان. إن جزءًا ضرورياً من كامل حجتي هناك، هي أن الكتاب المقدس كإعلان إلهي، يقوم بالضرورة بإثبات صحته بنفسه أو يصادق بنفسه على نفسه، بما أنه يحمل في طياته مؤشراته الإلهية (انديسيا) (15-16؛ راجع في هذا الصدد Westminster Confession of Faith I/v أنا أصر أيضاً على أن الكتاب المقدس، بفضل عقيدته عن الخلق، يمنح الإنسان الأساس الأوحد لتسويغ وجود وقيمة لشخصه وسنسهب أكثر في الحديث عن هذا لاحقاً.

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – أمثال المسيح – ما هي وما هي أنواعها وكيفية فهمها؟ – بحث مفصل

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

المبدأ الإرشادي: قم بتفسير الأمثال بدقة بحسب المبادئ الخاصة التي يتطلبها هذا النوع من الأساليب الأدبية.

عندما صار الكلمة الأزلي بشراً، ظهر إعلان الله عن ذاته في كل من أعمال وأقوال يسوع المسيح. ومع ذلك كان من اللازم أن يتم تفسير أعماله بالكلمات – سواء كلماته هو أو كلمات الأشخاص الذين اختارهم لكي يتحدثوا عنه، أي الرسل. لذلك فإن تواصل المسيح اللفظي مع الناس هو أمر جوهري لفهم الله وحقه. وقد اختار المسيح أن يكون الكثير من تواصله اللفظي مع الناس عن طريق الأمثال. ولذلك فإنه من الأهمية بمكان أن نفهم هذا النوع الخاص من الصيغ الأدبية.

المثل هو قصة قصيرة من قصص الحياة الواقعية، وهو مصمم لتعليم حقيقة ما أو للإجابة على سؤال معين. وفي تعاليم يسوع، كان للمثل هدف إضافي، فقد أخبرنا، كان رأينا، أنه من إحدى أهدافه إخفاء الحق عن الأشخاص غير المتجاوبين، بينما جعله واضحاً للمستجيبين. وقد لاحظنا في الفصل الأخير أن المثل هو جزء من صيغة أدبية مميزة تسمى “تشبيه المقارنة”. وهو يشبه الاستعارة، لأن المقارنة عادة ما تكون ضمنية أكثر مما تكون مذكورة بوضوح.

ولا بد أن نقوم بالتمييز بين المثل والحدث التاريخي. فكثيراً ما تستخدم الأحداث التاريخية كشرح توضيحي، لكن المثل هو صياغة في صورة قصة تهدف خصيصاً إلى تعليم حق معين. ورغم أن المثل، تعريفياً، ليس تسجيلاً لحدث تاريخي، ولكنه لكي يكون مثلاً لا بد وأن ينطبق على الحياة الواقعية. لذلك فالمثل يختلف عن تشبيهات المقارنة الأخرى، مثل المجاز والرموز النبوية، التي قد تنطبق على الحياة أو لا تنطبق عليها.

سوف نقوم هنا باستكشاف ستة إرشادات أساسية لفهم الأمثال، وهي: ابدأ بالسياق المباشر القريب، تعرف على الهدف المحوري، حدد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع، حدد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع، قارن بين المقاطع المتشابهة والمتضادة، وابن العقيدة أو التعليم على مقاطع حرفية واضحة.

 

ابدأ بالسياق المباشر

في مثل الابن الضال (لوق 15: 11-32)، ترى من هو الشخصية الرئيسية؟ ما الأمر الذي تعتبره هو الهدف الأساسي من القصة؟ بالتأكيد يشير العنوان الذي أعطيناه للمثل إلى الشخصية الرئيسية في نظر معظم المسيحيين. لكن هناك من يعتبرون أن الأب هو الشخصية الرئيسية. لكن هذا المقطع يستخدم عادة لتوصيل تلك الرسالة التبشيرية: أنه مهما كان بعدك و ضلالك، ارجع إلى بيت أبيك السماوي، وهو سوف يقبلك.

لكن هل هذا هو الغرض الذي كان في ذهن يسوع في الأصل عندما روى هذا المثل؟ أول وأهم مبدأ إرشادي لفهم الأمثال هو فحص السياق المباشر. فعادة ما يوجد في المثل عنصران جوهريان في السياق، وهما: المناسبة التي قيل فيها المثل، وتفسير معناه.

 

المناسبة التي قيل فيها المثل

كل الأمثال تقريباً لها مناسبة تاريخية واضحة هي التي أدت إلى رواية القصة. وعلى الرغم أنه قد يكون من المقبول أن نطبق مثل الابن الضال (لو 15) بطريقة تبشيرية، إلا أن الموقف الذي كان يسوع يتحدث بشأنه في الأساس يشير بوضوح تام إلى هدف آخر. كان يسوع يتحدث إلى أشخاص متدينين اعترضوا على قبوله السريع والمرحب بالخطاة. لذلك يمكن للمرء أن يستنتج أن الشخصية الرئيسية في القصة هي الابن الأكبر.

بالتأكيد كان الفريسيون الذين يمثلون “الأخ الأكبر”، هم الذين يخاطبهم يسوع بالمثل. والحقيقة أن الهدف من القصة كان هو التضاد بين الأخ الأكبر والأب المحب الغفور كما يتمثل في يسوع نفسه. ويكون سياق المثل في تلك الحالة، كما في كل حالة، له أهمية أساسية في اكتشاف المناسبة والتعرف على الهدف من المثل.

في بعض الأحيان يتم تفسير معنى المثل في شكل تطبيق. ونجد مثل هذا التطبيق في متى 24: 44، “لذلك كونوا أنتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان”. وفي متى 25: 13، “فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان”.

إلا أنه ليست كل الأمثال يكون هناك تفسيرات لمعناها. لكن عندما يقوم يسوع بتفسير معناها أو عمل تطبيق لها، يكون هذا هو العامل المتحكم في التفسير. فيجب عندنا ألا نقحم معان أخرى على المثل.

 

التعرف على الهدف المحوري

بعد مثل الابن مباشرة، يسجل لوقا المثل الخاص بوكيل الظلم في لوقا 16: 1-15. من الواضح في هذا المقطع أن الخلفية يتم وصفها قبل وبعد المثل، مصحوبة بتفسير للمثل نفسه. فما هو الهدف من المثل؟ حيث أنه يقال عن يسوع في نهاية مثل الابن الضال، “وقال أيضاً لتلاميذه”، يمكن أن يظهر أن لوقا كان يقصد ربط تلك القصة بالمواجهة التي قام بها مع الفريسيين في المثل السابق.

ويتضح هذا الأمر أكثر في نهاية الرواية، حيث يكتب لوقا، “وكان الفريسيون أيضاً يسمعون هذا كله وهم محبون للمال فاستهزأوا به” (ع 14). لذلك فالمواجهة مع الفريسيين لا تزال مستمرة، لكن ما هو الهدف؟ هل كان يعلم الناس أن يغشوا؟ هل كان يعلم تلاميذه أن يستغلوا الآخرين؟ لقد اجتهد كينيث تيلور في تفسير هذا القسم، ثم توصل إلى استنتاج الترجمة التالية:

“لكن ترى هل أقول لكم أن تنصرفوا بهذه الطريقة، أن تشتروا الصداقة عن طريق الخداع؟ هل هذا يضمن لكم الدخول إلى البيت الأبدي في السماوات؟ كلا! لأنه إن لم تكونوا أمناء في الأمور الصغيرة، فلن تكونوا في الأمور الأكبر. ولو غششتم ولو قليلاً، فلن تكونوا أمناء في المسؤوليات الأعظم”. (لوقا 16: 9-10، TLB).

لقد قام المترجم هنا بتفسير المقطع ليعني عكس تماماً ما يبدو أن المقطع يقوله. هذا المقطع بلا شك مثير للارتباك بالنسبة للكثيرين. لذلك فإن التعرف على الهدف المحوري الذي يقصده التركيز عليه هو أمر أساسي في هذه الحالة ويقود المرء إلى الحل سريعاً. والهدف المحوري من هذا المثل واضح، لأن المسيح شرحه بوضوح في السياق. فهدف المثل ليس له علاقة بموضوع الخداع أو الغش.

ففي هذا المثل، لم يتم مدح وكيل الظلم بسبب خداعه، بل لقد تم مدحه لأنه “بحكمة فعل” بمعنى أنه استخدم موارده الحالية في التخطيط لأجل المستقبل، وهذه تعتبر حكمة. واستكمل يسوع بالشرح أن تلاميذه عليهم أن يستغلوا مواردهم الحالية للتخطيط للمستقبل “أبناء النور” في الحقيقة لم يقوموا بذلك، ولهذا السبب لم يكونوا حكماء. فقد كانوا يستخدمون مواردهم المادية الحالية لكي يعيشوا بها فقط، بينما كان يجب عليهم أن يستخدموها بحكمة للإعداد للبركات الأبدية في السماء. إذاً فإن يسوع يفسر بالتفصيل لماذا يجب مدح هذا الوكيل الحكيم.

إن الهدف المحوري هو السمة الرئيسية التي تميز المثل عن القصة الرمزية. ففي القصة الرمزية يقصد أن يكون هناك عدد من التشابهات المهمة بين القصة وحق روحي معين. أما في حالة المثل، فليس من المشروع ان نتعامل مع كل واحد من التفاصيل باعتبار أن له تطبيق روحي.

 

التعرف على التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

تحوي الأمثال العديد من التفاصيل التي لا يقصد منها تعليم حقائق روحية على الإطلاق، إذ ليست لها أهمية روحية. هذه التفاصيل يجب التعرف عليها ووضعها جانباً. فإن أية محاولة لتفسيرها يمكن أن تضلل الإنسان وتبعده عن المعنى الذي كان يقصده المسيح.

“ومن منكم له عبد يحرث أو يرعى يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعاً واتكئ، بل ألا يقول له أعدد ما أتعشى به وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أمر به. لا أظن” (لو 17: 7-9).

لو أنك رأيت هذه القصة يتم تصويرها في التليفزيون فكيف ستشعر بشأنها؟ هل كان المسيح هنا يقدس العبودية؟ هل كان يقوم بإرساء مبادئ العلاقة بين العامل ومديره؟ هل كان يعلم عن مواصفات السلوك الطيب والعطوف والمهذب؟ كلا، ليس لأي من هذه المفاهيم أهمية في المعنى المقصود من المثل. لقد قام المسيح بإنشاء قصة تتفق مع الحياة الواقعية في زمنه لكي يوضح هدفاً واحداً بعينه.

بفحص السياق سنجد أن المسيح كان يعلم التلاميذ عن توبيخ الأخر الذي يخطئ والغفران له عندما يتوب. فالهدف من القصة هو أننا لا نستحق الفضل أو المدح عندما نقوم بعمل الصواب. لذلك فإن هذه التفاصيل الأخرى لا علاقة بها بهذا الهدف المحوري، ويجب وضعها جانباً.

 

 التعرف على التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

التفاصيل ذات الصفة بالموضوع هي تلك المقصود بها أن تعلم حقيقة ما، ولذلك يكون من المشروع تفسيرها وتطبيقها. لكن كيف يمكن للمرء أن يعرف أية تفاصيل هي التي لها صلة بالموضوع وأي منها ليست له صلة بالموضوع؟ التفاصيل ذات الصلة بالموضوع هي التي تدعم دائماً الهدف المحوري.

ففي مثل الاين الضال، حقيقة أن الأب بقي في البيت، ولم يذهب للبحث عن ابنه، هي أمر ليس له علاقة بالموضوع. فيسوع لم يكن يعلن أن الأب لا يسعى لعودة الخطاة، لأنه قد أوضح عكس ذلك الأمر بالفعل في المثلين السابقين، الذي فيها قامت الأرملة بالبحث عن الدرهم المفقود، وذهب الراعي للبحث عن خروفه الضال. لكن إسراع الأب لملاقاة ابنه هو أمر له علاقة بالموضوع، ولذلك فإن له أهمية روحية.

كيف نعرف ذلك؟ لأنه يدعم الهدف المحوري، الذي كان يعبر عن إظهار ما في قلب الأب. وحقيقة أنه كان ينتظر الابن بشوق، وأنه لاقاه بفرح وقبول هو واحد من التفاصيل المهمة كذلك. عندما نفكر في هذا المبدأ الإرشادي، قد يكون من المفيد أن نقارن بين منهج الأمثال والأحداث التاريخية من ناحية، وبين الأمثال والاستعارات من ناحية أخرى.

 

الأمثال والأحداث التاريخية

هناك اختلاف كبير ما إذا كانت قصة الغني ولعازر (لو 16: 19-31) هي تسجيل لحدث تاريخي أم مثل. يعتقد البعض أن تاريخية القصة يجب الحفاظ عليها، خشية أن يضعف الحق الخاص بالجحيم والعقاب الأبدي نوعاً ما. لكن هذا معناه إساءة تفسير اللغة المجازية عامة والأمثال على وجه الخصوص. فالحق الذي يتم توصيله من خلال مثل ما هو في مثل حقيقة وأهمية الحق الذي يتم توصيله من خلال الصيغ الأدبية الأخرى.

ومع ذلك فمن المهم أن نميز بين الأحداث التاريخية والأمثال، لأن الإرشادات التي تستخدم لتفسير كل منها تختلف عن الأخرى. كما أن تطبيق القصة سيختلف في حالة الرواية التاريخية، وذلك لأن كل عبارة حرفية هي حقيقة ويجب قبولها باعتبارها هكذا، كما أن لها أهمية مستقلة عن كل الحقائق الأخرى في القصة. لكن هذا ليس معناه ان كل حقيقة لها أهمية روحية أو يمكن تطبيقها على الظروف الحالية. فالمؤلف الكتابي أو الرب يسوع نفسه قد يستخدم الحدث التاريخي كشرح توضيحي، ويقوم بتحديد التطبيقات المناسبة له.

فلو كانت قصة الغني ولعازر حدث تاريخي، يكون لكل التفاصيل فيها معنى. مثلاً، إن الأشخاص الذين في السماء، على الأقل في بعض الأحيان، يعرفون حالة الناس الذين في الجحيم ويستطيعون أن يتواصلوا معهم. هذا الفعل له معنى لاهوتي عميق. ومن ناحية أخرى، حقيقة أن هناك رجل غني وآخر فقير قد لا يكون لها أي معنى روحي أو لاهوتي.

إنها مجر حقيقة تاريخية أن الرجل الغني يتعذب في الجحيم والفقير الذي كان يستعطي ذهب إلى السماء. لكن بالطبع، إذا كنت تعتقد أن كل الأغنياء يذهبون إلى السماء، كما كان الكثيرون يؤمنون بذلك بالفعل، فإن حقيقة أن واحداً فقط ذهب إلى الجحيم يكون لها أهمية عظمى.

من ناحية أخرى، إذا كانت القصة مثلاً، فإن حقيقة أن هناك رجل غني وآخر شحاذ هي بلا شك من التفاصيل المهمة. لقد تم رواية هذه القصة بعد مواجهة الفريسيين مع المسيح مباشرة حور موضوع محبتهم للمال، والسلوك غير الحكيم بأن ينفق المرء موارده الحالية دون التفكير في الأبدية. ففي هذا السياق، يقول المسيح شيئاً إضافياً عن الثروة والإعداد للمستقبل. وهكذا، فباعتباره مثلاً، يكون للتفاصيل الخاصة بالثروة والفقر معنى معيناً.

كل من الروايات التاريخية والأمثال يمكن أن يحوي تعبيرات مجازية وأيضاً حرفية. فمثلاً، سواء تم اعتبار القصة السابقة حدث تاريخي أو مثل، فإن وجود لعازر في حضن إبراهيم ليس من الضروري أن يفهم باعتباره وضعاً جسدياً يصرخ فيه عبر الهوة التي تفصل بينه وبين الغني. في كلتا الحالتين يمكن أن يكون هذا تعبير مجازي عن “مكان المباركين”.

أما السؤال الخاص بما إذا كان أي من التفاصيل له أهمية روحية أو لاهوتية فهو أمر سيتم تقريره على أسس مختلفة، بحسب ما إذا كانت القصة تاريخاً يتم استخدامه للتوضيح أو أنه تمت صياغتها لتعليم حق معين. قد يكون من المفيد أن نذكر كل التعاليم المتعلقة بالجحيم التي يمكن أن نتعلمها من هذا المقطع لو كان مثلاً، وكل التعاليم عن الجحيم التي يمكن أن نتعلمها لو كانت القصة حدثاً تاريخياً. لكننا سنكون متيقنين بشأن العديد من التفاصيل الأخرى عن الوضع في الجحيم لو كانت هذه القصة حدثاً تاريخياً.

والآن، هل قصة الغني ولعازر مثل أم رواية تاريخية؟ يبدو أنها تحمل سمات المثل. فالعدد الأول من لوقا 16، يقول، “وقال أيضاً لتلاميذه كان إنسان غني”. ثم تبعها بقصة وكيل الظلم وفي عدد 19 يقول مرة أخرى، “كان إنسان غني” وتبعه قصة الغني وهو في الجحيم ولعازر وهو في “حضن إبراهيم” يجادل البعض بأن ذكر اسم لعازر أمر لا ينطبق على المثل.

لكنه افتراض غريب بالحق أن نعتقد أن المثل لا يمكن أن يحتوي على أسماء للشخصيات، إذ أن المثل هو قصة تم بناؤها بصورة متعمدة، كما أنها تشبه الحياة اليومية، لذلك فإن الشخص الذي يرويها له كل الحرية في أن يستخدم أية عناصر يجدها ضرورية لتوضيح هدفه. وفي هذه الحالة، فإن اسم لعازر الذي يعني “الذي يساعده الله”، ربما يكون واحداً من تلك التفاصيل التي تدعم التعليم الأساسي. (ستتم دراسة الإرشادات الخاصة بتطبيق الأحداث التاريخية على المواقف المعاصرة في الفصل 20).

على أية حال، من المهم أن نلاحظ أن تفسير القصة كمثل يجب ألا يضعف من معناها. فالمثل ليس خرافة أو قصة أسطورية، بل هو قصة مشابهة لما يحدث في الحياة الواقعية يتم بناؤها لتعليم حق كامل. في هذا الحالة، ربما يكون الحق هو استكمال للحق الموجود في الجزء الأول من الأصحاح، بأن المرء يجب أن يستغل موارده الحالية لكي يكون مستعداً للمستقبل وأنه إن لم يفعل ذلك، فإنه سيعاني بالفعل من الضياع الأبدي.

 

الأمثال والاستعارات

يمكن للأمثال والمجاز أو الاستعارة أن تتداخل معاً (انظر الرسم في الفصل 11)، من حيث أن كل منهما تم تصميمه لكي يعلم حقيقة روحية، عن طريق مقارنة شيء ما بحقيقة روحية. لكن على الرغم من تداخلهما، فإنهما يختلفان من ناحيتين:

1 – المثل يكون واقعياً، ولكن المجاز قد لا يكون كذلك. ففي المجاز، يمكن للمسيح أن يكون باباً أو كرمة؛ ويمكن للمؤمنين أن يكونوا خرافاً أو أغصاناً.

2 – رغم أن كلاً منهما قد يكون له موضوع أو هدف محوري، فإن المثل يتم صياغته للتركيز على هدف أساسي واحد، بينما تقوم الاستعارة غالباً بتعليم العديد من الحقائق المرتبطة أو حتى غير المرتبطة بها.

عندما يتضح التمييز بين المثل والاستعارة، من المهم أن نتبع الإرشادات المختلفة لتفسير كل منهما. نجد في متى 13: 1-23 وفي مرقص 4: 1-20، المثل الذي قدمه المسيح عن أربعة أنواع من التربة (مثل الزارع). وهو يطلق عليه مثل، ولكنه لا يتفق مع استخدامنا الفني لمصطلح المثل، ويمكن أن يكون استعارة. الحقيقة أنه في تفسير المسيح للأربعة أنواع من التربة يقوم بعمل تطبيق روحي على كل نقطة في القصة تقريباً.

فالبذور هي الكتاب المقدس، والطيور هي الشيطان، والتربة المحجرة هي القلب الحجري. لكن كيف يمكننا أن نتأكد من ذلك؟ لأن يسوع نفسه قام بتفسير القصة بهذه الطريقة. ومع ذلك فإن السياق الذي يتبع يشير بوضوح إلى موضوع واحد: بأن خلاصة حياة الإنسان تعتمد على استجابته لكلمة الله. هناك الكثير من التفاصيل التي يتم تصميمها عن عمد لتدعيم تلك الرسالة المحورية.

ورغم أن العديد من تفاصيل القصة لها أهمية روحية، إلا أن ذلك لا يعني أن جميعها له تلك الأهمية. فعندما نستخدم الاستعارة أو المثل بهذه الطريقة، فإننا نسيء استغلالها وتفسيرها. فعلى سبيل المثال، يقول أحد المفسرين عن مثل الزارع:

هل تعلمون أن حوالي 25٪ فقط هم الذين سيحصلون عليها؟ لكن يحصلون عل ماذا؟ على السماء… لكن 25٪ من ماذا؟ من أولئك الذين يسمعون بشارة الإنجيل، الأخبار السارة بموت يسوع عن الخطاة، ودفنه، وقيامته من القبر. فقط 25٪ منهم سيذهبون للسماء. نعم، هذه هي الحقيقة، بحسب ما ورد في مثل الزارع وأنواع التربة. ارجعوا لكتبكم المقدسة وتأكدوا من هذا الأمر.[1]

لكن لا توجد أية إشارة في المثل أو في تفسيره على أنه تم التنبؤ بنسبة الاستجابة، لكن فقط بأن هناك استجابات مختلفة يمكن توقعها. لذلك يجب أن يكون السياق هو المتحكم في المعنى، لأنه لا توجد تقريباً أية حدود للتفسيرات الخيالية، إذا تركنا الأمر لخيال المفسر الجامح.

في حالة الاستعارة شديدة الوضوح، يكون من المناسب أن نستنتج العديد من التشابهات بين نقاط الاستعارة. فمثلاً، استعارة الراعي الصالح (يوحنا 10) مبنية بهدف أن يكون هناك العديد من نقاط المشابهة. فالراعي، والسارق، والأجير، والذئب – يمكن أن يتم تشخيصهم جميعاً والتعرف عليهم في الحياة المعاصر. والعلاقة الموصوفة بين الراعي والخراف يمكن تطبيقها بالكامل على استجابة كل من المؤمن وغير المؤمن لدعوة الله اليوم. وكل من التفاصيل تقريباً يكون له معنى. هذه هي الطريقة التي يتم بها فهم الاستعارة.

 

المقارنة بين المقاطع المتشابهة والأخرى المتعارضة.

هذا المبدأ الإرشادي العام سوف نقوم بدراسته فيما بعد، لكن المقارنة بين المقاطع المتشابهة والمتعارضة هو أمر مفيد أيضاً في دراسة الأمثال. بعض الأمثال تكون مشابهة لبعضها البعض بحيث يمكن مقارنتها معاً.

يحوي لوقا 19: 11-23 مثل الإمناء: إنسان شريف، إذ يسافر إلى بلد بعيد، يعطي لكل من عبيده العشرة نفس كمية النقود، ثم يكافئهم بنسب مختلفة عند عودته، عندما يكتشف أن بعضهم قد ربح أكثر من الآخرين. كما أن متى 25: 14-30، من ناحية أخرى، يحكي عن مثل الوزنات الذي فيه يتسلم ثلاثة عبيد كميات مختلفة من المال. أما المكافآت بحسب سير المثل، فلا تختلف إلا بالنسبة للعبد الذي لم يكن أميناً، وكما حدث في المثل الأول، كان الحكم عليه قاسياً.

نجد تعاليم أخرى خاصة بالعبيد والاستعداد لمجيء الرب في متى 24: 45-51، والتي فيها يتم التضاد بين العبيد الأمين المستعد وبين العبد الذي كان يظن أن سيده سيبطئ في مجيئه، فلم يكن أميناً. نفس هذا التعليم يتم تقديمه بتفاصيل أكثر في لوقا 12: 35-48، حيث الوكيل الأمين الذي استعد يتناقض مع العبد الذي لم يستعد وكان بالفعل غير أمين.

وهكذا يظهر موضوع محوري في المقارنة بين الأمثال الأربعة، وهو: كن مستعداً. لكن كلاً من هذه الأمثال يعلم حقائق مختلفة أيضاً. فمثلاً، يعلم مثل الأمناء أن الشخص الذي له أمانة عظيمة سوف يُعطى مسؤولية أكبر. وهناك مكافآت مختلفة لدرجات الأمانة المتباينة. أما قصة الوزنات فتؤكد لنا أن المكافأة لا تعتمد على قدر النجاح وذلك بسبب قدراتنا المختلفة. وهناك مثل خامس عن العاملين في الكرم (متى 20: 1-16)، والذي يؤكد لنا أن الرب يكافئ بالحياة الأبدية كل من يأتون إليه، سواء أتو إليه مبكراً أو في أواخر حياتهم.

 

المبدأ الأساسي لدراسة المقاطع الحرفية الواضحة

يمكن أن يسهم المثل في فهم المبدأ الكتابي؛ ولكن المبدأ الكتابي يجب أن يبنى على مقاطع حرفية واضحة. وعندما يتم تفسير مثل ما، يمكن أن يتم استخدامه بصورة مشروعة كأي مقطع كتابي حرفي واضح في تأسيس المبدأ والتعليم الكتابي. لكن بصفة عامة، لا تعتبر اللغة المجازية هي أفضل عنصر لبناء المبدأ التعليمي.

على سبيل المثال، سيكون من الخطأ أن نأخذ مثل الحنطة والزوان (متى 13: 24-30)، والذي فيه تلقى العبيد في الحقل تعليمات بأن يدعوا الحنطة تنمو مع الزوان حتى الحصاد، ونستنتج منه أن التأديب الكنسي خاطئ. وهذا لأن مبدأ التأديب الكنسي لا بد أن يبنى على تعاليم أخرى من الكتاب المقدس. لكن الأمر الصحيح هو أن المسيح فسر هذا المثل وأوضح أنه في يوم الدينونة سيكون هناك فصل عظيم بين الأبرار (الحنطة) وفاعلي الإثم (الزوان)، الأعداد 40-43.

كما أن المسيح في تفسيره للمثل أوضح كذلك أن الحقل هو العالم (ع 38)، وليس الكنيسة. على أية حال، لا المثل نفسه ولا تفسيره، يقدم أي تعليم مباشر عن الموضوع من الذي يجب أن يعتمد، أو ما إذا كان يجب أن يكون هناك تأديب لمن يخطئون في الكنيسة.

إنه لخطأ فاحش أن نستخدم المثل، كما يفعل الكثيرون، لكي نعلم أن كل من يرغب في المعمودية يجب أن يعمد دون تمييز، وأنه يجب ألا تبذل أية محاولة لتقييم من يتقدمون لعضوية الكنيسة، أو لتأديب من يخطئون في الكنيسة، مهما كانت خطاياهم خطيرة. لكن المسيح علم بدلاً من ذلك أن هناك أناس صالحون وأناس أشرار في العالم، وأنه في يوم الدينونة الأخيرة سوف يتم تصفية كل الحسابات.

 

دراسة حالة

دعونا نأخذ المثل الموجود في لوقا 11: 5-13، ونطبق عليه الإرشادات الستة التي درسناها:

“ثم قال لهم من منكم يكون له صديق ويمضي إليه نصف الليل ويقول له يا صديقي أقرضني ثلاثة أرغفة لأن صديقاً لي جاءني من سفر وليس لي ما أقدم له فيجيب ذلك من داخل ويقول لا تزعجني البال مغلق الآن وأولادي معي في الفراش لا أقدر أن أقوم وأعطيك. أقول لكن وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج” (لوقا 11: 5-8).

 

البدء بالسياق المباشر

كان المسيح قد علم التلاميذ للتو نموذجاً للصلاة رداً على طلبهم. والأكثر من ذلك، في الآيات التي تلي المثل مباشرة، قدم يسوع تفسيراً لمعناه: “وأنا أقول لكم أسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد. ومن يقرع يفتح له” (لو 11: 9-10).

في حالة هذا المثل، توجد فرصة لرواية القصة وشرح معناها.

 

التعرف على الهدف المحوري

إن فحص القصة بجانب التفسير، يكشف عن أنها رويت لكي تعلم أن الله يستجيب الصلاة، خاصة الصلاة التي تكون بلجاجة. فالشخص الذي يستمر ويثابر على الطلب هو الشخص الذي سيأخذ، والشخص الذي يستمر في السعي هو الذي سيجد. (لاحظ أن زمن الفعل له أهمية في فهم هذا المقطع المحدد: “Keep on asking” أي في الزمن المستمر، وهذا هو زمن الفعل في اليونانية، وليس الزمن البسيط الذي فيه يتم الطلب مرة واحدة فقط.)

 

تحديد التفاصيل غير ذات الصلة بالموضوع

رغم أن الصديق لم يستجب في البداية، بسبب أمور شخصية أنانية، إلا أن هذا لا يكشف عن شيء يتعلق بالله أو باستجابته لنا. وتوجد تفاصيل أخرى أيضاً غير ذات صلة بالموضوع، مثل حقيقة أن هذا الطلب قد تم في منتصف الليل، وأن الصديق طلب ثلاثة أرغفة وليس أربعة؛ وأن هذا الخبز كان لأجل شخص آخر غيره. هناك الكثير مما يقال عن هذه النقاط، ولكنها ببساطة تم إدراجها كجزء من القصة لاستكمال حبكتها.

تحديد التفاصيل ذات الصلة بالموضوع

من ناحية أخرى، توجد حقائق أساسية. فاستمرار الجار في الطلب هو في الحقيقة جوهر القصة. فلن يفيد أن نطلب من الله ببساطة أمراً ما مرة واحدة فقط، ونترك الأمر بعد ذلك، أو أن نعلم أننا يجب ألا نكرر الطلبة أمام الله. إن تفسير المثل يوضح أننا يجب أن نلح ونستمر في طلب الله لتسديد احتياجاتنا.

 

مقارنة المثل مع المقاطع المشابهة والأخرى المناقضة

يوجد مقطعان يمكن مقارنتهما بهذا المثل، سواء من ناحية التشابه او الاختلاف. فحيث أن خلفية هذا المثل هو طلب التلاميذ من المسيح أن يعلمهم الصلاة، ورده عليهم كان بنموذج للصلاة (11: 1-4)، فمن الطبيعي جداً أن نقارن هذا المقطع بمتى 6: 7-15، الذي يقدم الصيغة الأكثر شيوعاً للصلاة الربانية. ففي متى، علمهم يسوع أن يصلوا هكذا، بدلاً من تكرار الكلام باطلاً. وهكذا بمقارنة المقطعين معاً، نركز على حقائق يكمل بعضها البعض.

فالصلاة بإلحاح ومثابرة ليس معناها التكرار الباطل لنفس الطلبة. ومن ناحية أخرى، رغم أن التكرار الباطل محظور، فهذا لا يعني أن الشخص يجب ألا يصلي بلجاجة. وهكذا يقوم المقطعان بتفسير أحدهما الآخر.

بعد تفسير المسيح لمثل الثلاثة أرغفة، قدم أيضاً شرحاً آخر للمثل:

“فمن منكم وهو أب يسأله ابنه خبزاً أفيعطيه حجراً. أو سمكة أفيعطيه حية بدل السمكة. أو إذا سأله بيضة أفيعطيه عقرباً. فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه” (لو 11: 11-13).

نجد هنا حقيقة إضافية تقدم لنا بخصوص الصلاة. فمثلاً لو أن القارئ قد استنتج من قصة الأرغفة الثلاثة أن الله يسمع بامتعاض لصلوات أبنائه، فإن هذا التعليم الإضافي سوف يضع حداً بسرعة لسوء التفسير هذا. والأمر المهم هو أن الشيء الوحيد الذي نحتاجه أكثر من أي شيء آخر يتم تعريفه ليس هو خبز الجسد، بل هو شخص الله الروح القدس نفسه، وهذا هو أكثر ما يبعث على الاطمئنان.

 

بناء المبدأ على مقاطع واضحة

بالنظر إلى السياق ومقارنته بالمقاطع الأخرى، نجد أن التعليم الذي يقدمه هذا المثل له مكانته في المبدأ التعليمي العام للصلاة. ففيه يتم تعليم العديد من العناصر المفتاحية للتعليم الخاص بالصلاة. وكما رأينا، سيكون من الخطأ أن نبني تعليماً عن الصلاة على قصة الأرغفة الثلاثة. ولكن الحقيقة المركزية في المثل هي عنصر مشروع يمكن إدراجه مع غيره من التعاليم الكتابية في بناء التعليم الكتابي عن الصلاة، وهي، استمر في الصلاة وسوف يستجيب الله.

 

ملخص

كانت الأمثال دائماً مصدراً لبركات لا توصف في تنوير شعب الله بالحقائق الروحية. وفي نفس الوقت، كانت الأمثال أيضاً مصدراً لارتباك لا يوصف في كل من العقيدة والممارسة والتطبيق في الكنيسة. ويجب ألا يدهشنا هذا الأمر، حيث أن المسيح نفسه أخبرنا أن الأمثال ستقوم بكل من التنوير والإرباك لسامعيها. لذلك فإن المطلب الأول لفهم معنى الأمثال، هو بالطبع أن يكون الشخص منتمياً ليسوع المسيح وملكاً له، وأن تكون لديه استنارة الروح القدس في ذهنه المتجدد.

ومع ذلك، فإن هذا بمفرده لن يضمن الفهم الواضح والتفسير الدقيق للأمثال، كما يشهد بذلك تاريخ التفسير. لذلك فإن المبادئ الإرشادية البسيطة التي حددناها هنا ستفيد الدارس الجاد للكتاب المقدس في استخدام الأمثال بطريقة سليمة وفعالة.

 

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– بلومبرج، كريج إل. Interpreting the Parables. Downers Grove, III. InterVarsity، 1989.

– كابون، روبرت فارار. The Parables of Grace, Grand Rapids: Eerdmans,،  1988.

– _______ The Parables of the Kingdom. Grand Rapids: Eerdmans. 1985.

– _______ The Parables of Judgment. Grand Rapids: Eerdmans 1986.

– جيريمياز، جوشيم. The Parables of Jusus، طبعة ثانية. London: SCM، 1963.

– كيسترماكر، سيمون. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Baker، 1980.

كيسنجر، وارين إس. The Parables of Jesus: Metuchen, N. J.: A History of Interpretation and Bibliography, Scarecrow، 1979.

– لوكير، هيربرت. All the Parables of the Bible. Grand Rapids: Zondrvan، 1963.

– ماكويلكين، روبرت سي. Studying Our Lord’s Parables. طبعة ثانية 1935. Grand Rapids: Zondervan، 1980.

– بنتيكوست، جي داويت. The Parables of Jesus. Grand Rapids: Zondervan، 1982.

– ترينش، ريتشارد سي. Notes on the Parables of Our Lord. 1861 طبعة ثانية. Grand Rapids: Baker، 1979.

– وينهام، ديفيد. The Parables of Jesus. Downers Grove, InterVarsity، 1989.

[1] أرني ميفز، Only 25% Will Make It, Come, نوفمبر – ديسمبر 1975، صفحة 5.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

الأمثال – ما هو وما هي أنواعه وكيفية فهمه ؟ – بحث مفصل

لماذا تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع؟

لماذا تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع؟

لماذا تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع؟

لماذا تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع؟

وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تك 1: 26)

وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ” هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَد: « ” (تك 3: 22)

       يقول دكتور سيد القمني: “إن التعبير “نَعمَلُ الإنسان” و “كَوَاحِد منَّا” يوحي أن الرب الإله هنا لا يتحدث عن نفسه فقط، إنما يتحدث عن نفسه، وعن الآخرين مثله، وإن الحديث موجه إلى هؤلاء الآخرين، وهو ما يؤكد الفهم؛ بأن الرب الإله- إله مميز ضمن مجمع من الآلهة، ويدعم هذا الفهم أكثر، وأكثر نص آخر، يتحدث عن بناء البشر لبرج عالٍ، ذلك البرج المشهور في الأساطير ببرج بابل، فيقول النص (هلم ننزل، ونبلبل هناك ألسنتهم…) إلا أن الأهم من هذا، وما يعنيها أن هذا (الرب) إنما هو فرد ضمن مجمع إلهي”

 

وللإجابة على هذا السؤال أقول:

أود أن أقول للدكتور سيد القمني: عندما تحدث الله عن نفسه بضمير الجمع في العهد القديم، إنما ذلك إشارة إلى الثالوث الأقدس الذي كان يتضح بالتدريج في الإعلانات الإلهية، إلى أن ظهر بوضوح تام في العهد الجديد. وقد أعلن الله عن ذاته بضمير الجمع عدة مرات فنقرأ:

نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا (تك 1: 26)

هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا (تك 3: 22)

لُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُم  (تك 11: 7)

مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟ (إش 6: 8)…الخ

 هذا إلى جانب، اْن واحد من أسماء الله في العهد القديم في العبرية “إلوهيم” في صيغة الجمع.

وصيغة الجمع التي استخدمها الله ليست للتعظيم، كما كان الملوك يفعلون ذلك، فقد أكد المتخصصون في اللغات القديمة أن تلك العادة لم تكن معروفة قديمًا بين ملوك الشرق، وما يؤكد ذلك، أننا لا نجد الملوك في العهد القديم يستعملون ضمير الجمع، عندما يتحدثون عن أنفسهم، فنجد فرعون يقول ليوسف:«انْظُرْ، قَدْ جَعَلْتُكَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ” (تك 41: 41)

ونبوخذنصر يقول: أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ …رَأَيْتُ حُلْمًا فَرَوَّعَنِي، وَالأَفْكَارُ عَلَى فِرَاشِي وَرُؤَى رَأْسِي أَفْزَعَتْنِي فَصَدَرَ مِنِّي أَمْرٌ بِإِحْضَارِ جَمِيعِ حُكَمَاءِ بَابِلَ قُدَّامِي لِيُعَرِّفُونِي بِتَعْبِيرِ الْحُلْم” ( دا 4: 4- 6)

وكذلك داريوس “ِ أَنَا دَارِيُوسُ قَدْ أَمَرْتُ فَلْيُفْعَلْ عَاجِلاً” (عز 6: 12)

وفي الوقت ذاته، الذي يتحدث الوحي عن الله بصيغة الجمع، نجده يؤكد على وحدانية الله، فيقول موسى: اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِد” (تث 6: 4)

ويقول الرب على لسان إشعياء: ” أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ ” (إش 45: 5، 21)

 وهناك آيات عديدة جدًا لوحدانية الله في العهد القديم، فلا يوجد إنسان عاقل يشكك في إيمان اليهود بوحدانية الله. ووحدانية الله ليست وحدانية صماء جامدة، لكنها وحدانية جامعة، وحدانية موجودة عاقلة حيَّة، وحدانية فيها الأبوة، والبنوة، والحياة، وهناك إشارات في العهد القديم لهذه الوحدانية الجامعة، وهو ما أفصح عنها العهد الجديد، عندما تجسد الابن الوحيد الجنس، وحدثنا عن الآب، والروح القدس، وعرّفنا في العهد الجديد أن كل أقنوم يعبر عن نفسه، ويتشاور مع الأقنومين الآخرين، ولا يتسع المجال هنا لشرح موضوع التوحيد، والتثليث.

إذًا الموضوع بعيد تمامًا عن تعدد الآلهة، كما يظن الدكتور سيد القمني، وأؤكد مرة ثانية: إن كان في العهد القديم إشارات لتثليث الأقانيم في ذات الإلهية، فإن هناك تصريحات واضحة، وحاسمة تؤكد على وحدانية الله.

وإن الوحدانية، والثالوث واضحين من أول صفحة في العهد القديم في سفر التكوين، وحتى أخر إصحاح في سفر الرؤيا.

ونجد صيغة الجمع، والمفرد معًا في العديد من الآيات في الكتاب المقدس، فعندما يخاطب الله إشعياء قائلاً: مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟ (إش 6: 8) نرى صيغة المفرد في كلمة ” أُرْسِلُ” ثم صيغة الجمع في ” أَجْلِنَا”

وقد جاء بروح النبوة في ( إش 48: 16) على لسان المسيح بخصوص تجسّده: مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ، وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ” لاحظ أن الذي يتكلم هنا هو الابن الذي أرسله الأب، والروح.

ونرى هذا بوضوح تام في العهد الجديد:

ما حدث وقت معمودية المسيح، فنرى الابن يعتمد، والآب يخاطبه، والروح القدس يحل عليه مثل حمامة. فنرى الآب، والابن، والروح القدس في وقتٍ واحدٍ معًا (مت 3: 16، 17، لو 3: 21، 22)

وما جاء بخصوص المعمودية، فقد أمر المسيح أن يعتمد المؤمنون (باسم) الآب، والابن، والروح القدس، وليس (بأسماء) أي باسم الإله الواحد الثالوث الأقدس. وهذا يدل على أقنومية كلٍ منهم، ومساواتهم (من 28: 19) وفي صيغة البركة الرسولية نقرأ:”نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِين”

وهنا نرى طلب المسيح، ومحبة الله الآب، وشركة الروح القدس. فكلمات هذه البركة تتضمن الإقرار بأقنومية كلٍ من الآب، والابن، والروح القدس، وألوهيتهم (2 كو 13: 14، و1 بط 1: 2 ، ويو 21) ونقرأ في (1 يو 5: 7) فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِد

لذلك نحن نؤمن أن الله واحد مثلث القانيم، وفي قانون الإيمان نقول: “بالحقيقة نؤمن بإله واحد…”

 

      وعندما سأل واحد من الكتبة الرب يسوع: أية وصية هي أول الكل؟ أجابه: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ (مر 12: 29)

      وقال الرسول بولس ” رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ (أف 4: 5،6)

      ولكننا نؤمن أنها وحدانية جامعة، إن الوحدانية المجردة تعني إغلاق العقل عن كل تفكير، أما الوحدانية الجامعة؛ فهي دعوة للتفكير، والنقاش مع الله، وهذه هي روعة المسيحية، إنها دعوة للتفكير، والابداع.

    عندما نتحدث عن الوحدانية الله المجردة، يصبح مفهومنا محدود، وعاجز، وناقص. ماذا نعني عندما نقول “الله واحد” إن هذا يتنافى، وكمال الله المطلق. وأنا أقول لو حصرنا وحدانية الله في المفهوم الضيق لكلمة “واحد” لجعلنل الله محدود، وخاضع للعقل البشري، وهذا تناقض مع تعاليمه المطلق عن الفكر البشري. فلو لم يكن الله ثالوثًا مع من كام الله يمارس صفاته قبل الخلق؟ إن الله موجود قبل الخلق بذاته (الآب) حي بروحه (الروح القدس)، ناطق بكلمتته (المسيح). فلا يمكن الله أن يكون موجود في أي زمن من الأزمنة بدون روحه، ولا كلمته، ولا يمكن أن يكون موجود في أي وقت دون ممارسة صفاته الأزلية كالحب، والكلام، فلو لم يكن الله ثالوث فمع من كان يتكلم، من كان يحب؟

ولو لم يكن الله ثالوثًأ، لأضافت إليه علاقتنا به بعد أن خلقنا شيئًا جديدًا تمامًا عليه وهو هذه العلاقة.

إن هذه العقيدة الجميلة تكلم عنها فلافسة اليونان، فقال هيرقليطس: ” الواحد ليس إلا كثرة توحدت، والكثرة ليست إلا واحدًا تكثًر”.

وقال أفلاطون: “إذا كانت الكثرة تقتضي الواحدة، فالوحدة تقضي الكثرة”

وقال أرسطو: “إن شيئًا واحدًا بعينه، يمكن أن يكون واجدًا وكثيرًا” أي لا فصل بين الوحدة والكثرة فيه

أما فلاسفة اليهود فقالوا: “إن كل وحدانية لها صفات خاصة، ومعنى ذلك شمواها على كثرة من نوع ما”

وفلاسفة المسيحية قالوا: “لا غني للوحدة عن كثرتها، ولا غني للكثرة عن وحدتها”

“ولا تعارض بين مبدأ الوحدة، ومبدأ الكثرة”

أما الفلاسفة المسلمين، ومن أهمهم ابن سينا قال:” لا وجود للجوهر الواحد”

وقال آخر: “قيام الشيء بذاته لابد له من جزئين أو أجزاء”

      إذا فكل الفلاسفة على اختلاف ألوانهم، وأديانهم يرون إن كل وحدانية في الوجد سواء روحية أو مادية هي وحدانية قائمة بكثرة، أي بينها، وبين ذاتها نسب، وعلاقات، وإذا شئت وحدة عن ذلك فقدت مميزات الوحانية الحقيقة، وكانت وحدانية وهمية لا وجود لها في عالم الحقيقة.

أخيرًا أقول إن نتحدث عن الله بكل حرص، وحذر، وتواضع. إن المسيحية لإيمانها بعظمة الله، وتعاليمه إنما تعترف أن وحدانية الله تتجاوز كلية المفهوم البشري للوحدانية.

لماذا تحدث الله عن نفسه بصيغة الجمع؟

متطلبات وشروط تفسير الكتاب المقدس

متطلبات وشروط تفسير الكتاب المقدس

متطلبات وشروط تفسير الكتاب المقدس

متطلبات وشروط تفسير الكتاب المقدس

رغم أن الله يرغب في التواصل مع كل إنسان، إلا أنه ليس كل إنسان يمكنه أن يفهم الكتاب المقدس. الكتاب المقدس واضح في هذا الأمر. إذ أن الإيمان هو شرط الفهم الحقيقي لكلمة الله. فالشخص الذي يقرأ بدون إيمان قد يفهم بعضاً من الحق المعلن، ولكن لا يمكن أن نتوقع أنه سيفهم بالكامل أي حق معلن في الكتاب المقدس. هناك عدة عناصر للإيمان، جميعها أساسية بالنسبة للدارس الذي يريد أن يفسر معنى الكتب المقدسة.

التجديد

الإيمان الأولي هو أمر ضروري، لأن غير المؤمن لا يمكنه أن يفهم أمور الروح. لذلك فالتجديد هو أمر ضروري. يتم شرح هذا الأمر بوضوح في (1كورنثوس 2: 6-16)، وفي (2كورنثوس 2: 15-18).

“لأن مَنْ مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه هكذا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله… ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً. لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح” (1كور 2: 11-12، 14، 16).

الروح القدس هو المفسر الأعظم (يوحنا 16: 13). فبدونه يقضي بالفشل على كل مجهوداتنا التي نبذلها لكي نفهم بالكامل كلمة الله.

الالتزام

التجديد أمر أساسي، ولكنه وحده لن يؤهل المؤمن لفهم حق الله. يجب على المؤمن أن يكون لديه ثقة في الكتاب المقدس، لأن الإيمان ليس مجرد اتفاق فكري، لكن الإيمان يعني الالتزام والاستسلام للكتاب المقدس، ولرسالته، ولمعناها، ولمؤلفه الإلهي. الإيمان يجعل الفرد متأهباً لاكتشاف المعنى الذي قصده الكاتب، وليس لأن يُقحم على سطور النص المعنى الذي يرغب في فهمه. فقط الشخص الذي لديه الثقة التامة في الكتاب المقدس، هو الذي يكون لديه الالتزام الضروري لكي يفهم المعنى بالكامل.

“إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي” (يوحنا 7: 17)

يجب أن يصمم الشخص على أن يطيع الكلمة إن كان يريد أن يفهمها. والالتزام بالطاعة له سمة أخرى، وهي العمل باجتهاد. إن الشخص الذي يلتزم حقاً بأن يطيع الله سيدرس لكي يظهر نفسه مقبولاً لدى الله، كعامل جاد لا يحتاج أن يخجل من صنعته. “الإيمان” لا يعني أن يترك دارس الكتاب المقدس عقله ويتكل على مشاعره أو على دوافعه الذاتية لفهم الكتاب المقدس. كلا، فإن نوع الإيمان الذي يؤمن أن الكتاب المقدس هو كلام الله، يدفع الدارس لأن يستخدم كل الموارد التي أعطاه الله إياها لكي يفهم الكتاب المقدس حتى يتمكن من طاعته.

الصلاة

الإيمان بمؤلف الكلمة (الله)، وسكنى الروح القدس، يجب التعبير عنهما بطريقة فعالة. والصلاة هي دليل الإيمان الحقيقي، وهو الجو الوحيد الذي يمكن أن يحدث فيه الفهم الكامل لقصد الله. ليس كافياً أن يسكن الله فينا بالإيمان، وأن نكون منفتحين لإرادته بقلب طائع، بل يجب أن نسأل ونطلب ونقرع بنشاط. ويجب أن يكون هناك اعتماد إيجابي فعال على الروح القدس، المفسر الأعظم.

“عبدك أن فهمني فأعرف شهاداتك” (مزمور 119: 125).

“وإنما إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطي له” (يعقوب 1: 5).

شرط فهم الكتاب المقدس هو الإيمان. فالشخص الذي يسكن فيه روح الله، والذي له علاقة صحيحة مع الله بقلب طائع، والذي يسعى باجتهاد ونشاط لطلب الحكمة التي من فوق، هو فقط الذي يمكنه أن يعرف الحق. الكتاب المقدس وحده هو المعصوم من الخطأ، ولسنا نحن أو تفسيراتنا. إن الروح القدس يعطينا الاستنارة، وليس الوحي، من خلال الكلمة. لهذا السبب، يوجد عنصر رابع ضروري في الإيمان اللازم لفهم كلمة الله.

الاتضاع

الاتضاع هو أمر ملائم حيث أننا نتعامل مع كلمة الله. كما أنه ملائم أيضاً لطبيعتنا، فنحن كائنات محدودة ومعرضون للخطأ. الأكثر من ذلك، فنحن ساقطون، ونرى الحقيقة فقط بطريقة غير مباشرة، إذ أن الخطية تضع برقعاً على وجوهنا. لذلك فإن اتجاه الاتضاع أمام كلمة الله هو أمر أساسي إذا أردنا أن نتوصل إلى معرفة الحق. بهذه الطريقة يمكننا التمييز بين الأمور الأكيدة في الكلمة وبين ما قد يكون من تفسيرنا غير المعصوم أو المشوه بالخطية.

 

قبل أن نفحص المبادئ المبنية على الافتراضين اللذين كان يعتنقهما المسيح والرسل – بأن الكتاب المقدس إلهي وبشري في آن واحد – يجب أن نشير إلى عدة طرق تم بها تشويه هذين الافتراضين وإساءة تطبيقهما. هناك أربعة مناهج خاطئة في التفسير الكتابي سائدة اليوم.

الأول: المنهج الطبيعي، والذي يحد معنى وأهمية الكتاب المقدي في العناصر التي تتفق مع العمليات الطبيعية، والفهم البشري. فإمكانية التأليف الإلهي والأحداث فوق الطبيعية تكون مستبعدة منذ البداية.

 الثاني: المنهج فوق الطبيعي، هو يفسر كل أحداث الكتاب المقدس من وجهة نظر فوق طبيعية. وبالتالي تكون مهمة المفسر هي البحث عن عدة معاني أو عن معاني خفية، يجب أن تكتشف من خلال الحدس والخبرة الروحية. وبذلك فإن المعنى “الطبيعي” للنص يتم التقليل من شأنه او تجاهله تماماُ.

الثالث: المنهج الوجودي، هو محاولة لدمج المنهجين الأولين معاًز فهو يقبل المنهج الطبيعي، ولكنه يذهب إلى ما هو أبعد منه عن طريق تعيين الحقيقة الكتابية عن طريق التلاقي بين استجابة المفسر، وشهادة المؤلف الكتابي لاختبار ديني مماثل.

الرابع: المنهج العقائدي، وهو الأخير، وفيه يتم توفيق أي تفسير لكي يتلاءم مع نظام عقائدي محدد مسبقاً أو مع سلطة خارجية. يتم استخدام هذا المنهج غالباُ بواسطة أولئك الذين ينادون بواحد من المناهج الثلاثة السابقة. بالإضافة لذلك، بعض المؤمنين، الذين يتبنون مناهج أخرى سليمة، قد يخطئون بأن يستبعدوا عقائدياً المعنى الواضح للنص ليك يجعلوه متفقاً مع نظام معين للمبادئ، أو مع سلطة بشرية ما، أو حتى مع اختبار شخصي. القليلون هم الذين يعترفون بتبنيهم لهذا المنهج، ومع ذلك فهو شديد الانتشار، وجميعنا معرضون للسقوط في التجربة.

من الواضح أن هذه المناهج لفهم الكتاب المقدس تختلف بصورة أساسية بحيث أن المعنى الذي يجده الشخص في الكتاب المقدس يختلف بصورة جذرية من منهج لآخر. فعلى سبيل المثال، خذ مثلاً قصة غزو يشوع لأريحا (يشوع 6). المنهج الطبيعي قد يرى الرواية على أنها قصة قديمة تم اختلاقها (حيث أن الأسوار لا تسقط عادة نتيجة لأصوات الأبواق) لكي تعلمنا عن انتصار الخير على الشر، بما يخالف التوقعات.

وحيث أن المنهج فوق الطبيعي يبحث عن معنى خفي، فقد يرى في السير حول الأسوار في صمت دعوة للمسيحيين لكي يشهدوا “بسيرهم” في صمت لمدة ستة أيام في الأسبوع إلى أن يتمكن القائد (الواعظ) في يوم الأحد من إعلان البشارة، وعندها تنهدم أسوار عدم الإيمان وتسقط ويتجدد الناس. أما المنهج الوجودي فقد يركز على الدعوة إلى الإيمان الديني الشخصي الذي كان في محور اهتمام الكاتب. فالقصة بالنسبة للشخص الذي يعتنق المنهج الوجودي قد تكون مجرد أسطورة فقط، لا تحمل التفاصيل فيها أية أهمية.

أما بعض من أصحاب المنهج العقائدي فسيواجهون مشكلة خاصة بقتل أهل أريحا بحسب أمر الله – فالإله المحب لا يمكن أن يأمر أبداً بقتل أناس أبرياء. بينما آخرون منهم قد لا يواجهون مشكلة في ذلك على الإطلاق، إذ يؤمنون بأن أهل أريحا قد خلقوا لأجل اللعن والدينونة على أية حال.

تقوم الفصول من الثاني وحتى الخامس من هذا الكتاب بمناقشة، بالترتيب، العناصر الدقيقة وتلك غير الدقيقة في تفسير الكتاب المقدس، باستخدام المناهج الطبيعية، وفوق الطبيعية، والوجودية، والعقائدية. من المهم أن نبدأ بهذه النظرة الشاملة، حيث أن العديد من المفسرين اليوم يميلون نحو واحد من هذه المناهج.

إن ميزان هذا الكتاب يحدد منهجاً أساسياً لفهم وتطبيق الكتاب المقدس، بطريقة يعطي قيمة كاملة لكل من تأليفه البشري والإلهي. البعض أطلق على هذا، منهج “دراسة القواعد – التاريخي”، لكن هذا المصطلح يفترض فقط بعضاً من المبادئ الكثيرة اللازمة لفهم أساليب التواصل البشري. وهو لا يشمل على الإطلاق بُعد التواصل الإلهي الذي يعدل، في بعض النواحي، المنهج الطبيعي لفهم اللغة البشرية.

ربما يمكننا أن نطلق على هذا المنهج الاسم الذي أطلقه عليه الكتاب المقدس، والذي سنسعى لأن نتبعه، وهو منهج “تحليل أسلوب التواصل البشري/الإلهي”. لكن دعونا أولاً نفكر في تلك المناهج التي تخطئ في فهم وتطبيق الكتاب المقدس عن طريق تركيزها الزائد على سمة واحدة من الكتاب المقدس على حساب سمات أخرى.

 

متطلبات وشروط تفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

لم تقدم العقلانية الإجابات التي توقعها أنصارها بشأن معنى وهدف الحياة، فقد تجاهلت نواحي الحياة التي تمتد إلى ما هو أبعد من المنطق. أما الوجودية، التي تركز على مكان الإرادة والمشاعر، فقد ظهرت في بداية القرن العشرين كرد فعل للعقلانية. وقد قدمت الوجودية افتراضاتها بداية من حقيقة الوجود الإنساني، لكي تفسر الحياة بأكثر حماسة وشمولية.

من ناحية، تعتبر الوجودية بالفعل مضادة للفلسفة، إذ ان أنصارها يرفضون فرض صيغ أو أنظمة خارجية تقوم بتقيد التعبير الحر عن الوجود الإنساني. لذلك، فبخلاف المناهج الطبيعية وفوق الطبيعية التي قد تتميز بأنها “ذاتية نظرية” كثيراً ما تكون غير واعية لمنهجها الذاتي في التفسير، فإن الوجودية تكون “ذاتية متعمدة وظاهرة بوضوح” كمبدأ عمل أساسي لها.

يوجد للوجودية تعبيراتها العلمانية والمسيحية. فالوجوديون العلمانيون، من أمثال جان بول سارتر (1905-1980)، وألبرت كاموس (1913-1960)، كانوا يعتقدون أن الحياة ليس لها معنى موضوعي بعيداً عن الخبرة الحالية. وبدون نقطة موضوعية مرجعية، قادت الوجودية العلمانية إلى العدمية، واليأس من وجود أي معنى للحياة.

الوجودية المسيحية أيضاً تستقي المعنى والحق من الخبرة الشخصية، لكنها تزعم أن أكثر التجارب الأساسية في الحياة هي اللقاء مع الله. فهم يزعمون أن إعلان الله للبشر هو إعلان شخصي، وداخلي، واختباري. الليبرالية اللاهوتية، التي طغى عليها المنهج العقلاني، تم تحديها واستبدالها شرعياً بالوجودية في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى.

وقد كان المنهج السائد في الخط الرئيسي من اللاهوتيين البروتستانت خلال النصف الثاني من القرن العشرين في فهم الكتاب المقدس، هو المنهج “الوجودي”.

اللاهوتيون الوجوديون

كارل بارث

يُعتبر سورن كيركجارد (1813-1855)، الفيلسوف الدنماركي، هو أب الوجودية المسيحية. لكن كارل بارث (1886-1968) ربما كان هو أكثر الأشخاص المؤثرين في هذه الحركة. كان بارث بوضوح من أنصار المنهج فوق الطبيعي، من حيث أنه كان يؤكد بشدة على العناصر المعجزية، مثل قيامة المسيح (رغم أنه لم يعتبر القيامة حدثاً يمكن التحقق منه تجريبياً في المكان والزمان، كما فعلت العقيدة الكلاسيكية). لقد اعترف بارث في منهجه بما هو فوق طبيعي؛ ومع ذلك، فقد كان أيضاً من الأنصار المدققين للمنهج الطبيعي.

وبدمج الطبيعي مع ما هو فوق الطبيعي، تم تسمية الحركة “التقليدية الجديدة”. فهي “تقليدية” في تأكيدها على ما هو فوق طبيعي، و”جديدة” في تمسكها بالافتراضات الطبيعية فهي تفسير الكتاب المقدس. استطاع بارث أن يدمج هذين المنهجين غير المتفقين بواسطة فصل الحق الكتابي عن المنطق والتاريخ.

فقد علم بارث أن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس لا يمكن أن تكون حقيقية بالفعل إلا عندما يتم قبولها بواسطة المفسر، بالإيمان، على أنها كلمة من الله. وعندها تصبح “القفزة غير العقلانية للإيمان” ضرورية لكي يختبر الإنسان شخصياً كلام الله.

وهكذا فإن الوجودية المسيحية هي محاولة لأن يكون الإنسان في منتصف الطريق بين العقيدة التقليدية والليبرالية، وبين المنهج فوق الطبيعي والمنهج الطبيعي. تعتقد النظرة الوجودية للكتاب المقدس أن الكتاب المقدس هو بالحقيقة أداة إعلان الله للبشر. فالله يوصّل رسالته بواسطة الكتاب المقدس.

لكن الكتاب المقدس، في حد ذاته، لا يمكن أن نسميه إعلان الله. لأنه لكي يصبح الكتاب المقدس كلمة الله بالكامل، يجب أن يتم قبوله بواسطة شخص ما؛ تماماً مثل الصمغ الذي يصنع من الإيبوكسي والمقوي، فهو يصبح صمغاً فقط عندما يختلط العنصران معاً بطريقة سليمة. بنفس الطريقة، يصبح الكتاب المقدس إعلاناً، فقط عندما يتم مزجه بصورة سلمية مع إيمان القارئ أو السامع، فالكلمة في حد ذاتها لن تلصق.

وإلى أن يستجيب عقل بشري لكلمات الكتاب المقدس، لا تكون إلا كلمة الله “المحتملة”. وهكذا فإن “المزج” هو حقاً الذي يقرر حق وسلطة النص. لهذا السبب، فإن الوجودي الذي يقوم بالتفسير لا يجب أن يتحدث عن الكتاب المقدس على أنه “كلمة الله”، بل على أنه “يصبح” كلمة الله.

رغم أن المنهج الوجودي للكتاب المقدس يزعم أنه فوق طبيعي أولاً وقبل كل شيء، إلا أن توجهه الأساسي طبيعي من زاويتين. الأولى، أن المفسرين الوجوديين يستخدمون عامة الوسيلة النقدية – التاريخية، التي كما رأينا، تكون مبنية على افتراضات طبيعية مسبقة.

ثانياً، أن المفسر بادعائه السلطة الناجمة عن أهمية وضعه، يقوم في النهاية بالتحكم في المعنى، إذ ان الكتاب المقدس وحده ليس إعلاناً، فهو يصبح إعلاناً في عملية التقاء المفسر معه. وبذلك، فبافتراضاتهم الطبيعية، يعتنق الوجوديون نظرة للكتاب المقدس لا تماثل النظرة التي يعتقدها الكتاب المقدس نفسه عن نفسه.

لأنه بالنسبة لهم، يعتبر الكتاب المقدس سلطة غير مستقلة، لكنها خاضعة لحكم المفسر الذي يحدد أي من عناصر الكتاب المقدس هو الحق، وبالتالي هو كلمة الله الجديرة بالثقة.

رودلف بلتمان

إن المفسرين الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس بحسب المنهج الوجودي يحاولون عادة أن يطهروا الكتاب المقدس من جميع العناصر التي لا تتفق مع نتائج نقدهم التاريخي الطبيعي. فإذا كان هناك أي شك بشأن الأساس الطبيعي للتفسير الوجودي، فإن مثل هذا الشك تم استعباده تماماً بواسطة تصاعد حركة رودلف بلتمان (1884-1976) وتلاميذه.

ذهب منهج بلتمان “بتخليص اللاهوت من الأسطورة” إلى ما هو أبعد من الوجوديين الأوائل، في إنكار المصداقية التاريخية لجميع العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس، بما فيها قيامة المسيح. فقد جادل بلتمان أنه على الرغم من السمة الطبيعية الكلية لكتب المقدسة، إلا أن تلك العناصر الطبيعية تشير إلى واقع أسمى، كان مخفياً في أسطورة.

فإن بعض العناصر في الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم التعامل معها على أنها تاريخ رصين. فعملية فصل الأسطورة عنه وتقرير الأمور المهمة الباقية كان مهمة المفسر، كما يزعم بلتمان، وهكذا أصبحت عملية تخليص اللاهوت من الأسطورة هي الموضوع السائد للوجوديين بعد الحرب العالمية الثانية.

لا يكون واضحاً دائماً عملية استخدام أحد مفسري الكتاب المقدس أو الوعاظ لمنهج وجودي. فإحدى سمات هذا المنهج هي استخدام كلمات تقليدية بمعان غير تقليدية. فمثل هذا الشخص قد يعلم عن الميلاد الجديد، لكن يكون في ذهنه مفاهيم روحية تتكرر مرات ومرات. وقد يحدث عن أمور شيطانية لكنه لا يشير إلى أي كائن فوق طبيعي لكن يشير إلى قوى شريرة في المجتمع.

النظرة العالمية للمفسر

انتقل القادة في المنهج الوجودي مؤخراً إلى تحليل كيفية عمل التواصل البشري. وهذا يتبع الاتجاه العام للمحدثين، بأن يصرفوا الانتباه عن النص القديم وعن مؤلفه، وأن يزيدوا من التركيز على المفسر؛ أي أن يقوموا بالتركيز على دور المتلقي للمعلومات أكثر من تركيزهم على دور المرسل.

إن الله يرغب بالتأكيد أن تتغلغل كلمته بعمق وبطرق مغيرة للحياة في مفسري القرن العشرين، لكن تطبيق الكتاب المقدس يجب أن يتبع تفسيراً أميناً لمعنى النص، وليس أن يقرره. يخطئ المنهج الوجودي في إعطاء المفسر سلطة مساوية لسلطة النص، إن لم تكن أكثر. بهذه النظرة، يكون إسهام المفسر جزءًا سلطوياً في المزيج الذي يشكل الكلمة التي من الله.

إن الذين يدرسون ظاهرة فهم فكر شخص آخر يدركون أن المتلقي لأية معلومات يسمع بمجموعة من الافتراضات المسبقة التي تشكل نظرة عالمية. هذه النظرة العالمية هي عدسة يرى الشخص من خلالها كل الواقع. فهي تمثل قنوات للفكر، تفسر الخبرات، وتوجه السلوك. تعمل هذه العدسة باستمرار، لكن نادراً ما يتم ملاحظتها.

الأكثر من ذلك، إن اللغة التي يستخدمها المرء يكون لها معنى، فقط بالنسبة للشخص الذي يفهم النظرة العالمية للمتحدث أو الكاتب. لذلك فإن التواصل الفعال لا يحدث إلا عندما تكون اللغة المستخدمة بواسطة المرسل (مؤلفي الكتاب المقدس في هذه الحالة) متصلة مباشرة بالنظرة العالمية للمتلقي (مفسر الكتاب المقدس). فاللغة تصبح مفهومة فقط عندما يستطيع المتلقي أن يفهم النظرة العالمية للمرسل، وبذلك يسمع الكلمات في سياق النظرة العالمية للمرسل.

وحيث أن تأثير النظرة العالمية للشخص يكون شديد العمق والتغلغل، فقد يئس البعض من إمكانية وجود تواصل مفهوم بين البشر من حقب وثقافات مختلفة. بل الحقيقة أن أصحاب النظريات الأكثر تطرفاً قد يئسوا من إمكانية وجود تواصل دقيق بين الذكور والإناث من نفس الثقافة أو حتى بين أي شخصين.

لكن الوجودي المتدين يؤمن أن المشكلة تحل عندما يأتي الدارس للنص الكتابي القديم بحياته الشخصية إلى تلك العملية من الفهم، بحيث ينتج “المزج” بين النص القديم والاستجابة الشخصية المعاصرة، كلمة صحيحة من الله.

يزعم المنهج الوجودي أن الحياة الشخصية للمفسر تلعب دوراً تشكيلياً في معنى أي عملية توصيل للمعلومات. فالمفسر يصل دائماً إلى تفسير يتكون إلى درجة ما من مزيج من أفكاره الخاصة وأفكار المؤلف الأصلي. فحيث أن المفسر قد تفاعل مع النص، فإن النص يعيد تشكيل فكر المفسر، لكن بسبب تفاعل النص مع المفسر، يعيد المفسر تشكيل رسالة النص.

بحسب هذا الاتجاه الوجودي، لا تعد الفجوة بين النص والمفسر أمراً مؤسفاً، بل أنها تمثل الديناميكية التي تنشط كل تفسير. السبب في ذلك هو أن المنظور الجديد، المفترض أنه أوسع، الذي يحدث نتيجة التفاعل بين النص والمفسر، يصبح هو الأساس الذي عليه يحدث اللقاء التالي مع النص.

التفسير الجديد والدائرة التفسيرية

تم إعطاء اسم “التفسير الجديد” لعملية تطبيق المنهج الوجودي على ظاهرة الفهم البشري. ويطلق عليه “جديد” لأنه يأتي بالمفسر إلى دور تشكيلي في عملية التفسير. ويطلق عليه “تفسير” في صيغة المفرد، لأنه لا يعنى بالإرشادات أو الوسائل التي بها يعين المرء معنى النص – وهي المهمة التقليدية للتفسيرات (بصيغة الجمع) – ولكنه يعنى فقط بهذا المنهج أو النظرية المنفردة في فهم الفكر البشري.

يوضح التفسير الجديد مشكلة “الدائرة التفسيرية”. تتضح الناحية الدائرية للتفسير عندما يسأل المرء “أيهما جاء أولاً، النص أم سياق المفسر؛ أفكار المؤلف القديم أم أفكار المفسر؟” وهذا سؤال مشروع ويمكن أن ينبه المفسر لخطأ افتراض أن الكتاب المقدس يمكن قراءته بطريقة شديدة الموضوعية مما يجعل التفسير حراً من التحيز أو البقع المظلمة.

لكن هناك اختلاف جوهري بين منظور التفسير الجديد والمنهج التاريخي لفهم الكتب المقدسة، كما هو معروض في هذا الكتاب. يقول التفسير الجديد أنه لا يوجد طريق للخروج من هذه الدائرة، فلا توجد موضوعية في التفسير، ولا معنى ثابت في النص بمعزل عن مدخلات المفسر. لكن الكتاب المقدس هو توصيل لمعلومات من الله، واللغة البشرية الموحى بها في النص مؤيدة ومدعّمة بحقه ومصداقيته وعدم تغيّره.

فالنص صادق بطريقة موضوعية، ومستقل عن تفسير أي شخص له. وهكذا فإنه بالنسبة للذين يقبلون السلطة المستقلة للكتاب المقدس، لا يحاول المفسر أن يختلق معنى جديداً، رغم أنه يحاول أن يفهم ويطبق المعنى الموضوعي لمقطع كتابي بطريقة أكثر أصالة مما كان يحدث في الماضي. ربما يكون هناك بهذه الطريقة تفسير جديد سليم. للكن لا يكون هناك إعلان سلطوي جديد لحق الله.

لكن قبول الحق المستقل الموضوعي للكتاب المقدس لا يحل بالكامل المشكلة التي تثيرها “الدائرة التفسيرية”. فكيف يمكن لأي مفسر يعنق حشداً من الافتراضات المسبقة الواعية واللاواعية، أن يعرف أنه ينظر للنص من منظور الله، غير متأثر بتحيزاته الشخصية؟ يصدق التفسير الجديد عندما يزعم أن النص ليس سلبياً. بمعنى أن النص ليس مجرد موضوعاً للفهم، لكن الكتاب المقدس كتاب حي، يفحص ويفسر المفسر.

كما يصدق التفسير الحديث أيضاً عندما يرضى بأن يشترك النص مع المفسر في العملية. فكما أن المسيحي الحديث لا يولد في العائلة كامل النمو، ولكنه ينمو في التقوى طوال حياته، كذلك أيضاً النمو في الفهم وتطبيق الكتاب المقدس، يستمر طوال رحلة المسيحي. لكن التفسير الجديد معيب بصورة خطرة، لأنه ينكر موضوعية الحق ويرفض السلطة المستقلة للكتاب المقدس.

رغم أن الجزء القديم من عملية التفسير (النص الموحى به) والعنصر الحديث (دور المفسر) لا يمكن الفصل بينهما، إلا أنه يمكن ويجب التمييز بينهما. فسلطة الله تقف خلف الكلمة التي تم التحدث بها في السياق القديم؛ ولكنها لا تقف خلف ما يأتي به المفسر إلى النص. الكتاب المقدس حق وسلطوي؛ لكن التفسير قد يكون كذلك أو لا يكون.

بحسب التفسير الجديد، يقفز المفسر إلى عملية دائرية دائمة في التفسير، ويتحرك فيها بواسطة عدم يقينية وتعقيدات السياق الحالي، متأثراً بالنص القديم. لكن بحسب الوسيلة التي ينادي بها هذا الكتاب، يعترف المفسر بحق ومصداقية وسلطوية الكتاب المقدس الذي أعطي في السياق القديم، ويستخدم ويوظف الإرشادات لأجل التفسير المناسب الذي يجعل النص يتحدث عن نفسه.

رغم أن المفسر لا يكون حراً على الإطلاق من تأثير السياق الحالي، إلا أن معنى النص السلطوي يكون موجوداً ويكون عليه اكتشافه. يمكن للمسيحي أن يكون واثقاً من تقدمه نحو الفهم والتطبيق السليم للكتاب المقدس، لأن المسيحي يتحرك نحو هدف ونقطة ثابتة، وليس نحو هدف متحرك بالتفسير الوجودي.

الأكثر من ذلك، يمكن للمفسر المسيحي أن يكون على يقين تام من معنى التعاليم الأساسية العظيمة للكتاب المقدس – مثل وضوح إعلان الله. إن اليقين لا يتطلب معرفة مرهقة بكل حق الله. بكلمات أخرى، يمكن للمسيحي أن يفهم حق الله ويعيش في ضوئه بدون أن يزعم أنه فهم واستوعب بالكامل كل حق الله. هذا التمييز يساعد المسيحي على تجنب الشك القوي من ناحية، على عدم التهاون في العقيدة في التفسيرات موضع الخلاف، من ناحية أخرى.

تنشأ العديد من المفاهيم والتحذيرات عند تقييم التفسير الحديث. أولاً، يجب على المفسر أن يحمي الاستقامة والسلطة المستقلة للنص الكتابي بأي ثمن. ثانياً، إن تفسير الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم بموضوعية كاملة. ثالثاً، يجب على المفسر أن يقترب إلى النص ويتعامل معه باتضاع.

رابعاً، حيث أن المفسر ليس هو الشخص الوحيد الذي يقوم بتفسير الكتاب المقدس، فإنه يجب أن يدرك قيمة وأهمية الكنيسة في التفسير. خامساً، تفسير الكتاب المقدس هو عمل يستمر طوال الحياة، حيث ينتقل بنا الله من درجة من المعرفة إلى أخرى. سادساً، يمكن للكنيسة أن تنال اليقين بدون الحاجة لأن تفهم تفسير الكتاب المقدس كله. وسابعاً، يجب تجنب الجزم بالرأي في الأمور التي لم تتضح بواسطة الكتب المقدسة.

إن التفكير الوجودي، السائد بواسطة بارث، ثم بلتمان، وأخيراً بواسطة التفسير الحديث، لم يعد له اتجاه سائد. بل بدلاً من ذلك، ينقسم مجال النقد التاريخي بين الكثير من المناهج والاتجاهات، ليس جميعها وجودي.

ففي البحث عن نماذج جديدة لعبور الفجوة من الوثائق القديمة إلى الفكر الطبيعي المعاصر، يسعى العلماء نحو النقد الأدبي، واللغوي، وفلسفة اللغة، والعلوم الاجتماعية. لكن لم يأت منهج ما إلى وضع السيادة والهيمنة بعد. من ناحية أخرى، يتجه العديد من العلماء الإنجيليين السابقين نحو منهج بارث القديم.

رغم أن الوجوديين في القرن العشرين قد شرعوا في استعادة كلمة الله من حطام العقلانيين، فإنه بنهاية القرن أصبحوا في مثل ذلك التدمير لأية كلمة موضوعية صادقة وسلطوية من الله. ربما يكون هذا نتيجة حتمية لمحاولة بشر محدودين ساقطين أن يبحثوا في أنفسهم عن إجابات، الأمر الذي يعتبر عيب قاتل للمنهج الوجودي. ففي النهاية لا يمكن أن نهرب من الذاتية، وخاصة ذاتية المنهج الطبيعي.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

أكتيميير، بول جي. An Introduction to the New Hermeneutic. Philadelphia: Westminster. 1974.

بارث، كارل. Church Dogmatics المجلد الأول، The Doctrine of the Word of God ترجمة جي تي طومسون. New York: Scribners, 1936.

برونو، إميل. Truth as Encounter. ترجمة إيه دبليو لوس ودي كارنز Philadephia: Westminster, 1964.

بولتمان، رودلف. The Problem of Hermeneutics في Essays Philosophical and Theological ترجمة جي سي جي جريج، الصفحات 234-61. London: SCM.1955.

جرونلر، وريس جوردون. Meaning and Understanding: The Philosophical Framework for Biblical Interpretation. Grand Rapids: Zondervan. 1990.

سيلفا، مويزس. Has the Church Misread the Bible? The History of Interpretation. In the Light of Contemporary Issues. Grand Rapids: Zondervan, 1987.

روبينسو، أنتوني. The Two Horizons: New Testament Hermeneutics and Philosophical Description. Grand Rapids: Eerdmans, 1980.

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

سياق المؤلف

حيث أن الكتاب المقدس من تأليف بشري، يجب التعامل معه بنفس الطريقة التي نتعامل بها مع أية معلومات أخرى. والهدف من ذلك هو تحديد المعنى الذي كان يقصده المؤلف. لكن هناك عوائق معينة – مثل اختلافات اللغة والثقافة – تفصل بين المؤلف والقارئ.

فلكي نفهم المعنى الذي قصده المؤلف، يجب على القارئ أن يفهم السياق والبيئة التي يكتب منها المؤلف. بهذه الطريقة فقط يمكن التغلب على تأثير الاختلافات بين المؤلف والمتلقي، ويصبح في الإمكان الوصول إلى الفهم الحقيقي.

في فصول تالية سنقوم بدراسة الوسائل وتطوير المهارات اللازمة للتغلغل في سياق النصوص الكتابية، وسوف نستخدم فهم هذه الدراسة في تفسير الكتاب المقدس، وأخيراً، في تطبيقه على حياتنا. عند هذه النقطة سنقوم ببساطة بتشكيل المبدأ نفسه، وهو أن أختار الله أن يكشف عن نفسه وعن مشيئته، وليس في قائمة من الحقائق الافتراضية المدونة بلغة سماوية، بل أن يكشف عن ذلك للبشر في التاريخ باستخدام لغة بشرية.

لذلك فمن مسؤوليتنا أن ندرس الكتاب المقدس كما نفعل مع أية معلومات بشرية أخرى لكي نحدد بأكثر دقة ممكنة ما كان يقصد المؤلفون أن نفهمه ونؤمن به ونطيعه.

لكن نقوم بذلك، سوف نفكر في سياقين: السياق التاريخي والسياق الأدبي. يشمل السياق التاريخ السياق المادي والجغرافي والثقافي والأيديولوجي للمؤلفين وللناس الذي كتب إليهم. والأحداث التاريخية كذلك. ويشمل السياق الأدبي، اللغة نفسها، وأسلوب الصياغة الأدبية، والسياق المباشر للمقطع موضوع الدراسة.

صدق الكتاب المقدس

حيث أن الله هو المؤلف خلف مؤلفي الكتاب المقدس – وهو المصدر النهائي للإعلان – يجب تفسير الكتاب المقدس على أنه حق وصادق في كل أجزائه، ويجب السعي نحو وحدة كل أجزائه.

صادق في كل أجزائه

حيث أن الكتاب المقدس هو صادق في كل أجزائه، فلا يصلح تشويه تفسيره، أو رفض جزء منه لأنه يبدو أنه يتناقض مع نظرية علمية، أو مصدر تاريخي، أو نظرية معاصرة سواء في علم النفس أو علم الاجتماع أو علم الأجناس البشرية. فعلى سبيل المثال، الله هو الذي خلق العالم، فالعالم لم ينشأ بصورة تلقائية. لذلك فإن أي تفسير للأصحاحات الأولى من سفر التكوين يجب أن يتم التعامل معها على أنها صادقة، وإلا يكون المفسر قد استخدم افتراضات طبيعية مسبقة.

هل حقاً أمر الله إسرائيل أن يهلكوا شعوباً معينة، أم أن هذه فكرة موسى؟ من الذي كتب سفر إشعياء؟ هناك العديد من المقاطع التي يعتمد تفسيرها على إجابات على مثل هذه الأسئلة، لكن المفسر الذي يقبل تقييم يسوع المسيح للكتاب المقدس، يجب أن يقوم بكل تفسير على أساس الافتراض بأن الكتاب المقدس هو حق وصادق.

وحدة أجزائه

إن الكتاب المقدس هو حق بالفعل في كل أجزائه، يجب السعي إلى الوحدة الحقيقية لها بواسطة الشخص الذي سيفسر الكتاب المقدس. فيجب مقارنة الكتب المقدسة ببعضها البعض، كما يجب فحص سياق الكاتب والمتلقي الأول للكتابات. قد تثار أسئلة مثل: كيف يرتبط العهد القديم بالعهد الجديد؟ ماذا يفعل المرء بالسجلات التاريخية التي يبدو أنها لا تتفق معاً، مثل بعض الأنساب في العهد القديم أو في الروايات الخاصة بحياة يسوع في العهد الجديد؟

تتطلب عملية تنسيق ومجانسة الكتاب المقدس مهارات معينة سوف ندرسها بنوع من التفصيل في الفصل 15. لكننا يجب أن نبدأ بالمبدأ الأساسي وهو أنه حيث أن كل أجزاء الكتاب المقدس حق وصادقة. فالتناسق موجود بالفعل، ومهمتنا هي البحث عنه والعثور عليه.

إن الباحث عن الحق مسؤول عن تجميع كل ما يقوله الكتاب المقدس في موضوع معين. بل أكثر من ذلك، تعتبر مهمة جديرة بالعناء أن يسعى الباحث لربط كل التعاليم الكتابية في تفسير شامل للهيكل الكلي للحق الكتابي. سيكون جزءًا من دراستنا في الفصل 16 هو أن ندرس الإرشادات والوسائل الخاصة بتفسير الكتب المقدسة بمقارنتها ببعضها البعض، وإنشاء ترتيب شامل لعقيدة الكتاب المقدس كله (لاهوت نظامي).

في الوقت الحالي، يمكننا أن نخلص إلى أن الكتاب المقدس بأكمله هو جدير بالثقة، ببساطة لأن الله هو مؤلفه. لذلك، فليس فقط أمراً مشروعاً بل أنه من الضروري أن نسعى لإيجاد الوحدة بين جميع تعاليمه لكي نفهم مشيئة الله أكثر.

سلطة الكتاب المقدس

إن الكتاب المقدس، والكتاب المقدس وحده، هو السلطة النهائية المطلقة للإيمان والحياة. لذلك، جميع المبادئ والتقنيات المستخدمة لاستخراج معنى مقطع كتابي يجب أن تتفق مع المبدأ القائل بأن الكتاب المقدس نفسه هو السلطة النهائية. فكر معي في أربعة معان رئيسية لذلك المبدأ:

غرض الإعلان الإلهي

لقد أعلن الله عن نفسه في الكتاب المقدس لأجل غرض خلاص البشرية. وذلك “الخلاص” هو كامل – فهو يمتد منذ بداية المصالحة مع الله، وعبر تغيير المؤمن إلى الشبه الأخلاقي لله، وحتى اتحاد المحبة النهائية مع الله في الأبدية. فغرض الله هو خلاص الإنسان.

“وإنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح”. (2تيموثاوس 3: 15-17).

إن قولنا أن الخلاص هو غرض الكتاب المقدس يعني أن الإعلان محدد. فالكتاب المقدس لم يعط لنا لكي يعلمنا كل شيء عن الله غير المحدود أو كل شيء عن الكون الذي خلقه. فالله لم يوحي لمن كتبوا الكتاب المقدس لكي يقدموا سجلاً محدداً للتاريخ القديم، أو حتى لكي يعلمونا كل شيء عن طبيعة الإنسان.

لذلك فإن استخدام الكتاب المقدس ككتاب دراسي في علم الأحياء أو علم النفس أو علم الاجتماع معناه إساءة استخدامه وتقويض سلطته. إلا أن الأمر الأكيد هو أنه عندما يلمس الكتاب المقدس تلك المناطق، فإنه يكون جدير بالثقة تماماً، فهو لا يعلم خطأ، لكن ليس هذا هو غرض الإعلان، بل غرضه هو مصالحة الناس مع الله، ومن خلال تلك المصالحة، يردهم لكل ما قصد الله لهم أن يكونوا.

الهدف من دراسة الكتاب المقدس

حيث أن الكتاب المقدس هو الإعلان السلطوي للحق الروحي، فإن الهدف الأول لدراسة الكتاب المقدس يجب أن يكون فهم المعنى الذي قصده المؤلف. فلكي تكون للكتاب المقدس سلطة مستقلة، يجب أن نقرر المعنى الذي قصده المؤلف.

فإن كان غرض الكتاب المقدس هو خلاصنا، فإن هذا الغرض لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم فهم رسالة الله، وتلك هي مهمة المفسر. ومع ذلك، فإن فهم الكتاب المقدس لا يأتي بالخلاص، إذ أن الرسالة يجب أن يتم الإيمان بها وطاعتها، وتلك هي مهمة التطبيق.

لكي يكون التفسير مطابقاً لقصد الكاتب، يجب أن يشتمل على تطبيق.[1]

يمكن أن تصح معرفة وتعلم كلمة الله فقط بواسطة تغيير الحياة…. إن التعليم الوحيد الذي يمكن عن حق أن نطلق عليه “تعليم كتابي” هو الذي يركز ليس على تشغيل المعلومات، لكن على سماع صوت الله المحب والاستجابة له.[2]

باختصار، غرض الإعلان الإلهي هو خلاص الأفراد. لذلك، فكي يكون الكتاب المقدس فعالاً في خلاص الإنسان، فإن أول خطوة هي فهم المعنى الذي قصده المؤلف. أما الخطوة التالية فهي تطبيق ذلك المعنى على الخلفية المعاصرة بالإيمان والطاعة. عندها فقط سيتحقق غرض الإعلان الإلهي، ويكون الكتاب المقدس سلطوياً بالكامل في حياة الناس.

مدى السلطة

لقد رأينا حتى الآن أن سلطان الله لا يؤسس على تفسيرنا غير المعصوم للكتاب المقدس، لكن فقط على الكتاب المقدس نفسه. لكن هل هذه السلطة تستقر فقط على تعاليم الكتاب المقدس، أم أنها تمتد أيضاً إلى كلمات الكتاب المقدس؟ وإن كانت كذلك، هل تمتد إلى كل جزء من الكتاب المقدس بالتساوي؟ أولاً، افتراضنا هو أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله ومعصوم من الخطأ، فليس هذا هو مكان الدفاع عن وضع الوحي اللفظي أو عصمة الكتاب.

لكن من الملائم أن نتذكر أن نماذجنا في التفسير هم يسوع المسيح والأشخاص الذين كتبوا العهد الجديد. فقد تعاملوا مع العهد القديم ليس فقط على أنه ذو سلطان، بل على أنه بالكامل جدير بالثقة كذلك –حتى بالنسبة لكل كلمة فيه. ونحن باتباعنا لذلك النموذج، فإننا نؤكد أن سلطة الكتاب المقدس تغطي الكلمات كما تغطي المفاهيم. بعض المفسرين يؤكدون على صدق مفاهيم الكتاب المقدس، بينما يعتقدون أن بعض الكلمات بها خطأ.

لكن لا يوجد معنى بدون كلمات تصدق في المعنى وتتفق معه. الأكثر من ذلك، فإن لاهوت “المفهوم الموحى به” يتعدى على السلطة المستقلة للكتاب المقدس. فمعايير التمييز بين المعاني أو المفاهيم الحقيقية، وبين الكلمات غير الصادقة التي من خلالها يتم تقديم المعنى، تنقل السلطة إلى تلك المعايير أو للشخص الذي يستخدمها.

يستخدم جون وورويل مونتجمري تشبيها بالوثيقة القانونية لكي يوضح هذه النقطة، فيقول:

بخصوص تفسير الوثائق القانونية عامة، قدم اللورد بيكن هذه الحكم الصادقة:

“إن التفسير الذي يبتعد عن حرف النص لا يعتبر تفسيراً بل تكهناً”.

“عندما يبتعد القاضي عن الحرف فإنه يتحول إلى مشرع.”

يشرح السير رولاند بوروز هذه النقطة بوضوح يثير الإعجاب:

“يجب على المحكمة أن تعنى بألا يستخدم الدليل لإتمام وثيقة تركها أحد الأطراف غير كاملة، أو بأن تناقض ما قاله هذه الطرف، أو بأن تثير الشكوك، التي بدون ذلك لا تكن موجودة؛ أما بالنسبة للتفسير، فإنه يكون مقصوراً دائماً على تلك الأمور، مما يساعد المحكمة على الوصول إلى معنى الكلمات المستخدمة، وبالتالي أن تعطي سلطة للمعنى المقصود كما يتم التعبير عنه.”

كما هو الحال بالنسبة للرغبات والأفعال والقوانين، المفسر الأمير للكتاب المقدس يقوم بتفسير النص بطريقة تعطيه “شرعية وليس عدم شرعية”؛ ويعمل” بافتراضات ضد السخف ومنافاة العقل”؛ وبمجرد أن يتم تقرير المعنى الواضح للنص، فإنه يقبل تطبيقه وتفعيله في حياته “رغم أن النتائج قد تبدو قاسية أو غير عادلة أو غير مناسبة.” (سي إي أودجرز، The Construction of Deeds and statutes الطبعة الرابعة، 1956، الصفحات 186، 188).

إن المفسر المسيحي المؤمن لوصايا الكتب المقدسة سيفترض أنه بالإشارة إليها أيضاً “كل جزء من وصية يعني شيئاً، ويجب أن يعطى السلطة وأن يتناغم، إن أمكن، بربطه ببقية الأجزاء الأخرى كلها.”  (إف إتش تشيلدز)؛ ويقوم بتفسير العهد القديم دائماً في ضوء العهد الجديد على أساس أن “التعبير الأخير عن الوصية هو الذي يغلب”.[3]

لكن على الرغم من أن الكتاب المقدس كله هو من الله، وبالتالي فهو أهل للثقة، إلا أن ليس كل الكتب المقدسة لها سلطة متساوية بالنسبة لطاعة المسيحيين في عهد الكنيسة. سوف نقوم بمناقشة هذا المبدأ بنوع من التفصيل عند دراسة مبادئ تطبيق الكتاب المقدس في الفصل 19.

الكتاب المقدس نفسه، كالسلطة النهائية، يجب أن يحدد أي جزء منه هو الذي له الدوام والعمومية في التطبيق، وأي جزء هو المحدود. فإذا تم التمييز بين التطبيق العام والمحدود بواسطة أي مبدأ أو شخص آخر. فإن ذلك المبدأ أو الشخص يصبح هو السلطة، مستبدلاً بذلك الكلمة الأخيرة للكتاب المقدس عن نفسه.

الحدود المتضمنة في مبدأ السلطة.

تضع سلطة الكتاب المقدس حدوداً معينة على مبادئ سياق المؤلف ووحدة الكتب المقدسة. لو لم يكن هذا صحيحاً، لما كان الكتاب المقدس نفسه هو السلطة النهائية. فدعونا نلقي نظرة على تلك الحدود.

حدود السياق البشري.

كما أشرنا من قبل، حيث أن الكتاب المقدس قد جاء إلينا من خلال مؤلفين من البشر، فإن المفسر يتعامل حتمياً مع سياقين: (1) إنه يسعى لفهم سياق الذين كتبوا الكتاب المقدس بأفضل طريقة ممكنة، و(2) يسعى أيضاً لتفسير وتطبيق الحق الكتابي في ضوء السياق المعاصر.

غالباً ما يتم دمج هذين الأمرين ومن المعتاد أن يحدث تداخل بينهما. السؤال المفتاحي هو: كيف يمكن استخدام هذه الأدوات المفيدة والمشروعة لفهم الكتاب المقدس بدون التعدي على سلطة الكتاب المقدس؟ وعلى أي أساس يقوم المرء بالتمييز بين الرسالة السلطوية والدائمة للمؤلف، وبين السياق التاريخي المؤقت؟

هناك عدة مناهج تم اقتراحها للقيام بذلك. البعض يعتقد أن التعليم يجب أن يتم الإيمان به وطاعته إن كان في نظام الخليقة أو من طبيعة الله (مثلاً، المحبة). فإن لم يكن التعليم الكتابي في نظام الخليقة أو من طبيعة الله، فيمكن افتراض أنه تعليم مؤقت مقصور على الشكل الثقافي الانتقالي أو على سياق تاريخ محدد. وهنا يجب على المفسر في العصر الحاضر أن يحرر الحق الباقي لكي يتم تطبيقه او رفضه اليوم.

بينما يعتقد آخرون أن أي أمر يرتبط بمبدأ عام، أو مطلب أخلاقي يُطلب من كل الثقافات في أي وقت (مثلاً، عدم السرقة)، يمكن تطبيقه بصورة عامة بسلطة مشيئة الله الأكيدة، لكن التعليم الخاص الذي يكون محدوداً بثقافة معينة، قد لا يتم تطبيقه بهذه الصورة. فالأوامر الخاصة بالدور في علاقات الزواج هي أمور خاصة محدودة بالثقافة، يمكن ألا يتم تطبيقها بسلطان على أنها مشيئة الله الأكيدة في كل الثقافات وفي كل الأزمان.[4]

كما أن هناك آخرون يقولون إن التعليم الذي يكون أخلاقياً بالفطرة ولاهوتياً هو التعليم السلطوي، لكن التعليم غير الأخلاقي وغير اللاهوتي لا يكون له بالضرورة نفس السلطة.[5]

المشكلة في كل من هذه المناهج هي، كيف يمكن للمرء أن يقرر؟ حيث أن الكتاب المقدس لم يعطنا مثل هذا الأساس لتفسيره، ربما يغتصب المفسر لنفسه، عن غير عمد، سلطة الكتاب المقدس، عن طريق فرض معاييره الخارجية الخاصة بما هو تعليم مقبول وسلطوي، وما هو تعليم يمكن الاستغناء عنه. هذه مشكلة حقيقية، وحلها ليس سهلاً. لكن المبدأ الثابت الذي يضع حدوداً صارمة على الفهم الثقافي هو سلطة الكتاب المقدس نفسه.

عند هذه النقطة دعونا نميز بين التفسير والتطبيق. المهمة الأولى هي أن نفسر، أي أن نحدد بثقة المعنى الذي قصده المؤلف. لأجل ذلك، يكون الفهم الثقافي مهماً في تفسير النص وإلقاء الضوء عليه. أما عند القيام بتطبيق النص على خلفية معاصرة، فمن الضروري أن نفحص المبدأ العام الذي يكمن خلف أي تعليم محدد. بهذه الطريقة يمكن للباحث أن يقرر ويطيع مشيئة الله كما هي معلنة في كلمة الله السلطوية.

فكر في مثال تم التلميح إليه من قبل “أيتها النساء أخضعن لرجالكن”. (أفسس 5: 22) إنها وصية واضحة بما يكفي. لا يصلح أن نقول إن هذه عبارة مشروطة ثقافياً، لذلك فهي لم تعد تطبق. فقولنا هذا يعني أن الوصية التالية كذلك “أيها الأولاد اطيعوا والديكم” (أفسس 6: 1)، يجب التعامل معها أيضاً بصورة نسبية، والوصية الأولى بطاعة الله، يمكن أن تعاني من نفس هذا المصير.

إن المعنى الذي يقصده بولس لأي ملاحظ موضوعي هو شديد الوضوح. وهذا المعنى لا يمكن تغييره من خلال التفسير إذا كان المفسر يدرك السلطة المستقلة لكلمة الله. لكن عندما يأتي الأمر إلى التطبيق، فإن الطريقة التي يعلم بها الكتاب المقدس عن دور الزوج كرأس للبيت تختلف بالتأكيد من ثقافة لأخرى. فعلى سبيل المثال، سيسود بالتأكيد في البيت الأمريكي جو أكثر ديموقراطية مما في البيت الياباني، بينما يكون كل منها طائعاً للتعليم الكتابي الواضح.[6]

إن عملية تمييز المبدأ من وراء التعليم الكتابي المشروط ثقافياً هو أمر مشروع وضروري للغاية في تطبيق الكتاب المقدس على الإيمان والطاعة في الوقت الحاضر. هذا الأمر لا يتعدى على سلطة الكتاب المقدس، لكنه يحققها. من ناحية أخرى، فإن استخدام هذا المنهج في التفسير بحيث يتم استبعاد المعنى الواضح، يقوم باستبدال النص السلطوي بالفهم الثقافي المعاصر.

وهذا الأمر لا يتعدى فقط على سلطة الكتاب المقدس، ولكنه يصبح أداة يمكن بها إساءة استغلال تعاليم الكتاب المقدس بتحويلها إلى أي صيغة تقريباً يرغب فيها المفسر.

حدود السعي لوحدة الكتاب المقدس كله.

يضع مبدأ سلطة الكتاب المقدس حدوداً معينة على تنفيذ مبدأ معاملة الكتاب المقدس باعتباره معلومات بشرية مفهومة. كما يضع حدوداً أيضاً على المبدأ القائل بأن المفسر يجب أن يسعى لتناغم واتساق تعاليم الكتاب المقدس. وسوف نقوم فيما بعد بدراسة الإرشادات والوسائل التي تعمل على تناسق وتوافق الكتاب المقدس (الفصلان 15-16).

أود أن أقول باختصار أن سلطة الكتاب المقدس يتم التعدي عليها بوسيلتين أساسيتين بواسطة أولئك الذين يعملون على التوفيق بين مقاطع تبدو أنها غير متفقة في التعليم:

1 – يتم تفسير المقاطع بصورة منافية للمنطق، وبتفسيرات غير أكيدة، أو يتم جعل التركيز الكتابي الثانوي يسود على المقاطع الواضحة المعنى أو على التعليم الأكثر شمولية. فعلى السطح، يبدو أن الوسيلة تسمح ببساطة للكتاب المقدس بأن يقارن نفسه بنفسه، لكن عندما يتم جعل تعليم غير أكيد يسود على الإعلان الأكثر وضوحاً، يكون عندها المفسر أو تفسيره هو السلطة النهائية.

2 – يقوم المفسر بالتعدي على سلطة الكتاب المقدس من خلال الاستنتاج المنطقي من التعليم الكتابي الواضح. هذا النوع من الاستنتاج يتعدى على سلطة الكتاب المقدس عندما: (1) يتم التعامل معه باعتباره حق معصوم من الخطأ؛ أو الأسواء، (2) عندما يتم تحويله ضد تعليم كتابي آخر واضح للكتاب المقدس. عندئذ يصبح وضعاً فلسفياً خارج الكتاب المقدس، والذي يتم استخدامه لتشويه القصد الواضح لمؤلفي الكتاب المقدس.

لكن لكي يتم فهم كلمة الله والإيمان بها وطاعتها، يجب أن تسود سلطة الكتاب المقدس وتتفوق هي وحدها.

[1] ويليام لاركن Faculty Handbook (Columbia, S. C.: Columbia Bible college and Seminary, 1990) صفحة 3.

[2] لاري ريتشاردز، Church Teaching: Content Without Context Christianity Today 15 أبريل 1977، صفحة 16.

[3] جون ورويك مونتجومري، Testamentary Help in Interpreting the Old and New Testaments Christianity Today، 5 مايو 1978، صفحة 55.

[4] تشارلز إتس كرافت، Interpreting in Cultural Context Journal of the Evangelical Society، ديسمبر 1978، صفحة 257.

[5] جوردن في، The Genre of thw New Testament Literature and Biblical Hermeneutics, in Interpreting the Word of God، تحرير صمويل جي شولتز وموريس إيه إنش (Chicago: Moody, 1976) صفحة 133.

[6] انظر جي روبرتسون ماكويلكن، The Limits of Cultural Interpretation, Journal of the Evangelical Theological Society, June 1980، صفحة 113.

مبادئ أساسية لفهم الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس

لا يمكن لله أن يكذب، لذلك لا توجد تناقضات في فكر الله. وحيث أن كل الكتاب المقدس هو موحى به من الله، فإنه جدير بالثقة. في ضوء هذا الافتراض الأساسي، تصبح كل المحاولات التي تبذل لتوفيق جميع تعاليم الكتاب المقدس بشأن موضوع ما أو إعداد نظام منهجي شامل لكل تعاليمه، هي محاولات سليمة وفي موضعها الصحيح.

ليس فقط الدراسة النظامية للكتاب المقدس سليمة، لكنها ضرورية. فعلى سبيل المثال، إنه أمر ضروري بالنسبة للاهوتي أن يدرس كل أجزاء الكتاب المقدس التي تصف طريق الخلاص. فإذا قام بأخذ مقطع معين، وفصله عن بقية المقاطع الأخرى التي تتعامل مع كيفية خلاص الشخص، وبنى عليه مبدأ للخلاص، ستكون النتيجة تشويه حق الله الخاص بالخلاص. لذلك فإن الدراسة المنظمة للاهوتي ليست فقط أمر سليم وضروري، لكن لها أهمية عظمى لفهم معنى الكتاب المقدس. فالجهود التي تبذل لتنسيق وتجانس ووحدة الحق في المقاطع المختلفة التي تتحدث عن موضوع معين هي سليمة ومطلوبة للمعلم والواعظ كما هي بالنسبة للاهوتي.

إن تركيب التعليم الكتابي ليس فقط صحيح، وضروري، ومهم؛ ولكنه حتمي كذلك. وحيث أن كل شخص يتعامل مع أية وثيقة مكتوبة بمجموعة من الافتراضات المسبقة، بالمثل، يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس من خلال هذه النظارات الفكرية. بل الحقيقة أنه لا يستطيع أن يقبل إلا الأفكار التي تتفق بصورة ما مع نظام تفكيره الممنهج الموجود في عقله بالفعل. لذلك ليس فقط جميع المسيحيين لاهوتيين، بل أن كل الناس لاهوتيين. الاختلاف الوحيد هو أن البعض يكونون لاهوتيين أفضل من غيرهم.

يصف إيرنست بيست هذا الاتجاه اللاهوتي العام لدى جميع الناس قائلاً:

كل تفسيرات الكتاب المقدس يتم التحكم فيها بواسطة لاهوت الشخص الذي يفسر. قد لا يكون صحيحاً أن هناك مفسر معين له وضع لاهوتي مستقيم ثابت؛ إذ أن لاهوته ونظرته العالمية تتحكم دائماً في تفسيره.[1]

إن كان صحيح أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأن الفكر البشري يسعى باستمرار إلى علاقة متسقة بين الأفكار المقبولة بشأن معتقد معين، فما هو المنهج الذي يجب استخدامه لتجنب الخطأ في اكتشاف المعنى الحقيقي للكتاب المقدس؟ كيف يمكن للشخص أن يعمل من خلال متاهة مفاهيمه المسبقة ومفاهيم المفسرين الآخرين للكتاب المقدس، لكي يتوصل إلى الرسالة التي يعلنها الله في الكتاب المقدس؟ الإجابة على هذين السؤالين ستكون هي الجزء الرئيسي من هذه الدراسة في الفصلين 15 و16.

إن عملية تركيب التعليم الكتابي معاً تشبه استخدام العالم للاستقراء والاستنتاج. يبدأ المفسر بمقطع معين، فيثبت المعنى الذي يقصده المؤلف. ثم يقوم بهذه العملية مع جميع المقاطع الأخرى التي تتعالم مع نفس الموضوع والموضوعات المرتبطة به، سعياً للربط بينها في وحدة شاملة. يقوم المفسر بعد ذلك بصياغة نموذج معقول، أو فرضية ما، واثقاً من الوحدة النهائية للكتاب المقدس. ويصبح هذا النموذج بالتالي أساساً لدراسة مقاطع أخرى. النموذج الذي يتم فحصه بدقة، واعتناقه باقتناع، يصبح نظاماً لاهوتياً يفهم به المفسر الكتاب المقدس.

لكن الوصول إلى نظام ليس خطوة نهائية في التفسير، لأن تفسير الكتاب المقدس هو عملية تستمر طوال الحياة. كما أن الكتاب المقدس يجب دائماً أن يتحكم في النظام؛ فيجب ألا يسمح للنظام أن يتحكم مطلقاً في الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، يكون المفسر مسؤولاً إما أن يدمج كل التعليم الكتابي داخل نظامه، أو أن يتخلى عن النظام. بالإضافة لذلك فإن عناصر النظام التي لا يمكن التحقق منها بواسطة البرهان الكتابي المباشر يجب التعامل معها باتضاع باعتبارها غير نهائية.

لذلك فإن هناك استخدام مشروع لنظام ما للمبادئ في دراسة الكتاب المقدس. لكن تنشأ المشكلة عندما يصبح النظام نفسه هو السلطة، فيجلس للحكم على السلطة المستقلة لأي مقطع من مقاطع الكتاب المقدس. يساء تفسير الكتاب المقدس عندما يستخدم المفسر الافتراضات العقائدية للنظام، لإجبار المقطع على الاتفاق مع العقيدة، بدلاً من أن يعدل العقيدة لكي تتفق مع الكتاب المقدس.

بسبب الحماسة المعطاة من الله لكل من العلماء والعلمانيين على السواء عبر العصور، لفهم كل حق الله، قام الناس في البداية بإنشاء ما يبدو بالنسبة لهم أنظمة متسقة متجانسة، وبعد ذلك قاموا بتفسير كل مقاطع الكتاب المقدس على أساس أنظمتهم. يسمى ذلك المنهج العقائدي، والافتراضات المسبقة للتفسير العقائدي هي هذه: كل تعاليم الكتاب المقدس هي من الله، ويجب أن ينظر إليها كوحدة متناسقة. بعد أن يتم اكتشاف هذه الوحدة المنظمة، يجب أن يتفق معها تفسير معين.

يتكون إطار العمل العقائدية من مواد موجودة في الكتاب المقدس ومن استنتاج منطقي مبني على بيانات الكتاب المقدس. عندها يتم جعل كل مقطع كتابي يتفق مع ذلك النظام. لهذا السبب، توقف كثيرون من العلماء في السنوات الأخيرة عن الحديث عن تفسيرات، أو عن مجموعة من الإرشادات التي يمكن بها للشخص أن يفسر الكتاب المقدس. بل أصبحوا يتحدثون عن تفسير في صيغة المفرد. هذا يعني أن الشخص يعترف بصراحة ليس فقط بافتراضاته المسبقة بل بنظامه الكامل، ثم على أساس ذلك النظام يسعى لفهم الكتاب المقدس. يوجد لدينا اليوم التفسير الجديد، والتفسير الكالفيني، والتفسير الإعفائي، والكثيرون غيرهم.

لكن، رغم أني قلت في السنوات الأخيرة، إلا أن هذا كان أساس التفسير في العصور الوسطى كذلك:

خلال العصور الوسطى، كان الكثيرون، حتى رجال الدين، يعيشون في جهل عميق بالكتاب المقدس… وقد أصبح مبدأ قائماً، أن تفسير الكتاب المقدس يجب أن يكيف نفسه على التقليد وعلى عقيدة الكنيسة. وقد تم اعتبار أن ذروة الحكمة هو أن يعاد استخراج تعاليم الآباء، وأن يتم العثور على تعاليم الكنيسة في الكتاب المقدس… بل أن حتى هوجو من سانت فيكتور قال: “أعرف أولاً ما يجب أن تؤمن به، ثم اذهب بعد ذلك إلى الكتاب المقدس لكي تعثر عليه هناك”.[2]

في منتصف القرن السادس عشر أنشأ مجمع ترنت المنهج العقائدي باعتباره أنه الافتراض التفسيري الرسمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وقد أقر المجمع بأن كلاً من الكتاب المقدس والكنيسة معصومان من الخطأ، مما جعل بدوره عقيدة الكنيسة هي العامل المتحكم في التفسير.

لكن ماذا عن المصلحين؟ يوجد تفسير واحد فقط لنظرة لوثر المتدنية لسفر يعقوب. كان نظام لوثر الأساسي موجود في رومية 1: 17، وحيث أن سفر يعقوب ابتعد عن ذلك المعيار، كما فهمه لوثر، فقط كان السفر بالنسبة له “رسالة ضالة”.

هل يمكن بواسطة أي مبدأ كتابي في التفسير، أن تعني الآية الموجودة في يوحنا 3: 16: “لأنه هكذا أحب الله المختارين”؟ يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك مثل هذا التفسير، إلا على أساس افتراضات عقائدية، أي بواسطة نظام تم إنشاؤه بحيث يصبح معنى ذلك المقطع مختلفاً عن معناه الواضح والعادي. وبالمثل، يمكن لنظام ما أن يُستخدم لاستبعاد التوبة كمطلب يسبق قبول الله للإنسان، أو استبعاد الصلاة الربانية عن أن تكون ملائمة لشفاه المسيحيين.

وهكذا فغن النظام يحدد المعنى. يتحدث ميلتون تيري عن قضية التفسير على أساس افتراضات عقائدية مسبقة، فيقول:

 عندما يفترض أحد اللاهوتيين وجهة نظر لعقيدة كنسية، ومن ثم يستكمل بمهاترة للبحث عن نص وحيد في الكتاب المقدس مفضل لديه أو غير مفضل لدى خصمه، يكون الأرجح كثيراً أن يبالغ في الأمر. فقد تكون عقيدته في مثل صدق الكتاب المقدس نفسه؛ لكن وسيلته مرفوضة. شاهد مثلاً النزاع بين لوثر وزوينجلي حول مسألة اتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر عند ممارسة العشاء الرباني، والأدب الجدلي للمبادئ المتناقضة، ومشاحنات الكالفينيين، والخلافات الخاصة بالأسرار المقدسة.

تجد أن الكتاب المقدس كله قد تم نهبه ومعاملته كما لو كان مجموعة نصوص شديدة الصغر من الأدلة العقائدية…. لكننا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد دفاع سليم، ولا مبدأ أكيد، يرتكز على وسائل غير نقدية، أو يتقدم على أساس افتراضات عقائدية. فمثل هذه الإجراءات ليست عرضاً للحقائق بل فرضاً لها.[3]

وهكذا يتجه المنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس إلى التطرف، تكون له نتائج غير مرغوب فيها على الإطلاق، إذ لا يصبح الكتاب المقدس هو مصدر سلطته الخاص. فعلى الرغم من أنه قدم المادة الخام التي تم بناؤها داخل النظام، إلا أن قدراً كبيراً كذلك من الاستنتاج المنطقي تم بناؤه أيضاً في النظام. هذا الهيكل النظامي إذاً يتم فرضه على أي مقطع في الكتاب المقدس، وبذلك يصبح هو السلطة التي بها يُستبعد المعنى الطبيعي للمقطع.

إن المنهج العقائدي كما يتم تعريفه هنا، رغم أنه يقبل كلاً من السمات الطبيعية وفوق الطبيعية في الكتاب المقدس، إلا أنه يعوق الدراسة الموضوعية الساعية نحو تحديد المعنى الذي يقصده المؤلف. وفي النهاية، يمكنه أن يثبط أي تفسير جيد. بل أنه يمكن أن يستبدل السلطة المستقلة للكتاب المقدس بسلطة نظام من صنع إنسان.

توجد ثلاثة مصادر مثالية للعقيدة التي تتحكم في التفسير. إذ يتم تحقيق الترابط المنطقي – سواء بين تعاليم الكتاب المقدس أو في موقف الفرد الشخصي – بواسطة الخضوع غير النقدي للعقيدة النابعة من واحد من المصادر الثلاثة التالي: التقليد، مسيحي آخر، أو الاختبار الشخصي.

التقليد

يمكن أن ننظر للتقليد إما بصورة إيجابية أو سلبية. فكعقيدة أو نظام عقائدي تم تبنيه بواسطة كيان مسيحي وتم نقله لأجيال متعاقبة، يساعد التقليد في إظهار الحقائق التي صمدت في اختبار الزمن. كما أنه يقدم لكنيسة اليوم فهماً للكنيسة التاريخية. فكم يكون صعباً بالنسبة للمسيحيين لو أنه كان على كل جيل جديد أن يفكر ويقرر بشأن أمور مثل تعريف الثالوث، والعلاقة بين البشرية والإلهية في المسيح، أو التبرير بالنعمة من خلال الإيمان. تاريخياً، قاد الروح القدس الكنيسة في تأسيسها للتفسيرات التي صمدت في اختبار الكتب المقدسة في ذلك الوقت، ثم صمدت الآن في اختبار الزمن.

إلا أن التقليد يمكن أيضاً أن يعوق التفسير الأمين للكتاب المقدس إذا كانت التفسيرات التقليدية قد تم تبنيها دون مبرر كتابي سليم. فالافتراضات الموروثة غير الممحصة تعمل غالباً كمجموعة من الغمامات التي توضع على الأعين والتي تمنع المسيحيين من رؤية ما يقع خارج مجال رؤيتهم من الكتاب المقدس. الأكثر من ذلك، فإن الرؤية المحدودة تشوه ما يتم رؤيته.

إن نظام العقيدة الموروث يحتاج أن يتم تعديله وإصلاحه بإخضاعه تحت السلطة القوية الصارمة للكتاب المقدس – فنسمح للكتاب المقدس أن يتحكم في إيمان الشخص وسلوكه حتى عندما يبدو أن مقطع معين لا يتفق مع النظام. رغم أنه يكون هناك توكيد ويقين أكثر عندما يشترك كثيرون من المؤمنين الآخرين في اعتناق نظام ما، إلا أن هذا لا يعني أن كل مسيحي يجب أن يتفق تماماً مع نظام تقليدي معين، مثل نظام العهد، أو النظام الإعفائي، أو الكالفيني، أو الأرميني، أو اللوثري، أو التجديدي. فكل إنسان له نظام، سواء يعمل بصورة ظاهرة أو ضمنياً فقط. لكن أياً كان النظام، سواء كان تقليد موروث أو بنية شخصية، يجب القيام بالتفسير بصرامة تحت إشراف سلطة الكتاب المقدس المستقلة.

مسيحي آخر

المنهج العقائدي في التفسير الأقل تبريراً يحدث عندما يقبل المرء تعليم شخص آخر بصورة غير نقدية، مثل تعليم معلم أو راع مهاب. فالسماح لشخص ما بأن يقيم عقيدة أو تفسير كتابي دون افتراض المسؤولية الشخصية في الفهم والثقة والطاعة لتعاليم الكتاب المقدس، قد يأتي نتيجة لواحد من دوافع متعددة. فمحبة القائد الذي يوكل إليه مسؤولية تفسير الكتاب المقدس أو الإعجاب به قد يقود إلى الاستبعاد غير النقدي للمسؤولية الشخصية. يكون هذا الأمر سهلاً عندما تكون معرفة القائد الموثوق به أكثر كثيراً من معرفة التابع، وخاصة عندما يشجع مثل هذا القائد على مثل هذه النوعية من العلاقة، أو يتوقعها كمطلب من متطلبات “التلمذة” أو “الولاء”. إذ أنه يوجد شعور بالأمان في قبول القائد للتابع أو لجماعة التابعين.

بالطبع، يمكن للمرء أن يتنازل عن مسؤوليته نتيجة الكسل – غير راغب في أن يبذل جهداً لكي يفهم ويطبق الكتاب المقدس هو شخصياً. فالخيط الدقيق بين التعلم باتضاع من الشخص الذي لديه معرفة، والسماح لذلك الشخص بأن يبني عقيدة، قد لا يكون من السهل دائماً تمييزه. لكن كل مؤمن مسؤول أن يبذل أقصى جهده لكي يأتي بأفكاره وحياته تحت السلطة المباشرة للكتاب المقدس.

قد لا تكون المشكلة فيما يتم الإيمان به، بل في كيفية التوصل إلى هذا الإيمان. فإذا كان أي مسيحي يتمسك عقائدياً بتفسير للكتاب المقدس، لمجرد أن شخصاً آخر قدمه – بغض النظر عن مدى احترام ومهابة هذا الشخص – فإن الكتاب المقدس عندئذ لم يعد يعمل باعتبار أنه السلطة الوحيدة في هذه الحياة. فسلطة كل القادة المسيحيين هي سلطة مأخوذة ومستمدة؛ لكن سلطة المسيح وحده من خلال كلمته هي السلطة المطلقة.

الاختبار الشخصي

أما الاتجاه الثالث الخاطئ للمنهج العقائدي في تفسير الكتاب المقدس فهو السماح للاختبار الشخصي بأن يبني عقيدة. فعندما ننظر بطريقة إيجابية إلى اختبار المسيحي مع الله، نجد أنه يدفعه للرغبة في معرفة المزيد عن الله. وكلما وثقنا في الله وأطعناه أكثر، كلما أظهر أمانته نحونا أكثر. لكن اختبار المسيحي يمكن أن يصبح عائقاً في طريق التفسير الكتابي السليم. ففي النهاية يكون الكتاب المقدس وحده هو السلطوي وليس التقييم الذاتي لاختبار الشخص مع الله.

فعلى سبيل المثال، يصحب اختبار التجديد دائماً أفكار معنية عن الخطية، وعن شخص يسوع المسيح، وعن عمل الروح القدس، وعن أهداف الكنيسة. لكن لو في وقت لاحق رفض المسيحي أن يغير من آرائه في ضوء الشهادة الكتابية، قائلاً، “إني أعرف أن ما كنت أؤمن به دائماً هو الصواب لأني اختبرته”، أو “كان الله يعمل في حياتي عندئذ، لذلك فأنا أعلم أنه لا بد وأن يكون صحيحاً”، عندها يكون الاختبار الشخصي قد أصبح سلطة. لكن لا بد أن نفسر اختبارنا بواسطة الكتاب المقدس وليس أن نفسر الكتاب المقدس بواسطة اختبارنا.

في تطوير تفسير خاص لمقطع كتابي أو لنظام شخصي للعقيدة، لا بد أن نقوم بذلك باتضاع عظيم. فإن أقل ما يقال عن ابتعادنا عن الحكمة العامة للكنيسة، هو أنه أمر خطير. فعلى الرغم من المفاهيم المعاصرة للحكم الذاتي للفرد، إلا أن الروح القدس يقود كنيسته بطريقة لا يمكن للفرد المستقل أن يدعيها بثقة. وإذ قد أشرنا إلى ذلك، نقول إنه يجب على كل منا أن يعطي حساباً عن كيفية تعامله مع الكتاب المقدس: “اجتهد أن تقيم نفسك لله مذكى عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” (2تيموثاوس 2: 15).

لقد قمنا بفحص أربعة مناهج لتفسير الكتاب المقدس، يمكن أن تقود دارس الكتاب المقدس إلى الضلال، وهي: المنهج فوق الطبيعي، بتفسيراته الرمزية أو السرية؛ والمنهج الطبيعي، بتفسيراته العقلانية؛ والمنهج الوجودي، بمزيجه غير النافع بين الطبيعي وفوق الطبيعي؛ والمنهج العقائدي، الذي يفسر كل مقطع كتابي على أساس افتراضات عقائدية مسبقة. لاحظ أن كلاً من هذه المناهج مبني على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس: أي أنه فوق طبيعي، وإنه طبيعي، وإنه يجب تطبيقه، وإنه متسق ومترابط – أي أن كل تعاليمه تتفق معاً في وحدة متكاملة. المشكلة هي أن كلاً من المناهج قد ركزت على افتراض صحيح بشأن الكتاب المقدس، ولكنها تجاهلت كون بقية الافتراضات الأخرى صحيحة كذلك. لذلك فالحل هو أن نتعامل مع الكتاب المقدس بجميع الافتراضات التي يعتقدها عن نفسه.

هذه الافتراضات الكتابية تتضمن مبادئ معينة سنقوم بالتعرف عليها الآن. بعد ذلك، سوف نناقش الإرشادات التي تنشأ عن تلك المبادئ.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

بيركوف، لويز. Principles of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1950.

براجا، جيمس. How to Study the Bible. Portland, Oreg.: Multnonah, 1982.

كارسون، دونالد إيه. Exegetical Fallacies. Grand Rapids: Baker, 1984.

إفيرد، جيمس إم. How to Interpret the Bible. Atlanta: John Konx, 1984.

فيك، جوردون دي، ودوجلاس ستيوارت. How to Read the Bible for All Its Worth. Grand Rapids: Zondervan, 1981.

فيرجاسون، دانكان إس. Biblical Hermeneutics: An Introduction. Atlanta: John Knox, 1986.

إنش، موريس إيه، وسي هازل بولوك، محرران. The Literature and Meaning of Scripture. Grand Rapids: Baker, 1981.

لونجنيكر، ريتشارد. Biblical Exegesis in the Apostolic Period. Grand Rapids: Erdmans, 1975.

كيرلي، إف فورمان، وإدوارد بي ميرز، وتيموثي دي هادلي، محررون.Biblical Interpretation: Principle and Practice. Grand Rapids: Baker, 1986.

ميكسلن ،إيه باركلي. Interpreting the Bible, Grand Rapids: Eerdmans, 1963.

رام، بيرنارد. Protestant Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1970.

شولتز، صامويل، وموريس إيه إنش. Interpreting the Word of God Today. Chicago: Moody, 1976.

سبرول، أر سي. Knowing Scripture. Downers Grove, Intervarsity, 1977.

تيري، ميلتون. Bible Hermeneutics طباعة. Grand Rapids: Zondervan, 1974.

ستوت، جون آر. Understanding the Bible طبعة ثانية. Grand Rapids: Zondervan, 1985.

فيركلر، هنري إيه. Hermeneutics: Principles and Processes of Biblical Interpretation. Grand Rapids: Baker, 1981.

[1] انظر إيرنست بست، From Text to Sermon: Responsible Use of the New Testament in Preaching (Atlanta: John Knox, 1978)، الصفحات 97-99.

[2] لويز بيكوف، Principles of Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1950)، صفحة 23.

[3] ميلتون إس تيري، Biblical Hermeneutics (Grand Rapids: Zondervan, 1974)، صفحة 172.

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

كما رأينا، لقد وضع يسوع النموذج الذي اتبعه من كتبوا العهد الجديد، في التعامل مع الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي. فأمور مثل الحية النحاسية، وأحداث مثل الخروج من مصر، وكلمات مثل التنبؤ بأن إشعياء سيكون له ابن؛ وأشخاص مثل ملكي صادق – يتم فهمهم جميعاً على أنهم إشارات ليسوع المسيح.

بعض الشواهد تكون واضحة بما يكفي بحيث أن المفسرين اليهود للعهد القديم – قبل زمن المسيح – كانوا يرون باستمرار إشارات للمسيا. لكن العديد من الشواهد، مثل تلك التي أشرنا إليها أعلاه، لن ترد إلى ذهن الشخص الذي يبحث عن المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فغير المؤمنين قد يقولون إن هناك معنى معين تم فرضه على النص.

أما المؤمنون فيقولون إن المعنى يظل مخفي إلى أن يكشفه المسيح أو رسله. ففي أي حدث، يتم رؤية الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي، هذا لأن الأحداث المستقبلية لا يمكن التنبؤ بها بدقة وتفصيل زمني، قبل حدوثها بسنوات كثيرة، بواسطة الحكمة البشرية وحدها.

المفسرون اليهود وآباء الكنيسة

لم تكن الطريقة التي فهم بها يسوع الكتب المقدسة وفسرها طريقة غريبة بالنسبة لسامعيه من اليهود. فعلى الرغم من أن بعض المفسرين اليهود تعاملوا مع العهد القديم على أنه وثيقة يتم فهمها بمعناها الواضح، إلا أن معظم المفسرين في زمن المسيح وضعوا على عاتقهم مسؤولية أن يكتشفوا المعاني والفروق الدقيقة والمخفية في الكتب المقدس.

كان المفهوم المحوري في تفسير أحبار اليهود، وربما في تفسير الفريسيين الأوائل كذلك، هو مفهوم “Midrash”، بمعنى أنه مفهوم يحدد “التفسير الذي إذ يتعمق فيما هو أبعد من مجرد المعنى الحرفي، يحاول أن يتغلغل في روح الكتب المقدسة، لكي يفحص النص من جميع الجهات، وبذلك يستخرج تفسيرات لا تكون واضحة مباشرة”[1].

توجد بعض التشابهات الموجودة بين فكرة المجاز اليهودية (التي تعتقد أنه بين طيات “الحرف”، أو المعنى الواضح، يوجد المعنى الحقيقي) وبين الطريقة التي تعامل بها من كتبوا العهد الجديد مع العهد القديم. لكن العهد الجديد لم يتعامل مع كل مقطع في العهد القديم بتلك الطريقة، كما رأينا.  الأكثر من ذلك، لا توجد في العهد الجديد الاستنتاجات المتطرفة والخيالية، التي تعتبر نموذجاً لتفسيرات أحبار اليهود.

كان علماء الكتاب المقدس في حقبة الكنيسة ما بعد الرسولية يميلون لاتباع مثال اليهود، بل والمجازيين اليونانيين، أكثر من مثال من كتبوا العهد الجديد. وعلى الرغم من وجود مجموعة من العلماء في أنطاكية (كريزوستوم، وتيودور من موبسيويستيا، وتيودوريت) الذين سعوا لتحديد المعنى الحرفي الذي كان يقصده المؤلفون، إلا أن تلك المدرسة الفكرية لم تنتشر في الكنيسة.

كليمينت، وهو واحد من آباء الكنيسة الأولين العظام من شمال أفريقيا، وتلميذه أوريجن الاسكندري، وضعا نموذجاً لفهم الكتب المقدس منذ القرون الأولى للكنيسة وحتى الإصلاح.

كان أوريجن يعتقد أن المعنى الروحي لمجيء رفقة لاستقاء ماء لعبيد إبراهيم وجماله هو أننا يجب أن نأتي إلى ينابيع الكتب المقدسة لكي نلتقي مع يسوع. كما علم كليمنت أن الخمسة خبزات التي أطعم بها يسوع الجموع كانت تشير إلى التدريب الإعدادي لليونانيين واليهود الذي كان يسبق حصاد القمح. أما السمكتان فتشيران إلى الفلسفة الهلينية: منهج الدراسة، والفلسفة نفسها.

في قصة الدخول الانتصاري، كان الجحش يشير إلى حرف العهد القديم، وأن الأتان، الذي ركبه يسوع كان هو العهد الجديد. كما أن التلميذان اللذان أحضرا الحيوانين إلى يسوع يمثلان المعنى الأخلاقي والمعنى الروحي: لكن رغم أن كليمنت كان يعتقد أنه يمكن أن يكون هناك معنى حرفي ومعنى روحي معاً في النص، إلا أن أوريجن كان يعتقد أن كل شيء في الكتاب المقدس له معنى مجازي رمزي.

هذا الاتجاه في التعامل مع الكتب المقدسة والذي يطلق عليه “the quadriga”، أو “الوسيلة الرباعية في التفسير”، تم تأسيسه بقوة منذ القرن الرابع وحتى القرن السادس عشر. قامت هذه الوسيلة بفحص كل نص من ناحية أربعة معان: حرفية، وأخلاقية، وباطنية (مجازية)، ونبوية. وقد تم تعليم ذلك المنهج بواسطة ترنيمة شهيرة:

الحرف يوضح لنا ما فعله الله وآباؤنا؛

المجاز يوضح لنا أين يكمن إيماننا؛

والمعنى الأخلاقي يعطينا قواعد للحياة اليومية؛

والمعنى النبوي يوضح لنا أين ينتهي جهادنا.

مثال على ذلك كلمة “أورشليم” حرفياً، تمثل أورشليم مدينة بذلك الاسم؛ ومجازياً، تعني أورشليم الكنيسة. أما نبوياً، فهي المدينة السماوية؛ وأدبياً، هي النفس البشرية.[2]

لقد اتخذ المصلحون موقفاً قوياً تجاه ذلك النوع من التفسير. فكان اهتمام لوثر، وكالفن، وزوينجلي هو أن يجدوا المعنى الذي قصده المؤلفون، وأن يجعلوا هذا المعنى هو السلطة للإيمان والأعمال. وقد اتحد هؤلاء المصلحون الثلاثة في رفض زعم الكنيسة في أن تكون هي المفسرة؛ وأكدوا على حرية وقدرة ومسؤولية الفرد في فهم معاني الكتب المقدسة. كما اتفق هؤلاء الثلاثة على سلطة كلمة الله باعتبار أنها فوق كل السلطات الأخرى.

واتفقوا على أن الكتاب المقدس بأكمله جدير بالثقة، وبالتالي، أن الكتب المقدسة يمكنها بل ويجب أن تفسر نفسها بنفسها. الأكثر من ذلك، لقد اتفقوا على أن استنارة الروح القدس هي أمر ضروري لفهم الكتب المقدسة، وأن الدراسة الجادة والقوية هي أمر مطلوب كذلك. لكنهم لم يتفقوا من جميع النواحي على كيفية تفسير الكتب المقدسة.

اختلف المصلحون في أن كالفن كان أكثر ثباتاً وتمسكاً في اتباعه لهذه المبادئ. فقد تمسك بشدة بالمعنى الواحد الواضح لنص الكتب المقدسة. أما لوثر فقد كان أقل تدقيقاً، وكان في بعض الأحيان يستخدم المعنى الرمزي لتفسير المقطع بطريقة تدعم لاهوته الخاص.

وكان تفسيره عقائدياً، يحكمه النظام اللاهوتي الذي كان منتمياً له – وهو الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان وحده. أكثر من ذلك، كان تفسيره في بعض الأوقات على أسس ذاتية، أو يزعم أنه تلقاه عن طريق الاستنارة المباشرة بالروح القدس.[3]

لكن على الرغم من اختلاف المصلحين في تلك الطرق، إلا أنهم اتحدوا في التزامهم بالافتراضات المسبقة التي كان يعتنقها من كتبوا العهد الجديد:

1 – بأن الكتاب المقدس هو من الله، وأنه كتب بواسطة البشر.

2 – بأنه نقل مباشرة لمشيئة الله للبشر.

3 – أنه يمكن فهمه باللغة البشرية العادية.

لقد قدم المصلحون جسراً يعبر من المجهودات التفسيرية التي كانت في كثير من الأحيان خيالية ولا يمكن توقعها دائماً في القرون الأولى والمتوسطة للكنيسة، إلى الحقبة البروتستانتية، التي فيها أصبح المعنى الذي يقصده المؤلف هو موضوع البحث لمن يرغبون في فهم كلمة الله.

وإذ قام المصلحون بكسر قبصة التفسير المجازي الرمزي، كانت هناك نتيجة أخرى، وهي أن العقلانيين الآن قد أصبحوا أحراراً في التعبير عن وجهات نظرهم. وفي الحال، أصبح هناك من يرون الكتاب المقدس على أنه كتاب طبيعي صرف. في النهاية، أصبح المنهج الطبيعي سائداً في التفسير البروتستانتي للكتاب المقدس.

المُروحنون المعاصرون

(أي إعطاء روحانية للنص أكثر مما هي فيه)

بقولنا أن المصلحين قد جاهدوا لكي يقربوا الكنيسة أكثر إلى النظرة التي كان يعتنقها الكتاب المقدس نفسه، وأن المصلحين قد حرروا الكنيسة من أولئك الذين كانوا ينظرون للكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي خالص أو حتى سحري، سيكون من الخطأ الكبير أن نفترض أن التفسير الرمزي قد توقف.

فالحقيقة أن هذا الاتجاه في تفسير الكتاب المقدس لا يزال سارياً ومزدهراً، خاصة في الدوائر الإنجيلية. فكر مثلاً في الاستخدام التالي للكتاب المقدس بواسطة أحد المفسرين المشهورين واسعي الانتشار:

ثالثاً، الصمت المطلوب من “الشعب” في هذه المناسبة قدم خطاً مهماً آخر في الصورة النموذجية التي أوردتها هذه الحادثة – رغم أنه خط لا يجذب بالتأكيد الكثيرين من المسيحيين في العصر الحاضر. إن احتلال إسرائيل لأريحا بلا شك سبق تصوير الانتصارات التي حققوها تحت قيادة الله، بواسطة الإنجيل. فالكهنة الذين كانوا ينفخون في الأبواق المصنوعة من قرون الكباش يصورون خدام الله وهم يبشرون بالكلمة.

إن منع “الشعب” من فتح أفواههم تكمن أهميته في أنه يصور أن الأفراد العاديين من المسيحيين لا يجب أن يكون لهم دور في التبشير الشفهي بالحق – فهم غير مؤهلين لذلك، وليسوا مدعوين لخدمة الكلمة. فلا يوجد في أي مكان في الرسائل حث واحد لهؤلاء القديسين على أن يشتركوا في التبشير العلني، وليس حتى على أن يقوموا “بالعمل الفردي” ويسعوا “لربح النفوس”.

كما أنه ليس مطلوب منهم أن “يشهدوا للمسيح” بسلوكهم اليومي في العمل وفي المنزل. بل عليهم فقط أن “يظهروا تسابيح الله”، أكثر من أن “يخبروا” بها. عليهم أن يدعوا نورهم يضيء. فشهادة الحياة هي أكثر تأثيراً من كلام الشفتين السطحي. فالأفعال صوتها أعلى من الكلمات.[4]

لن ينفع لتبرير تلك الطريقة في التعامل مع الكتاب المقدس أن نقول إن هناك معنى واحد فقط لكن تطبيقات كثيرة. صحيح أن المقطع يمكن أن يتم تطبيقه بعدة طرق بالنسبة للخلفيات المعاصرة، لكن أن نتعامل مع الكتاب المقدس بهذه الطريقة، ونستخرج منه رسالة تبعد كثيراً عما يقصده المؤلف، فهذا نموذج للتفسير الذي لا يتعامل مع المؤلف وقصده بمحمل الجد.

في مثل هذا المنهج، لا يكون للكتاب المقدس سلطته الخاصة، ولا يكون حراً في أن يذكر هدفه المعين ويطلب الطاعة لتعاليمه، بل بدلاً من ذلك، فإنه يُستخدم لهدف آخر يكون في ذهن المفسر من خلال عملية الروحنة – والعثور على معنى خفي في النص.

تكون براعة دارس الكتاب المقدس هي القيد الوحيد لتفسيراته المثيرة للكتاب المقدس في مثل هذا المنهج. فعندما يقوم واعظ بالتعامل مع حدث تاريخي مباشر على أن له مضامين خفية وحقائق روحية مثيرة، فلا عجب في أن الكثيرين من المسيحيين الإنجيليين يتعاملون مع الكتاب المقدس بنفس الطريقة في الاستخدام التعبدي وفي طلب المشورة.

كثيرون من المسيحيين المخلصين في قراءة الكتاب المقدس بطريقة تعبدية يشعرون “بالبركة” فقط عندما يجدون فكرة مدهشة مفاجئة يوحي بها النص، وتكون فكرة ليس لها علاقة بقصد وهدف المؤلف. فبالنسبة لهم، يبدو السعي لمعرفة مشيئة الله من خلال الدراسة المتأنية وفهم قصد المؤلف، عملاً جافاً ومملاً.

وبنفس الطريقة، يستخدم كثيرون من المسيحيين الكتاب المقدس بطريقة “سحرية” للحصول على إرشاد معين للقرارات التي يجب أن يتخذوها، مثل، إلى أين يذهبون، وماذا يشترون، وما الوظيفة التي يقبلونها – والتي يتم اكتشافها جميعاً من خلال مقاطع الكتاب المقدس التي، بالمصادفة العجيبة، يكون لها معنى مزدوج. لكن أولاً، هناك الرسالة التي يقصدها المؤلف، ثم هناك المصادفة غير المرتبطة بالموضوع الذي لا يتشابه مع خبرتهم الشخصية الحالية.

على سبيل المثال، قد يسعى زوجين شابين لطلب مشيئة الرب بشأن وظيفتهما الحالية في منطقة جبلية في الولايات المتحدة، ورغبتهما في أن يذهبا عبر البحار لخدمة إرسالية في إحدى الجزر. وأثناء قراءتهما في الكتاب المقدس يكتشفان الأمر القائل: “كفاكم دوران بهذا الجبل” (تثنية 2: 3).

ويلي ذلك اكتشافهما لنبوة كتابية أخرى تقول: “وتنظر الجزائر شريعته” (إشعيا 42: 4). فماذا يمكن أن يكون توجيهاً أوضح لحياتهما الشخصية من تلك الكلمات ذات السلطان من الكتاب المقدس؟ فلا يهم عندها إن كانت الرسالة التي تلقوها ليست لها أية علاقة بالرسالة التي كان يقصد الكاتب توصيلها.

إنني لا أقول إن الله لم يقدم إرشادات مطلقاً من خلال مثل هذه المصادفات الجيدة، فهو ربما يستخدمها، كما يحدث في ظروف الحياة، مثل لقاء شخص بطريق “المصادفة”، والذي يصبح جزءًا مكملاً لإرشاد الله. لكن الكتاب المقدس لم يُعط لأجل هذا الغرض، وعندما نستخدمه بهذه الطريقة، زاعمين السلطة الكتابية أو تصديق الله على قراراتنا الشخصية، فإننا بذلك نسيء استخدامه.

كما يمكن للمصادفة أن تحدث كذلك كترتيب من العناية الإلهية من خلال الصحف اليومية، مفترضة مساراً ما للسلوك للشخص الذي يسعى لمعرفة مشيئة الله. لكن لا يمكن للمرء أن يزعم، في كلتا الحالتين، إعلاناً معصوماً من الخطأ لمشيئة الله، كمثل ما يمكنه أن يزعم بالنسبة لتعاليم مقطع كتابي قصد المؤلف توصيلها.

بل أن الكتاب المقدس يساء استخدامه بصورة أكبر إذا كانت هذه “الرسالة” السرية من الله تم استخدامها لاستبعاد تعليم واضح للكتاب المقدس – أو مبدأ كتابي، على سبيل المثال، يحظر المسار المقترح للسلوك. لأن الروح القدس لن يقول مطلقاً شيئاً من خلال كاتبي الكتاب المقدس، ثم يقوم بمناقضته أو تغييره بالنسبة للقارئ.

بكلمات أخرى، لن يقوم الله بإرشاد المسيحي من خلال فهم أو تطبيق للكتاب المقدس يبتعد بأي حال من الأحوال عما هو مكتوب. فإن لو قام بذلك، لن تكون هناك طريقة لمعرفة إن كان تفسيرنا هذا من الروح القدس، أم من ميولنا الخاطئة، أم من الشيطان، أم من باعث نفسي أو مادي آخر.

يجب أن يكون واضحاً أن الانطباعات الذاتية لا يمكن أن تتناقض مع تعاليم الكتاب المقدس، إن كنا نريد أن يكون الكتاب المقدس هو السلطة الوظيفية لتفكيرنا وسلوكنا.

لكن الخطر الأساسي من الاعتماد على الانطباعات الذاتية التي يثيرها الكتاب المقدس ليس أن تتناقض مع الكتاب المقدس، بل أن تمضي لمعان أكثر مما يقصده الكتاب المقدس، فتجد معاني لم يقصدها المؤلف على الإطلاق، خاصة فيما يتعلق بالمشورة والإرشاد الشخصي، ثم استخدام هذه الانطباعات بسلطة إلهية كما لو كانت كلمة الله المعصومة من الخطأ.

بمعنى أن استخدام الكتاب المقدس كوسيلة عادية للإرشاد الشخصي يروج لوهم “الحق المعلن” الذي يكون مستوى سلطته أعلى من سلطة ظروف العناية الإلهية الأخرى في الحياة، لمجرد أن هذا “الإرشاد” موجود في الكتاب المقدس.

لكن الكتاب المقدس يجب أن يستخدم للإرشاد “بطرق صحيحة”. وهذه الطرق الصحيحة تتكون من مشيئة الله المعلنة للسلوك البشري، التي تتفق مع المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فعندما يكون للنص علاقة عرضية بالظروف الشخصية الحالية والقرار المبني على مثل هذا “الإعلان”، يمكن عندها للشخص أن ينادي فقط بانطباعه الذاتي الخاص عن إرشاد الروح القدس من خلال ظروف غير معتادة، وليس بسلطة الإعلان الكتابي.

إن الخطأ الأساسي في كل المناهج الأربع الخاطئة في التعامل مع الكتاب المقدس هو صفة الذاتية. ففي خاصية الذاتية، يصبح المفسر هو السلطة المطلقة النهائية للتفسير. وقد رأينا أن المنهج الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس هو ذاتي، لأن المفسر يقرر مسبقاً ما هو المقبول في الكتاب المقدس، بحسب افتراضاته الطبيعية المسبقة. على أن النوع الأقل ظهوراً للذاتية، خاصة بالنسبة للذين يتأثرون به، هو الروحنة الذاتية.

يعتبر الإنجيليون أكثر عرضة لهذا الخطأ، ربما لأنهم يتعاملون بجدية مع العلاقة بين الروح القدس وكلمة الله. لا يمكن الاستغناء عن عمل روح الله في التفسير الكتابي السليم. فقد ألهم الروح القدس الأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس، وهو الذي ينير أذهان المسيحيين الذين يقرأون هذه الكلمات بعد ذلك بقرون.

فالوحي أو الإلهام يعني أن الله كان يراقب تدوين الكتاب المقدس حتى آخر كلمة فيه. والاستنارة تعني أن الروح القدس يعمل الآن في المسيحي لكي يساعده على فهم ما هو موجود بالفعل في الكلمة، ويساعده على تطبيق الكلمة بطريقة أصيلة وصحيحة.

أعطانا الوحي إعلاناً لمشيئة الله بدون خطأ، بحسب ما يقر الكتاب نفسه. ولكن الكتاب المقدس لا يقر بمثل هذا الوعد بالنسبة للإستنارة أو الفهم أو التطبيق الذي يساعد عليه الروح القدس. فكما يعمل الروح القدس فينا لكي يجعلنا قديسين، ولكننا لسنا قديسين بعد، هكذا يعمل فينا أيضاً لكي ينير أذهاننا من خلال الكتاب المقدس، لكن نتيجة هذه الاستنارة ليست فهماً كاملاً، لأنها لو كانت كذلك، لاتفق جميع المفسرين الأتقياء معاً في تفسيراتهم.

فعندما يتعامل المفسر مع الاستنارة كأمر معصوم من الخطأ، تماماً كما يتعامل مع نص الكتاب المقدس، يكون عندئذ قد سقط في الذاتية. لأنه عندما يدعى شخص ما مثل هذه السلطة في تفسيره لمعاني الكتاب المقدس يكون أمراً سيئاً بما يكفي، لكنه عندما يدعي مثل هذا المستوى من السلطة في انطباعه الذاتي بخصوص الإرشاد الشخصي، فإنه يخطئ أكثر، لأنه يتجاوز معنى النص الموحى به.

هل هذا يعني أن التفسير السليم و”البركة” الذاتية هما أمران متبادلان؟ بالتأكيد! لأن استخدام مبادئ التفسير لفهم وتطبيق الكتاب المقدس بصورة أصيلة، وإدراك المعنى الذي يقصده الله، سوف يسر الله بالتأكيد، ولكنه سيأتي أيضاً بالبركة الشخصية لحياتنا. فالكتاب المقدس يجب أن يكون له علاقة موضوعية بحياتنا، وإلا لن يتحقق هدفه في تغييرها. لكن التشبه بالمسيح لن يتحقق عندما نجعل الله وكلمته يتفقان معنا. لكن عندما نكون نحن أنفسنا متفقين مع الله ومع كلمته.

هل يوجد أكثر من معنى واحد؟

هل لكل مقطع كتابي معنى واحد، أم أن هناك معان خفية يجب استخراجها من خلال اتباع قواعد خاصة في التفسير، أم من خلال الحدس المباشر بالروح القدس؟ يقدم لنا الكتاب المقدس أمثلة لكلمات تم إعلانها لشخص، ومعنى هذه الكلمات تم إعلانها لشخص آخر. فعلى سبيل المثال، في اختبار كل من يوسف ودانيال، أعطيت الرسالة اللفظية أو الرؤية لشخص، بينما التفسير قد أعطي لشخص آخر (تكوين 41؛ دانيال 2).

فهل هذا هو ما حدث في حالة الكتاب الذين كتبوا العهد الجديد وبالنسبة ليسوع نفسه؟ هل كان لمؤلفي العهد القديم معنى واحد في ذهنهم، بينما كان المؤلف (الله) الذي هو خلف أولئك المؤلفين يقصد معنى آخر أو إضافياً، كشفه لشخص آخر في العهد الجديد؟

يوجد على الأقل رأيان في هذا المسألة. يعتقد البعض أنه يمكن أن يكون هناك معنى واحداً فقط للمقطع الكتابي إذا كانت اللغة يعتمد عليها وكان إيصالها للمعنى ممكن. هؤلاء الناس لا ينكرون احتمال أن يكون هناك عدة تطبيقات للمعنى الواحد. بل الأكثر من ذلك، فهم لا ينكرون احتمال أن يكون هناك معنا آخر أشمل محتوى داخل الإعلان الأصلي.

على سبيل المثال، في المشكلة الصعبة الخاصة باقتباس متى بشأن دعوة ابن الله من مصر (متى 2: 14-15)، يشير هذا الاقتباس بوضوح إلى خروج إسرائيل من مصر (هوشع 11: 1). فكيف إذاً يشير متى بذلك إلى إقامة مريم ويوسف والطفل يسوع في مصر؟ ألا يوجد هنا معنى مزدوج؟ لذلك فإن من يعتقدون بأن هناك معنى واحد فقط، وأن ذلك المعنى كان هو القصد الواعي للمؤلف، يفهمون المقطع على أنه تصريح عن قصد الله تجاه الرب يسوع منذ البداية.

وأثناء عملية الإعداد لهذا الأمر، وكرمز لحقيقة أن يسوع المسيح كان سيأتي من مصر، سمح الله لشعبه إسرائيل أن تكون لهم إقامة هم أيضاً في مصر. فالحقيقة أنه في البداية، دعا الله أول شخص اختاره، إبراهيم، من مكان اقامته في مصر. لذلك فإنه منذ البداية، كان هناك معنى واحد هو المقصود. لكن التحقيق التام لذلك المعنى انتظر حتى مجيء الشخص الذي حققه بالكامل.

هناك آخرون يجدون صعوبة في مثل هذا الاتجاه, إذ أنهم يؤمنون أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس لا يمكن تفسيرها على أن لها معنى واحد؛ فمثل هذه المقاطع يمكن أن يكون لها أكثر من معنى واحد مقصود. فالمعنى الثاني (الخفي أو الأقل ظهوراً) كان يمكن أن يكون في ذهن المؤلف أو ربما كان فقط في ذهن الروح القدس، الذي أوحى للمؤلف.

في كلتا الحالتين، فإنهم يعتقدون أن المعاني الإضافية موجودة هناك بواسطة القصد الإلهي. فالروح القدس قام بترميز الرسالة، ثم قام في وقت لاحق بإعلان المعنى الثاني لها من خلال متحدث آخر ملهم من الله. (معظم الكتب المقدسة التي يوجد جدل حاد بشأنها تتضمن نبوات). لكن سنقوم بالتعامل مع هذه المشكلة بتعمق أكثر في الفصل 18.

لكن لا بد من التسليم بأنه أمر مشروع بالنسبة لمؤلف أن يكون له معنى ثاني أو خفي. فإن كان أوليفر ويندل هولمز، مؤلف “The One-Hoss Shay”، قصد أن يكتب بيت شعري ليس فقط عن تحطم عربة تجرها الخيول، لكن لكي يسخر من النظام الكالفيني، فقد كان هذا حقه. وإن قصد كاتب فكاهي أن يخفي رسالة سياسية في مؤلفه الفكاهي، فإن له الحق الكامل في أن يقوم بذلك. فالحقيقة أن هذه تقنية أدبية شائعة.

لكن هناك قاعدة واحدة يجب مراعاتها، وهي أنه إذا تنصل المؤلف عن معنى خفي، لا يمكن لشخص آخر بمنتهى الثقة أو السلطة أن ينسب له هذا المعنى الخفي. بكلمات أخرى، أن المؤلف نفسه هو الوحيد الذي يستطيع بصورة شرعية أن يعرف ذلك المعنى الثانوي. هذه هي الحال مع الكتاب المقدس. إذا تم التسليم بأن هناك معنى ثانوي في مقاطع معينة. فالروح القدس هو الذي أوحى للمؤلف وهو الذي أوحى فيما بعد بالتفسير لذلك المؤلف.

إن مسألة ما إذا كان المؤلف لديه معنى مباشر ومعنى آخر أشمل في ذهنه هي أمر معقد وشديد الأهمية بالنسبة لغرضنا هنا من إقامة افتراض أساسي لفهم الكتاب المقدس، أعتقد أن هذه المسألة تحتاج أن يتم حسمها. لأنه حتى لو اعتقد المرء أن هناك معنى واحداً فقط في المقطع، وأن المؤلف كان على وعي بهذا المعنى في البداية وفي المضمون النهائي، إلا أنه يجب علينا أن نتفق أن ليس أي إنسان يمكنه أن يميز ذلك المضمون الأشمل أو النهائي.

ومن ناحية أخرى، إذا اعتقد الإنسان أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس تم ترميزها عن عمد بمعنى مزدوج – أحدهما واضح والآخر سيتم التعرف عليه في وقت لاحق – مرة أخرى، ليس أي شخص يمكنه أن “يفك الشفرة” أو يجد ذلك المعنى الخفي.

هذه نقطة مهمة، فمهما كان الوضع الذي لدى الشخص فيما يخص بمسألة المعنى الخفي أو الثانوي في النبوات، أو المعنى الأشمل المقصود منذ البداية، فإن يسوع المسيح أو كتاب الكتاب المقدس الموحى لهم هم الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم أن يحددوا ذلك المعنى الثانوي أو الأشمل. فعندما تحدث المسيح، كان له كل الحق في تفسير المؤلف. نفس هذا الأمر يمكن أن يقال عن أولئك الرسل الذين خول لهم أن يعلنوا عن مشيئة الله من خلال العهد الجديد.

فأن ينسب الشخص معان خفية للكتاب المقدس، فإنه بذلك يفترض لنفسه سلطة مساوية أو لاغية لسلطة ذلك المؤلف. فالمفسر، سواء كان فرداً أو كنيسة، يعني بذلك أنه سلطة تعلو فوق سلطة الكتاب المقدس. لكن الكتاب المقدس يجب أن يكون هو السلطة النهائية المستقلة لما يقوله الله لشعبه.

صحيح أن الإعلان هو فوق طبيعي في محتواه وفي الطريقة التي أعطي بها، وأن الكتاب المقدس له تأثيرات فوق طبيعة في حياة الذين يقرأونه ويسمعونه. لكن الأداة في توصيل تلك الرسالة فوق الطبيعة هي طبيعة، فهي اللغة البشرية التي توصل كلمات مفهومة لما هو في فكر الله.

فإن كان هناك معنى خفي، فإن المؤلف البشري أو الله نفسه هما الوحيدان اللذان لديهما السلطة لتأكيد ذلك. لذلك فإن أبناء الله الذين يرغبون في معرفة مشيئته وعملها يجب أن يدرسوا باجتهاد لك يتمكنوا من التعامل بطريقة سليمة مع كلمة الحق. فيجب عليهم أن يبذلوا كل اجتهاد لكي يتعرفوا على المعنى الواحد المقصود للمؤلف، وليس أن يبحثوا عن معان خفية.

وعندما يقوم الرب يسوع نفسه أو أحد مؤلفي الكتب المقدسة بإظهار معنى خفي في النص الكتابي، فإننا نفرح بذلك، ولا نندهش، لأن الكتاب المقدس هو كتاب فوق طبيعي، وهناك مؤلف واحد (الله) خلف كل هؤلاء المؤلفين له. لكننا يجب أن نترك مثل هذا النوع من التفسير لمؤلفي الأسفار المقدسة، إذ أننا غير مخولين من الله لأن نكون متحدثين باسمه معصومين من الخطأ بإعلان إضافي.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

أكرويد، بي آر، وسي إفي إفانز، محرران. The Cambridge History of the Bible Cambridge: U. Press 1970.

فارار، فريدريك دبليو. History of Interpretation. 1886 reprint. Grand Rapids: Baker, 1961.

جرانت، روبرت إم. A Short History of the Interpretation of the Bible. مع ديفي تريسي طبعة ثانية منقحة Philadelphia: Fortress, 1984.

“History of the Interpretation of the Bible” The Interpreter’s Bible.

 New York: Abingdon-Cokesbury, 1952. 1:106-41.

سمولي، بيريل. The Study of the Bible in the Middle Ages. Notre Dame: U. of Nortre Dame, 1964.

وود، جيمس دي. The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction. London: Duckworth, 1958.

[1] إس هوروفيتز، Midrash, Jewish Encyclopedia، 12 مجلد (New York: Ktav, 1904)، 8: 548.

[2] جيمس دي وود، The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction (London: Ducworht, 1958)، صفحة 72.

[3] نفس المرجع. صفحة 87. انظر أيضاً بيمارد رام، Protestant Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1870)، صفحة 54.

[4] آرثر دبليو بينك، Gleanings in Joshua (Chicago: Moody, 1978)، صفحة 102.

 

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

لا يسمح المتعصبون من أنصار المنهج الطبيعي بأي شيء فوق طبيعي في الكتاب المقدس، أو في أي مكان آخر. يأخذ بعض المفسرين هذا الاتجاه بينما يكون الآخرون أقل تصلباً، ويدركون وجود بعض العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس. إن من يتعاملون مع الكتاب المقدس بالمنهج الطبيعي يعتقدون أنهم يجب أن يقللوا أو يبعدوا من العناصر غير المقبولة بالنسبة لمنطقهم، لأن الكتاب المقدس كتبه بشر. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من المناهج الطبيعية، إلا أننا سوف نناقش أكثر ثلاثة مؤثرين منها:

1 – العقلانية، التي أصبحت سائدة في القرن السابع عشر.

2 – النقد الأدبي، الذي أصبح سائداً في القرن التاسع عشر.

3 – النسبية الثقافية، والتي أصبحت مؤثرة بصورة متزايدة في النصف الأخير من القرن العشرين.

1 – العقلانية

الكتاب المقدس عقلاني لأنه يخاطب العقل. فالواقع “تجديد” الذهن وتغييره عن الأفكار السائدة في العالم (رومية 12: 2). والكتاب المقدس عقلاني من ناحية أنه حق صرف، ولا يناقض نفسه مطلقاً. وهكذا يتعامل المسيحي مع الكتاب المقدس بعقلانية وليس بدون عقلانية. لكن العقلانية يستدل عليها بنظام للتفسير ينبع من نظرة طبيعية للعالم. فالعقلاني يعتمد على منطقه الشخصي باعتبار أنه السلطة النهائية المطلقة.

وتنعكس تلك النظرة في الافتراضات المسبقة لدى العقلاني: وهي أن ما لا يمكن التحقق منه بواسطة الخبرة المعاصرة أو الفكر المنطقي، لا يمكن قبوله على أنه حقيقي، وبالتالي لا يمكن أن يكون كلمة الله. فالمعيار النهائي للعقلاني لتحديد ما إذا كان تعليم ما أهل للثقة، هو المنطق الفردي المستقل ذاتياً.

بالنسبة للعقلاني، توجد ثلاثة أحجار عثرة في الكتاب المقدس لكي يقبله على أنه جدير بالثقة، وبالتالي ككلام له سلطان من الله. الأولى، بعض تعاليم الكتاب المقدس تم اعتبارها تعاليم لا تليق بالله أخلاقياً. فصلوات دواد لأجل الانتقام من أعدائه (مزامير اللعنات)، والأوامر بإهلاك شعب كنان هي أمثلة لمثل تلك العناصر غير المقبولة. لا يسعى العقلاني لتوفيق هذه العناصر مع تعاليم الكتاب المقدس الأكثر قبولاً (بالنسبة له)، ولكنه يؤكد ببساطة على أنها ليست كلمة الله. وفي السنوات الأخيرة تم إدراج الكثير من تعاليم الكتاب المقدس الأخرى تحت نفس التصنيف بواسطة العقلانيين. فتعاليم الكتاب المقدس عن الطلاق، ودور المرأة في الزواج، وقبول السلطة المدنية، والكثير غيرها قد تم رفضها بسبب ما يطلقون عليه الأسس الاجتماعية.

كما أن هناك عنصران آخران في الكتاب المقدس تم رفضهما بواسطة العقلانيين، وهما: المعجزات، وعبارات الكتاب المقدس التي يبدو أنها تناقض عبارات أخرى فيه (مثل الشواهد التاريخية التي لا تتفق معاً).

بعد الإصلاح تصاعد انتشار التفسير العقلاني بسبب التقدم العلمي. وفجأة ظهرت أعداد أكبر كثيراً من المشاكل في الكتاب المقدس مما كانت تعتبر من قبل. فأية نظرية للعلوم الفيزيقية أو البيولوجية كان يمكن للعقلاني أن يقبلها باعتبار انها أقرب إلى الصدق والحقيقة من أي شيء يمكن للكتاب المقدس أن يقوله في هذا الموضوع. وقد عجل هذا الصراع العظيم بين نظرية التطور وتعاليم الكتاب المقدس الخاصة بالخلق. وبتقدم العلم أكثر، ظهر أن عدداً من التفسيرات الكتابية التي كانت مقبولة منذ زمان طويل تتناقض مع النظريات العلمية الناشئة حديثاً. وهكذا كان العقلاني يميل إلى اتخاذ جانب النظريات العلمية.

وحيث أن العالم المادي ليس هو المحور الرئيس لتركيز الإعلان الكتابي، فإن الصراع حول النظريات الفيزيقية والبيولوجية، رغم شدته، كان محدوداً. لكن بميلاد العلوم السلوكية في القرن التاسع عشر، ازداد بسرعة عدد التعاليم الكتابية التي أصبحت غير مقبولة للعقلانيين. فقد كان علم النفس وعلم الاجتماع يتجهان مباشرة إلى قلب الإعلان الكتابي، بالتعامل مع الموضوعات العامة، مثل الإنسان، وطبيعته، وعلاقاته، وما يجعله مكتملاً. واتسعت ساحة المعركة بسرعة لكي تشمل معظم الكتاب المقدس.

كان هؤلاء هم العقلانيون العلمانيون، ولكننا عندما نتحدث عن الافتراضات العقلانية المسبقة في التفسير، فإننا لا نشير أساساً إلى المواجهة بين المؤمن، الذي يرغب في فهم الكتاب المقدس، والعقلاني غير المؤمن، الذي يهاجم من الخارج. لكننا نتحدث عن أولئك الذين، في سعيهم لفهم الكتاب المقدس، يتبنون اتجاهاً عقلانياً في افتراضاتهم المسبقة. فيعتمدون بالكامل على العقل أو المنهج “العلمي” في التوصل إلى معنى النص ورسالة الله التي قد تكون هناك.

يعتبر العقلاني فهمه الشخصي (أو فهم شخص آخر) هو السلطة التي يقيم بها العناصر الموجودة في الكتاب المقدس. فإذا كان هناك خطأ ما في الكتاب المقدس، فيجب أن يقوم شخص ما بتحديد وجه الخطأ وما هو الصواب. وبحسب رأي العقلاني، يتم تحديد ذلك بواسطة التفكير البشري.

على هذا الأساس، لا يستطيع العقلاني أن يقبل المعجزات الموجودة في الكتاب المقدس لأنه لم يختبرها هو شخصياً، وأيضاً لأن الروايات المتعلقة بالمعجزات لا يمكن التحقق منها بواسطة التجربة. ولذلك يجب تفسير المعجزات إما على أنها سوء فهم للأحداث الطبيعية، أو على أنها أساطير تنمو حول نوع من الأحداث التاريخية او التخيلية.

على سبيل المثال، بحسب العقلانيين، كان عبور البحر الأحمر فعلياً هو عبور لبحر “ريد”، هو عبارة عن مستنقع ضحل، والذي استطاع الإسرائيليون السير عبره. نبوات دانيال أيضاً لم يكتبها دانيال نفسه، بل كتبها شخص آخر بعد وقوع الأحداث. بالإضافة إلى أن يسوع لم يطعم الخمسة آلاف نفس، بل أن يسوع استخدم سخاء الصبي الذي أعطاه غذاءه لتحفيز الباقين للمشاركة بغذائهم بسخاء أيضاً.

فالافتراض المسبق هو أن المعجزة أمر مستحيل. لذلك، فبدلاً من اللجوء إلى القواعد العادية التي يستخدمها المؤرخون للتحقق من الأحداث التاريخية، يقوم العقلاني ببساطة باستبعادها على أنها غير مقبولة. يُستخدم نفس هذا المنهج لاستبعاد ما يعتبر تعليم غير مقبول أخلاقياً، وللمقاطع التي تبدو أنها تناقض البراهين التاريخية الأخرى أو النظريات العلمية المعاصرة.

النتيجة النهائية للمنهج العقلاني في الكتاب المقدس هي ببساطة أنه: لا توجد كلمة أكيدة من الله، بمعنى أن الكتاب المقدس ليست له سلطة مستقلة في ذاته، لأن التفكير البشري هو السلطة النهائية في الحكم على كل ما يعبر عن نفسه بأنه كلام من الله.

2 – نقد الكتاب المقدس (النقد الأدبي)

واحدة من السمات المميزة للإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر كان إصرار قادته على “الكتاب المقدس وحده”. فرفض المصلحين لتساوي سلطة الكتاب المقدس بسلطة التقليد قد تأثر باكتشاف أن وضع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية كان مؤسساً على وثائق مزورة. وبالتالي أصبح البروتستانت مهتمين للغاية بالمسائل المتعلقة بالسمة الأدبية للوثائق الدينية، وخاصة الكتاب المقدس.

وهكذا كان هناك احتياج للحكم النقدي لتمييز الصواب من الخطأ. و”نقد الكتاب المقدس” هو مصطلح فني لا يتضمن معناه الجلوس في موضع الحكم على الكتاب المقدس، كما يحدث عندما يقوم الناقد الفني بتقييم عمل فني، أو النزعة السلبية التي يقوم بها شخص ذو “روح ناقدة”. لكن هذا المصطلح يشير إلى التقييم الدقيق للبيانات لتقرير الحقيقة بشأن الكتاب المقدس.

يأخذ النقد الكتابي شكلين. أولاً، النقد النصي أو “الأدنى”، إذ سعى النقاد النصيون لتقرير ما هو النص الأصلي للكتاب المقدس. فالكثير من النسخ القديمة من الكتاب المقدس تم حفظها في أجزاء أو بأكملها، وهذه تمثل درجات مختلفة من الاتفاق. فالنقد النصي هو علم مقارنة النص بالنص الآخر لتحديد النص الأصلي. ورغم أنه لا يوجد لدينا أي من المخطوطات الأصلية اليوم، إلا أنه بسبب الأعداد الضخمة من النسخ والترجمات القديمة المتاحة (أكثر من 5000)، يمكننا أن نتيقن تقريباً من النص الأصلي.

وفي الحالات الضئيلة التي يظل بها نوع من الأسئلة، لا يشكل هذا أي مخاطرة بمبدأ عقائدي مهم. فكل نقاد النصوص الأوائل تقريباً كان يدفعهم الاقتناع بأن النص الأصلي هو الموحى به من الله، ولهذا كان للنص الدقيق أهمية عظمى. وهكذا يسعى النقد النصي لإظهار النص الأصلي بأكثر دقة ممكنة.

أما النوع الثاني من نقد الكتاب المقدس، فهو أمر يطلق عليه النقد “الأعلى”، ويقوم بفحص النص التاريخي للوثيقة والسمات الأدبية للسفر نفسه. هذا النوع من التحليل يحاول أن يجيب على أسئلة مثل: تاريخ كتابة السفر، ومن هو كاتبه، والأسلوب الأدبي في أي مقطع. مثل هذه الدراسة ليست عقلانية في الأصل. فمعرفة الاختلاف بين نصوص الشريعة والأمثال، أو بين الشعر والرسالة، يساعد على فهم ما يقصده الكاتب بطريقة سليمة.

كما أن ملاحظة الهدف اللاهوتي لأي ممن قاموا بكتابة الكتاب المقدس له قيمته وأهميته أيضاً. لكن على يدي العقلانيين، أصبحت الوسيلة النقدية التاريخية هي تماماً ما يطلق عليه “النقد الأعلى الهدام” – وهو النقد الذي تكون نتيجته النهائية، إن لم يكن هدفه، هو هدم الثقة في مصداقية الكتاب المقدس، أو في أنه ذو سلطة على الإطلاق.

النقد التاريخي من هذا النوع قد أصبح بديل شديد الفائدة بالنسبة لأولئك الذين استبعدوا فكرة الكتاب الموحى به من الله، ولكنهم لا يزالون يرون نوعاً من القيمة في الكتاب المقدس كسجل للسعي الديني. فسعي إسرائيل، إذ يعاد بناؤه بواسطة الناقد، تم جعله يتفق، وفي معظم الأحيان يتم تفسيره بالكامل، بالحياة الدينية للشعوب حوله. وهذه نظرة طبيعية لأنها ترفض أي احتمال أن يكون الله قد اختار وأفرز شعب إسرائيل لتحقيق أغراضه الخاصة، وأنه استطاع أن يوحي للكتاب لكي يسجلوا بدقة رحلتهم الروحية.

كانت نظرية JEDP التي كان هناك الكثير من الجدل بشأنها، هي المثال النموذجي لاستخدام الوسيلة النقدية التاريخية بطريقة تهدم الثقة في سلطة ومصداقية الكتاب المقدس. تعتقد هذه النظرية أن التوراة، أي أسفار موسى الخمس، كان في الحقيقة تجميع لمواد أربعة مؤلفين مختلفين على مدى عدة قرون. باستخدام تقنية مشابهة، جادل آخرون بأن سفر إشعياء كتبه اثنان أو ثلاثة “إشعياء”، وأن بولس لا يمكن أن يكون قد كتب الرسائل الرعوية التي يزعم أنه كتبها.

يؤكد هذا المنهج كبداية على وجود أخطاء في الكتاب المقدس، كما يقوض سلطة الكتاب المقدس في النهاية، جاعلاً من السهل “تفسير” النص بطرق تتفق مع منطق الفرد الشخصي بالنسبة لما هو ممكن أو مقبول. ولذلك فإن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس أو التعاليم، والتي لا تتفق مع منطق الفرد الشخصي بالنسبة لما هو ممكن أو مقبول. ولذلك فإن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس أو التعاليم، والتي لا تتفق مع الأسس الحديثة التي يتبناها الشخص، لا تعد حقيقية أو ذات سلطة.

جميع نقاد الكتاب المقدس، لو قاموا بواجباتهم الدراسية، يعملون من منطلق نفس البرهان. فإذا بدا هذا البرهان أنه يقوض مصداقية الكتاب المقدس، تبدأ افتراضات الشخص المسبقة في العمل. أولئك الذين يؤمنون أن النص حق وصادق، سيبحثون عن حلول تدعم ثقتهم في مصداقية الكتاب المقدس – وقد نجح العلماء المؤمنون بصورة ملحوظة في حل تلك المشاكل. لكن الذين يعتقدون أن الكتاب المقدس، مثل أي كتاب ألفة البشر، قد يخطئ، لا يحتاجون أن يسعوا للمزيد من التحليلات، إذ أنهم يحلون المشكلة باستنتاج أن عبارات الكتاب المقدس على خطأ. هكذا نرى أن افتراضات الشخص المسبقة بشأن طبيعة الكتاب المقدس تسبق التفسير، وتتحكم فيه.

فعلى سبيل المثال، المفسر الذي يعتنق افتراضات طبيعية مسبقة قد يجادل ضد السلطة المزعومة لسفر ما، مثل أسفار موسى أو بولس، لمجرد أن محتوى السفر لا يتفق مع الافتراضات الخاصة بالمفردات والأسلوب. وهذا يقوض سلطة أجزاء رئيسية من الكتاب المقدس.

على أن المفسر الذي يقبل تصريحات الكتاب المقدس الخاصة بالتأليف، سيجادل من ناحية أخرى، بشأن إمكانية أن يستخدم المؤلف أساليب مختلفة في فترات مختلفة من حياته عندما يتعامل مع موضوعات مختلفة أو عندما يقتبس من مؤلفين مختلفين. وبالمثل، فإن المفسر صاحب المنهج الطبيعي قد يجادل ضد وحدة سفر إشعياء لأن العناصر الموجودة في جزء من السفر تزعج افتراضه المسبق بشأن استحالة تنبؤ أي شخص بالمستقبل. في كلتا الحالتين، يتم حرمان الكتاب المقدس مسبقاً من ممارسة أي سلطة مستقلة.

إلا أن التصميم الكامل للكتاب المقدس مبني على أن يتحدى الافتراضات المسبقة، وليس أن يحكم بها. وإن لم يكن الكتاب المقدس فوق طبيعي، لأن يفقد منه فقط المعجزات، بل يُزال منه كذلك مفهوم الإعلان الإلهي السلطوي بأكمله. لذلك يختار النقد التاريخي الهدام أن يعترف فقط بالسلطة البشرية في الكتاب المقدس. لكن لكي نكون صادقين فيما يؤكده الكتاب المقدس عن نفسه، يجب أن يعمل كل من النقد التحليلي والنصي والتاريخي والأدبي على أساس افتراضات مسبقة يكون مصدرها بشري وإلهي معاً.

3 – النسبية الثقافية

إن مهمة عبور الفجوة بين العالم البعيد لكتاب الكتاب المقدس والعالم المعاصر ليس جديدة. فدراسة السياق الذي كتب فيه الكتاب المقدس كانت دائماً أمراً مهماً لأي شخص لكي يفهم معاني الكتاب المقدس. باستثناء الكثيرين الذين يسعون لفهم “روحي” آخر غير المعنى الطبيعي للنص، يسعى جميع المفسرين للحصول على فهم واضح للكتاب المقدس بدراسة المحيط التاريخي والثقافي والديني للمؤلف.

على هذا الجانب من الفجوة بين القديم والحديث، يسعى المفسرون الأصليون الحقيقيون للكتاب المقدس لتطبيق المعنى على الوضع الحاضر. ولكي يقوموا بذلك بفاعلية، يجب على المفسرين أن يفهموا محيط وبيئة القارئ أو السامع. لأن الشخص الذي يسعى لتوصيل حق الكتاب المقدس للناس في ثقافة مختلفة عن ثقافته، يكون من أكثر الأمور أهمية بالنسبة له هو أن يدرس سياق ثقافة المتلقي. إن عملية “وضع حق الله في سياق المتلقي” أو السامع، هو ما يعنيه التجسد كله. فقد قام يسوع المسيح بترجمة حق السماء إلى كلمات وأفعال يمكن للبشر أن يفهموها. وأتبع الرسل ذلك بتطبيق حق الله بطريقة مختلفة تماماً بما يتناسب مع كل من سامعيهم من اليهود ومن الأمم.

هذان السياقان أو المحيطان، محيط المؤلف ومحيط القراء المعاصرين، مهمان للغاية لفهم وتطبيق حق الكتاب المقدس حتى أن عدة فصول في هذا الكتاب سوف تتعامل مع تطوير المهارات في هاتين المنطقتين. لكن يجب أولاً حسم الافتراضات المسبقة. ماذا يعني المرس إذاً “بتكييف السياق”؟ عملياً، يتراوح من يقومون بتكييف السياق ما بين أولئك الذين يقومون بدراسة السياق الثقافي للنص ببساطة كوسيلة لتوضيح معنى النص، وبين الذين يركزون كثيراً على “السياق” حتى أنهم يصبحون طبيعيين في منهجهم.

الأسئلة الجوهرية هنا هي: هل تعتمد صحة مقطع كتابي على الفهم الحالي للثقافة القديمة؟ وهل تعتمد سلطة الكتاب المقدس على توافقها مع المقاييس الثقافية في عصرنا الحاضر؟

“الثقافة” هي الطريقة التي ترى بها جماعة من الناس الأمور المختلفة، أو التي تفعل بها الأشياء. تؤمن النسبية الثقافية بأن قيمة أو حقيقة أية فكرة تعتمد على الثقافة التي وجدت فيها. وحيث أن العقلاني يرى الثقافة على أنها متعادلة أخلاقياً، فإن ما يأتي بنتائج مقبولة في ثقافة ما قد لا ينجح في ثقافات أخرى، وبالتالي فإنه لا يكون صالحاً للثقافات الأخرى. هذا المنهج مشروع في القضايا المتعادلة أخلاقياً. لكن أن نجعل هذا المنهج ينطبق على كل شيء في الثقافة، فإن هذا يزعزع مكانة الكتاب المقدس كسلطة مستقلة تحكم على جميع أفكار وطرق السلوك البشري. في الحقيقة أنه ليس كثير أن نقول أن الكتاب المقدس قد أعطي تحديداً لكي يغير الثقافة البشرية ويخلق أسلوباً إلهياً في التفكير والسلوك. وهذا هدف أساسي من أهداف الكتاب المقدس.

فكر في مضامين النسبية الثقافية على كلا طرفي “فجوة الفهم” بين النص القديم والمؤمن في عصرنا اليوم. ماذا تفعل النسبية الثقافية للمعنى الذي يقصده المؤلف من ناحية، ولتطبيق الكتاب المقدس على إيمان وحياة العصر الحالي، من ناحية أخرى؟

عندما تختلف النظرة الحالية لسياق الكتابة الأصلية عن المعنى الواضح للنص، فأي تفسير هو الذي يسود؟ إذا تم السماح لفهم العصر الحالي للثقافة القديمة – الذي يكون غير دقيق في أفضل حالاته – بأن يغير من المعنى الواضح للنص، فقد أصبح هذا المنهج عندها منهجاً طبيعياً.

كثير من تعاليم الكتاب المقدس تعتبر مصدر إزعاج ومشاكل بالنسبة للثقافة المعاصرة. عدد من المفسرين الذين يعتبرون أنفسهم إنجيليين يتعاملون مع هذه المشاكل من خلال عملية يطلق عليها عدة أسماء مختلفة مثل، “تكييف السياق”، “التفسير الديناميكي المعادل”، أو “علم اللغويات العرقي”. وهذا العلم يقول أن التصريح الكتابي هو مجرد “هيكل” ثقافي مؤقت، فقد كانت له سلطة فقط بالنسبة لسامعيه الأصليين، ويمكن أن يتم استبعاده على أنه غير ملزم لشعوب أخرى ذات ثقافات مختلفة. لكن “جوهر” الحق المخفي في هيكل هذه الثقافة هو المبدأ والعقيدة الثابتة الباقية، والتي هي مشيئة الله لجميع الشعوب وفي كل العصور.

إلى أي حد يصبح هذا المنهج طبيعياً؟ إنه يصبح كذلك عندما يتم وصف أي تعليم من الكتاب المقدس بأنه هيكل ثقافي يمكن الاستغناء عنه في سبيل الجوهر، أو المبدأ العقائدي الباقي المفترض أنه يحويه – إلا إذا قدم الكتاب المقدس نفسه الأساس لمثل هذا التمييز.

لا يقر الكتاب المقدس في أي جزء منه بوجود تمييز بين الهيكل والجوهر. فعلى أي أساس إذاً يتم هذا التمييز؟ ومن الذي يحكم فيه؟ على سبيل المثال، أي من الوصايا التالية هيكل ثقافي يمكن الاستغناء عنه؟

“أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب” (أفسس 5: 22).

“أيها الأولاد أطيعوا والديكم في الرب لأن هذا حق”. (أفسس 6: 1).

“ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس” (أعمال 5: 29).

إن الشخص الذي يقيم أية تعاليم هي التي يتعامل معها كمبدأ ثابت، وأيها يتعامل معه كثقافة يمكن الاستغناء عنها، قد أصبح هو نفسه سلطة فوق سلطة الكتاب المقدس. فإذا حكم على الزواج “بالموت” في عيني مشير الزواج، يخبروننا بأنه يجب أن ينصح بالطلاق. لكن ماذا عن أمر المسيح ضد الطلاق؟ حسناً، سيقولون أن المسيح قد أعطى هذه الأوامر في محيط الثقافة اليهودية في القرن الأول الميلادي، وهكذا فإن المبدأ وراء هذا الأمر هو الذي يجب أن يطاع، وليس الأمر نفسه. فالمبدأ هو اهتمام المحبة من الشريكين تجاه بعضهما البعض. لكن في بعض الأحيان يعتقد الناس أن اهتمام المحبة يعفي الطرف الآخر من الروابط الشرعية للزواج. وهكذا يقول أنصار تكييف السياق في معظم الأحيان أنه يجب على المفسر ألا يلتزم بالشرعية الحرفية البسيطة.

فكر مثلاً في تعليم الكتاب المقدس عن سلوك الجنس المثلي. إن حظر ممارسة علاقات الجنس المثلي في الكتاب المقدس قد تم بسبب السمعة السيئة للأشخاص الذين يمارسون الجنس المثلي في العالم الروماني، السمعة التي كانت ستجلب العار على الكنيسة لو أن المسيحيين قبلوا بهذه الممارسة. وهكذا فإن المبدأ خلف هذا الحظر كان الإخلاص الزوجي، وهكذا يتم التعليم بأن علاقة الجنس المثلي تصبح مدانة فقط لو أنها صارت مختلطة. في النهاية، يصبح فهم المفسر للثقافة القديمة هو السلطة لقبول أو رفض التعليم الكتابي. وحيث أن كل الكتاب المقدس قد أعطي في سياق حضارة ما، فإن أي تعليم فيه تقريباً يخضع لهذا النوع من الاستغلال السيء للسياق.

افتراضات أنصار النسبية الثقافية هي نفس افتراضات العقلانيين: وهي افتراضات المنهج الطبيعي. فبالنسبة لأصحاب المنهج الطبيعي، عندما يكون هناك تعليم واضح في الكتاب المقدس يتعارض مع أسلوب التفكير البشري بشكل ما، يجب أن يبتعد الإعلان ويفسح الطريق للفكر البشري. وبالنسبة لأنصار النسبية الثقافية، إذا كان فهم الشخص لخلفية المؤلف الثقافية أو للخلفية الثقافية المعاصرة يجعل التفسير مخالفاً للمعنى الطبيعي للنص نفسه، فإن الافتراض هو أن من يقوم بتكييف السياق له سلطة أعظم في تقرير الحق من الكتاب المقدس نفسه، وهذا يعتبر منهجاً طبيعياً. (تعتبر مسألة تكييف السياق هي القضية الجوهرية بين المفسرين الإنجيليين. لذلك سنقوم بمعالجة هذا الموضوع بصورة أدق في الفصول التالية).

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

آلاند كيرت، وبارباراد ألاند. The Text of the New Testament: An Introduction to the Critical Edition s and to the Theory and Practice of Modern Textual Criticism. ترجمة إيرول إف رودس Grand Rapids: Eerdmans 1989.

بروس إف إف. The New Testament Documents: Are Thwy Reliable? Downers Grove, 111.: InterVarsity, 1973.

جرينلي، جي هارولد. Introduction to New Testament Textual Criticism. Grand Rapids: Eermans, 1964.

كرتنر، إدجار. The Historical – Critical Method. Philadephia: Fortress, 975.

سولين، ريتشارد إن. Handbook of Biblical Criticcism. Atlanta: John Knox, 1981.

ستين، روبرت إتش. The Synoptic Problem: An Introduction. Grand Rapids: Baker, 1987.

ستولماكر، بيتر. Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture: Toward a Hermeneutic of Consent.  ترجمة روي أيه هاريسفيل. Philadelphia: Fortress 1997.

المنهج الطبيعي في تفسير الكتاب المقدس

مباديء تفسير الكتاب المقدس وسماته

مباديء تفسير الكتاب المقدس وسماته

مباديء تفسير الكتاب المقدس وسماته

مباديء تفسير الكتاب المقدس وسماته

إن الافتراض الأساسي بشأن الكتاب المقدس، والذي يميز المؤمنين عن غير المؤمنين، هو أن الكتاب المقدس هو إعلان الله عن نفسه وعن إرادته للإنسان. ورغم أن المسيحيين متحدين ومتفقين في هذا التأكيد الأساسي، إلا أن مضامين العبارة يتم النظر إليها بطرق مختلفة للغاية. لذلك من المهم أن نفهم هذه الاتجاهات المختلفة، وهذا لأن افتراضات الشخص المسبقة ستحدد، إلى حد كبير، كيف سيفهم ويفسر الكتاب المقدس. قام أحد المؤلفين بشرح هذا الأمر كما يلي:

يجب أن نعرف أنفسنا… فكل منها يقترب من الكتاب المقدس وينظر إليه بافتراضاته المسبقة الخاصة. هذه الافتراضات هي جزء من نظرتنا العالمية العامة، وجزء من لاهوتنا الشخصي. للوهلة الأولى يرتبط هذا بالطريقة التي ننظر بها إلى الكتاب المقدس: هل يتكون من افتراضات وأمور معصومة؟ هل هو سجل لبعض من أعمال الله؟ هل هو سجل موحى به من الله؟ هل يوجد إعلان خارج الكتاب المقدس؟ وهكذا فنظرتنا ورأينا بهذا الشأن سيحدد كيف سنتعامل مع النص. فعقولنا لا تكون فارغة عندما نقرأ أو نستمع إلى الكتاب المقدس، إذ أن ما نسمعه قد تم تحديده جزئياً بواسطة ما في عقولنا بالفعل.

وهكذا فإن افتراضاتنا المسبقة تشكل ما نفهمه. ليس من الضروري أن نجادل هنا بشأن مجموعة معينة من الافتراضات، بل أن نتوصل إلى أننا قد أصبحنا على وعي بافتراضاتنا الخاصة، بحيث أننا عندما نفهم ونفسر، نعرف كيف قد تأثرنا بها. كما أنه من المهم أيضاً أن نرى أن افتراضاتنا متسقة وثابتة، أي أننا لا نعمل بمجموعة افتراضات في بعض الأحيان بينما نعمل بمجموعة مختلفة في أحيان أخرى.[1]

إذا تم قبول الكتاب المقدس بأي معنى على أنه رسالة من الله، فإن المكان المنطقي الذي نبدأ منه سيكون أن نبحث ما إذا كان الكتاب المقدس نفسه يخبرنا بالاتجاه والنظرة التي يجب أن نتبناها في السعي لفهم معانيه أم لا. هل الكتاب المقدس في إحدى الأجزاء يقوم بتفسير معنى العبارات الموجودة في جزء آخر؟ يمكن أن نقول مثلاً أن العهد الجديد كله هو تفسير للعهد القديم. بغض النظر عما إذا كانت الوسائل التي استخدمها المسيح والرسل في تحديد معاني مقاطع العهد القديم هي نماذج يمكن أن نتبعها، فإن الافتراضات التي كانوا يعتنقونها يجب بالتأكيد أن تكون نموذجاً لنا. فما هي الافتراضات التي كان المسيح والرسل يعتنقونها إذاً بشأن تفسير العهد القديم؟

كان المسيح والرسل ينظرون إلى الكتاب المقدس على أنه وثيقة كتبها البشر بالتأكيد، ولكنها في نفس الوقت وثيقة مصدرها الله نفسه. دعونا نفحص مضامين هذين الافتراضين الأساسيين – وهما أن الكتاب المقدس هو كتاب إلهي، فهو كلمة الله، كما أنه كتاب بشري، أي أنه الكلمة من خلال بشر إلى بشر رفقائهم.

الدليل الكامل لإصدارات الكتاب المقدس – الجزء الأول – فيليب كومفورت – ترجمة: مينا كرم

الكتاب المقدس هو كتاب فوق طبيعي في سماته

ذو سلطان

حيث أن الله هو مؤلفه، الكتاب المقدس هو كتاب ذو سلطان، فهو مطلق في سلطته بالنسبة للفكر والسلوك الإنساني. “كما قال الكتاب” هو تعبير يتكرر كثيراً في كل أنحاء العهد الجديد. فالحقيقة هي أن العهد الجديد يحوي أكثر من مائتي اقتباس مباشر من العهد القديم. بالإضافة لذلك، فإن العهد الجديد به عدد ضخم وغير محدد من التلميحات إلى العهد القديم. كما أن من كتبوا العهد الجديد، باتباع مثال يسوع المسيح، بنوا لاهوتهم على العهد القديم. فبالنسبة لكل من المسيح والتلاميذ، كان الاقتباس من الكتاب المقدس معناه حسم قضية ما.

جدير بالثقة

حيث أن الله هو مؤلفه، فإن الكتاب المقدس كله جدير بالثقة. فلا يوجد مكان ترك فيه يسوع المسيح او أي ممن كتبوا العهد الجديد مجالاً للخطأ. بل الأمر الأكيد أن المسيح والرسل قدموا إعلاناً لله ولمشيئته تخطى كثيراً ما أعلنه العهد القديم، لكن دون وجود أدنى تلميح بأي خطأ، حتى عندما تم شرح العهد الجديد بأنه يضع العهد المؤقت القديم جانباً. وحيث أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، فإنه يعتبر جدير تماماً بالثقة في رسالته العامة الشاملة وفي كل جزء من إعلانه.

وحيث أن مصدره هو الله، فإن الكتاب المقدس أهل للثقة في جميع أجزائه بحيث أن كل أجزائه تشكل وحدة متجانسة. فقد كتب بولس قائلاً: “كل الكتاب هو موحى به من الله” (2تيموثاوس 3: 16). إن الذين كتبوا العهد الجديد قاموا بالاقتباس من كل جزء من أجزاء العهد القديم، وتقريباً من كل سفر من أسفاره. بل الأكثر من ذلك، ينظر المسيح والرسل إلى رسالة العهد القديم على أنها رسالة واحدة – رسالة الفداء.

بسبب مصدره الإلهي، يُنظر إلى العهد القديم على أنه كتاب مسيحي. كما استخدم الرسل العهد القديم على أنه أساس تعليمهم عن يسوع المسيح، وقام يسوع بعمل أمور “لكي يتم الكتاب” – فكانت هذه الصيغة سمة من سمات تعاليم يسوع. وقد اتبع من كتبوا الأناجيل ومن كتبوا الرسائل الرسولية نفس هذا المنهج.[2]

كثير من نبوات العهد القديم كانت مباشرة، مثل تلك الخاصة بموت يسوع المسيح في إشعياء 53.

لكن مثل هذه النبوة المستقبلية الواضحة وتحقيقها، نادراً ما توجد في العهد الجديد؛ فهذا هو الاستثناء وليس القاعدة… بل بدلاً من ذلك، كان الذين كتبوا العهد الجديد يبحثون عن معنى العهد القديم المتضمن بمعناه الكامل (sensus plenior) في العهد الجديد. وبهذا العمل وجدوا توافقات وقياسات وتشابهات موحية مختلفة – البعض منها أساسية جداً والبعض أقل أساسية – ولكنها جميعاً مبنية على افتراضات مؤكدة عن سيادة الله على شؤون التاريخ؛ وعن السمة المتفردة للكتاب المقدس إذ أنه موحى به من الله؛ وعن هوية يسوع بأنه هو هدف (telos) تاريخ الخلاص.[3]

سوف ندرس فيما بعد ما إذا كنا يجب أن نتبع مثال المسيح والرسل في صنع تفسيرات مجازية لتاريخ وتعاليم العهد القديم. لكن عند هذه النقطة، يكفي أن نشدد على أن العهد القديم كان يعتبر، بواسطة كل من الرب يسوع نفسه ورسله، كتاب فوق طبيعي، مركزه المسيح.

الكتاب المقدس هو كتاب طبيعي في سماته

يتعامل العهد الجديد مع العهد القديم على أنه كتاب فوق طبيعي. فالعهد القديم مليء بالنبوات الخاصة بالمسيا والعهد الجديد. تلك النبوات واضحة، وقد وجدها المسيح ومن كتبوا العهد الجديد مخفاة بين طيات أحداث وكلمات العهد القديم. ومع ذلك، فإن العهد الجديد لا يتعامل مع العهد القديم على أنه فوق طبيعي بالكامل، أو على أنه كتاب “سحري”. بل يتعامل مع العهد القديم على أنه تواصل بشري، يستخدم اللغة بمعناها العام. إن من كتبوا العهد القديم كانوا غالباً معينين لذلك، فموسى وداود وإشعياء، يتم الاقتباس منهم باستمرار، بينما الأنبياء الأقل شهرة يذكر اسمهم كمصدر للإعلان. وقد عبر بطرس عن ذلك بوضوح قائلاً: “بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس”. (2بطرس 1: 21).

يكتب ريتشارد لونجنكير بشأن أسلوب يسوع في تفسير العهد القديم قائلاً:

عدة مرات في الأناجيل، يتم تصوير يسوع على أنه يفسر العهد القديم بطريقة حرفية، خاصة فيما يتعلق بالقيم الأساسية الدينية والأخلاقية. وفي تعليمه عن العلاقات البشرية، يظهر يسوع بأنه يستخدم الكتاب المقدس بطريقة مباشرة أيضاً، مع عدد قليل فقط من الاختلافات في النصوص. ففي توبيخه للفريسيين، على سبيل المثال، يقوم باقتباس خروج 20: 12، “أكرم وأمك”، و21: 17، “ومن شتم أباه او أمه يقتل قتلاً”.

وفي تأييده لعدم انفصام الزواج، يقتبس تكوين 2: 24 “لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً”. كما في اليهودية بصفة عامة – فيما يتعلق بتوجه الإنسان الأساسي نحو الله – سواء كان هذا الإنسان فريسياً، أو منشقاً، أو حتى هيلينياً، وفيما يتعلق بقيم الإنسان الأخلاقية الأساسية، وبالعلاقات الإنسانية الأساسية، كان يسوع يفسر الكتاب المقدس بطريقة حرفية للغاية. فهذه الأمور لها أهمية أساسية تكلم عنا الله بوضوح تام، لذلك فقد تعامل معها يسوع ومعاصريه في اليهودية بدون توسع وتفصيل أكير.[4]

بقدر ما كان موضوع رسالته أخلاقي في الأساس، يستخدم يعقوب العهد القديم بطريقة حرفية ومباشرة. كما أن تلاوة استفانوس للتاريخ اليهودي (أعمال 7) قد تكون هي الأطول من نوعها في العهد الجديد، ولكنها تعتبر نموذجاً لأسلوب تعامل العهد الجديد مع تاريخ العهد القديم. لم يكن استفانوس يستخدم قصص التاريخ لكي يستخرج منها رسالة سرية. فالمعنى الحقيقي الذي بنى عليه جدله لا يختفي بين الحقائق التاريخية؛ بل أن الحقائق التاريخية نفسها كانت هي الهدف الحقيقي.

ليست التعاليم الكتابية الأخلاقية والتاريخ فقط هم الذين يتعامل معهم من كتبوا التاريخ المقدس بمعناهم العادي، لكن حتى في التعليم اللاهوتي، يتمسك كل من بولس وكاتب الرسالة إلى العبرانيين في معظم الأحيان بالمعنى الأصلي للمقطع. كان المسيح والرسل في كثير من الأحيان يجدون معان في العهد القديم لم يكن للقارئ العادي أن يشك بوجودها هناك، وهكذا كان يتعامل مع العهد القديم على أنه كتاب فوق طبيعي. لكن استخدامهم الأكثر للعهد القديم كان على أساس المعنى الأصلي الواضح للمقطع.

بكلمات أخرى، إن تعليم الكتاب المقدس يجب قبوله كوسيلة تواصل بشري مباشر يؤخذ بالمعنى الطبيعي.

هل هناك أسفار مفقودة من الكتاب المقدس؟ – ترجمة: توفيق فهمي أبو مريم

قبل أن نفحص المبادئ المبنية على الافتراضين اللذين كان يعتنقهما المسيح والرسل – بأن الكتاب المقدس إلهي وبشري في آن واحد – يجب أن نشير إلى عدة طرق تم بها تشويه هذين الافتراضين وإساءة تطبيقهما. هناك أربعة مناهج خاطئة في التفسير الكتابي سائدة اليوم.

الأول: المنهج الطبيعي، والذي يحد معنى وأهمية الكتاب المقدي في العناصر التي تتفق مع العمليات الطبيعية، والفهم البشري. فإمكانية التأليف الإلهي والأحداث فوق الطبيعية تكون مستبعدة منذ البداية.

 الثاني: المنهج فوق الطبيعي، هو يفسر كل أحداث الكتاب المقدس من وجهة نظر فوق طبيعية. وبالتالي تكون مهمة المفسر هي البحث عن عدة معاني أو عن معاني خفية، يجب أن تكتشف من خلال الحدس والخبرة الروحية. وبذلك فإن المعنى “الطبيعي” للنص يتم التقليل من شأنه او تجاهله تماماُ.

الثالث: المنهج الوجودي، هو محاولة لدمج المنهجين الأولين معاًز فهو يقبل المنهج الطبيعي، ولكنه يذهب إلى ما هو أبعد منه عن طريق تعيين الحقيقة الكتابية عن طريق التلاقي بين استجابة المفسر، وشهادة المؤلف الكتابي لاختبار ديني مماثل.

الرابع: المنهج العقائدي، وهو الأخير، وفيه يتم توفيق أي تفسير لكي يتلاءم مع نظام عقائدي محدد مسبقاً أو مع سلطة خارجية. يتم استخدام هذا المنهج غالباُ بواسطة أولئك الذين ينادون بواحد من المناهج الثلاثة السابقة. بالإضافة لذلك، بعض المؤمنين، الذين يتبنون مناهج أخرى سليمة، قد يخطئون بأن يستبعدوا عقائدياً المعنى الواضح للنص ليك يجعلوه متفقاً مع نظام معين للمبادئ، أو مع سلطة بشرية ما، أو حتى مع اختبار شخصي. القليلون هم الذين يعترفون بتبنيهم لهذا المنهج، ومع ذلك فهو شديد الانتشار، وجميعنا معرضون للسقوط في التجربة.

من الواضح أن هذه المناهج لفهم الكتاب المقدس تختلف بصورة أساسية بحيث أن المعنى الذي يجده الشخص في الكتاب المقدس يختلف بصورة جذرية من منهج لآخر. فعلى سبيل المثال، خذ مثلاً قصة غزو يشوع لأريحا (يشوع 6). المنهج الطبيعي قد يرى الرواية على أنها قصة قديمة تم اختلاقها (حيث أن الأسوار لا تسقط عادة نتيجة لأصوات الأبواق) لكي تعلمنا عن انتصار الخير على الشر، بما يخالف التوقعات.

وحيث أن المنهج فوق الطبيعي يبحث عن معنى خفي، فقد يرى في السير حول الأسوار في صمت دعوة للمسيحيين لكي يشهدوا “بسيرهم” في صمت لمدة ستة أيام في الأسبوع إلى أن يتمكن القائد (الواعظ) في يوم الأحد من إعلان البشارة، وعندها تنهدم أسوار عدم الإيمان وتسقط ويتجدد الناس. أما المنهج الوجودي فقد يركز على الدعوة إلى الإيمان الديني الشخصي الذي كان في محور اهتمام الكاتب. فالقصة بالنسبة للشخص الذي يعتنق المنهج الوجودي قد تكون مجرد أسطورة فقط، لا تحمل التفاصيل فيها أية أهمية.

أما بعض من أصحاب المنهج العقائدي فسيواجهون مشكلة خاصة بقتل أهل أريحا بحسب أمر الله – فالإله المحب لا يمكن أن يأمر أبداً بقتل أناس أبرياء. بينما آخرون منهم قد لا يواجهون مشكلة في ذلك على الإطلاق، إذ يؤمنون بأن أهل أريحا قد خلقوا لأجل اللعن والدينونة على أية حال.

تقوم الفصول من الثاني وحتى الخامس من هذا الكتاب بمناقشة، بالترتيب، العناصر الدقيقة وتلك غير الدقيقة في تفسير الكتاب المقدس، باستخدام المناهج الطبيعية، وفوق الطبيعية، والوجودية، والعقائدية. من المهم أن نبدأ بهذه النظرة الشاملة، حيث أن العديد من المفسرين اليوم يميلون نحو واحد من هذه المناهج.

إن ميزان هذا الكتاب يحدد منهجاً أساسياً لفهم وتطبيق الكتاب المقدس، بطريقة يعطي قيمة كاملة لكل من تأليفه البشري والإلهي. البعض أطلق على هذا، منهج “دراسة القواعد – التاريخي”، لكن هذا المصطلح يفترض فقط بعضاً من المبادئ الكثيرة اللازمة لفهم أساليب التواصل البشري. وهو لا يشمل على الإطلاق بُعد التواصل الإلهي الذي يعدل، في بعض النواحي، المنهج الطبيعي لفهم اللغة البشرية. ربما يمكننا أن نطلق على هذا المنهج الاسم الذي أطلقه عليه الكتاب المقدس، والذي سنسعى لأن نتبعه، وهو منهج “تحليل أسلوب التواصل البشري/الإلهي”. لكن دعونا أولاً نفكر في تلك المناهج التي تخطئ في فهم وتطبيق الكتاب المقدس عن طريق تركيزها الزائد على سمة واحدة من الكتاب المقدس على حساب سمات أخرى.

[1] إيرنس بست، From Text to Sermon: Responsible Use of thw New Testament in Preaching (Atlanta: John Knox, 1978 الصفحات 97 -99.

[2] يمكنك أن تجد دراسة جيدة لكيفية استخدام المسيح والرسل للعهد القديم، في كتاب ريتشارد لونجنيكر، Biblical Exegesis in the Apostolic Period (Grand Rapids: Eerdmans, 1975).

[3] دونالد إيه هاجنر، The Old Testament in the New Testament, In Interpreting the Word of God، تحرير صمويل جي شولتز وموريس إيه إنس (Chicago: Moody, 1976) صفحة 103.

[4] لونجنيكر، الصفحات 66-68.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

مباديء تفسير الكتاب المقدس وسماته

Exit mobile version