الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا
 
1 – تمهيــــــــــــــــــــد

 

  • [ لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ] (تيموثاوس 3: 5)

هذا هو سرّ خلاصنا كله، وهو أن ندخل في سرّ الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، وبما أن هناك ميلاد يبقى هناك أولاد، لذلك قال الرسول: [ لأن المُقدس والمقدسين جميعهم من واحد فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً: أخبِّر باسمك إخوتي وفي وسط الكنيسة أُسبحك. وأيضاً أنا أكون متوكلاً عليه وأيضاً ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله. فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس. ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية. ] (عبرانيين 2: 11 – 15)

لذلك عند آباء الكنيسة المتذوقين خبرة حلاوة الميلاد الثاني، ودخلوا في سرّ التجديد المستمر، فأنهم اهتموا بعقيدة الخلاص وأظهروا ارتباطها بسرّ التبني، لذلك أكدوا على أن الخلاص بالتبني، وأظهروا أن غاية الخلاص هو التبني، فموضوع خلاصنا هو التبني، وهذا هو سبب تجسد الابن الوحيد، لكي باتحاده بنا بكونه هو وبشخصه ابن الله طبيعياً وبطريقة منفردة خاصة للغاية، نكون نحن فيه شركاء البنوة لأنه صار واحداً معنا ليشع فينا بنوته الفريدة والمُميزة فنصير فيه ابناء الله، طبعاً المسيح ابن الله بصفته اقنوم ولكننا نحن منتسبين إليه بسبب وحدته معنا حسب قدرته هو بالتجسد، وبذلك وهبنا عطية البنوة فيه فصرنا ابناء الآب في الابن الوحيد وبذلك صار خلاصنا مضموناً ومؤكد…


ويقول القديس إيريناؤس: [ صار كلمة الله ربنا يسوع المسيح بحبه الفائق على حالنا، لنصير نحن على حاله ]؛ [ بالابن الوحيد نلنا العلاقة مع الآب وبهذه العلاقة صرنا ننتمي إليه، وذلك بتجسد الكلمة ودخوله في شركة معنا ] (ضد الهرطقات 5: المقدمة) (ضد الهرطقات 3: 18: 7)

  • [ أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله ] (1يوحنا 3: 1)

التبني عطية إلهيه ثمينة نحصل عليها بالاتحاد السري بشخص المسيح ابن الله الوحيد: [ وأما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. أي المؤمنين باسمه ] (يوحنا 1: 12)

ونلاحظ أنه في إنجيل القديس يوحنا، لا يُستخدم كلمه ” ابن υὶός ” إلاَّ للمسيح – له المجد – فقط، ولكن بالنسبة لكل من قبله وآمن به استخدم كلمة أولاد الله τέκνα θεου، وقد أتضح لنا من خلال الكتاب المقدس أن التبني هو ” شركة طبيعة “، وهُنا نرى أنه هناك فرق واضح وجوهري ما بين بَنَوية شعب إسرائيل لله، وبنوية شعب المسيح، فالأولى بالميراث الجسدي، وأما الثانية – أي بنوتنا لله في العهد الجديد، بالميلاد الروحي في المسيح يسوع !!!

ولنا أن نعلم إن هذه العطية العظمى والثمينة جداً، ليست مجرد علاقة مجازية أو تشريف أدبي، ولا علاقة عابرة تحكمها المشيئة البشرية أو العواطف الإنسانية المتغيرة أو صلة الأجساد لأنه مكتوب: [ الذين وُلِدوا ليس من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل… ] (يوحنا 1: 13)

فالبنوة لله ليس لها أية صلة بالخليقة البشرية العتيقة حسب ميلاد الجسد، بل هو ميلاد خليقة جديدة أخرى للإنسان من فوق [ المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح ] (يوحنا 3: 6)، وبهذه الولادة يصير الإنسان أبن حقيقي لله في المسيح يسوع، والله يصير أباً عظيماً للإنسان في المسيح !!!

والولادة الجديدة هي ولادة من الله: [ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنين باسمه. الذين وُلِدوا، ليس من دمٍ، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله ] (يوحنا 1: 12و13)، فنحن نصير ابناء لله في المسيح بصفتنا خليقة جديدة [ إذاً أن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً ] (2كورنثوس 5: 17)

وبالتبني ندخل في علاقة حقيقية مع الله تدركنا في صميم طبيعتنا، إذ نصير أبناء لهُ أخصاء أحباء. وبنوتنا لله لا تتم بمعزل عن بنوة المسيح له، بل هي نتيجة طبيعية وتلقائية بسبب تجسد ابن الله وحلوله فينا، ولذلك نجد القديس يوحنا الرسول يلحق الآية السابقة: [ الذين ولِدوا … من الله ” بالآية الآتية : ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا ( فينا ) … ] ( يوحنا 1: 14)

لأن ابن الله الكلمة لما اتخذ جسداً، صار كواحد منا: [ إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما … من ثَمَّ كان ينبغي أن يُشبه إخوته في كل شيء ] (عبرانيين 2: 14و17)

Forasmuch then as the children are partakers of flesh and blood, he also himself likewise took part of the same – K.J
وحينما مات ابن الله بهذا الجسد الذي اتخذه، وقام وصعد، لم يترك جسده هنا على الأرض، بل دخل به إلى السماء كسابق من أجلنا. وعندما تراءى لدى الآب بالجسد الذي صعد به، سمع الصوت الإلهي: [ اجلس عن يميني ] (مزمور 109: 1)، فهو لا يحتاج أن يجلس عن يمين العظمة في الأعالي، بل نحن، لذلك كنا نحن الذين قمنا معه والذين جلسنا معه في السماوات: [ وأقامنا معهُ وأجلسنا معهُ في السماوات في المسيح يسوع ] (أفسس 2: 6)، لأن كل ما فعله المسيح الرب ليس من اجل نفسه لأنه لا يحتاج بل لأجلنا نحن أحباؤه الأخصاء…

+ والتبني الذي هو نتيجة طبيعية لتجسد المسيح الرب، ينقله إلينا الروح القدس الذي يأخذ ما للمسيح ويُعطينا. كما أن عطية التبني تقوى فينا وتنمو بالتناول من سرّ الشكر، أي الإفخارستيا التي تُثبتنا في المسيح، كما تثبت الأغصان في الكرمة وتتقوى، فينتقل إليها عُصارة الكرمة لتُغذيها حتى تكاد تكون هي والكرمة شيئاً واحداً: 
[وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ] (1كورنثوس 6: 17)


وباختصار القول: إن الولادة من فوق أي من الله، أي التبني في المسيح، هي عقيدة راسخة في وجدان الكنيسة، وهي ظاهرة بوضوح شديد في إنجيل القديس يوحنا الرسول وعند جميع الآباء القديسين مُعلمي التقوى، لا كمعلومة إنما كقوة حياة نعيشها منذ يوم ولادتنا الجديدة من فوق: [ 
وكأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنموا به ] (1بطرس 2: 2)
  • ولنصغي لكلمة الله ونفهم ونستوعب سرّ بنوتنا لله في المسيح يسوع:
1 – [ وأما هذه فقد كُتبت (إنجيل يوحنا بكاملة) لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة ( ميلاداً جديداً ) باسمه ] (يوحنا 20: 31)، [ كتبت هذا إليكم أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية ولكي تؤمنوا باسم ابن الله ] (1يوحنا 5: 13)، [ ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ] (1يوحنا 5: 20)

2 – [ كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا ً(1يوحنا 5: 1)، [ بهذا نعرف إننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه، فأن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه ووصاياه ليست ثقيلة] (1يوحنا 5: 2 – 3)

3 – [ أنظروا أية محبة أعطانا الله حتى نُدعى أولاد الله … أيها الأحباء … نحن أولاد الله ] (1يوحنا 3: 1و2) 

4 – [ أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً، لأن المحبة هي من الله ـ وكل من يحب فقد وُلِدَ من الله، ويعرف الله ] (1يوحنا 4: 7)

5 – [ إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه ] (1يوحنا 2: 29) 

6 – [ نعلم أن كل من وُلِدَ من الله لا يُخطئ ( يتعدى )، بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه ] (1يوحنا 5: 18)

7 – [ كل من هو مولود من الله لا يفعل الخطية (عن قصد وعِناد)، لأن زرعه (زرع الله) يثبت فيه، ولا يستطيع أن يُخطئ لأنه مولود من الله ]ٍ (1يوحنا 3: 9)

 [ لأن كل من ولد من الله يغلب العالم وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا، من هو الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله] (1يوحنا 5: 4 – 5)

عموماً الذي يؤمن إيمان واعي بإدراك يقيني بأن يسوع هو المسيح فهو قد قَبِلَ أن يكون أبناً لله في الابن الوحيد، فيصير أبناً لله في المسيح يسوع: [ من يؤمن بابن الله فعنده الشهادة في نفسه من لا يصدق الله فقد جعله كاذبا لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها الله عن ابنه، و هذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هي في ابنه، من له الابن فله الحياة ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة (1يوحنا 5: 10  12)

ولنا أن نلاحظ وندقق جداً، فالسبب الأساسي الذي على أساسه نصير أولاداً لله، لا يعتمد على شيء حسنٌ فينا، أو على قدراتنا الخاصة أو شطارة فينا أو أعمال في برّ عملناها نحن أو ستفعلها، ولكن على أساس إلحاح محبة الله لنا، وهو مضمون الآية (رقم 3):

  • [ أنظروا أية محبة أعطانا الله حتى نُدعى أولاد الله ]، [ هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)، [ ولكن الله بين محبته لنا لأنهونحن بعد (لانزال) خطاه مات المسيح لأجلنا ] (رومية 5: 8)

باختصار وبكلمة واحدة تحمل روح الإنجيل كله وفكر آباء الكنيسة الذين عاشوا كما يحق لإنجيل ربنا يسوع: [ نحن أبناء في الابن الوحيد ] وذلك لأن [ ابن الله صار ابناً للإنسان، حتى يصير ابن الإنسان ابناً لله ] 

وهُنا نضع قول القديس أغسطينوس في الصدارة: [ فطالما نحن هو، ونحن من المسيح، بل ونحن المسيح، فلابُدَّ أن يكون أبوه أباً لنا نحن أيضاً، وذلك بفعل الروح عينه الذي به قد ولد الابن الوحيد بيننا ] (عن تفسير إنجيل يوحنا ص 108، عظة 133: 8، عظة 144، تفسير مزمور 54، تفسير مزمور 26، وتفسير يوحنا 21: 8، عظة 71: 28)، وطبعاً لنا أن نفهم قول القديس أغسطينوس على ضوء كلمات القديس بولس الرسول: [ لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عِظامه (أفسس 5: 30)

__________يتبـــــع__________
العنوان القادم: مقدمة 
كلمة التبني ومعناها القانوني

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

الخلاص عند القديس اثناسيوس – د. نصحي عبد الشهيد

الخلاص عند القديس اثناسيوس – د نصحي عبد الشهيد

 

الخلاص عند القديس اثناسيوس – د نصحي عبد الشهيد

 

 

للتحميل اضغط هنا

 

الخلاص عند القديس اثناسيوس – د نصحي عبد الشهيد

 

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

 

التجسد الإلهي وخلاصنا، أساس شركتنا مع الله
(للعودة للجزء الثالث أضغط هنا. )
الجزء الرابع من الموضوع

تابع ثانياً: مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــة
تابع آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
3 – واقع الخطية وطبيعتها

  

 




2 – واقع الخطية وطبيعتها: الخطية واقع بشري، لكنها واقع زائل لأنه وهمي مُخادع في مظهره ونتيجته مؤلمة، وهي عبارة عن علاقة سلبية مع الله، أي في اتجاه معاكس لمشيئته ومخالفة لوصية الحياة التي قدمها للإنسان ليحفظه من كل عبث الموت المفسد للنفس. وللأسف أن جيلنا هذا وقد فقد الاحساس بالله، فقد أيضاً بالفعل نفسه الإحساس بالخطية. وموقف الإنسان من الخطية دائماً ما يكون مؤشر لموقفه من الله. والفكرة التي يكونها الانسان عن الخطية مرتبطة بفكرته عن الله.

إن للعهد القديم إحساساً مرهفاً بالخطية, كما لهُ إحساساً عميقاً بالله. وفي بادئ الأمر لم تكن الخطية متميزة تمييزاً كافياً عن مجرد مخالفات مادية لأوامر ومناهٍ صادرة من فوق (2 صموئيل 6: 7). ثم نُظر إليها كعصيان وتمرد، وأخيراً تبينت كنكران للجميل وقلة أمانة، ونكران النعمة ورفض الحب والانحصار في الذات وتحقيق الرغبات الشخصية المائلة نحو الموت الذي يتبعه الفساد بالضرورة.

والعهد القديم كشف أن الخطية لا تستطيع أن تطال الله في ذاته: 

  • [ إن اخطأت، فماذا تؤثر فيه. وإن اكثرت (إثمك) فماذا يلحقُ به ] (أيوب 35 : 6)
  • [ أفإياي يغيظون يقول الرب، أليس أنفسهم لأجل خزي وجوههم ] (إرميا 7: 19)

إنما هي تنال من الإنسان وتطعنه بالأوجاع الداخلية لأنها تفصله عن الله، الذي هو خيره الحقيقي وحياته، أي أن الخطية لا تؤثر في الله أو تهينه في ذاته، لكنها تؤثر فينا وتهين الإنسان في ذاته، إذ تفقده الحس فتفقده إنسانيته وتشوه صورة الله فيه.


وعموماً إذا كانت الخطية لا تؤثر علي الله بالذات، إلا انها تنقض خطة محبته بالنسبة لي أنا، فالخطية رفض للحب من قِبَل الانسان، وهي تضع حاجزاً بينه وبين الله، بحيث أن الله الكلي القداسة لا يستطيع أن يكون في شركة مع الإنسان: [ إن آثامكم فرقت بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم حجبت وجهه عنكم، فلا يسمع ] (أشعياء 59: 2 ) 

  • و نأتي لسؤال هام: ما الذي احدثته الخطية الأولي أو السقوط ؟

إن معاناتنا وآلامنا هي تجربة واقعيه مُعاشة نحياها، وليست مجرد مشكلة نظرية أو فكره فلسفية نتحدث عنها. إنها علي مستوي أعمق من الكلمات. فإن تكلمنا عن نتائج السقوط، فنحن لا نتكلم عن موضوع فكري أو نظري أو مجرد تاريخ مضى وفات، بل عن تجربة نحياها كل يوم، عن معاناة بدأت بها الدراما الإنسانية، وعانت منها البشرية كلها، وكل واحد فينا على المستوى الشخصي، حتى أنه لم يعد يشعر بالله ولا حضوره، بل والبعض لا يصدق وجوده من الأساس، لأن كل واحد فقد الحس بالله الذي خلقه على صورته كشبهه.

إن حقيقة الخلق علي صورة الثالوث القدوس، يدعونا للتقدم في المحبة، للتقدم من الصورة الإلهية إلي المثال الإلهي، لكن الانسان اختار لا طريقاً مؤدياً إلي الأعلى، بل طريقاً مؤدياً إلي الأسفل، طريق وهمي مُخادع، مثلما من يرى السراب في الصحراء وهو عطِش، فهو يسعى أن يصل إليه بكل طاقته لكي يروي ظمأه، ولكنه يسعى ويجتهد بكل معاناه وبذل الجهد، ولكنه لا يصل أبداً بكونه مخدوع، ومع ذلك السراب يجعله يستمر في السعي إليه بلا توقف، مع أنه يستمر في زيادة العطش الذي قد يصل به للموت لأنه لن يشرب أبداً .


لقد أنكر الإنسان العلاقة مع الله التي هي في عمق جوهره الحقيقي مزروعة فيه، وعِوضاً من أن يكون مركز موحد مع إخوته البشر والله، انتهي إلي سلسلة من الانقسامات: 
انقسام شخصي أو ذاتي (منقسم على نفسه)، انقسام بينه وبين الآخر، وانقسام بينه وبين عالم الطبيعة. وأخيراً إلي الانقسام الحاسم بينه وبين الله (الذي هو جوهر كل انقسام)، أي تم هدم علاقة الشركة بينه وبين الله الحياة فأدت طبيعياً إلى الفساد. لقد طعن عطية الحرية. وإذ كان حراً أصبح عبداً: [ أن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية ] (يوحنا 8: 34)

ومشكلة الخطية أنها لم تقف عند حد، بل صارت إلى ما هو أخطر، لأن بسببها حاول الإنسان ان يُدين الله: فلقد حَمَّل آدم حواء كل المسئولية عما حدث: [ المرأة التي جعلتها معي هي التي أعطتني من الشجرة فأكلت ] (تكوين 3: 12)، وهو بذلك جعل الله هو السبب الجذري للخطية (وهذا ما يحدث في كل زمان)، إذ يتهم الإنسان الله بوجود الخطية في حياته وكأن الله هو السبب فيها، وبذلك عاش مختبراً الانفصال لا عن الله فقط، بل عن الإنسان أيضاً.

يقول فلاديمير من موسكو philaret of moscoo : [ لقد اغلق الانسان علي نفسه جداول النعمة الالهية ]، وذلك بالطبع عندما حمَّل آدم المسئولية لحواء، ففصل نفسه عن نفسها أولاً، وجعل كل واحد منها فرداً منفصلاً عن الآخر، في الحياة وفي المصير، يسعي للتحرر منه وتجاوزه كي ينمو هو، وذلك حينما ألقى عليها التهمه بدون أن يتحمل أي مسئولية لكي يتجنب ملامة ضميره ولكي يلقيها وحدها لتحمل المشكلة كلها.

عموماً الله في البدء خلق الإنسان الجامع ليكون رأس البشرية وبذلك حوي الانسان الأول في ذاته كل الطبيعة البشرية لأنه أصلها وأبيها. وكان شخصاً فريداً في كل شيء.
وكما يقول القديس النيصي: [ الإنسان المخلوق لا يملك اسماً خاصاً، ولكنه إنسان كوني. ولذلك فهذه التسمية العامة للطبيعة البشرية تعني لنا أن نفهم أن الله .. قد ضمَّن كل الإنسانية في الخليقة الأولي .. إذ إن الصورة ليست في جزء من الطبيعة] 


فالطبيعة البشرية أساسها وجذرها في آدم وحواء قبل السقوط. ولم تكن مجزأة بينهما. كان كل منهما شخصاً – علي صورة الثالوث القدوس – لهم كل الطبيعة الإنسانية، متحدين مع بعضهما في انسجام واتفاق مبدع في حرية إرادة ومشيئة منسجمه، ولكن الخطية أتت كعنصر غريب لتحوّل الاشخاص إلي أفراد، إلي كائنات تتنازع علي امتلاك الطبيعة، من هو السيد والرئيس والمرؤوس، فحولت الكل إلي كائنات يعتقد كل واحد منها أنه يملك الطبيعة لذاته وحده.

  • عموماً باختصار نستطيع أن نقول:

أن بسبب انفصالي عن الله وميلي الباطل لما هو غيره، أصبح كل شيء صار يستقطبني في هذا العالم ما عدا الله. لقد صارت ذاتي قطباً لي في جميع أفعالي وتصرفاتي. لقد تحوَّلت إلي مركز لي للتمركز حوله. لم أعد انظر إلي العالم وإلي الكائنات البشرية الباقية بطريقة إفخارستيا للشكر والمسرة، كسرّ للشركة مع الله.

لقد توقف كل شيء عن كونه عطية لي من الله. لقد صار كل شيء وسيلة لأُحقق به وفيه رغباتي الشخصية أو شهواتي الخاصة المُدمرة. وتناسيتُ أنها هبة من الخالق لأُعيد تقديمها إليه في شكر واعتراف حسن في المحبة. لقد بدأت باستعمال كل شيء كما لو كان ملكي أنا استهلكه وأُبدده وأُشوه منظره الطبيعي. ولم أعد أري الأشخاص والأشياء كما هي بحدًّ ذاتها وفي جمالها الطبيعي، وكما هي في الله. بل أصبحت أراها فقط كوسيلة للمتعة والإشباع (الأناني) اللذين لن ألبيَّهما أبداً بهذه الطريقة.


حتي جسدي صار مبيعاً تحت الخطية (رومية 7: 4)، صار أداة لي لشهواتي بدلاً من أن يكون هيكل مقدس طاهر لحلول الله، ولقد انطلقت به نحو العالم الغاش المادي الكامن فيه روح الشر والفساد بدلاً من أن انطلق به نحو الله، وأرفع العالم معي في سرّ التقوى وهبة القداسة: [ لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم ] (1يوحنا 2: 16)

لقد دخلتُ كإنسان خاطئ دائرة معينة من العطش والشهوة الخاصة، التي بمقدار ما تشبع أزداد جوعاً لتلبيتها، ولم يعد العالم ناقلاً لي جلال مجد الله وبهاءُه. ولم يعد نافذة أُعاين الله من خلالها. لقد صار ظليلاً، كامداً، باهتاً؛ لقد توقف عن أن يكون مانحاً للحياة، وصار موضوعاً وخاضعاً للفساد والموت كالإنسان [ من التراب أنت والي التراب تعود ] (تكوين 3: 19) 

هذه هي الحالة الحقيقية للإنسان الساقط، ولكل شيء مخلوق. فحالما يقطع نفسه عن مصدر الحياة الواحد يفقد الحياة؛ لقد سقط الانسان بعد الخطية، وإنهار جسدياً وأخلاقياً. 
لقد صار خاضعاً للألم والمرض والانحلال الجسدي؛ حتى أنه صار فرح المرأة بالولادة ممزوجاً بآلام المخاض (تكوين 3: 16)، وهذا كله لم يكن من خطة الله الأولية للبشرية. ولكن بسبب السقوط، صار الإنسان أسيراً لكل هذا وهو الذي تسبب وحده لنفسه بهذه الأوجاع؛ وفي النهاية صار خاضعاً للموت: [ لأنه بخطية واحدٍ مات الكثيرون ] (رومية 5: 15)، فسرى الموت في جميع البشر، والكل بدأ يموت، حتى الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم:
[ لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي ] (رومية 5: 14)


__________يتبــــــــــــــــــع__________

عنوان الجزء الخامس
تابع المقدمة: آدم القديم وآدم الجديد ووجودنا
4 – خطية آدم وآثارها فينا

التجسد الإلهي وخلاصنا ج4 – أساس شركتنا مع الله – واقع الخطية وطبيعتها

بداية إنجيل الخلاص وهدف إنجيل بشارة الملكوت.

  • بداية إنجيل الخلاص [ ها أنا أبشركم بفرح عظيم ]
  • وهدف إنجيل بشارة الملكوت [ نكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً ]

لكن مع الأسف الشديد فأن الغالبية العظمى من المسيحيين ليس لديهم فرح، مثل عُرس قانا الجليل حينما فرغ منهم الخمر، الخمر الذي يدل على فرح الاحتفال، مع أنه كان فرح زائف يُسكر الإنسان لكي ينسى واقعه، فهو سريع النفاذ حتى يعطش إليه الإنسان أكثر ولا يجد ارتواء، لكن الخمر الإلهي أي خمر فرح الحياة الجديدة ليس خمر مسكر بل يُعطي وعي ومستمر ومتفوق للغاية، يمسح الدمع ويشفي القلب، لأن الفرح الإلهي فرح واعي نتيجة المحبة المتدفقة، والمحبة واعية ناظرة لفوق تبصر ما لا يراه العالم، لأنها ترتفع للمستوى الإلهي، لذلك المسيحي الحقيقي يلتصق بالصليب حاملاً عار المسيح، سائراً ورائه ليرتفع معه على الصليب ليموت فيختبر قوة القيامة، لأن على قدر ما نموت على قدر ما نحيا مع المسيح، لأننا نموت معه في حياتنا هنا على الأرض بقبول الصليب مع كل الأتعاب والمشقات التي تأتي علينا بل وخيانة الأصدقاء وتعب المقربين بالشكر، فيسري فرح الحياة فينا فنرتفع فوق كل ضيق ونختبر قوة الشركة مع الله في حياتنا اليومية:

  • [ وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني ] (لوقا 9: 23)
  • [ ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً ] (لوقا 14: 27)

المسيح رب الحياة رُفض من العالم، فرفض العالم الحياة التي دخلت إليه لتنقذه من الموت، فأدان العالم نفسه لأنه لم يعرف الحياة التي تجلت فيه ودخلت إليه: [ كان في العالم، وكوِّن العالم به، ولم يعرفه العالم ] (يوحنا 1: 10)
والمسيحي الذي يرفض الحياة مع العالم ويعيش إنسان طبيعي منحصراً في هم وغم العالم ويحيا في يأس رافضاً صليب الألم ولا يشرب الكأس للنهاية مع المسيح في شركة مقدسة، هو أيضاً رفض الحياة وفرح بشارة ملكوت الله، ومع أنه ظاهرياً وبالكلام من خاصية المسيح وقد يكون شاطر في المعرفة ومجتهد في البحث وعميق في كتاباته ومعلماً للآخرين ومحافظاً على كل التعليم المُسلَّم من جيل لجيل، بل وناصحاً ومرشداً للخطاة ولا يتفوه بتعليم خاطئ أو كلمة رديئة، لكن باطنياً لم يقبل المسيح المصلوب وحمل صليب آلامه، لذلك لم يختبر قوة القيامة ولم يتذوقها بعد ولا يعرفها قط، بل كلام نظري يتكلم به لكنه لم يدخل فيه، فانطبق عليه ما قيل عن اليهود الذين لهم المواعيد [ إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله ] (يوحنا 1: 11)

لذلك لو نظرنا نظرة فاحصة لمسيحي اليوم (الغالبية العظمى) نجد الحزن والقلق والاضطراب يعتلي وجوههم ولا يعرفون للبسمة الحلوة النابعة من قوة فرح الرب قوتنا طريق، بل طريقهم الشكوى الدائمة من الحياة مع يأس مفرط حزين حتى الموت، حتى أن البعض يشتكي الله على أنه ظالم ولا يُريد ان يتدخل في حياتهم الشخصية، فيشتكون ويتساءلون لماذا الألم والضيق، ويصبون اللعنات على العالم بكل ما فيه، فيقعوا تحت دينونة الأشرار الذين جدفوا على الاسم الحسن ورفضوا الصليب واعتبروه معثرة وجهالة وعدم كرامة وإهانة ذات: 

  • [ نحن نكرز بالمسيح مصلوباً، لليهود عثرة ولليونانيين جهالة ] (1كورنثوس 1: 23)
  • [ الإنسان الطبيعي (الذي لم يدخل في سر الولادة الجديدة حياة اختبرها وتذوقها فعلاً) لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً ] (1كورنثوس 2: 14)

فيا إخوتي اليوم صوت الله واضح لنا ولا يحتاج شرح أو تفسير، فليس لنا طريق آخر للفرح السماوي إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، واعلموا يقيناً: [ فأن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله ] (1كورنثوس 1: 18)، و [ جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله (الظاهر في الصليب) أقوى من الناس ] (1كورنثوس 1: 25)..

لذلك يا إخوتي لا تتذمروا على آلامكم وأتعالكم ولا ترفضوا الصليب، الإيمان بالمصلوب ليس بالكلام واللسان، بل بالخبرة في واقع الحياة اليومية، يكفينا كلام وعظ وكتابات عن الفخر بالصليب ونحن نرفض حمله الثقيل، فإننا لن نتذوق قوة الفرح الإلهي ما لم نقبل الصليب مع الشكر ونتحمل كل المشقات بصبر عظيم، لكن طالما نتذمر، وطالما نشكو، بل ونتطاول على الله ونرفض الحياة بيأس، فأن هذا لا يدل إلا على أن الصليب لم نحمله بعد ولم ندخل في سره العظيم، لأن وراء الصليب قيامة، ومستحيل نتذوق قيامة يسوع في حياتنا ما لم نقبل الآلام بصبر مع الشكر كل حين إلى أن نصل لخبرة الموت مع المسيح بالنية الأول وبالآلام التي نمر بها (في كل مكان ومجال) وحتى مواجهة الموت نفسه، فاشكروا الله لأن بالألم والتخلي عن الرغبات الغير منضبطة تتهذب النفس: 

  • [ قبلتم سلب أموالكم بفرح عالمين في أنفسكم أن لكم مالاً أفضل في السماوات وباقياً ] (عبرانيين 10: 34)
  • [ فأن كنا نتضايق فلأجل تعزيتكم وخلاصكم العامل في احتمال نفس الآلام التي نتألم بها نحن أيضاً أو نتعزى فلأجل تعزيتكم وخلاصكم ] (2كورنثوس 1: 6)
  • [ فرجاؤنا من أجلكم ثابت، عالمين إنكم كما أنتم شركاء في الآلام كذلك في التعزية أيضاً ] (2كورنثوس 1: 7)
  • [ فأنكم أيها الإخوة صرتم متمثلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في المسيح يسوع لأنكم تألمتم أنتم أيضاً من أهل عشيرتكم تلك الآلام عينها كما هم أيضاً من اليهود ] (1تسالونيكي 2: 14)

لذلك في الختام أقول لكم اقبلوا صليب ربنا يسوع لا كلام ولا إيمان نظري فكري يقال ويُكتب في كُتب وأبحاث، بل في واقع حياتكم اليومية في كل الأحداث مهما ما كانت، بل اقبلوا حرق كنائسكم بفرح وكل ما سُلب أو يُسلب منكم بمسرة حتى أموالكم وموت أحبائكم (مع ملاحظة أني لا ألغي الحق القانوني، لكن أتكلم فقط على الشكر وقبول كل شيء من يد الله الذي في يده حياتنا لأنه لن تسقط شعره من أبناءه المتكلين عليه إلا بإذنه، أما الغير متكلين عليه ولا يحيون بالإيمان لا يعرفهم)، واقبلوا كل الآلام بل وأي ألم وضيق وشدة بل ومحنة مهما ما كانت (نفسية أو جسدية) التي تأتي عليكم طبيعياً في الحياة الحاضرة، لكي تتمجدوا مع رب المجد يسوع في إعلان مجيئه المفرح لكل نفس تحيا معه بصدق المحبة وبذل الذات للنهاية:

  • [ مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ، فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه (للموت) لأجلي ] (غلاطية 2: 20)
  • [ فأن كنا أولاداً فأننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح، أن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه ] (رومية 8: 17)

لذلك يُختتم الكلام بالمكتوب: 

  • [ أفرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السماوات فأنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم ] (متى 5: 12)
  • [ كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين ] (1بطرس 4: 13)
  • [ افرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً افرحوا ] (فيلبي 4: 4)
  • [ أخيراً أيها الإخوة افرحوا، اكملوا، تعزوا، اهتموا اهتماماً واحداً، عيشوا بالسلام، وإله المحبة والسلام سيكون معكم ] (2كورنثوس 13: 11)

للرب الخلاص ولا يعوز الإنسان أي آخر سواه – انتبهوا وآمنوا بحمل الله رافع خطية العالم.

منذ البداية خلق الله الإنسان على صورته كشبهه وأعطاه حق المثول في حضرته ويمين الشركة معه، ولكن حينما انفصل عن الله بطاعة آخر غيره، انفصل عنه وعاش وحيداً يفتش عن ما ينجيه من الموت ولم يجد آخر، فظهر الله في الجسد بسرّ تواضع فائق أذهل الإنسان جداً، لأن الغير المحوي احتواه جسد، مع أن في الحقيقة هو الذي احتوى كل جنس البشر ونسبهم إليه وضمهم لنفسه ووحدهم به بسر فائق عظيم، لا يُشرح إنما يُذاق حينما يؤمن الإنسان ويقترب من الواحد الذي اتى ليجعل الكل فيه واحد لينالوا قوته الخاصة ويلبسوا مجده الفائق، فتتجدد حياتهم وتتغير…

فالله ظهر في الجسد بكونه هو وحده فقط الماحي الذنوب فعلاً كما قيل في إشعياء النبي [ أنا ἐγώ εἰμι أنا ἐγώ εἰμι هو الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكرها ] (أشعياء 34: 25)
ولنلاحظ يا إخوتي التكرار الموجود في الآية (أنا أنا) ἐγώ εἰμι، إذ يؤكد أن هذا هو اسمه الشخصي الذي تظهر في كلمة الرب الذي يقولها وينطق بها كاستعلان خاص وشخصي عن ذاته والتي أظهرها في إنجيل يوحنا قائلاً [ الحق، الحق أقول لكم ] والحق هنا مطلق، لأنه حق نطق الله.
فيا إخوتي الرب الظاهر في الجسد هو بشخصه وذاته يهوه الذي أكد أنه هو الماحي الخطايا لأجل اسمه، واسمه هو الضامن لعمله فينا كلنا، فهو يُعلن قائلاً: [ إني أنا هو الماحي ذنوبك لأجل اسمي أنا، وخطاياك لا أذكرها ]
لذلك اتعجب كل العجب من أي واحد خاطي يرى نفسه غير نافع أنه يعيش ويحيا مع الله، حينما يُركز على خطيئته، ويرى مدى بشاعتها ويحاول أن يكفر عنها بصوم أو بتقدمة ما، فهذا لن ينفع قط بل وعلى الإطلاق، لأن للأسف كثيرين لا يعوا بعد، بل ولا يدركوا أن الله ضمن الغفران باسمه الخاص…
فهل وعيتم الآن يا إخوتي ما الذي أُعلن وصار لنا !! 
انتبهوا جداً وللغاية لِما هو مكتوب، لأن الأمر عن جد خطير، بل وعظيم ومفرح ومعزي وفيه كنز فائق عميق متسع لنا كلنا، فانتبهوا جداً ولا تشردوا بأذهانكم وتدعوا هذا الأمر الفائق يفوتكم، واصغوا واعلموا المكتوب بتدقيق: [ أما إسرائيل فيخلص بالرب (يهوه) خلاصاً أبدياً، لا تخزون ولا تخجلون إلى دهور الأبد ] (أشعياء 45: 17)

فيا إخوتي للرب الخلاص، وشهادة الروح لنا وإعلانه في القلب، أن الرب الكائن القدير هو خلاص النفس وكما مكتوب في المزمور [ قُل لنفسي خلاصك أنا ] (مزمور 35: 3)، وفي اليونانية تأتي σωτηρία σου ἐγώ εἰμι أنا هو الرب الكائن القدير الذي هو خلاصك.

لا تجزعوا من شيء ولا تخافوا أن تأتوا لحمل الله لأنه هو وحده فقط رافع خطية العالم، لأن من لا يأتي إليه لن تُرفع عنه خطيئته، فلا يظن أحد أنه سيخلص من ذاته ولا عن أي طريق آخر، لا صوم ولا عطية ولا محبة فقراء ولا اي عمل من الأعمال، ولا حتى عن طريق أي شخصية ما، لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا خادم ولا نبي ولا كاهن ولا رئيس كهنة، ولا اي أحد يستطيع أن يُخلِّص غير شخص المسيح الله الظاهر في الجسد رافع خطية العالم…

  • [ إني أنا الرب (يهوه) شافيك אֲנִי יְהוָה רֹפְאֶךָ׃(إني أنا هو الرب الشافي الخاص بك أو المُعالج المعتني بك) ] (خروج 15: 26)
  • [ أنا، أنا هو مُعزيكم (أنا وحدي معزيكم أو مريحكم) ] (أشعياء 51: 12)

[ أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب، وسيعلمون أني أنا هو الرب ] (حزقيال 34: 15)، بمعنى أنه لن يعلم أحد أنه هو الرب إلا لو ظهر بعمله كراعٍ يرعى قطيعه [ الرب راعي فلا يعوزني شيء، في مراعٍ خضر يربضني، إلى مياه الراحة يوردني ] (مزمور 23: 2):

  • [ وأنتِ يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر Who shall be shepherd of my people Israel يرعى keeper شعبي إسرائيل ] (متى 2: 6)
  • [ فلما خرج يسوع رأى جمعاً كثيراً فتحنن عليهم إذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدأ يُعلمهم كثيراً ] (مرقس 6: 34)
  • [ أنا هو الراعي (المدبر) الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف ] (يوحنا 10: 11)
  • [ لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعي نفوسكم وأسقفها ] (1بطرس 2: 25)
  • [ هكذا يقول الرب فاديك، قدوس إسرائيل: أنا الرب (يهوه) إلهك مُعلمك لتنتفع، وأُمشيك في طريق تسلك فيه أو (أنا هو يهوه إلهك علمتك كيف تجد الطريق الذي تسلك فيه) ] (أشعياء 48: 17)

وهذا هو عمل الله الحقيقي الذي يظهر فيه عمل قدرته ووعد أمانته لنا كلنا: [ أُعلمك وأرشدك الطريق التي تسلكها أنصحك عيني عليك ] (مزمور 32: 8)، وهذا ظاهر في تجسد الكلمة: [ قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي ] (يوحنا 14: 6)

  • فيا إخوتي اعرفوا يقيناً أن الرب صادق وأمين: [ أنا، أنا الرب متكلم بالصدق (الحق) ومُخبِّر بالاستقامة אני יהוה דבר צדק מגיד מישׁרים ] (إشعياء 45: 19)، [ اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا، أَنَا (بنفسي وبشخصي) هُوَ وَليْسَ إِلهٌ (آخر) مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ وَإِنِّي أَشْفِي وَليْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ – ראו עתה כי אני אני הוא ואין אלהים עמדי אני אמית ואחיה מחצתי ואני ארפא ואין מידי מציל ] (تثنية 32: 39)

فبعد ما عرفنا الرب الآمين الصادق، الذي يحقق مقاصده، والذي أتى إلينا ليجدد طبعنا البالي، ويجعلنا خليقة جديدة فيه، فكيف لنا اليوم أن لا نُصدق غفرانه ولا نؤمن ونأتي إليه بقلوبنا لنحيا معه !!!
فأعلم يا من تقول أنك خاطي وتصمت، وتحاول أن تتضع اتضاع التقوى الغاشة وتقول أنك غير مستحق، فأن الرب لم يأتي ويعطي غفراناً لمن هو مستحق، بل الكل غير مستحق على الإطلاق، فلم ولن يوجد إنسان مستحق محبة الله في الوجود كله، لأنها مجانية مقدمه منه للغير المستحقين، ونعمة الله غنية وأقوى من خطايا العالم كله مجتمعة معاً، لأن الرب يستطيع ان يغفر ليس خطايا العالم فقط بل لو كان هُناك أكثر من مليون عالم يستطيع أن يغفرها في لحظة بل في طرفة عين، فلا تخضع لفكر الشرير لو ملأ عقلك وجعلك تظن أن دم المسيح غير قادر على أن يمحو خطيتك أنت، لأن هذا تجديف على دم المسيح الرب البار القادر على كل شيء…

  • [ فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب، يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ] (عبرانيين 9: 14)

فأن كنت لم تؤمن بقوة دم حمل الله رافع خطية العالم، آمن الآن فتربح المغفرة وفرح الله يملأ قلبك ونوره يشع في وجهك فتعرفه وتدخل في سرّ الشركة معه [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)
لا تسكثر خطيتك على دم المسيح الساتر الخطايا مهما ما كانت صعبة، فأن كنت ترى خطاياك بشعه فاهرب منها الآن لحضن المسيح الرب، وان كنت تراها كثيرة جداً فاعلم انه مكتوب: [ حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً ] (رومية 5: 20)
فمهما ما كنت مجرم في نظر نفسك وخطاياك بشعة ورهيبة للغاية، وترى أنك بسببها مرفوض أمام الله، فتب الآن فوراً واهرب لحياتك [ أهرب لحياتك لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة، أهرب الى الجبل لئلا تهلك ] (تكوين 19: 17)، فتعالى لصخر الدهور، شخص ربنا يسوع واحتمي فيه لتزول عنك خطيئتك وتبرأ من دائها المميت للنفس، فالرب هو الحياة الذي يقول لكل نفس في كل جيل: 

  • [ ألم أقل لك أن آمنتِ ترين مجد الله ] (يوحنا 11: 40)

الإيمان بالثالوث هل هو ضروري للخلاص، الخلاص ليس هو خلاصاً من العقوبة وحدها.

الإيمان بالثالوث هل هو ضروري للخلاص
الخلاص ليس هو خلاصاً من العقوبة وحدها
رسالة الأب صفرونيوس للقس يوسابيوس مترجمة من المخطوطة القبطية
__________
صفرونيوس عبد يسوع المسيح المُخلِّص، ابن الآب الذي جاء لكي يُخلِّص ويطلب الكل. سلام ومحبة في الرب يسوع المسيح.
أسالك أيها الأب الوقور الحكيم القس المحبوب يوسابيوس أن تذكرني في صلاتك، وأن لا تنسى أن الشركة التي بيننا هي شركة أبدية.
وصلتني رسالتكم، ومعها طلب الإخوة أن أُجيب على سؤال محبتكم: هل الإيمان بالثالوث ضروري للخلاص ؟
والجواب في كلمة واحدة: “نعم“. ولكن، ولأن الرسول بطرس خادم أسرار الإنجيل قد طلب أن يكون لنا جواب حسن عن سبب الرجاء الذي فينا، ولأن الموحَّدين (الذين لا يؤمنون بالثالوث ويعتبرون الله واحد عددياًُ) يحاولون جاهدين استمالة قلوب الضعفاء والصغار الذين لم ينالوا بركة وقوة التعليم وبركة المعرفة، نشرح الإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الرب يسوع، ومن القديسين.

أولاً: الخلاص ليس هو خلاص من العقوبة وحدها، بل هو نوال التبني وميراث الملكوت، وعطية الروح القدس.
وهكذا نسأل أنفسنا: هل الله واحدٌ فقط ؟ أم أن الله واحد في ثالوث ؟ لأننا إذا حاولنا أن نحصر التعليم عن الله في إله واحد فقط (إله واحد عددي جامد جمود الشيء)، فقدنا عطية الروح القدس؛ لأن الواحد (الجامد العددي المحصور في رقم 1) إذا أعطى ذاته لم يعُد هو العاطي، بل العطية.

وإذا تصوَّر أيٌ منا أن العاطي هو العطية واختصر التمايُز بين العاطي والعطية، ضاع منه إعلان المحبة.ولأن العاطي والعطية – كائنين – كلاهما ذات المحبة وذات الجوهر، صارت المحبة أقوى؛ لأن محبة أثنين ليست كمحبة واحد (هنا يتم الشرح لا على أساس أن الله شخصين أثنين، لأن الله لا واحد ولا 2 ولا 3 ولا أي رقم يعبر عن وحدانية الله ولا عن طبيعته كثالوث، الأب صفرونيوس يحاول فقط تقريب المعنى ويشرح المفهوم ولا يقصد أن يحد الله في رقم أو عدد).
والأهم من هذا هو أن الواهب والعاطي يُعطي آخر، فالآب يُعطي الروح القدس كما أعطانا الابن أيضاً؛ لأننا نأتي إلى الله كعبيد خطاة ونُهَب عطية الروح القدس لكي نحيا كأبناء. ولو كانت البنوة غير كائنة في الجوهر الإلهي لتعذر علينا أن نقول إنها عطية أبدية، ولكن لأن الله الآب هو آب الابن الوحيد ربنا يسوع المسيح، صارت عطية التبني عطية أبدية؛ لأن أساسها ثابت في الله، أي في جوهره.
ولأن الابن ” لبس الجسد “، صار الجسد هو الأداة التي بها يوهب التبني الأبدي للإنسان. ولذلك كان من الضروري أن نُميز بين الأبوة في الآب والبنوة في الابن، وهو متعذر علينا إن استخدمنا كلمة [ الله واحد ] واكتفينا بها؛ لأنها لا تشرح أي شيء خاص بالخلاص، بل هي جيدة جداً عندما نتكلم عن الله كخالق، ولكنها بلا قوة إذا تكلمنا عن الله كمخلص وفادٍ.

ثانياً: إن التوحيد تعليم عن الله كخالق، وهو ما نقبله، ولكنه ليس تعليماً عن الله كمخلص وفادِ، ولذلك يجب علينا أن نسأل: هل يُمكن أن نُعلِّم بالله الواحد كخالق، ونقول إنه هو نفسه المُخلِّص؟
والجواب هو كيف نتصور موضوع الخلاص، إذا كان الخلاص من واحد (جامد) ؟
لأن من يُعطي من كيانه ليس كمن يعطِ شيئاً خارجاً أو بعيداً أو مختلفاً عن كيانه؛ لأن ما هو غير الله لا ينتمي إلى كيان أو جوهر الله، بل هو من الطبيعة المخلوقة التي خُلقت من العدم. ولكن، ولأن الخلاص هو حياة الله نفسه وقد انسكبت في الإنسان لكي يُثبَّت الإنسان إلى الأبد في شركة أبدية، فقد جاء انسكاب حياة الله فينا ولنا بنوة وعطية من الآب؛ لأن البنوة في الآب والعطية في الآب، ومن الآب جاء الابن إلينا وتجسد، ومن الآب وُهِبنا الروح القدس.

لذلك علينا أن نسأل أنفسنا: 
كيف نتصور الخلاص ؟
هل هو علاقة خارجية مع الله، أم هو شركة في الله نفسه ؟ أي شركة تحوَّل كياننا المخلوق من العدم إلى شركة تبني. ولذلك، لولا وجود بنوة في جوهر الله، ولولا وجود ابن الله الأزلي لتعذَّر علينا أن نتكلم عن تبني الإنسان، لأن الآب يُعطي ما يملُك ويجود بما لديه، وهو لا يشركنا في شيء خارج كيانه ولا يجود بعطية مخلوقة؛ لأن ما هو مخلوق يفتقر إلى البقاء. فإذا كانت نعمة الله الغنية أبدية، صار التبني هو شركتنا في الآب، أي أننا ننال البنوة من الآب في ابنه يسوع المسيح.

ثالثاً: وماذا عن عطية الروح القدس الذي قال عنه المُخلِّص: [ أطلب من الآب أن يُعطي لكم مُعزياً آخر روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، أمَّا أنتم فهو ماكث معكم ويدوم فيكم إلى الأبد ] (يوحنا 14: 17)
نحن ننال الروح القدس لأنه روح الآب، وهو عطية سُكنى الله فينا، فقد حل ملء اللاهوت جسدياً عندما تجسد ابن الله، ونقل حلول اللاهوت فينا على هذا النحو:
  • [1] منحنا أن ننال ذات الطبيعة الجديدة التي كوَّنها الروح القدس نفسه في أحشاء والدة الإله القديسة مريم، ولذلك نحن نولد [ ليس من مشيئة رجل، ولا من دمٍ ولحم، بل من الله ] (يوحنا 1: 13). وعندما نولد على مثال وشبه ميلاد الرب يسوع، فإننا نأخذ من الابن ذات الطبيعة الإنسانية الجديدة التي توهب بالروح القدس، فنصير شركاء المسيح وشركاء شكله (*) .
  • [2] ولأن الرب يسوع أكمل عمله وأسس الخلاص وثبَّت الشركة، لذلك أخذنا نحن الروح القدس بعد صعوده المجيد، أي نفس الروح الذي كوَّن إنسانيته وجعل إنسانيتنا على مثال إنسانيته لكي نشترك في الابن المتجسد وننال شركة في بنوته تفتح لنا أحضان الآب حيث روح الآب نفسه. ولذلك الروح القدس شريك خدمة الخلاص المساوي للابن له المجد والمساوي للآب.
ونحن هنا لا نشرح سبب وجوده في الجوهر الإلهي؛ لأن هذا فوق طاقة أي إنسان، كما أنه فوق كل طاقة وقدرة أي إنسان أن ينكر وجوده الإلهي؛ لأنه روح الأنبياء حسب كلمات الإيمان (قانون الإيمان) [ الرب المُحيي الناطق في الأنبياء ]، ولذلك نحن نوهَب روح النبوة نفسه لكي نتعلم أسرار الله، وندرس الكتب المقدسة، ونقتني المواهب السماوية التي تؤهلنا للحياة في هذا الدهر، وفي الدهر الآتي لاسيما موهبة معرفة أسرار الله.

هنا يجب أن نسأل: هل التعليم بالخالق الواحد (العددي الجامد) يشرح الخلاص على هذا النحو المُعلن في بشارة الحياة، أي الإنجيل ؟
والجواب واضح لكم، وهو أنه من المتعذَّر على مَن يُريد الشركة في الحياة الإلهية أن يؤمن بإله واحد (جامد) فقط، لأن توحيد الخالق يكشف فقط عن الإيمان بخلق العالم، أمَّا التوحيد المُثلث، فهو رسالة الخلاص والحياة الأبدية.

هنا، ومن أجل أن يكون التعليم كاملاً، أُحذركم من خداع الموحدين (الذين يحبسون الخالق تحت رقم واحد جامد) لأن هؤلاء يُحاولون اقتحام حياة الله تحت ستار حياة نُسكية تُشبه الحياة التي أخذناها من الآباء الحُسنى بالإيمان، وهو زُهد يؤهَّل الإنسان لعبادة الإله كخالق، ولكنه لا يؤهَّل الإنسان لحياة البنوة.

وعندما قال الرسول يوحنا: [ نحن أولاد الله ]، ولذلك لا يعرفنا العالم، أي لا يفهم علاقتنا الخاصة بالله كمُخلِّص وكآب؛ لأن العالم يستطيع أن يعرف خالقه، وفي نفس الوقت يجهل أن الخالق هو المُخلِّص، ولذلك يُكمل الرسول [ نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكننا نعلم أن متى أُظهر سنكون مثله لأننا سنُعاينه كما هو ] (يوحنا الأولى 3: 1 – 2)

نحن ندخل الحياة النسكية (كرهبان) مُتشبهين بالذين كان الثالوث نور الحياة الأبدية فيهم: أنطونيوس الكبير، ومقاريوس المصري، والسكندري، وبولس المتوحد، وباخوميوس أب الشركة، والذين سبقونا في الإيمان من الآباء الذين عشنا معهم، وعنهم أخذنا الإيمان والحياة النسكية.

لذلك أيها الإخوة الأحباء أحذروا كل ضلال يستتر تحت ستار النُسك والزُهد؛ لأننا لا نرث ملكوت الله بالأعمال الصالحة، ولا ننال التبني بمعرفة، بل 
بعطية من الآب تغرس فينا المعرفة، ولا ننال سُكنى اللاهوت فينا عنوةً، بل بالخلاص الذي مُنح لنا في يسوع المسيح بالروح القدس.

خاتمة: أيها الأب الوقور (القس المحبوب يوسابيوس)، ثبت الإخوة، وانذر الذين يظنون أنهم يعرفون الأمور السماوية بإعلانات تُخالف ما هو مُسَلَّمٌ لنا في الأسفار المُقدسة، مُتذكرين كلمات الرسول بولس [ إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به، فلتكن هذه البشارة ملعونة ] (راجع غلاطية 1: 8)

وسلام الله الكامل يملك على قلوبكم، ويحفظنا معكم في الإيمان المستقيم. صلوا لنا لكي نُكمل جهادنا، ونرث ملكوت الله الذي وعدنا به الرب يسوع المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين

_____انتهت الرسالة_____
رسالة الأب صفرونيوس إلى القس يوسابيوس

من كتاب الثالوث القدوس توحيد وشركة وحياة – الطبعة الأولى 2010 من فقرة 1 إلى 7

________________________

(*) راجع قسمة القيامة للابن [ فليُضيء علينا نور معرفتك الحقيقية لنُضيء بشكلك المُحيي ]، وراجع صلاة الخضوع للآب قبل التناول في القداس الكيرلسي [ إذ نصير شركاء في الجسد وشركاء في خلافة مسيحك ].

 

سيناريو الخلاص. دراسة كتابية آبائية ليتورجية مبسطة.

المحتويات

مقدمة 
مراجع الدراسة 
روحانية العقيدة 
مصدر العقيدة 
غاية الخلق 
ما معنى صورة الله ؟ 
سيناريو السقوط: 1 ـــ تشوه الصورة الإلهية 
المسيح والإنسان … صورة الله 
الصورة … على الصورة 
نعمة الصورة عند القديس كيرلس عمود الدين 
نعمة الصورة عند القديس اثناسيوس الرسولى 
النعمة ، ما هى ؟ ، وما هى غايتها ؟ 
سيناريو السقوط: 2 ــــ فساد الطبيعة البشرية 
سيناريو السقوط: 3 ـــــ تسلط الموت 
لماذا الله ؟ 
سيناريو الخلاص: استرداد الصورة الإلهية وتجديد الطبيعة
هو أخذ الذى لنا وأعطانا الذى له 


لتحميل الدراسة (اضغط هنا)

المسيح المتألم صاحب الخلاص الشامل

المسيح المتألم صاحب الخلاص الشامل

المسيح المتألم صاحب الخلاص الشامل

 

مكتوب في احد التفاسير اليهودية القديمة حوار فلكلوري بين المسيح والله، توضح كيف رأوا المسيح من خلال النصوص المقدسة.

– بسيكتا رابتي (פסיקתא רבתי) (36)، (161b-162a)
[القدوس المبارك (الله) سيخبره (المسيح) بما سيحدث معه، هذة الارواح المخفية (المقصود هو جيل المسيح) التي معك فخطاياهم ستحنيك تحت نير الحديد وستجعلك كعجل برزت عيناه من المعاناة، وستُخنَق روحك تحت المعاناة، وبخطاياهم سيلتصق لسانك بسقف فمك، هل تقبل هذا؟

قال المسيح امام القدوس المبارك هو (الله): ربما هذة المعاناة تكون لسنوات كثيرة! قال له القدوس المبارك هو (الله): بطول حياتك وبحياة رأسي لكن اسبوع (من السنين) امرت، لكن لو ان نفسك حزنت فإني سأفنيهم الآن..

قال المسيح امامه: يا معلم هذا العالم، بفرح روحى وسعادة قلبي انا اقبل تلك المعاناة على نفسي، حتى لا يفنى احد من إسرائيل، ليس فقط الاحياء سيُخلَصون في ايامي، ولكن حتى المخفيين في التراب، وليس الاموات وحدهم يَخلُصوا بأيامي ولكن ايضا الاموات الذين ماتوا من ايام آدم الاول وحتى الآن (وقت الخلاص)، وليس هؤلاء فقط يُخلصون في ايامي، ولكن الذين ماتوا في الاجهاض يَخلُصوا بأيامي، وليس هؤلاء فقط يُخلصون في ايامي ولكن كل الذين نويت ان تخلقهم ولم يخلقوا بعد.

هذا ما اريده، هذا ما سأقبله علىّ. وفي تلك الساعة يعدّ القدوس المبارك (الله) له (للمسيح) الاربع حيوانات الذين سيحملوا عرش المجد الذي للمسيح.

في السباعية التي يأتي فيها ابن داود (للمسيح) سيجلبون (إسرائيل) جسور الحديد ويضعوها على رقبته حتى ينحنى جسده … وفي تلك الساعة يبكى داود (المسيح ابن داود) ويقول :”يبست مثل شقفة قوتى”(مزمور 22: 15) ،في هذة الساعة، يقول له القدوس المبارك (الله): إفرايم، مسيحى البار، انت بالفعل قبلت هذا (الآلام) منذ ايام الخلق الستة، الان الآمك ستكون كالآمى.]

هناك عدة ملحوظات على ذلك النص
1- يتضح تماما ان موضوع آلام المسيح هو فكر اصيل في الادب الربواتي وهو مبني بالاصل على نبوات الكتاب المقدس وفي تلك القطعة نرى اقتباسات من مزمور 22.
2- خلاص المسيح خلاص شامل فليس الخلاص مقتصرا على جيله وانما لكل من قبله ولكل من بعده.
3- عمل المسيح هو حمل الخطايا وكما يقول احد ربوات العصر الاوسط ان السبب في حمل المسيح للخطايا إنه لو ان اسرائيل تحملت العقاب عن خطاياها فإنها ستفنى، فلابد للمسيح ان يأتي ويتألم حاملا الخطايا عن اسرائيل لانقاذها. هذا الفكر صحيح ولكنه غير شامل، فالحقيقة ان المسيح حمل عقاب العالم كله وليس اسرائيل فقط.

 

المسيح المتألم صاحب الخلاص الشامل

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

إن السؤال المتعلق بمصير الذين لم يسمعوا بالإنجيل مطلقاً سؤال يتكرر على مسامعنا. فمنذ يوم الخمسين،عاشت وماتت أعداد سكانية وجماعات عرقيّة بدون أن تتاح لها الفرصة للسماع عن عطية يسوع المسيح بالخلاص. وتوجد مجموعات بشرية حتى في فجر القرن الحادي والعشرين ممن لم يصلهم الإنجيل. كيف يردّ الكتاب المقدس على السؤال المتعلّق بهؤلاء الذين بدون أي ذنب منهم لم يسمعوا مطلقاً بالإنجيل؟

وليس مستغرباً ألا نجد البتة توافقاً في العالم المسيحيّ على هذه القضية. وبعد أن عُقِد المجمع الفاتيكاني الثاني، إنتقلت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في إتجاه إحتوائي يسمح للناس أن يحصلوا على النعمة المخلصة بواسطة تطبيق مخلص لمبادئ دين غير مسيحي. لكنّ الكنيسة الكاثوليكية تصر على أن الإنسان الذي يتأثر بأي نوع من أنواع النعمة فإنها مع ذلك نعمة مسوقة من الأديان العالمية بسبب وجود كنيسة روما الكاثوليكية في العالم.

وليس ذلك فحسب بل إن بعض الفئات الإنجيلية المتحررة تمضي إلى أبعد من ذلك بكثير حتى إنها تتبنى مبدأ الشمولية معتقدة بأن كل الناس سوف يخلصون في النهاية، على الرغم من معتقداتهم الدينية أو عدم وجودها. ومن ناحية ثانية، فإن الآخرين الذين يؤمنون بأن سماع بشارة الإنجيل أمر ضروريّ للخلاص شكلوا نظماً لاهوتيّة خلاقة أطلقوا عليها أسماء مثل الإرسال الكوني، المعرفة الوسطى، والتبشير الأُخروي للقول بأن الله ينشر رسالة يسوع حيثما يفشل جنوده في الذهاب، وذلك من خلال أساليب معجزية أو بواسطة مؤسسات غير مسيحية.[‌أ]

توجد وجهة نظر يفترض فيها أحد دارسي الكتاب أن الله بعلمه اللامحدود عَرَفَ (حتى لا نقول عيّن أو إختار) من في النهاية سيقبل الإنجيل أو يرفضه. وهكذا، وضع بعنايته أولئك الذين سوف يقبلون البشارة تحت ظروف تسمح لهم بسماع الإنجيل وقبوله. أما الذين لن يقبلوا الرسالة فقد ولدوا بكل بساطة في أوقات وأماكن لم يكن ممكناً للإنجيل أن يصل إليهم وهم فيها طيلة حياتهم. 

هذا ولا تغطي الأمثلة السابقة جميع وجهات النظر، لكنّها توضح نطاق اتساع الآراء بشأن مصير الذين لم يسمعوا برسالة المسيح المخلّصة. ومن الظاهر أن الناس غالباً ما يتمسكون بقناعات تتوافق مع إيمانهم عن طبيعة رحمة الله وعدله، وليس مع تعليم كتابيّ واضح. وهكذا يتناول كثيرون الكتاب المقدس وفي ذهنهم افتراضات مسبَقة عما يمكن لله أن يفعله أو لا يفعله ومن ثمّ يفرضونها على الدليل الكتابي.

إنّ الغرض من هذه المعالجة للموضوع هو تقديم نظرة مدعومة بالأدلة عن هذه المسألة. فنحن نعتبر أن الكتاب المقدس يجب تفسيره بكل بساطة بشكل حرفيّ وهذا ممكن إلا إذا كان سياق النص وطبيعته الأدبية نفسها توجب ما سوى ذلك. ويعامل هذا المنحى التفسيري النص بشكله الطبيعي موضّحاً المعنى الطبيعي والمنطقي له بغض النظر عن إمكانية إستخدام الرموز الأدبية والإستعارات والمبالغات والتشخيص وإلى غير ذلك من أساليب أدبية.

 

مسيح الأدلة الكتابية

تؤيد الأدلة الكتابية الحقائق التالية:

  • إن الإنسانية الهالكة تشوّه باستمرار الإعلان الطبيعي الذي يبيّن حقيقة عيش الناس تحت غضب الله (راجع رو ١׃٨–٢٣). بالتالي فإن الإنسانية ميتة في الخطية ومبعدة عن معرفة الله الخلاصية (راجع رو ٣׃٩–٢٩، ٢٣).
  • جميع الناس هم تحت قضاء الله وهكذا بالطبيعة هم أبناء الغضب (راجع رو ١׃١٨–٢٠؛ ٢׃١؛ ٣׃٩–٢٤؛ ٥׃١٢–٢١؛ ١١׃٣٢؛ غل ٣׃٢٢؛ أف ٢׃١–٣، ١٢؛ كو ٢׃١٣–١٤؛ ١بط ١׃١٨؛ ٢ بط ١׃٤)
  • جميع البشر هالكون بدون المسيح وهم بلا رجاء (راجع مز ١٦׃١–٢؛ أف ٢׃١٢).
 

لكن:

  • الخلاص هو عطية مبنية على الإيمان لأي إنسان يضع ثقته الشخصية في المسيح ( راجع يو ١׃١٢؛ ١٤׃٦؛ أع ٤׃١٢).
  • تقع الدينونة الحتمية على كل إنسان يرفض التجاوب مع الإنجيل (انظر يو ٣׃١٨؛ ٥׃٢٣–٢٤؛ ١ تس ٢׃١٦).

إن النقاط التي سبق ذكرها أعلاه هي إفادات كتابية صريحة بشأن حالة الإنسانية وهبة الله الخلاصية في إبنه وبالتالي فهي تقود إلى تشاؤم كبير حول مصير هؤلاء الذين لم يسمعوا بشارة الإنجيل قط. ويرثي جون نيوبورت لحالة “الذين لم يسمعوا البتة عن شخص المسيح التاريخي” فيقول:

من الواضح أن أناساً كهؤلاء لا يمكن أن نتوقع منهم الإيمان بقصة لم يسمعوها قط. لكن كما يؤكد بولس في رومية ١ بأنه حتى هؤلاء الذين لم يسمعوا الإنجيل البتة لديهم إعلان عن المسيح الكوني في ضميرهم وفي الطبيعة، ويصرّح بولس بحزن أن هؤلاء في غالبيتهم العظمى لم يقبلوا حتى مقدار النور هذا ولم يتبعوه وبالتالي فهم أيضاً قد رفضوا المسيح.[‌ب]

أما فكرة نيوبورت فهي أن جميع الناس بحكم عيشهم ضمن خليقة الله، قد حصلوا في الحقيقة على إعلان لوجهة معينة من المسيح مبينة في نطاق الإعلان الطبيعي. ولا يوضح لنا ما إذا كان تعرضهم هذا يؤدي إلى سماعهم للإنجيل أم لا، لكن بدون أدنى شك، فإن استنتاجه هو التالي: إنّ رفض دليل المسيح الكوني في الطبيعة من قبل الإنسان الذي عاينها يعني رفضاً للإنجيل. وبشكل مشابه يلاحظ كارل ف. ه. هنري قائلاً:

إن الفلسفات العالمية والديانات غير الكتابية هي بالحقيقة تفاعل مع الإعلان العام لكنها تفاعل من شغل الطبيعة البشرية المتمردة لا المطيعة. والنظرة المشوَّهة إلى الله التي تتضمنها بالتالي هذه الاجتهادات في صميمها لها نتائج مختزلة ومشوهة تتعلّق بطبيعة الوجود والحالة البشرية.[‌ج]

 

إن تصريح بولس عن دينونة اليهود والأمم على السواء في رومية ٢ هو على صلة مباشرة مع هذا الموضوع إذ إن تركيز حجته هو أن الناس سيدانون أمام عرش قضاء الله (راجع رو٢׃٣–١٠). ويستعرض بولس المبدأ الثابت الذي يظهر عدم تحيّز الله ومن ثمّ يمضي فيصرّح بكل وضوح أنه:

لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ (رو ٢׃١١–١٦).

 

إن المعنى الأساسيّ لهذا النص ملفت للانتباه. فبغض النظر عن وصول بشارة الإنجيل إلى الناس، فإنهم يولدون في هذا العالم وبهم قناعة عن مستويات الله الأخلاقية العالية التي يعبّر عنها في مكان آخر بأنها ناموس الله المكتوب في قلوبهم. وتكفي هذه القناعة لتحكم عليهم في يوم الدينونة.[‌د] ومن المهم أن نفهم ذلك لأن الناس لديهم وعي باطنيّ لمطاليب الله من جهة البرّ كما هي واردة في الناموس حتى ولو لم يسمعوا بشارة الإنجيل وهكذا ليس عندهم عذر للمضيّ في شرّهم.

 

فبحسب الرسول بولس، أن يعلم الإنسان الناموس باطنياً معناه أن يتمكّن من فهم أن الإنسان عاجز عن تميم كل مظاهر الناموس. ويذكر لامحاباة الله في انتقال أدبيّ مثير. وليس الهدف من ذلك الدلالة على تقديم النعمة الشاملة إنما لتذكير قرائه بأن الله عادل تماماً في دينونة الذين يرفضونه. أما السؤال الذي يجيب عنه هذا المقطع فهو التالي: هل سيخلص كل الناس في يوم الدينونة بسبب العمل الباطني للناموس المكتوب في قلوبهم؟ وكما لاحظ الرسول سابقاً إنه يشكك بشكل كبير بكفاية أي شاهد يقوم في الإنسان على تهدئة غضب الله والهرب من دينونته (راجع رو ٦׃١٢–١٣؛ غل ٣׃٨–١٤).

 

في ضوء هذه الأدلة لا مفرّ لنا من الاستنتاج أن الناس الذين لم يحصلوا على فرصة للاستماع للإنجيل هم تحت دينونة. فبغض النظر عن صعوبة هذا الأمر، علينا أن نترك تعليم الكتاب الواضح ليتغلب على أي استعداد شخصيّ لتشويه الحقائق من منطلق الشفقة التي في غير محلّها.

 

فمع كل الخطورة، نرى بأن في الكتاب المقدس ما دعاه البعض بفكر ثاقب “نمط متواصل لقلة في الفداء وكثرة في الدينونة.”[‌ه] ويصرح بطرس لنا في ٢ بط ٣׃٩، ” لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ.” (راجع أيضاً حز ١٨׃٣٢؛ ٣٣׃١١). هذا المقطع مليء بالرجاء والتشاؤم الخطير في وقت واحد، لأنه من الواضح أنه لن يقبل الجميع إلى التوبة بالرغم من مشيئة الله الصالحة (انظر أف ٥׃٥–٦؛ ٢ تس١׃٦–١٠؛ ٢ بط ٢׃٩) وكثيرون سيهلكون ( انظر مت ٧׃١٣؛ ١٣׃٤١–٥٠).

 

هكذا يجب علينا، من أجل الهالكين، أن نجعل التأثير الكامل لهلاك البشرية يسيطر على فكر الكنيسة وقلبها. ولاشك بأن الكنيسة في القرن الأول أدركت معنى ذلك تماماً مع أنه أمر محزن[‌و]. فالمسيحية ولدت وسط عالم متنوع دينياً كعالمنا اليوم ومع ذلك فإن المسيح يسوع ارتفع كمخلص البشرية الأوحد وسط خلفية التعددية الدينية، والمسيحية لم تكن سوى حركة تحدرت من اليهودية بالجهد لاحظتها الامبراطورية الرومانية ومع ذلك فقد رفع المسيحيون بشكل مستمر المسيح كالمخلّص الأوحد للعالم بلا مساومة.

 

يترتّب على ذلك أن الكتاب المقدّس يركّز هكذا على حاجة البشر لسماع الإنجيل فعلياً. فقد آمن بولس بذلك بشكل أكيد عندما تكلّم عن الهالكين إذ سطّر شعوره في الكلمات التالية: “فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ ” (رو ١٠׃١٤).

ولنلاحظ أن الرسول يطرح أسئلة بلاغية فحواها استحالة المثلثة الوجوه ترتكز جميعها في النهاية على تواجد كارز للإنجيل؛ فبولس يقول ما مغزاه في الأساس أنه بدون كارز للإنجيل: لايمكن للهالكين أن يسمعوا البشارة؛ وهكذا لا يستطيعون أن يؤمنوا؛ وبالتالي لا يقدرون أن يدعوا باسم الرب. والآية مشبعة بالمضامين: فهي تعلن أن الإنسانية هالكة، وهي بالتالي غير قادرة حتى على المناداة في يأسها إلى أن تتحرك النفس الهالكة نحو التوبة من خلال الإعلان الأمين لبشارة الإنجيل من قبل وعّاظ الله (انظر أيضاً أع ٨׃٣٠–٣٩)[‌ز].

 

في ضوء هذا الواقع الهام، يكشف لنا الكتاب أربعة دوافع على الأقل للمشاركة بالإنجيل:

  1. محبة الله يجب أن تدفعنا لإعلان البشارة (انظر لو ١٠׃٢٧؛ ٢ كو ٥׃١٤؛ غل ٥׃١٤).
  2.  يجب أن تدفعنا لبشارة الإنجيل محبتنا للخطاة الذين يتوقف مصيرهم الأبديّ على ذلك (انظر لو ١٠–٢٧).
  3. يجب أن تدفعنا الطاعة لوصية المسيح العظمى لتبشير العالم (انظر مت ٢٨׃١٨–٢٠؛ مر ١٦׃١٥–١٦؛ لو ٢٤׃٤٦–٤٩؛ أع ١׃٨).
  4. ما يدفعنا أيضاً لإعلان البشارة هو محاسبتنا في المستقبل على إخفاقنا في إيصال الرسالة (انظر حز ٣٣׃١–٩؛ أع ١٠׃٤٢؛ رو ١٠׃١١–١٥؛ ١ كو ٩׃١٦–١٧).

 

الخاتمة

لم نحاول في ما سبق من دراسة قصيرة أن نجيب عن كل الأسئلة المتعلقة بمصير الناس الذين لم يتسنّ لهم سماع رسالة الإنجيل. فعلى سبيل المثال، ما هو مصير الأولاد الكثيرين الذين أُسْقِطُوا أو ولدوا أمواتاً؟ وهناك أيضاً سؤال عن مصير الأولاد الذين عاشوا لكنهم لم يبلغوا سن التمييز والمسؤولية، هذا إذا تغاضينا عن السؤال الصعب المتعلّق بمصير أولئك الذين لا يقدرون على إستيعاب الإنجيل بسبب تخلّفهم العقليّ. وهكذا فإن هذه الدراسة المقتضبة لا تحاول ولا بأي شكل من الأشكال أن تعالج مسائل أوسع كتلك.

لكن عندما يتعلّق الأمر بالناس الذين يتمتعون بكامل القدرات العقلية في التفكير والتأمل بحالتهم في هذا العالم، هناك حقيقة لا يمكن رفضها بشأن البشرية الساقطة وهي أن الناس هالكون بالطبيعة وبالاختيار الإرادي على حد سواء. وهكذا فإن الكتاب المقدس يقدم رجاء الفداء كبديل لحتمية الهلاك في الجحيم.[‌ح] 

وفي حين أننا نعلم أن الله لم يعلن لنا فكره بشكل كامل يبقى أن ما أعلنه لنا مُحَدَّد بما فيه الكفاية: فالله قد إختار أن يُخَلّص الناس عن طريق إسماعهم بشارة الخلاص وتجاوبهم معها. [‌ط] لكنه لم يوضح لنا أي طريقة بديلة في الكتاب المقدس. لكن إذا ما كان العالم غير مدرك لحالته الخطيرة تلك فالله يُحَمِّّل الكنيسة مسؤولية إعلان البشارة للهالكين.

 
 

[‌أ] المعروفة بمواقف الرجاء الأوسع، التي يؤكد مؤيدوها أن الله يقدّم عطية الخلاص في المسيح حتى ولو لم تشارك الكنيسة في إعلانها. جون ساندرز، “الإجابات الإنجيلية عن الخلاص خارج الكنيسة” ” Christian Scholar’s Review, XXIV:I (September 1994): 45-58.

[‌ب] غاية أسئلة الحياة ، جون نيوبورت (جراند رابيدز: بيكر، ١٩٨٩) John Newport, Life’s Ultimate Questions, (Grand Rapids: Baker, 1989), 312.

[‌ج] كارل ف. هـ. هنرى ، “هل هذا عدل؟” وليس من ذنب إقترفوه؟ مصير أولئك الذين لم يسمعوا قط ، ويليام ف. كروكيت و جايمس جـ. سيجونتوس ، محررات ، ٢٥٢ Carl F. H. Henry, “Is It Fair?” Through No Fault of Their Own? The Fate of Those Who Have Never Heard, William V. Crockett and James G. Sigountos, eds., 252.

[‌د] “لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً ” (رو ٢׃١٤–١٥) يجب فهم إفادة بولس السابقة على أنها إشارة إلى التطبيق الزمنيّ للناموس عندما يفهم بشكل حدسيّ. هكذا فإن بولس يقول بأن الأمم الذين تحكم عليهم مقاييسهم الأرضية إذ يعيشون بحسب ناموسهم أو يُنَاقِضُونَهُ يُظْهِرُون أن لديهم شهادة لمقاييس الله المقدسة. وفي النهاية، فإن محاولاتهم الفاشلة لتمثيل البر بحسب مقاييسهم تؤدي فقط إلى إدانتهم، تماماً كما لو كانوا سمعوا بشارة المسيح ورفضوها لتوّهم.

[‌ه] R. Douglas Geivett and W. Gray Phillips, “A Particularist View: An Evidentialist Approach,” Four Views on Salvation in a Pluralistic World, D. L. Okholm and T. R. Phillips, eds., (Grand Rapids: Zondervan, 1995), 238. تتضح وجهة النظر الحصرية (الجزئية) في هذه المقالة.

[‌و] لاحظ إهتمام بولس العميق بإسرائيل، (انظر رو ٩׃٣–٤) المتساوي مع إهتمامه بالأمم (انظر ٢ كو ٥׃١٨–٢١؛ ٦: ١١–١٨) 

[‌ز] غالباً ما يُشار إلى ١ تي ٢׃٤ على أنها مثال عن مقاصد الله في تقديم الخلاص للجميع. ولكن يجب أن نلاحظ أن بولس يعطي هذا التصريح في وسط دعوته إلى الصلاة من أجل إستمرارية السلام للأمن المدنيّ. ففي سياقها (انظر ١ تي ٢׃١–٧)، الآية واضحة فالعالم المستتب سيسمح للمؤمنين بإتمام رغبة الله في تقديم الخلاص للجميع من خلال الإعلان الحرفي عن الإنجيل. وهكذا فإن هذه الآية تتناغم مع رومية ١٠׃١١–١٥.

[‌ح] يدرك الكاتب أوسع وجهتي النظر بين الذين يعتقدون أن الكتاب المقدس يُعَلِّم عن الجحيم، وهما التقليدية والشرطية. ففي حين يعتقد معظم المعمدانيين أن العقاب هو أبدي- وهذه وجهة النظر التقليدية- فإنه توجد إختلافات في الرأي عن شدة العقاب. انظر Robert A. Preston “Hell: Annihilation or Eternal Torment?” Christianity Today (October 23, 2000), 29-37. 

[‌ط] الطرق الأخرى التي يمكن إيصال الإنجيل بها تتضمن المطبوعات، الراديو، التلفاز والإنترنت، إلخ.

الذين لم تصلهم رسالة الإنجيل من قبل – رودولف د. غونزالس

الخلاص والإيمان في اللاهوت ألقاب المسيح – متى المسكين

الخلاص والإيمان في اللاهوت ألقاب المسيح – متى المسكين

 

 

الخلاص والإيمان في اللاهوت ألقاب المسيح – متى المسكين

Exit mobile version