الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا
 
1 – تمهيــــــــــــــــــــد

 

  • [ لا بأعمال في برّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ] (تيموثاوس 3: 5)

هذا هو سرّ خلاصنا كله، وهو أن ندخل في سرّ الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، وبما أن هناك ميلاد يبقى هناك أولاد، لذلك قال الرسول: [ لأن المُقدس والمقدسين جميعهم من واحد فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً: أخبِّر باسمك إخوتي وفي وسط الكنيسة أُسبحك. وأيضاً أنا أكون متوكلاً عليه وأيضاً ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله. فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس. ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية. ] (عبرانيين 2: 11 – 15)

لذلك عند آباء الكنيسة المتذوقين خبرة حلاوة الميلاد الثاني، ودخلوا في سرّ التجديد المستمر، فأنهم اهتموا بعقيدة الخلاص وأظهروا ارتباطها بسرّ التبني، لذلك أكدوا على أن الخلاص بالتبني، وأظهروا أن غاية الخلاص هو التبني، فموضوع خلاصنا هو التبني، وهذا هو سبب تجسد الابن الوحيد، لكي باتحاده بنا بكونه هو وبشخصه ابن الله طبيعياً وبطريقة منفردة خاصة للغاية، نكون نحن فيه شركاء البنوة لأنه صار واحداً معنا ليشع فينا بنوته الفريدة والمُميزة فنصير فيه ابناء الله، طبعاً المسيح ابن الله بصفته اقنوم ولكننا نحن منتسبين إليه بسبب وحدته معنا حسب قدرته هو بالتجسد، وبذلك وهبنا عطية البنوة فيه فصرنا ابناء الآب في الابن الوحيد وبذلك صار خلاصنا مضموناً ومؤكد…


ويقول القديس إيريناؤس: [ صار كلمة الله ربنا يسوع المسيح بحبه الفائق على حالنا، لنصير نحن على حاله ]؛ [ بالابن الوحيد نلنا العلاقة مع الآب وبهذه العلاقة صرنا ننتمي إليه، وذلك بتجسد الكلمة ودخوله في شركة معنا ] (ضد الهرطقات 5: المقدمة) (ضد الهرطقات 3: 18: 7)

  • [ أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله ] (1يوحنا 3: 1)

التبني عطية إلهيه ثمينة نحصل عليها بالاتحاد السري بشخص المسيح ابن الله الوحيد: [ وأما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. أي المؤمنين باسمه ] (يوحنا 1: 12)

ونلاحظ أنه في إنجيل القديس يوحنا، لا يُستخدم كلمه ” ابن υὶός ” إلاَّ للمسيح – له المجد – فقط، ولكن بالنسبة لكل من قبله وآمن به استخدم كلمة أولاد الله τέκνα θεου، وقد أتضح لنا من خلال الكتاب المقدس أن التبني هو ” شركة طبيعة “، وهُنا نرى أنه هناك فرق واضح وجوهري ما بين بَنَوية شعب إسرائيل لله، وبنوية شعب المسيح، فالأولى بالميراث الجسدي، وأما الثانية – أي بنوتنا لله في العهد الجديد، بالميلاد الروحي في المسيح يسوع !!!

ولنا أن نعلم إن هذه العطية العظمى والثمينة جداً، ليست مجرد علاقة مجازية أو تشريف أدبي، ولا علاقة عابرة تحكمها المشيئة البشرية أو العواطف الإنسانية المتغيرة أو صلة الأجساد لأنه مكتوب: [ الذين وُلِدوا ليس من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل… ] (يوحنا 1: 13)

فالبنوة لله ليس لها أية صلة بالخليقة البشرية العتيقة حسب ميلاد الجسد، بل هو ميلاد خليقة جديدة أخرى للإنسان من فوق [ المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح ] (يوحنا 3: 6)، وبهذه الولادة يصير الإنسان أبن حقيقي لله في المسيح يسوع، والله يصير أباً عظيماً للإنسان في المسيح !!!

والولادة الجديدة هي ولادة من الله: [ وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنين باسمه. الذين وُلِدوا، ليس من دمٍ، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله ] (يوحنا 1: 12و13)، فنحن نصير ابناء لله في المسيح بصفتنا خليقة جديدة [ إذاً أن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديداً ] (2كورنثوس 5: 17)

وبالتبني ندخل في علاقة حقيقية مع الله تدركنا في صميم طبيعتنا، إذ نصير أبناء لهُ أخصاء أحباء. وبنوتنا لله لا تتم بمعزل عن بنوة المسيح له، بل هي نتيجة طبيعية وتلقائية بسبب تجسد ابن الله وحلوله فينا، ولذلك نجد القديس يوحنا الرسول يلحق الآية السابقة: [ الذين ولِدوا … من الله ” بالآية الآتية : ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا ( فينا ) … ] ( يوحنا 1: 14)

لأن ابن الله الكلمة لما اتخذ جسداً، صار كواحد منا: [ إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما … من ثَمَّ كان ينبغي أن يُشبه إخوته في كل شيء ] (عبرانيين 2: 14و17)

Forasmuch then as the children are partakers of flesh and blood, he also himself likewise took part of the same – K.J
وحينما مات ابن الله بهذا الجسد الذي اتخذه، وقام وصعد، لم يترك جسده هنا على الأرض، بل دخل به إلى السماء كسابق من أجلنا. وعندما تراءى لدى الآب بالجسد الذي صعد به، سمع الصوت الإلهي: [ اجلس عن يميني ] (مزمور 109: 1)، فهو لا يحتاج أن يجلس عن يمين العظمة في الأعالي، بل نحن، لذلك كنا نحن الذين قمنا معه والذين جلسنا معه في السماوات: [ وأقامنا معهُ وأجلسنا معهُ في السماوات في المسيح يسوع ] (أفسس 2: 6)، لأن كل ما فعله المسيح الرب ليس من اجل نفسه لأنه لا يحتاج بل لأجلنا نحن أحباؤه الأخصاء…

+ والتبني الذي هو نتيجة طبيعية لتجسد المسيح الرب، ينقله إلينا الروح القدس الذي يأخذ ما للمسيح ويُعطينا. كما أن عطية التبني تقوى فينا وتنمو بالتناول من سرّ الشكر، أي الإفخارستيا التي تُثبتنا في المسيح، كما تثبت الأغصان في الكرمة وتتقوى، فينتقل إليها عُصارة الكرمة لتُغذيها حتى تكاد تكون هي والكرمة شيئاً واحداً: 
[وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ] (1كورنثوس 6: 17)


وباختصار القول: إن الولادة من فوق أي من الله، أي التبني في المسيح، هي عقيدة راسخة في وجدان الكنيسة، وهي ظاهرة بوضوح شديد في إنجيل القديس يوحنا الرسول وعند جميع الآباء القديسين مُعلمي التقوى، لا كمعلومة إنما كقوة حياة نعيشها منذ يوم ولادتنا الجديدة من فوق: [ 
وكأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنموا به ] (1بطرس 2: 2)
  • ولنصغي لكلمة الله ونفهم ونستوعب سرّ بنوتنا لله في المسيح يسوع:
1 – [ وأما هذه فقد كُتبت (إنجيل يوحنا بكاملة) لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة ( ميلاداً جديداً ) باسمه ] (يوحنا 20: 31)، [ كتبت هذا إليكم أنتم المؤمنين باسم ابن الله لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية ولكي تؤمنوا باسم ابن الله ] (1يوحنا 5: 13)، [ ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ] (1يوحنا 5: 20)

2 – [ كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا ً(1يوحنا 5: 1)، [ بهذا نعرف إننا نحب أولاد الله إذا أحببنا الله وحفظنا وصاياه، فأن هذه هي محبة الله أن نحفظ وصاياه ووصاياه ليست ثقيلة] (1يوحنا 5: 2 – 3)

3 – [ أنظروا أية محبة أعطانا الله حتى نُدعى أولاد الله … أيها الأحباء … نحن أولاد الله ] (1يوحنا 3: 1و2) 

4 – [ أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً، لأن المحبة هي من الله ـ وكل من يحب فقد وُلِدَ من الله، ويعرف الله ] (1يوحنا 4: 7)

5 – [ إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه ] (1يوحنا 2: 29) 

6 – [ نعلم أن كل من وُلِدَ من الله لا يُخطئ ( يتعدى )، بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه ] (1يوحنا 5: 18)

7 – [ كل من هو مولود من الله لا يفعل الخطية (عن قصد وعِناد)، لأن زرعه (زرع الله) يثبت فيه، ولا يستطيع أن يُخطئ لأنه مولود من الله ]ٍ (1يوحنا 3: 9)

 [ لأن كل من ولد من الله يغلب العالم وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا، من هو الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله] (1يوحنا 5: 4 – 5)

عموماً الذي يؤمن إيمان واعي بإدراك يقيني بأن يسوع هو المسيح فهو قد قَبِلَ أن يكون أبناً لله في الابن الوحيد، فيصير أبناً لله في المسيح يسوع: [ من يؤمن بابن الله فعنده الشهادة في نفسه من لا يصدق الله فقد جعله كاذبا لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها الله عن ابنه، و هذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية وهذه الحياة هي في ابنه، من له الابن فله الحياة ومن ليس له ابن الله فليست له الحياة (1يوحنا 5: 10  12)

ولنا أن نلاحظ وندقق جداً، فالسبب الأساسي الذي على أساسه نصير أولاداً لله، لا يعتمد على شيء حسنٌ فينا، أو على قدراتنا الخاصة أو شطارة فينا أو أعمال في برّ عملناها نحن أو ستفعلها، ولكن على أساس إلحاح محبة الله لنا، وهو مضمون الآية (رقم 3):

  • [ أنظروا أية محبة أعطانا الله حتى نُدعى أولاد الله ]، [ هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)، [ ولكن الله بين محبته لنا لأنهونحن بعد (لانزال) خطاه مات المسيح لأجلنا ] (رومية 5: 8)

باختصار وبكلمة واحدة تحمل روح الإنجيل كله وفكر آباء الكنيسة الذين عاشوا كما يحق لإنجيل ربنا يسوع: [ نحن أبناء في الابن الوحيد ] وذلك لأن [ ابن الله صار ابناً للإنسان، حتى يصير ابن الإنسان ابناً لله ] 

وهُنا نضع قول القديس أغسطينوس في الصدارة: [ فطالما نحن هو، ونحن من المسيح، بل ونحن المسيح، فلابُدَّ أن يكون أبوه أباً لنا نحن أيضاً، وذلك بفعل الروح عينه الذي به قد ولد الابن الوحيد بيننا ] (عن تفسير إنجيل يوحنا ص 108، عظة 133: 8، عظة 144، تفسير مزمور 54، تفسير مزمور 26، وتفسير يوحنا 21: 8، عظة 71: 28)، وطبعاً لنا أن نفهم قول القديس أغسطينوس على ضوء كلمات القديس بولس الرسول: [ لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عِظامه (أفسس 5: 30)

__________يتبـــــع__________
العنوان القادم: مقدمة 
كلمة التبني ومعناها القانوني

الخلاص والتبني – كيف نعيش خلاصنا

ما بين وصية المسيح وإمكانيات الإنسان الطبيعي، وكيف نعيش مسيحيين !

ما بين وصية المسيح وإمكانيات الإنسان الطبيعي
كيف نعيش مسيحيين ونحيا بالوصية

في الحقيقة حينما يواجه الإنسان وصية الرب يسوع يجدها ثقيلة وفوق إمكانياته وغير منطقية من جهة التنفيذ العملي لها، وقد يراها أنها تضعه في موقف حرج مع الآخرين، فمثلاً وصية الرب لنا على المستوى الشخصي: [ أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم – أن جاع عدوك أطعمه وأن عطش فاسقه ]، هذه الوصية هي وصيه مُلزمة وليست وصية ثانوية يُترك تنفيذها أو عدم تنفيذها لحرية كل واحد، لأنها وصية الرب للجميع بلا استثناء، ولكن للأسف الكثيرين يحاولوا تفسيرها لتتناسب مع شخصيتهم وإنسانيتهم الطبيعية، لأن تنفيذ وصية المسيح الرب أمرٌ حقيقي شاق للغاية – فعلاً – على الإنسان الطبيعي، لذلك يستحيل وهيهات أن استطاع أن يُنفذها لأنه مكتوب: [ ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً ] (1كورنثوس 2: 14)…

ولذلك نجد التفسيرات الغريبة، التي تحور الكلام لغرض الهروب من تنفيذ الوصية، وكل واحد يقول أصل الرب لا يقصد المعنى الحرفي، ولا يقصد هذا ويقصد ذاك… الخ، وهذا في الحقيقة هو هروب واضح ومباشر من حياة الوصية، لأن للأسف كل واحد ظن أن وصية الرب تأتي على مستوى الجسد وإمكانيات الإنسان وحسب مقدرة كل واحد، مع أن الوصية هي نفسها أتت في حرفيتها وليس لها أي معنى آخر أو تفسير آخر، سوى أحبوا أعدائكم فعلاً وحرفياً، ولا تحتاج لتأويل ولا تفسير ولا شرح، بل تحتاج لتنفيذ حقيقي وفي الواقع العملي المُعاش في كل العصور كما هي بدون تزيين ولا تحوير، أو يقال أن كل واحد ينفذها حسب إمكنياته، مع أن الوصية واضح أنها تريد Hن يتم تنفيذها كما هي بدون تقليل [ أحبوا أعدائكم ] يعني أحبوا فعلاً وعلى مستوى أنك تبذل نفسك من أجل عدوك وأن جاع تطعمه وأن عطش تسقه وأن كان عندك ضيفاً تكرمه بل وتصنع كما صنع الرب مع التلاميذ وتغسل قدميه أيضاً….

ولكن يا إخوتي يلزمنا أن نعرف على أي مستوى يتكلم الرب يسوع ويُعطي الوصية، لأن الرب لم يتكلم قط على مستوى الإنسان العادي الطبيعي، بل يُكلم الخليقة الجديدة، أي يوجه الكلام لمن آمن به وصار مولوداً من فوق، أي يُكلِّم الإنسان الذي ارتفع إلى المستوى الإلهي، هذا الإنسان الذي أصبح لابس الروح وحي بالمسيح، أي صار إيمانه حي عامل بالمحبة، ويحيا في حرية مجد أولاد الله، يعيش ابن في الابن الوحيد الذي استمد منه روح الوصية وقوتها لتصير مكتوبه في قلبه ظاهره في أعماله، لأن الابن يعبر عن أبيه على مستوى الحياة التي يحياها مع أبيه ويستمدها منه، لأن ابن الملك العظيم يحيا كأمير وكل حركاته وأعماله وتصرفاته التلقائية تُظهر طبيعة حياته وهويته الحقيقية، لأن المولد من فوق يعبر عن المكان الذي ينتمي إليه، فالسفير يعبر عن بلده ويظهر عظمتها: [ إذاً نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله ] (2كورنثوس 5: 20)…

لذلك كل إنسان لم يحيا كمولود من الله في المسيح ولابس الروح، فليس باستطاعته أن يحيا الوصية كما قالها الرب يسوع، لذلك فهي تُعتبر – بالنسبة له – مُجرد سمو أخلاقي ولكنه صادم له، لذلك يحوِّر الوصية ويجعلها تخضع لمفهومه هو لكي تتناسب معه، ولا يستطيع أن يرتفع إليها أبداً وعلى الإطلاق، لذلك نجده غاضباً على الآخرين ولا يقدر أن يحترمهم قط، فهو لا يستطيع أن يُقدم محبة لأعدائه فعلاً، وهو في ذلك معذور كل العذر، لأنه لم يكن على مستوى الوصية لأن عنده جهالة كما قال الرسول ولا يقدر أن يقبل ما لروح الله …

فيا إخوتي، أولاً لا تصدقوا أحد يتكلم عن الوصية بمعنى آخر لا يتفق مع الإنجيل، وثانياً لا تحاولوا تنفيذ الوصية بدون المسيح الرب شخصياً الذي قال [ بدوني لا تقدروا أن تفعلوا شيئاً ]، لأن أن لم يعطينا الله بنفسه روح الوصية لن نقدر أن نحيا بها قط، لأن عملياً من هو الذي يستطيع أن يحب عدوه فعلاً، بل يموت من أجله حباً فيه، ومن هو الذي يستطيع أن يحترم فكره وحرية عقيدته ولا يهينه أو يسخر منه !!!! والإجابة [ لا يوجد ]، إلا لو كان هذا الشخص ليس بإنسان طبيعي !!!! أو من يستطيع أن يقبل كلام الرب يسوع عن حمل الصليب واحتمال المشقات والتخلي القلبي عن كل ما له، ويبيع حتى نفسه من أجل المسيح وشركة المحبة !!!

يا إخوتي أن المسيحي الحقيقي ليس إنسان طبيعي، بل مولود من فوق، وأصبح شخص إلهي، فالمسيحي ليس هو دارس الكتب وعنده القدرة على محاورة الآخرين وإقناعهم، بل هو من يحيا الوصية كما هي لأنه لابس الروح، ولا يقدر أن يتكلم من نفسه ويفسر الوصية ويشرحها إلا بالروح القدس وحسب قصد الرب للتطبيق في واقع الحياة المُعاش، وليس للتحوير لتتناسب مع فكر الإنسان الجسدي الطبيعي، أو لكي يقنع بها الآخرين على مستواهم العقلي والفكري فينزل بالوصية لمستوى التراب، لكي يقنع بها الآخرين – عافية – ظناً منه أنه بذلك يحفظ كرامة المسيحي لئلا يقول أحد على المسيحيين أنهم سلبيين وعن ضعف يحبون أعدائهم، ويظن أنه يدافع عن الإنجيل والمسيحية، مع أنه بذلك يثبت أنه لم يكن على مستوى الوصية وليس له أي استعداد بأن يحيا بها إطلاقاً ويظهر حجج كثيرة للهروب منها….

لذلك كما أرى عند البعض في تفسيراتهم الدفاعية عن الكتاب المقدس، بأنه يحوِّر في الأحداث ويلف ويدور فيها لفة طويلة جداً لكي يوفقها لتتناسب مع أفكار الآخرين التي تخضع للفكر الإنساني الطبيعي، لأنه درس الكتاب المقدس في مقابل الشبهات للرد عليها ليُدافع عن الإنجيل، لذلك كثيراً ما لا يستقيم الشرح بالروح، ويصبح في إطار الفكر الإنساني المُقنع، وهيهات ان يُصبح ببرهان الروح والقوة، لأن حينما يفقد الإنسان روح الكتاب المقدس في سرّ برهان الروح والقوة، يُصبح الكلام فارغ من مضمون الروح وقصد الله، فيُقدم بصورة توفيقية تأويلية لتُناسب الدفاع عنه أمام الآخرين، والعجب أن كيف يُدافع عن كلمة الله وهي التي تُدافع عن نفسها بتحقيقها فينا، حينما ترفعنا لمستواها لنحيا بها، فنصير نحن أنفسنا شهادة حية عنها بالروح، أي نصير نحن أنفسنا إنجيل مقروء من الجميع، وعلى غير هذا المستوى فإننا لا نبشر بإنجيل المسيح بل بإنجيل آخر ووصية أخرى تتناسب مع فكرنا الإنساني بقناعة العقل المغلق على أسرار الروح، أي الذهن المُغلق الذي عليه برقع يحجب نور الله عنه [ بل أغلَّظت أذهانهم لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باقٍ غير منكشف الذي يُبطل في المسيح؟ لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم. ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع ] (2كورنثوس 3: 14 – 16)…
  • فيا إخوتي أرجوكم لا أنا بل كلمة الله ووصيته، أن تلبسوا الروح السماوي، وتجعلوه هو من يقودكم للحق، ولا تحاولوا بذكائكم الشخصي وقدراتكم الخاصة وحسب ما نلتُم من شهادات ودراسات وقدرات ومعرفة أن تشرحوا الكتاب المقدس، وتظهروا الحق التي ترونه أنتم، لأن في تلك الساعة الحق في الواقع هربان منكم وليس فيكم، لأن الحق، هو حق مُشخص، أي هو شخص، شخص ربنا يسوع الذي قال أنا هو الحق، وكيف لي أنا الإنسان أن أشرح الحق بفكري الشخصي وأظن أني أتكلم بالحق أو قد امتلكته، لأن الحق هو الذي يملكني ولست انا من أمتلكه، لأن أن لم ألبس – على المستوى الشخصي الخاص – الرب يسوع وامتلئ بالروح وأعيش الوصية وارتفع لمستواها كيف لي أن أتكلم بها وعنها، واشرحها وأُفسرها !!! 
  • ولننتبه لكلام الرسول بتدقيق لكي نحيا به ولا لنفسره أو نشرحه او نقرأه للمعرفة، بل للحياة والخبرة على المستوى الشخصي لكل واحد :
وأنا لما أتيت إليكم أيها الإخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مُنادياً لكم بشهادة الله. لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً. وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله. لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهرالذين يُبطلون. بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التي لم يَعلمها أحد من عُظماء هذا الدهر لأن لو عرفوا لِمَا صلبوا رب المجد. بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أُذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَنْ مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان الا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاًأمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تُعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات. ولكن الانسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً. وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد. لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه وأما نحن فلنا فكر المسيح ] (1كورنثوس 1: 1 – 16)
  • فمن له فكر الرب يُعلمه، لذلك ينبغي أن ننال أولاً فكر المسيح بالصلاة الدائمة، لكي نلبسه لبساً، فننال موهبة الروح لنتكلم بسلطانه، حينئذٍ فقط تبدأ الناس بالتعرف على الطريق الحقيقي المؤدي للحياة، وحينما يكون لها رغبة بشوق ولهفة أن تعرف الله، حينئذٍ تلمسها الكلمة التي ننطق بها لأنها بالروح والحق، فتعرف الرب، فتؤمن إيماناً حياً وتتغير وتحيا… 
  • لأن أي منفعة للكلام أن ظل مجرد كلام إنسانية مُقنع بلا برهان الروح والقوة، وغير قادر أن يرفع الإنسان على مستوى وصية الله للطاعة لكي تكون هي حياة النفس، وبذلك تصير بالضرورة خدمتنا باطلة، نتعب فيها وأقصى ثمر لها هو حشر معلومات في العقل تحجب نعمة الله وتفصل الإنسان عن الله في النهاية، لأن كثير من الخدام يظنوا أن بالمعرفة التي اكتسبوها إنهم يعرفون الحق مع انه ليس هناك بينهم وبين الحق شركة ولم يملك عليهم بعد، ولم يدخلوا في حرية مجد أولاد الله ولا قلبهم امتلئ من الفرح السماوي الذي لا يزول ولا دخلوا في شركة القديسين في النور…

هل نحن نعيش التجسد أم صار لنا فكر وعلم ونظرية !!!

الإنسان خُلق من العدم للوجود بحسب تدبير محبة الله، واكتسى بنعمة الحياة لكي لا يعود للعدم والفناء وصار خالداً بسبب نفخة الله التي لا تزول أو تتلاشى، وبسبب الصورة التي خُلِقَ عليها صار قريباً من الله لأن الله هو عله وجوده وسر حياته، ولكن بسبب التعدي على وصية الله ومخالفة إرادته سقط بإرادته فابتعد عن نور الحياة وتسربت الظلمة إليه ولم يعد قادر على الاقتراب من النور، لأن الظلمة لا تحتمل النور بل تهرب منه، وقد صار هناك حاجزاً خطيراً بين الإنسان والله حتى صار الإنسان غير قادر على الاقتراب من محضر الله ولو من بعيد، فكيف وبعد هذا السقوط المروع يُمكن للإنسان أن يذهب لله وهو لا يحتمل نوره وبحسب المكتوب لا يراني إنسان ويعيش، لا لأن الله سيصيب الإنسان بالموت لأن الله يستحيل يخرج منه الموت بل الحياة، لكن لأن الإنسان ظلمة لا يحتمل النور فأنه غير قادر على أن يقترب من الله، لذلك لو لم يكن الله قد جاء أولاً إلى الإنسان فلم يكن استطاع أحد قط أن يقترب إليه ويراه وجهاً لوجه !!!

وبسبب ظهور الله الكلمة في الجسد انعتق الإنسان من ميلاده الأول المؤدي للموت، لأن في المسيح نال كل من آمن ميلاد جديد فوقاني بمعجزة عظمى لا يدركها سوى من تذوق نعمة الاستنارة، فدخل في سرّ التبني وأصبح من العيلة السماوية لأنه مكتوب: [ فلستم إذاً بعد غرباء ونُزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله ] (أفسس 2: 19)

  • فمن أجل ذلك صار الكلمة إنساناً، أي صار ابن الله ابناً للإنسان لكي يتَّحد الإنسان بالكلمة فينال التبنِّي ويصير ابناً لله في الابن الوحيد، لذلك أن لم نسعى لهذا الطريق، طريق الشركة مع الله في حياتنا الشخصية وانحصرنا في أي شيء آخر بعيد عن هذا الهدف ان نكون واحد مع الله، فحتماً سنمكث بعيداً عن هدف التجسد ويصبح لنا مجرد فكر ومعلومة منحصرين فيها ونخسر نعمة الاستنارة لأننا لم ندخل بعد في هذا السر ولم نحيا في شركة القديسين في النور، وصار لنا هدف آخر غير ما قصده الله…
Exit mobile version