الإنحرافات النسكية في المسيحية المبكرة – أمجد بشارة

الإنحرافات النسكية في المسيحية المبكرة – أمجد بشارة

الإنحرافات النسكية في المسيحية المبكرة – أمجد بشارة

الإنحرافات النسكية في المسيحية المبكرة – أمجد بشارة 

ظهرت جماعات نسكية بتدعو للنسك الشديد لدرجة تدمير الجسد، ورفض الزواج في المُطلق، فالزواج مُحرم حتى على عامة الشعب.

هذه الحركة تأثرت كثيرًا بالفكر الغنوسي وكانت تُدعى encratism” أو الممتنعون.

بنلاقي فكر الجماعات دي، بالإضافة للفكر الغنوسي في كتير من كتب الأبوكريفا اللي ظهرت في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني. مثلاً: مكتوب في أعمال بولس وتكلا، إن بولس دخل إيقونية عند منزل أنسيفورس، وقال:

طوبى للذين يحفظون جسدهم طاهرًا لأن الله سوف يكلمهم، طوبى طوبى للذين عندهم زوجاتا وكأنهم ليسوا متزوجين لأنهم يرثون الله، طوبى لأجساد العذارى لأنهن سوف يرضين الله ولن يفقدوا مكافأة طهارتهن.

أعمال بولس وتكلا، 5

وفي كتاب أعمال يوحنا الأبوكريفي وفي (العدد 63) بيتكلم عن دروزيانا المرأة اللي أنفصلت عن زوجها لفترة طويلة، للدرجة أن زوجها وضعها حية في مقبرة وأغلق عليها، وقال لها: “كوني لي زوجة، كما كنتي من قبل، وإلا سوف تموتين”. وقد فضلت الموت على أن تشترك في هذه الأدران.

بيكتب هنري شادويك عن الفترة دي وبيقول:

ثارت مشكلة لاهوتية حادة حول وجود معيارين وطريقين للحياة الروحية. الأمر الذي ظل مجهولاً لفترة طويلة هو هل هذين الطريقين هما مجرد تعبير عن فكرة أن هناك درجتين على الأقل من النمو والإدراك الروحي والسلوك لكنهما متاحين للجميع، أم أن الفرق يعني أن المتزوجين الذين يعيشون في العالم، هم معينين لدرجة أدنى بالطبيعة، ليس لهم أن يصلوا للدرجات العليا في الصلاة ورؤية الله. فبحسب أوريجانوس، على سبيل المثال، النصوص التي ترجح كفة الرأي الأول عديدة، لكن في مواضع أخرى نجد أن الرأي الثاني متضمن بشكل خطير. ففي واحدة من عظاته تكلم عن جيش المسيح مجموعة صغيرة من المقاتلين وجمع غفير من الأتباع الذين يساعدون الجند في حربهم ضد قوات الشر لكنهم لا يحاربون بأنفسهم”

هنري شادويك، تاريخ الكنيسة

في أواخر القرن الرابع حدث نزاع عكسي تمامًا عندما أنكر جوفنيان بشدة أفضلية حياة البتولية

في الوقت ده طبعًا كان عدو الكنيسة اللدود هو الإفراط والمُبالغة بكافة صورها، وعلشان كده بنلاقي الرسول بولس بينصح تلميذه تيموثاوس، وبيقول:

المتكلمين في رياء بأقوال كاذبة، ومانعين عن الزواج، وأمرين أن يُمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين” (1تي4: 2). ولذا نسمع أحد الآباء المصريين يخبر القديس يوحنا كاسيان: “الصوم بمبالغة يولد شرًا يماثل النهم

 Confer. 2: 16

 

فالزواج أمر جيد، ودائمًا الكنيسة تعلم أن المضجع غير دنس، حتى في الكتابات النسكية الأولى، كان في تحذير شديد من رفض الزواج، فنعم الناسك لا يتزوج، لكن عدم زواجه ليس رفضًا للزواج في ذاته، إنما لتكن كل حياته للرب، زي ما بتقول التعاليم الرسولية (apostolical constitutions):

إنه يلزم النساك أنفسهم بالبتولية، ليس رفضًا للزواج، بل ليتيحوا لأنفسهم مزيدًا من الوقت في الصلاة. 

التعاليم الرسولية، 8: 24

أيضًا ميثوديوس الأوليمبي في كتابه وليمة العشر عذارى، كتب:

عندما أدخل الكلمة البتولية في العالم لم يقصد إطلاقًا إلغاء الزواج، فلم يلغ الأمر الذي ورد في سفر التكوين وهو “أثمروا وأكثروا”، فالله في الزواج يربط الرجل بالمرأة التي خلقها هو.

(وليمة العشر عذارى، 2: 1).

ويقص علينا يوسابيوس القيصري قصة أسقف يُدعى بنتيوس الكنوسي، بجزيرة كريت، أراد أن يفرض البتولية على كافة المؤمنين دون استثناء، ولكنه قوبل بتوبيخ شديد (تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، 4: 23).

2. مرحلة التوحد:

وأهم أمثلتها هو الأنبا بولا أول السواح.

جيروم اتكلم عن بولا الراهب المصري وهو أول شخص سار في النظام الرهباني ده، وجيروم في الجزئية دي استقى معلوماته من أماطاس ومقار وهما من تلامذة القديس أنطونيوس.

بولا ده كان من طيبه وعشان كده أطلقوا عليه بولا الطيبي، وتوجه إلى الصحراء خوفًا من الإضطهاد اللي حصل في عهد دكيوس وفاليريان في بدايات القرن التالت.

إقرأ أيضاً: 

الإنحرافات النسكية في المسيحية المبكرة – أمجد بشارة

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – أ/ أمجد بشارة

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – أ/ أمجد بشارة

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – أ/ أمجد بشارة

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – أ/ أمجد بشارة

يؤرخ القديس يوحنا ذهبي الفم  [347 – 407 م]  لتاريخ البتولية في كتاباته فيقول:  “في العهد الجديد …خرج جمال البتولية جليًا إلى النور.”

( ST. JOHN CHRYSOSTOM, Letter to a young window in N.P.N.F.IX. (Grand rapids, Michigan: WM.B.Eerdmans Publishing Company, 1956)

فحياة البتولية في العهد الجديد، عهد المسيا، جديدة تمامًا من جهة أصلها والدافع إليها وممارساتها … ويؤكد آباء الكنيسة هذه الحقيقة فيقول القديس أمبروسيوس [ 340- 397 ]:

فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن هذه الحياة العذراوية تستمد قوتها من السماء، تلك الحياة التي لم توجد علي الأرض إلا عندما نزل رب المجد وأخذ جسدًا بشريًا؟!

(ST.AMBROSE, Concerning Virgins, book I in N.P.N.F, vol. X, P.365)

وهذا مايشير إليه البابا أثناسيوس [ 311 – 323م ] في حديثه إلي بعض العذارى:

 لو لم يتجسد الابن الكلمة كيف كان يمكن الارتباط به؟! ولكن عندما أخذ الرب جسدًا بشريًا من السيدة العذراء مريم، أصبحتن عذاري وعرائس للمسيح. فلقد زرع والداكن فيكن بذرة الاشتياق إلي حياة الفضيلة وقام برعايتها حسنًا، ثم نمٌاها الختن الذي ألقي بكلمته في قلوبكن فنمى فيكن الاشتياق لأن تصِـرن عذاري مكرسات له. فيجب عليكن أن تنظرن الي سيرة العذراء مريم كمثال وصورة للحياة السمائية.

( See ST. ATHANASIUS, First Letter to Virgins, P.288)

ويرجع الحياة البتولية بعض آباء الكنيسة لحياة العذراء مريم ويسوع، زي ما بيُعلق القديس جيروم قائلاً:

 لقد تقدست البتولية في شخص الرب يسوع وأمه العذراء القديسة مريم. إذ أن كليهما بتول.

(ST.Jerome, Letters to Eustochium, Letter XXII On the Preservation of Virginity in N.P.N.F., Series II, Vol. P.29)

إقرأ أيضًا: نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى 1 – أ/ أمجد بشارة

الدعوة الرهبانية لحياة البتولية من خلال نصوص العهد الجديد:

العهد الجديد لم ينقل لنا التعليم النسكي في صيغ تعليمية، بل وجد التعليم النسكي مكانه وسط تعاليم أُخرى مُقدمة بشكل وعظي للجماعات المسيحية بحسب ما تطلبته الظروف.

التعليم النسكي كله مُلخص في كلمات يسوع: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني.. مت16: 24، مر8: 24”.

فالنسك في المسيحية له دعامتين أساسيتين هما:

  1. إنكار الذات، واللي بيدخل تحته مفهوم الفقر الإختياري.
  2. التصميم القاطع باتباع يسوع والتمثل بيه.

إنكار الذات أو الفقر الإختياري كمان بيظهره يسوع في قصة الشاب الغني، اللي قال له المسيح: “إن أردت أن تكون كاملاً، فأذهب وبع كل أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني .. مت19: 16- مرقس10: 17- لو18: 18”.

هنا لازم ننوه إن الممتلكات الدنيوية في حد ذاتها شئ جيد، إلا أن التعالم معها بشكل مفرط، بمعنى أن تملكك هي وتسيطر عليك، بدلاً من أن تتسلط أنت عليها، فإنها في هذه الحالة تعد عائقًا ليس للحياة السماوية فقط، بل على مستوى الحياة العادية أيضًا، فبدلاً من أن نحيا لنستمتع بالحياة، نحن نحيا لنضخم ثروتنا ونحافظ عليها، أي أنه بدلاً من الحياة لأجل أنفسنا، أصبحنا نحيا لأجل أملاكنا.

مفهوم الترك ده بنلاقيه كمان عند ق. لوقا لم بيقول عن المسيح: “كذلك كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 33) كمان بيقول: “إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته، حتى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 25- مت10: 37)

كمان الترك في الأناجيل له مفهوم مختلف، فبطرس طلب منه يسوع بحسب إنجيل لوقا إنه يتبعه، وبيقول الكتاب فللوقت ترك كل شئ وتبعه، لكن من تسلسل الحداث فيما بعد بنعرف إن بطرس على أرض الواقع لم يتخلى عن أي شئ، بل على العكس عنده بيته وزوجته وأولاده وحماته وعايش معاهم وعزم يسوع عنده وسطهم، كمان بيمتلك مركبته وأدوات الصيد بتاعته وكل شئ. فماذا ترك إذن؟! لقد ترك التعبد لمثل هذه الأشياء، أصبح في حرية دون أن يتقيد بأي مما يملك، لم تعد تربطه الممتلكات بالأرض بل صار حرًا يتبع المسيح أينما ذهب.

بولس الرسول في كورنثوس الأولى الإصحاح السابع بيقول: “غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، أما المتزوج فيهتم فيما للعالم، كيف يرضي امرأته”. لكنه بيوضح إن ده مش وصية إلهية بقدر ما هو رؤية شخصية للقديس بولس بسبب الضيقة الموجودة على المؤمنين في عصره، ومفهومه عن قرب نهاية العالم، فيقول: “إنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أنه حسن بسبب الضيق الحاضر حسنٌ للإنسان أن يكون هكذا” (1كو7: 25، 26).

يعلق الكثيرون من أباء الكنيسة الأولي علي كلمات معلمنا القديس بولس الرسول.. فيقول القديس جيروم في رسالته المكتوبة في عام 384م إلي تلميذته استوخيوم العذراء:

“لماذا يفضل القديس بولس الرسول البتولية؟ لأنه هو أيضًا كان بتولاً ليس رغمًا عنه بل بإرادته الحرة.”

ويتساءل جيروم لماذا لم يأخذ الرسول أمرًا من الرب بخصوص البتولية؟ ويجيب بأنه “مايُقدم بالإرادة الحرة وليس بالإجبار تكون له قيمة أعظم. فلو كان هناك أمر بالبتولية، لكان ذلك يعني تحريم أو منع ما قدسه الله أي الزواج..”

(ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.30)

وبتفضيل البتولية  على الزواج يوضح القديس جيروم أنه:

لايُنقص من شأن الزواج عندما يضع البتولية في مكانة متقدمة ولكنه يوضح للعذاري رفعة مكانتهن التي تسمو علي كل ماهو أرضي.

(ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.29)

طبعًا العهد الجديد ملئ بالتعاليم التي أستقت منها الرهبنة منهجها، مثل إخضاع الجسد للروح، قمع شهوات الجسد، الصلاة الدائمة.. وغيرها.. لكن سنكتفي حاليًا بهذا القدر.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – أ/ أمجد بشارة

Exit mobile version