الشركة والإتحاد بالله في عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

الشركة والإتحاد بالله في عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

الشركة والإتحاد بالله في عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

مقدمة:

الشركة مع الله أو الإتحاد به، تعتبر محورًا أساسيًا في روحانية القديس مقاريوس كما نجدها في عظاته الخمسين.

وقد أشار كل من القديس يوحنا الرسول والقديس بطرس الرسول إلى الشركة مع الله: ” وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ” (1يو 3:1)، ” لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية… ” (2بط 4:1) ولكن القديس مقاريوس يتحدث كثيرًا جدًا عن هذه الشركة مع الله ويصفها من اختباره وتذوقه أنها حالة عرس روحاني أو زيجة روحانية بين المسيح والنفس الإنسانية، فالمسيح هو العريس والنفس هي العروس، والحب المشتعل بنار الروح القدس هو الذي يوحد العريس بالعروس.

وعلاقة المسيح كعريس للكنيسة وردت في سفر الرؤيا (رؤ7:19)، (2كو 2:12). كما جاءت علاقة الله كعريس لشعبه في العهد القديم (هو19:2). ولكن القديس يتحدث أساسًا عن العلاقة الشخصية الاختبارية، والإتحاد الشخصي بين المسيح والنفس، وربما نجد بداية هذه الخبرة في قول الرسول بولس ” وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ” (1كو 17:6). حيث كلمة التصق تعنى في سياق حديث الرسول ” اقترن بالرب ” أو ” اتحد بالرب “.

أولاً: مبادرة الشركة والإتحاد هي من الله:

1 ـ فيقول القديس مقاريوس أن الله لا يجد راحته في أي من المخلوقات خلقها ” إنه يحكم كل الخليقة ولكنه لم يثبت عرشه فيها ولا دخل في شركة معها بل إن الله قد سُرَ بالإنسان وحده ودخل في شركة معه وفيه وحده استراح ” (عظة 5:45 ص 338). ” وأن الرب لا يُسر بأحد سوى الإنسان وحده “.

ويقول: [إن الله يكون مدفوعًا بالمحبة والحنان نحو الإنسان، وذلك من ذاته وبالصلاح الطبيعي الخاص به وإذ هو الكلى الصلاح فإنه يلتصق بتلك النفس ويصير معها روحًا واحدًا ” كما يقول الرسول].

وأيضًا يقول عن حنان الله ومحبته الشديدة للإنسان: ” الله غير المحدود… بصلاحه وحنانه الذي يفوق العقل قد أخلى نفسه من مجده الذي لا يُدنى منه ليتمكن من الاتحاد بخلائقه المنظورة مثل نفوس القديسين، وذلك حتى يستطيعوا هم أيضًا أن يشتركوا في حياة اللاهوت ” (عظة 4: 9 ص 51). وأيضًا ” الله من محبته قد أعطى للإنسان أن ينال نار المسيح الإلهية (المحبة) ” (عظة 7 ص 82).

2 ـ الغرض من التجسد أن يجعلنا مشتركين فيه:

يقول: ” الغرض والهدف من مجيء الرب إلينا في التجسد، هو أن يغير نفوسنا ويخلقها خلقة جديدة، ويجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية كما هو مكتوب (2بط 4:1) (عظة 44: 9 ص 333).

 

3 ـ الرب خلق النفس لكي يصيرها عروسًا له:

يقول: ” فالنفس هي حقًا صنيع إلهي عظيم مملوءٌا عجبًا…. فإنه خلقها لكي يصيرها عروسًا له وتدخل في شركة معه لكيما يلتصق بها ويصير روحًا واحدًا معها كما يقول الرسول ” وأما من ألتصق بالرب ـ فهو روح واحد ” (1كو 17:6) (عظة 46: 5 ص 344).

ويقول أيضًا: [الله لم يقل عن الملائكة، بل عن الطبيعة البشرية ” لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا “… وأنت قد دُعيت إلى الخلود والتبني والأخوة للملك ولتكون عروسًا للملك. في هذا العالم الذي حولنا كل ما للعريس يصيرُ للعروس، وهكذا ما هو للرب مهما كان فإنه يودعه إياك) (عظة13:16ص175).

+ ويقول أيضًا أن المسيح العريس السماوي هو الذي يخطب النفس لأجل شركته السرية الإلهية (أنظر عظة 15: 2 ص 131).

ثانيًا: اتحاد النفس بالعريس السماوي:

1 ـ النفس لا تجد راحتها إلا في الرب:

فيقول ” أنظركم هي قرابة الإنسان لله فالنفس الحكيمة بعد مرورها على جميع المخلوقات لا تجد راحة لنفسها، إلا في الرب وحده ” (عظة5:45ص338)

2 ـ النفس لا تقنع بالعطايا الروحية بل تريد الشركة الكاملة مع العريس:

فيقول: ” العذراء المخطوبة لرجل تقبل منه هدايا كثيرة قبل الزواج… ولكنها لا تقتنع ولا ترضى بكل هذه الهدايا إلا أن يأتي يوم العرس الذي فيه تصير واحدًا معه. كذلك أيضًا النفس المخطوبة كعروس للعريس السماوي فإنها تنال منه كعربون من الروح مواهب (متعددة)… ولكنها لا تقنع بهذه العطايا بل تترجى الوصول إلى الشركة الكاملة معه والاتحاد به، أي المحبة التي لا تتغير ولا تسقط أبدًا ” (عظة 7:45 ص 339).

3 ـ الرب والنفس يصيران روحًا واحدًا:

” وحينما تلتصق النفس بالرب ويعطف عليها ويحبها ويأتي إليها ويلتصق بها… فإن الرب والنفس يصيران روحًا واحدًا ومزاجًا وعقلاً واحدًا وبينما يكون جسدها مطروحًا على الأرض فإن عقلها يكون في أورشليم السماوية مرتفعًا إلى السماء الثالثة ويلتصق بالرب ويخدمه هناك ” (عظة 3:46ص342).

4 ـ المسيح يزين النفس بالجمال الروحاني ويجعلها كلها نورًا:

” النفس التي تتشبع تمامًا بالجمال الذي لا يُوصف، جمال مجد نور وجه المسيح، وتكون في شركة تامة مع الروح القدس وتنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشًا له فإنها تصير كلها عينًا وكلها نورًا وكلها مجدًا وكلها روحًا، والمسيح الذي يقودها ويرشدها ويحميها ويسندها، هو الذي يصنعها ويجعلها هكذا وينعم عليها ويزينها هكذا بالجمال الروحاني ” (عظة 2:1 ص 24).

 

5 ـ النفوس الحكيمة بالروح تقدم إشباعا كاملاً للعريس السماوي:

” النفوس التي تطلب تقديس الروح… تعلق حبها كله بالرب وتسير فيه، وفى الربُ تصلى، وبه تنشغل أفكارها، تاركين كل ما هو سواه ولهذا السبب يُحسبون أهلاً لنوال زيت النعمة السماوية وينجحون في عبور هذه الحياة بلا سقوط مقدمين إرضاءًا وإشباعًا كاملاً للعريس السماوي (عظة 6:4 ص 50).

 

6 ـ المسيح يصير روحًا واحدًا مع الإنسان:

” الله برأفته ومحبته للإنسان لبس أعضاء هذا الجسد متخليًا عن المجد الذي لا يُدنى منه إذ يصير هو بنفسه جسدًا، ويأخذ إليه النفوس المقدسة المرضية الأمينة، ويختلط معها بل يصير معها روحًا واحدًا كما قال الرسول بولس…. حتى أن النفس تستطيع أن تعيش في اتحاد وتتذوق الحياة غير المائتة وتصير شريكة في المجد الذي لا يفسد ” (عظة 10:4 ص 52).

7 ـ حب النفوس الإلهي للمسيح:

+ ” أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة…، وجرح قلوبهم بحب إلهي للمسيح الملك السماوي، وارتبطوا بذلك الجمال وبذلك المجد الفائق الوصف… والغنى الذي يفوق التصور ـ غنى المسيح الحقيقي الأبدي.. وبرغبةٍ يشتاقون نحو ذلك الذي أسرهم بحبه واستعبدهم.. ومن أجله يعتبرون كل بهاء الملوك والرؤساء على الأرض وأمجادهم وكرامتهم وغناهم كلها كلا شيء بالمرة، لأنهم مجرحون بالجمال الإلهي… لذلك فإن شهوتهم موجهة نحو الملك السماوي…. ومن أجله يتخلون عن كل محبة عالمية ” (عظة6:5ص71،72).

+ نار حب المسيح: ويقول أيضًا: [الذين يشتغلون بالشهوة المقدسة شهوة الروح واشتياقه وتجرح نفوسهم بالمحبة الإلهية وتشتعل فيهم النار الإلهية السماوية التي جاء الرب ليلقيها على الأرض… ويلتهبون بالشهوة السماوية للمسيح، هؤلاء يعتبرون كل الأشياء المجيدة والثمينة الخاصة بهذا العالم كأنها أشياء حقيرة وكريهة بسبب نار حب المسيح التي تحصرهم وتشعلهم وتضرمهم ليميلوا بكل قلوبهم إلى الله وإلى خيرات الحب الإلهي. ذلك الحب الذي لا تستطيع كل الأشياء سواء في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض أن تفصلهم عنه كما يقول الرسول ” من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق… ” (رو35:8 ـ 39)] (عظة 9:9 ص 93).

+ الالتصاق بالرب وحده: يقول: ” حينما تخصص النفس ذاتها كلها للرب وتلتصق به وحده وتسير بوصاياه وتعطى روح المسيح حقه من الإكرام… فإنها تحسب حينئذٍ أهلاً أن تصير روحًا واحدًا وتركيبًا واحدًا كما يقول الرسول (1كو17:6) ” (عظة 12:9 ص 95).

+ ” النفوس التي تحب الحق وتحب الله وتشتهى برجاءٍ كثير وإيمان أن تلبس المسيح كلية… لا تحتمل ولا إلى لحظة أن تكون محرومة من حبها المشتعل للرب واشتياقها السمائي له.. وإذ يكونون مجروحين بالشوق السماوي وجائعين إلى الفضائل، فإنه يكون لهم رغبة عظيمة لا تنطفأ في اشراق الروح وإنارته “(عظة 1:10 ص 97).

+ شوق روحاني حار إلى العريس السماوي: [بقدر ما يحسبون أهلاً لنوال المواهب الروحية بقدر ذلك يزدادون عطشًا للمواهب السماوية، ويزدادون في طلبها باجتهادٍ وسهرٍ ويزدادون جوعًا وعطشًا إلى شركة النعمة وازديادها… إذ أنهم لا يشبعون من الشوق الروحاني الحار إلى العريس السماوي، كما يقول الكتاب ” الذين يأكلون يعودون إلى جائعين والذين يشربونني يعطشون ” (ابن سيراخ 21:24)] (عظة 1:10 ص 97).

+ ” فمثل هذه النفوس التي تحب الرب حبًا حارًا لا ينطفئ… تُمنح لهم نعمة التحرر من الشهوات وينالون إشراق الروح القدس بالتمام وحضوره الذي يفوق الوصف، والشركة السرية معه في ملء النعمة “.

8 ـ الشركة السرية مع العريس السمائي:

” والنفس التي تحب الله والمسيح حقيقة حتى إذا عملت ربوات من أعمال البر فهي تعتبر ذاتها لم تعمل شيئًا بسبب حبها المشتعل نحو الله… طوال النهار تشتاق وتجوع وتعطش بالإيمان والمحبة وبمداومة الصلاة… وتكون مجروحة بحب حار مشتعل ـ حب الروح السماوي ـ ويتحرك في داخل نفسها باستمرار بالنعمة إلهام وشوق حار للعريس السماوي، راغبة أن تدخل دخولاً كاملاً إلى الشركة السرية الفائقة الوصف معه، بتقديس الروح ” (عظة4:10 ص 99).

9 ـ رؤية العريس السماوي في نور الروح:

” وإذ يرتفع الحجاب عن وجه النفس، فإنها تحدق في العريس السماوي وجهًا لوجه في نور الروح الذي لا يُعبر عنه، وتختلط به بملء الثقة وتتشبه بموته وترقُب دائمًا بشوق عظيم أن تموت لأجل المسيح. وهي تثق بيقين شديد أنها ستنال بقوة الروح انعتاق كامل من الخطية ومن ظلمة الشهوات، حتى إذا ما اغتسلت وتطهرت بالروح، وتقدست نفسًا وجسدًا يسمح لها حينئذٍ أن تكون إناءًا طاهرًا معدًا لاستقبال المسحة السماوية وحلول المسيح الملك الحقيقي، وحينئذٍ تؤهل للحياة الأبدية إذ تكون قد صارت منذ تلك الساعة مسكنًا طاهرًا للروح القدس ” (عظة 4:10 ص 99).

10 ـ شركة النفس مع الروح القدس زيجة روحانية واتحادٌ بالله:

يقول القديس مقاريوس ” الزوجة باتفاقها مع زوجها تصير واحدًا معه لكنهما في لحظة أخرى يفترقان لأنه قد يحدث أن يموت أحدهما ويعيش الآخر. وعلى مثال هذه الشركة تكون شركة الروح القدس مع النفس. فيصيران روحًا واحدًا ” لأن من التصق بالرب فهو روح واحد “. وهذا الأمر يحدث عندما يمتلئ الإنسان بالنعمة فتحيطه من كل ناحية ” (عظة 2:16 ص 166).

الشركة والإتحاد بالله في عظات القديس مقاريوس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

الشركة في الحياة المسيحية – فريق اللاهوت الدفاعي

الشركة في الحياة المسيحية 

الشركة في الحياة المسيحية

البداية هي بطن العذراء , وقد تعدد القول هنا , هل المسيح اراد ان يشاركنا ام يشابهنا ؟ بمعنى اخر هل هو اخذ الجسد من مريم العذراء ام انه لم يأخذ الجسد من العذراء ولكنه خلق جسده في الاحشاء وبذلك تكون العذراء امه باحتوائه الجسد

الفكر الارثوذكسي يميل الي الرأي الاول , ولكن ليس لان صلاة الاعتراف تقول اؤمن ان هذا هو جسده المحيي الذي اخذه من سيدتنا مريم , يجعله راجحا , لان الموضوع له ابعاد اعمق من هذا الاعتراف

اما من يتبع نظرية انسلم في الترضية فسيميل الي الرأي الثاني , فنظرية الترضية تقول ان الخطية غير محدودة وعليه فلابد ان يكون الفدية هو انسان قيمته غير محدودة , هذه النظرية التي نعرفيها جميعا وندلل بها على ايماننا , فهذه النظرية لا تضع في الاعتبار مشاركة المسيح الحقيقية في الجسد , بل اعتبارها الوحيد كونه انسان بديل عن انسان , ليس شرط لهذا البديل ان يكون من نفس اصل الانسان , ولكنه سيحل محله ويدفع قيمة الخطية ويرضي عدل الله , هذه النظرية بالرغم انها تمثل حجة قوية لكنها قاصرة على توضيح المفهوم الارثوذكسي

المفهوم الارثوذكسي عن المسيح ان المسيح شاركنا الطبيعة البشرية لكي يحملنا كلنا فيها , فلابد ان يكون مشاركا حقيقيا لنا , فهو لا ينوب عنا كبديل , ولكن ينوب عنا وهو يحملنا فيه , فكلنا قد صلبنا مع المسيح وكلنا قد قمنا معه , لهذا وجب ان يكون جسد المسيح مأخوذ من اصل بشري حقيقي ,لكي لا يكون مجرد مشابه لنا ولكن يكون مشارك حقيقي لنا

ومن هنا المسيح قد شاركنا اللحم والدم فاذ قد تشارك الاولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا (عب14:2) ولكن المفهوم الارثوذكسي للخلاص لم يتوقف الي هذا الحد , أي لم يتوقف الخلاص اننا قد صلبنا وقمنا مع المسيح وبهذا انتهت مشكلة الخطية ! مشكلة الخطية لازالت قائمة لاننا لم نتجدد بعد , فان كان المسيح قد حملنا في جسده, فقد نلنا ما قد ناله هذا الجسد من مجد , ومن بر , ومن قداسة , وهذا ما تفق عليه اباء الكنيسة بتسميته بلفظ “التأليه” فهي لا تعني ان نكون آلهة مساوية للاله الخالق ولكن تعني ان وجودنا في المسيح من خلال جسده فاننا سننال ما قد ناله هذا الجسد من مجد وكرامه نتيجه اتحادة باللاهوت

فيقول القديس اثناسيوس في مقاله الاول ضد الاريوسيين(38-39) “هو رب المجد وهو العلي، نزل من السماء وهو معبود على الدوام .. لذلك فهو لم يكن إنساناً ثم صار بعد ذلك الهاً، بل كان الهاً وصار انساناً بالأحرى كي يؤلهنا” 
ويقول ايضا في رسالته الثانيه لاسقف سيرابيون (4) ان كان البعض قد دعيَ آلهة فذلك ليس حسب الطبيعة بل حسب اشتراكها مع الابن 
ويقول القديس غريغوريوس النزيزي في العظة الاولى عن القيامة (5)” فلنصر مثل المسيح لان المسيح صار مثلنا , لنصر آلهة من اجله , لانه هو ايضا من اجلنا صار إنسان “

ولكن كيف اتحدنا بهذا الجسد , هل هي وحده اعتبارية , أي ليست حقيقية ؟

للاجابة على هذا السؤال علينا ان نرى الخلاص من منظور ثالوثي أي من عمل الثالوث , الخلاص قدمه الاب من خلال الابن , انتهى عمل الابن عند القيامة , اين الروح القدس؟
الروح القدس هو روح الابن (غل6:4) والمسيح ارسل روحه ليحل فينا , ويسكن , ونكون هيكل للروح القدس , وبهذا يكون الابن نفسه فينا , أي ان الروح القدس هو من يوحدنا بالمسيح لنكون مشاركين عمله الخلاصي , وهذه هي المعمودية , بل ايضا من خلال الروح القدس نشارك المسيح في بنوته للاب فالمسيح هو الابن الوحيد قد حملنا كلنا فيه أي جسده وان كنا ابناء فنحن وارثون ايضا مع المسيح (رو17:8)

ويقول القديس اثناسيوس في مقاله الثاني ضد الاريوسيين (59) “فهذه هي محبة البشر بالنسبة لاولئك الذين صنعهم فقد صار لهم أبا ايضا بعد ذلك بحسب النعمة وقد صار لهم ابا –كما قال الرسول- عندما حصل الناس المخلوقون على روح ابنه في قلوبهم صارخا ايها ابانا ايها الاب (غل6:4) فهؤلاء هم الذين قبلوا الكلمة ونالوا منه سلطانا ان يصيروا اولاد الله لانه لم يكن في امكانهم –حيث انهم مخلوقات بالطبيعة- ان يصيروا ابناء بايه طريقة اخرى الا بان يتقبلوا روح الابن الحق بالطبيعة لذا فلكي يحدث هذا فقد صار الكلمة جسدا لكي يجعل الانسان قادرا على تقبل الالوهية”
ويقول ايضا في رسالته الاولي لسيرابيون (27) ان وجودنا في الاب ليس منا بل من الروح القدس

ومن هنا قال المسيح انا فيهم وانت فيَ لنكون مكملين الي واحد(يو23:17) فوجودنا في المسيح بعمل الروح القدس يجعلنا في الاب وهذا هو الخلاص ان نكون واحدا مع الاب بالابن في الروح , فكيف ننجوا نحن ان اهملنا خلاص هذا مقداره ؟ (عب3:2)

واخيرا اختم كلامي بقول القديس كيرلس الكبير في شرح انجيل (يوحنا 14:1) :” ان تاكيده بأن “الكلمة ” حل فينا ذو منفعة عظمى لانه بذلك يكشف لنا سرا من اعمق ما يمكن , فاننا جميعا كنا في المسيح , والشخصية البشرية العامة تستعيد فيه الحياة (البشرجميعا) ولذلك فانه يدعى آدم الاخير ,…. تمتد هذه الكرامة الي البشرية كلها وبسبب الواحد (المسيح) يدركنا القول :انا قلت انكم آلهة وبنو العلي كلكم افلا يظهر بجلاء انه نزل الي مستوى العبد ليس لكي يربح من ذلك شيء لنفسه بل لكي ينعم علينا بشخصه فنغتني بافتقاره (2كو9:8) ونرتقي بمشابهتنا له الي صلاحه الخاص الفائق ونكون آالهة وابناء لله بالايمان ؟ لقد حل الكلمة في الجميع بحلوله في هيكل جسده الواحد المأخوذ منا ولاجلنا حتى يقتني الجميع في نفسه “

وهنا ان كنا قد صرنا متحدين بالمسيح فقد صرنا واحدا في المسيح , هذه هي الكنيسة , كلنا قد صرنا واحدا في المسيح , وحده حقيقية وشركة حقيقية بعمل الروح القدس , هذا السر عظيم (اف32:5) من هذا المفهوم نفسر كل ما هو خاص بالكنيسة في وحدة الروح

من موسوعة المصطلحات الكنسية – الشركة κνινωνία Koinonia

 

من موسوعة المصطلحات الكنسية – الشركة κνινωνία Koinonia

من موسوعة المصطلحات الكنسية – الشركة κνινωνία Koinonia

 

الشركة κνινωνία Koinonia

* هذه الكلمة نتيجة حتمية لكلمة التدبير (سبق وتم كتابة شرح المعنى في موضوع سابق عن التدبير)، وهي كلمة تهتز لها المشاعر والأحاسيس البشرية، لأنها سرّ محبة الله التي دبرها في ابنه الوحيد يسوع المسيح إلهنا الحي كي ما يوحدنا به.

ولو نظرنا لبدء حياة الإنسان وتاريخه وعدنا لسفر التكوين، سنجده أنه يسجل لنا تمزق الشركة مع الله، وتبعها تلقائياً فقدان الوحدة بين البشر وتفتتهم وانقسامهم الذي لازال العالم كله تحت نيرها وحتى الكنيسة نفسها تعاني منها لصورة انقسامات كثيرة وتعددية، وذلك بسبب البعد عن الشركة، لأن الانقسام يأتي من رفض الشركة مع الله أولاً وبالتالي مع كل آخر كنتيجة…

ومع كل ذلك فالله كان يشهد على مر تاريخ الخلاص كله منذ تمهيده في العهد القديم إلى إعلانه في العهد الجديد بالشركة، حتى أنه تعامل مع الأمه اليهودية وقال عنها إسرائيل ابني البكر، إذ يخاطبهم كواحد، لأنه منذ البدء خلقنا من إنسان واحد لنفهم معنى الشركة في وحدة المحبة لا عقلاً إنما على مستوى الخبرة لأننا من رأس واحد، لكي ندخل في النهاية لرأس الخليقة الحقيقي، الذي سُمي بالبكر الحقيقي من جهة أنه رأس الخليقة الجديدة وبدئها أي هو أساسها الحي …

وKoinoni أي الشركة هي أساس العبادة وقاعدتها: [ وكانوا يواظبون على تعليم الرسل وكسر الخبز والصلوات ] (أعمال 2: 42)، لذلك كل من لا يشترك في العبادة مع إخوته الذين يحيون حياة الشركة فهو خارج الجسد الواحد ولم يدخل بعد في سرّ الشركة كالتدبير المُعلن من الله في شخص المسيح ابن الله الحي [ إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الأزمنةليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الارض في ذاك ] (أفسس 1: 9 – 10)…

ولنا أن لا نخلط بين هذه الكلمة وبين كلمات أخرى تدل على الشركة كما يعتقد البعض ويظن أن اللفظة اليوناني هنا تأتي بمعناها العام، ولكن القديس بولس الرسول يخصها ويربطها – على وجه قاطع – بعلاقة الإيمان بالمسيح الرب [ شركة ابنه ]، [ شركة الروح القدس ]،[ مشاركة في الإنجيل، إنجيل الخلاص وبشارته ]، [ شركة إيمان ]، و [ يمين الشركة ]، وهذا كله سنجده في رسائل القديس بولس في أفسس وكورنثوس الأولى والثانية وغلاطية، وملامح الشركة موجوده في كل الرسائل…

وليس للقديس بولس وحده بل هي سمة الكتاب المقدس كله، منذ العهد القديم بالسرّ والتدرج في المفهوم، وفي العهد الجديد بحياة الشركة الواضحة، ولو عدنا لصلاة الرب نفسه في جثسيماني سنجدخا واضحة جداً حينما طلب أن نكون واحد، وهذا موجود صداه في رسالة القديس يوحنا الرسول الأولى، إذ تكلم عن شركة القديسين في النور… 

فقصد الله وتدبيره في عمله الخلاصي (خطة أو تدبير الخلاص) هو الوحدة معه أي شركة الحياة معه. وهذا هو نص الكتاب المقدس عن الشركة :

  • + ” كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة (koinonia) دم المسيح، الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح، فأننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد ” (1كورنثوس 10: 16 و17)

  • + ” أمين هو الله الذي به دُعيتم إلى شركة (Koinonia – fellowship) ابنه يسوع المسيح ” (1كورنثوس 1: 9)
  • + “الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ” (يوحنا 1: 3)

وهذه هي طلبة المسيح الرب وعطيته: ” ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا ليؤمن العالم إنك أرسلتني ” (يوحنا 17: 21)

* إذن الشركة أو (koinonia) هي علاقة بين الله والإنسان، علاقة شركة لها خطة – تدبير – وتقوم على أساس سرّ محبة على مستوى البذل من طرف لا يخون عهده ووعده أبداً، أي الله المحبة المطلقة، لأنها طبيعته، أي جوهره، وليست مجرد صفة، وهذا هو سرّ التجسد الإلهي.

* عموماً النتيجة الحتمية لسرّ التجسد الإلهي حسب التدبير – حسب خطة الله – هو الحياة الأبدية، وهذا لا يتوقف على تغيير الناس، لأن الله لا يتراجع عن عهده أبداً، لأن الله ثابت في عمله ويكفينا أنه اشترك في بشريتنا واتخذ جسدنا، ليجعل كل ذي جسد يشترك معه ويكون معه واحداً، أي انه اتحد بنا اتحاد حقيقي غير قابل للانفصال بالتجسد لنصير معه واحداً باستمرار تناولنا جسده ودمه، وهذا السرّ في الشركة أبدي لن يتوقف فعله فينا أبداً شرط أن نؤمن ونتناول، ونطيع وصايا الله بالنعمة والتوبة المستمرة بلا توقف.

يقول القديس هيلاري (367م): [ إن ابن الله قد وُلِدَ كإنسان من العذراء في ملء الزمان لكي يرفع البشرية في شخصه حتى الإتحاد باللاهوت (الله) (أتحاد نسبي بالطبع كفعل نعمة بسبب التجسد ولا نتكلم عن أي اتحاد مطلق ولا شركة من جهة أننا نصير الله، فرجاء أن لا يخرج أحد عن المعنى المقصود لندخل في مهاترات جدل عقيم لا معنى له) ] (في الثالوث 9: 5)

ويقول القديس أمبروسيوس: [ بالروح نقتني صورة الله وننمو إلى مشابهته، وبالروح كما يقول معلمنا بطرس – نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وهذه الشركة لا تعطينا ميراثاً جسدياً، بل تلك الرابطة الروحية في نعمة التبني ] (على الروح القدس 8 : 94 و 95)

والشركة: تعني أيضاً الاشتراك في الأسرار المقدسة وهي قمة الإتحاد بالله في ربنا يسوع المسيح الذي لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحده ولا طرفة عين، ولم يحدث فيه أي اختلاط ولا امتزاج أو تغيير.. وفي هذا السرّ يتم تسليم عنصري الذبيحة المقدسة أي جسد المسيح الحقيقي ودمه الحقيقي لنحيا به ويصير لنا ترياق الخلود بحد قول الآباء من جهة الخبرة على المستوى الاختباري العملي والمستيكي. 

  • فلنفرح يا إخوتي ونحقق شركتنا مع الله متمسكين بها ولا نترك ما قد أُعطي لنا، وذلك ليكون لنا حياة حقيقية على المستوى العملي مبتعدين عن روح الجدل الذي أفقدنا حياتنا الشخصية مع الله وانحصارها في الفكر وَحدهُ والفلسفة والخلاف بلا خبرة ولا حياة، حتى أننا فقدنا الشركة مع الله والقديسين في النور، وصار عقلنا المفكر بمنطق الفكر والفلسفة عائق رئيسي للشركة، فلنتب ونعرف الله لا على مستوى الفكر المجرد من التقوى ورؤية الله، بل على مستوى الشركة والحياة…
  • شركة وعطية الروح القدس تكون مع جميعكم من فم آبائنا الرسل الأطهار في جوهرهم العقلي الذين نطقوا وتكلموا بالروح والسلطان الرسولي الممنوح لهم من الله في المسيح يسوع ربنا ومخلصنا الصالح، كونوا معافين باسم الرب إلهنا آمين

من موسوعة المصطلحات الكنسية – الشركة κνινωνία Koinonia

Exit mobile version