لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

العيش في المنطقة الآمنة

قادني تفسير جونزاليز للتساؤل عن مدى ملائمة أماكن أخرى لاستضافة حياة ذكية. كنت أعرف أن هناك ثلاثة أنواع أساسية من المجرات في كوننا. أولاً، هناك المجرات اللولبية مثل مجرتنا الطريق اللبني. وهذه يسودها نتوء كروي وطبق له “أذرع لولبية” تمتد للخارج من النواة بطريقة لولبية في شكل دولاب هوائي سماوي. ثانياً، هناك المجرات البيضاوية التي لها شكل البيضة. وثالثاً، هناك المجرات البيضاوية التي لها شكل البيضة. وثالثاً، هناك المجرات الشاذة التي تبدو غير منظمة ومشوهة. طلبت من جونزاليز تقييم الإمكانية الحاملة للحياة لكل منها.

فقال بنغمة احترافية: “إن نوعية مجرتنا تدعو بالتأكيد للإقامة لأنه يتيح مناطق آمنة. والأرض موجودة في منطقة آمنة، ولهذا تمكنت الحياة من الازدهار هنا”.

“كما ترى، فإن للمجرات درجات متنوعة من تكوين النجوم؛ حيث تتحد غازات ما بين النجوم لتكوين النجوم، والمجموعات النجمية، ونجوم ضخمة تنفجر كسوبرنوفا. والأماكن التي ينشط فيها تكوني النجوم خطرة للغاية حيث نتفجر فيها السوبرنوفا بمعدل مرتفع نوعاً. وفي مجرتنا، فإن تلك الأماكن الخطرة تقع أساساً في الأذرع اللولبية، حيث توجد أيضاً سحب جزيئية عملاقة خطرة. ومن حسن حظنا – رغم كل هذا – أننا موجودين في أمان بين الذراعين اللولبيين برج القوس وفرساوس”.

“علاوة على ذلك، فنحن بعيدون جداً عن نواة المجرة التي تعتبر أيضاً مكان خطر. ونحن نعلم الآن بوجود ثقب أسود هائل في مركز مجرتنا. في الواقع، فإن تلسكوب هابل الفضائي اكتشف أن كل مجرة كبيرة قريبة تقريباً بها ثقب أسود عملاق في نواتها. وصدقني، هذه أشياء خطرة للغاية!”

“إن معظم الثقوب السوداء – في أي وقت محدد – غير نشطة ولكن حتى اقترب منها أي شيء أو سقط فيها، فإنه يتمزق بقوى المد الشديدة. تنطلق طاقة هائلة – أشعة جاما، وأشعة X، وإشعاع جزيئي – وأي شيء في داخل المجرة سيتعرض لمستويات مرتفعة من الإشعاع. وهذا أمر خطير جداً لأشكال الحياة. كما أن مركز المجرة هو خطير أيضاً لأن هناك المزيد من السوبرنوفا تتفجر في المنطقة”.

“أمر آخر هو أن تركيب مجرة لولبية يتغير بينما تخرج من المركز. ووفرة العناصر الثقيلة يكون أكثر نحو المركز، لأنه في هذا المكان كان تكوين النجوم أكثر نشاطاً عبر تاريخ المجرة. وهكذا تمكنت من طهي الهيدروجين والهيليوم إلى عناصر ثقيلة بسرعة أكثر، في حين أنه في القرص الخارجي للمجرة، كان تكوين النجوم يتم ببطء أكثر عبر السنين، ولهذا فإن وفرة العناصر الثقيلة ليست في نفس الارتفاع. ومن هنا، فالمناطق الخارجية للقرص أقل احتمالاً لاستضافة كواكب من طراز كوكب الأرض”.

“والآن، اربط هذا كله معاً – المنطقة الداخلية للمجرة أكثر خطورة من الإشعاع والتهديدات الأخرى: والجزء الخارجي من المجرة لن يتمكن من تكوين كواكب ككوكب الأرض لأن العناصر الثقيلة ليس متوافرة بشكل كاف، وأنا لم أذكر حتى كيف أن القرص الرقيق لمجرتنا يساعد شمسنا في البقاء في مدارها الدائري المناسب. فإن مداراً منحرفاً تماماً كان من الممكن أن يجعلها تعبر الأذرع اللولبية لتذهب إلى المناطق الداخلية الخطرة من المجرة، ولكن لأنها دائرية فإنها تبقى في المنطقة الآمنة”.

ثم أضاف بنبرة انتصار نوعاً ما: “وهذا كله يعمل معاً لخلق منطقة آمنة ضيقة يمكن وجود كواكب داعمة للحياة فيها”.

فحص النجوم بحثاً عن حياة

فجأة، كانت الأرض تبدو خاصة بشكل رائع، وقد استقرت كما لو أنها شظية من الفضاء تمنحها سماء آمنة من أي تهديد آخر في مجرة الطريق اللبني. ولكن ماذا عن الأنواع الأخرى من المجرات؟ هل من الممكن أيضاً أنها تقدم جيران خاليين من التهديد بالنسبة للكواكب المأهولة؟

سألت جونزاليز: “ماذا عن المجرات البيضاوية؟ هل لديها إمكانية استضافة حياة؟”

فأوضح قائلاً: “إن المجرات البيضاوية تبدو غير متبلورة ولها شكل بيضاوي، ونجومها لها مدارات عشوائية جداً كالنحل الذي يستعمر خلية. ومشكلة الحياة في هذه المجرات هي أن النجوم تزور كل منطقة، وهذا يعني أنها تزور بالضرورة المناطق الداخلية الكثيفة الخطرة، حيث قد يكون ثقب أسود نشيطاً. وعلى أي الأحوال، يقل احتمال أن تجد كواكب مثل الأرض في المجرات البيضاوية لأن معظمها يفتقد العناصر الثقيلة الضرورية لتكوينها”.

كانت هذه نقطة هامة، لأنني كنت أعلم أن معظم المجرات تقع في تصنيف المجرات البيضاوية.

واستطرد جونزاليز: “معظم المجرات البيضاوية أقل كتلة وإضاءة من مجرتنا. فمجرتنا هي أعلى المجرات كتلة وإضاءة بنسبة 1٪ أو 2٪. وكلما كانت المجرة أكبر كلما أمكن احتوائها على عناصر ثقيلة، لأن جاذبيتها الأقوى يمكنها جذب كمية أكبر من الهيدورجين والهيليوم، وتدوير ليناء عناصر ثقيلة. أما في المجرات منخفضة الكتلة، والتي تكون الغالبية العظمى، فيمكنك أن تجد مجرات بأكملها دون أن تجد فيها كوكباً واحداً يشبه كوكب الأرض. فليس لديها ما يكفي من العناصر الثقيلة لبناء الأرض. تماماً كمجموعة كروية – يمكنك أن تجد مجموعة كروية كاملة بمئات الآلاف من النجوم، ومع ذلك لا تكون أرضاً واحدة.

“إذا نظرت إلى أعمق الصور التقطها تلسكوب هابل الفضائي، فإنها توضح آلاف المجرات عندما كان الكون وليداً حقاً. وقد علق الناس: “يا للدهشة، انظروا إلى كل تلك المجرات! وإني أتساءل كيف تنظر إلينا حضارات كثيرة؟ في تلك الصورة، سأقول صفراً. آلاف وآلاف وآلاف من المجرات، ولكن لا أرض واحدة، لأن العناصر الأثقل لم تبن بعد ما هو كافي”.

فقاطع ريتشاردز الحوار: “بالطبع نحن لا ننظر إلى هذه المجرات كما هي موجودة الآن، لكننا ننظر إلى الماضي، 9 بليون سنة مضت مثلاً. من الممكن أن تكون بعض تلك المجرات موجودة الآن في نفس حالة الطريق اللبني. ولا نعلم هذا على وجه اليقين”.

وأضاف جونزاليز: “ولكن هذا كان في الماضي حين كانت خطرة للغاية، لأنها كانت فترة النجوم الزائفة، وانطلاق السوبرنوفا، والثقوب السوداء. وحتى إن كانت لديك مناطق قليلة في المجرة كانت فيها عناصر ثقيلة كافية لبناء كوكباً كالأرض، لكانت قد أضاءت بقوة شديدة لا تسمح بوجود حياة”.

بتقرير أن المجرات البيضاوية مواقع غير محتملة لإنشاء حضارات، اتجهت لتصنيف آخر من المجرات يدعى المجرات الشاذة. وتساءلت: “ما مدى إمكانية وجود حياة فيها؟”

“كالمجرات البيضاوية، لا تتيح أيضاً مكاناً آمناً. في الواقع هي أسوء حالاً. فهي مشوهة وممزقة، وقد انطلقت من السوبرنوفا من خلالها. وليست هناك أماكن آمنة تنفجر فيها سوبرنوفا أقل كما هو الحال في الأذرع اللولبية لمجرتنا.

“ما زال علماء الفلك يكتشفون تهديدات جديدة للحياة. فمثلاً، نحن نتعلم أكثر عن انفجارات أشعة جاما، والتي هي أقوى من السوبرنوفا. فإن اقترب إليك أحدها، لانطفأت الأضواء. ولهذا فاحتمالية وجود حضارات في أماكن أخرى تتضاءل بينما نعرف التهديدات الجديدة التي لم نكن نعرفها من قبل.”

سألته: “ما رأيك إذا عن موقع الأرض في الكون؟”

فقال جونزاليز: “بمصطلحات القابلية للحياة، أعتقد أننا في أفضل مكان ممكن. وهذا لأن موقعنا يتيح القوالب البنائية الكافية لنشأة أرض. بينما يتيح مستوى أقل من التهديدات للحياة. وبصراحة لا يمكنني ان أعطيك مثالاً عن مكان آخر في المجرة صالح للحياة مثل موقعنا. أحياناً ما يقول الناس إنه بإمكانك أن تكون في أي جزء من أية مجرة. حسناً، لقد درست المناطق الأخرى – الأذرع اللولبية، ومراكز المجرات، والمجموعات الكروية، وحافة الأقراص – وبغض النظر عن مواقعها، وجدت أنها لا تصلح للحياة. لا أعتقد بوجود أي مكان أفضل مما نحن فيه الآن”.

فقلت: “هذا يدعو للسخرية. إنه عكس المبدأ الكوبرنيكي”.

فاتفق ريتشاردز قائلاً: “لقد كانت دعاية المبدأ الكوبرنيكي هي أن مسيرة العلم الطويلة أظهرت كم أن حالتنا مألوفة وعادية. لكن الميل في الاتجاه المعاكس. فكلما تجمع التهديدات التي نكتشفها في معظم الأماكن في الكون، وتقارنها بالطرق العديدة التي نبدو فيها في ستر من الأمان، كلما يبدو موقعنا فريداً”.

وقال جونزاليز: “وأشهر مثال هو مجموعتنا الشمسية. فمن حين إلى آخر اعتقد العلماء بوجود حضارات على كل جسم تقريباً من مجموعتنا الشمسية – القمر والمريخ والمشتري”.

“بنى بيرسيفال لاويل مرصده الفلكي الخاص في أريزونا للعثور على هذه الحضارة على المريخ. واقتبس بالفعل من كوبرنيكوس لتبرير اعتقاده بأننا لا يمكن أن نكون الحضارة الوحيدة. والآن غيروا موقفهم لحد القول بأنه ربما يكون هناك تراب طيني بين سطحي المريخ ويوروبا. وحتى هذا الأمر مشكوك فيه جداً. وهكذا اضطروا للتراجع”.

وأشار ريتشاردز: “غالباً ما يصف المبدأ الكوبرنيكي خواصاً غير مهمة. فمن يهتم حقاً ما إذا كنا في مركز المجرة؟ فهذا غير متعلق بالموضوع! أما المهم حقاً فهو ما إذا كنا في المكان الأكثر تناسباً للحياة. وهذا تماماً المكان الذي توجد فيه الأرض”.

الكواكب التي تدور حول النجوم الأخرى

خلال الأعوام القليلة الماضية، تمكن علماء الفلك أخيراً من اكتشاف كواكب تدور حول نجوم أخرى، وكان هذا تأكيد رئيسي لما كان سابقاً فكر شائع. فتساءلت: “ألا يؤكد هذا عدم وجود شيء متميز عن نظامنا العادي ذي الكواكب التسعة؟”

فقال جونزاليز: “سأعترف أن هذا يوضح أن مجموعتنا الشمسية ليست متفردة إن كانت بها كواكب تدور حول نجم. ولكن قبل اكتشاف أول كوكب يدور حول نجم يشبه الشمس في العام 1995، كان التوقع هو أن علماء الفلك سيكتشفون كواكب غازية عملاقة في مدارات دائرية واسعة تشبه المشتري إلى حد كبير. فالمشتري يدور حول الشمس في 12 سنة في مدار دائري تقريباً، بعيداً عن الكواكب الأرضية – عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ”.

“ومع ذلك، نكتشف أن الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى تختلف تماماً عن المشتري. فهي تدور على مدى كامل من المسافات، من مجرد كسر بسيط من الوحدة الفلكية – التي هي المسافة بين الأرض والشمس – إلى وحدات فلكية كثيرة. ومعظم مداراتها بيضاوية إلى حد كبير، وقليل جداً منها دائرية. وهذه المدارات غير الدائرية أدهشت علماء الفلك بشدة. فبسبب أنها أيدت المبدأ الكوبرنيكي بقوة، فقد توقعوا أن الأنظمة الكوكبية الأخرى ستكون مثل كوكبنا. وهذا التوقع انهار تماماً”.

فسألت: “وما خطأ مدار بيضاوي لتلك الأنواع من الكواكب؟”

فرد جونزاليز: “إنه يفرض مشكلة ملائمة الإقامة بالنسبة لأية كواكب أرضية في نظامها، لأنه يجعلها أقل احتمالاً لأن تكون بها مدارات دائرية مستقرة. فمثلاً، مدار الأرض هو دورة كاملة تقريباً. وكوكب بكتلة الأرض سيكون حساساً لأي من الكواكب الغازية العملاقة إن كانت لها مدارات منحرفة أكثر. إن مدار الكوكب الشبيه بالأرض سيتأثر، فيجعله أقل دوراناً، ومن هنا يُعرض الكوكب لتنوعات خطرة في درجة حرارة السطح”.

فقلت: “إذاً، إن كان للمشتري مداراً أكثر بيضاوية، فلن يتمكن كوكب الأرض من الاحتفاظ بمدار في نفس مستوى الدائرية ويتمتع بدرجة الحرارة الثابتة وبالمناخ المتوقع الذي يصاحب ذلك”.

فقال: “هذا صحيح. في الواقع، حتى التنوعات الصغيرة في مدارنا الدائري تقريباً يمكنها إنتاج عصور جليدية، لأن درجة الحرارة تتغير على سطح الكوكب. وعلينا أن نحتفظ بمدار دائري بقدر المستطاع لكي نحتفظ بدرجة حرارة ثابتة نسبياً. وهذا ممكن فقط لأن مدار المشتري ليس بيضاوياً جداً، ولهذا فهو لا يهدد بتشويه مدارنا الدائري”.

احتمال الضربات الموجهة للأرض

بينما كنا نناقش نظام مجموعتنا الشمسية، أردت التعمق في عوامل “محلية” أخرى تجعل من كوننا صالحاً للسكنى. فتساءلت: “ماذا في مجموعتنا الشمسية يسهم بالحياة على الأرض؟”

فقال جونزاليز: “مقدار مذهل. فعلى التوالي يتعلم علماء الفلك كيف أن الكواكب الأخرى تناقض قابلية الأرض للمعيشة. فمثلاً، أوضح جورج ويزريل من معهد كارنيجي في العام 1994 أن المشتري – الذي هو أكبر من كتلة الأرض بمقدار 300 مرة – هو بمثابة درع يحمينا من تأثيرات مذنبات قريبة جداً. فهو يُزيغ المذنبات حقاً ويُبعد كثيراً منها من القدوم إلى داخل المجموعة الشمسية، حيث يمكنها الاصطدام بالأرض مما يؤدي بعواقب تقضي على الحياة”.

“وقد اتضح هذا بطريقة بديعة باصطدام المذنب Shoemaker Levy بالمشتري في يوليو من العام 1994. فقد تجنب هذا المذنب بقوة الجذب الهائلة التي لكوكب المشتري، وتحطم إلى أجزاء، كان كل منها تضرب المشتري. وحتى كوكب زحل وأورانوس يشتركان في هذا النوع من اصطياد المذنبات”.

“وبالإضافة إلى ذلك، فالكواكب الأخرى في مجموعتنا الشمسية الداخلية تحمينا من أن نُقذف بكويكبات من الحزام الكويكبي. فالكويكبات تقع في أغلبها بين مداري المريخ والمشتري. وخطنا الدفاعي الأول هو المريخ لأنه يقع على طرف حزام الكويكبات. فهو يتحمل عنا ضربات كثيرة. وهكذا يفعل كوكب الزهرة. أن كنت تريد أن تعرف شيئاً عن الأشياء التي قد تضرب الأرض، فانظر إلى سطح القمر. فالقمر، لسوء الحظ، به منطقة سطحية صغيرة للغاية حتى أنها لا يمكنها أن تقدم حماية كثيرة، لكنه سجل جيد”.

فتساءلت: “ماذا عن موقع الأرض في المجموعة الشمسية. وإلى أي مدى يسهم هذا في قابليتها للسكنى؟”

“هناك فكرة صاغها البيولوجيون الفلكيون تسمى بالمنطقة المأهولة حول النجوم Circumstellar Habitable Zone. وهي المنطقة التي حول نجم حيث يمكنك أن تجد الماء السائل على سطح كوكب أرضي. وهذا تقرره كمية الضوء التي تحصل عليها من النجم المضيف”.

“وليس بإمكانك أن تكون قريباً للغاية، وإلا لتبخرت كمية كبيرة من المياه في الغلاف الجوي، وسببت أثراً حاسماً كأثر الصوبة الزجاجية. ونحن نعتقد أن هذا ربما يكون قد حدث لكوكب الزهرة. لكن إن ابتعدت بعيداً جداً، سيصبح الجو بارداً للغاية. فالماء وثاني أكسيد الكربون يتجمدان، وسرعان ما يكون لديك في النهاية جليداً”.

“النقطة الأساسية هي أنه بينما تبتعد عن الشمس، عليك بتزويد محتوى ثاني أكسيد الكربون للغلاف الجوي للكوكب. وهذا ضروري لصد إشعاع الشمس والاحتفاظ بالماء السائل. والمشكلة هي أنه لن يكون هناك أوكسجين كاف لوجود كائنات حية شبيهة بالثديات. فهو موجود فقط في الطرف الداخلي للمنطقة المأهولة حول النجوم؛ حيث يمكن أن يكون لديك قدر منخفض كافي من ثاني أكسيد الكربون مع قدر مرتفع كاف من الأوكسجين لتدعيم الحياة الحيوانية المعقدة. وهذا هو المكان الذي نعيش فيه”.

فتساءلت: “ماذا يحدث لو أن بعد الأرض عن الشمس قد تحرك ب 5٪ مثلاً من أية ناحية؟”

فأتاني رده السريع: “كارثة. فالحياة الحيوانية ستصبح مستحيلة. ومنطقة الحياة الحيوانية في المجموعة الشمسية أضيق مما يتصور معظم الناس”.

وأضاف ريشاردز: “ولهذا السبب تحتاج مداراً دائرياً كمدار الأرض. فأنت لا تريد فقط أن تكون في المنطقة المأهولة حول النجوم قليلاً من القوت، بل باستمرار. ولن يفيدك أبداً وجود ماء سائل لمدة أربعة أشهر ثم يتجمد الكوكب كله مرة ثانية”.

شمسنا فائقة الإنجاز

من الواضح أن مفتاح استمرار الحياة على الأرض هو الشمس التي يمدنا انصهارها النووي – الذي يحدث في مركزها عند درجة حرارة 27 مليون درجة / فهرنهيت – بالدفء والطاقة الدائمة من بعد 93 مليون ميل. ومنذ أن كسوفاً شمسياً وأنا طفل، وقمت بحماية عيني بعناية بملاحظة الظاهرة من خلال صورة في صندوق كرتوني، انجذبت بقوة نحو هذا الكائن الناري الضخم، والذي تصل كتلته إلى 300,000 مرة أكبر من الأرض.

ومع ذلك، كان يقال لي دائماً إن الشمس ليس متفردة في شيء. يقول نص بصراحة: “الشمس نجم عادي ثابت”[1]. وإذا كانت الشمس فعلاً نجم متوسط جداً، ونموذجي جداً، وغير مميز أبداً، فالتضمين المنطقي سيكون أن كثيراً من الكواكب الشبيهة بالأرض الحاملة للحياة لا بد أن تدور حول كثير من الشموس المشابهة عبر الكون.

فقلت لجونزاليز: “يعرف الفلكيون اليوم عن النجوم أكثر من معرفتهم عندما كنت صغيراً. هل ما زال الإجماع على أن الشمس مجرد نجم عادي؟”

فأجاب جونزاليز: “كلا على الإطلاق. فمؤخراً بدأت بعض كتب الفلك الحديثة تقول إن الشمس نجم غير عادي بعد كل هذا. وعلى سبيل المثال، فهي بين نسبة الـ 10٪ من أضخم النجوم في المجرة. وفي الواقع، إن اخترت نجماً بعشوائية، فمن المحتمل أن تختار نجماً أقل حجماً بكثير من الشمس، وعادة ما ستختار نجوم قزمية حمراء، والتي تكوّن حوالي 80٪ من النجوم. وحوالي 8٪ إلى 9٪ تسمى بأقزام G ومعظمها أصغر من الشمس. أما الشمس فهي نجم قزمي أصفر، وتقنياً لها طراز طيفي يسمى G2.

كان تعليقة عن الأقزام الحمراء قد أثار فضولي، فتساءلت: “بما أن النجوم القزمية تسود الكون، فدعنا نتحدث عنها قليلاً. هل هي موصلة لدرجة أن تكون كواكب حاملة للحياة تدور حولها؟”

فقال جونزاليز: “لا أعتقد ذلك”.

“لما لا؟”

“لأسباب عديدة. أولاً، الأقزام الحمراء تقذف معظم إشعاعها في الجزء الأحمر من الطيف، مما يجعل البناء الضوئي أقل كفاءة. وللعمل جيداً، فإن البناء الضوئي يتطلب ضوءً أزرق وأحمر. لكن مشكلة أكبر هي أنك بينما تقلل من كتلة نجم فسوف تقلل أيضاً قوة إضاءته. وعلى الكوكب أن يدور حول هذا النوع من النجوم بقرب أكثر للحصول على حرارة كافية للحفاظ بالماء السائل على سطحه”.

“والمشكلة هي أن قوة المد بين النجم والكوكب تزداد قوة كلما اقتربت منه، ولهذا يهدئ الكوكب من دورانه إلى أن يصل إلى ما يسمى بالحالة المغلقة من ناحية المد. وهذا يعنى أنه يقدم دائماً نفس الوجه نحو النجم. وهذا أمر سيء للغاية لأنه يتسبب في اختلافات كبيرة في درجة الحرارة بين الجانب المضيء والجانب غير المضيء. فالجانب المضيء سيكون جافاً وساخناً بدرجة كبيرة، بينما الجانب غير المضيء سيكون متجمداً وبارداً. وهناك مشكلة أخرى – أن الأقزام الحمراء لها توهجات”.

“لكن الشمس لها توهجات أيضاً”.

“هذا صحيح وشدة التوهجات على الأقزام الحمراء تماثل تقريباً شدة التوهجات على شمسنا. والفرق هو أن الأقزام الحمراء ككل تُطلق ضوءً أقل بكثير، ولهذا فإنها أقل إضاءة بكثير. وهذا معناه بمقارنتها بإضاءة النجم أن نتاج التوهج أعلى”.

فرفعت يدي معارضاً: “لم تفهم ما أقصده”.

فرتب جونزاليز كلماته: “حسناً، دعني أصل إلى النقطة الرئيسية. بالنسبة لهذا النوع من النجوم، فإن التوهجات تتسبب في تنويع إضاءة النجم الكلية. في الواقع، يُطلق عليها علماء الفلك “النجوم المتوهجة”، ويلاحظونها وهي تصير أكثر توهجاً للحظات ثم أكثر خفوتاً من جديد. ونحن لا نهتم كثيراً بالتوهجات الشمسية لشمسنا لأن الشمس مضيئة جداً حتى أن التوهجات تكون مجرد ومضات. وبالكاد يمكنك ملاحظتها”.

وقال ريتشاردز: “وتذكر أننا على بعد 93 مليون ميل من الشمس. فمع قزم أحمر، على كوكبك أن يكون أكثر قرباً من النجم”.

فقال جونزاليز: “هذا صحيح. فزيادة الإضاءة سوف تحدث زيادات في درجة الحرارة على سطح الكوكب السيار. لكن السيء بنفس القدر هو الإشعاع الجزيئي المتزايد الذي سينتج عن التوهجات. فعلى الأرض نحصل على تأثير معتدل جداً يُسمى بمصطلح الريح الشمالي. فعندما يكون هناك توهج على الشمس، فإن الجزيئات تصل أخيراً إلى الأرض، وتدخل المجال المغناطيسي للقطبين الشمالي والجنوبي، ونرى مطلع الريح الشمالي في هيئة هذه الأضواء الجميلة في نصف الكرة الشمالي”.

“ومع ذلك، فإن الإشعاع الجزيئي له تأثير في إزالة درجة الحرارة بسرعة، وبذلك زيادة مستويات الإشعاع على السطح، لكن الأهم هو تدمير طبقة الأوزون التي نحتاج إليها لحمايتنا من الإشعاع. وهذه كله سيكون مميتاً لأية حياة على كوكب قريب من قزم أحمر”.

“وهناك مشكلة أخرى بالنسبة للأقزام الحمراء: إنها لا تنتج أشعة فوق البنفسجية كثيرة؛ والتي نحتاج إليها لبناء الأوكسجين في الغلاف الجوي. ويعتقد العلماء أن الأوكسجين في الغلاف الجوي للأرض تكوّن أولاً من الإشعاع فوق البنفسجي الذي حلل الماء إلى أوكسجين وهيدروجين. وقد سُمح للأوكسجين أن يُبنى في الغلاف الجوي، بينما تسر الهيدروجين في الفضاء لأنه أخف وزناً. لكنك تحصل على قدر قليل من الضوء الأزرق من قزم أحمر، ولهذا فإن هذه الظاهرة لا تقع بهذه السرعة، ولن تحصل على بناء الأوكسجين الذي نحتاجه لتدعيم الحياة”.

“ولحسن الحظ، فإن شمسنا ليست هي الكتلة الصحيحة لوحدها، لكنها تُصدر أيضاً الألوان الصحيحة – مزيجاً متوازناً من الأحمر والأزرق. وفي الواقع، لو كنا ندور حول نجم له كتلة أكبر، اسمه قزم F، لكان هناك إشعاع أزرق أكثر يبني الأكسجين وطبقة الأوزون بطريقة أسرع. ولكن أية مقاطعة سريعة لطبقة الأوزون ستعرض الكوكب لفيضان فوري من الإشعاع فوق البنفسجي الشديد، وهذا ما سيكون مدمراً للحياة”.

“وكذلك النجوم التي لها كتلة أكبر لا تعيش طويلاً، وهذه هي المشكلة الكبرى. فحتى النجوم التي لها كتلة أكبر من الشمس تعيش بضعة بلايين فقط من السنين. ومن المتوقع أن شمسنا تظل لحوالي عشرة بلايين سنة في مسارها الرئيسي، وتقوم بحرق الهيدروجين بطريقة ثابتة، في حين أن النجوم الأكبر بمقدار 10٪ من الكتلة لها معدل حياة أقل على نفس المسار. وبينما هي في نفس المسار، تغير إضاءتها بصورة أسرع. وكل شيء في دروة حياتها يحدث بطريقة أسرع”.

“هل هناك أي شيء آخر يجعل شمسنا غير عادية؟”

“نعم، فالشمس غنية بالمعادن؛ أي أنها تتمتع برصيد أعلى من العناصر الثقيلة مقارنة بنجوم أخرى في عمرها في هذا القطاع من المجرة. وكما يتضح، فإن معدنية الشمس ربما تكون قريبة من الموارد الذهبية لبناء كواكب أرضية مأهولة في حجم الأرض”.

“والشمس أكثر استقراراً بدرجة كبيرة من أكثر النجوم المشابهة. فنتاج ضوئها يتنوع فقط بمقدار 0,1٪ في دورة كاملة، والتي قد تصل إلى 11 عاماً. وهذا ما يمنع المناخ المتطرف يهاجم الأرض”.

“وأمر آخر هو أن مدار الشمس أكثر دائرية في المجرة من أي نجم آخر في عمرها. وهذا يساعد على حفظنا في الأذرع اللولبية الخطرة للمجرة. فإن كان مدار الشمس أكثر مركزية، فمن الممكن أن نتعرض للمخاطر المتعلقة بالمجرة التي ذكرتها سابقاً، مثل انفجارات السوبرنوفا”.

أدركت بعد تعليقات جونزاليز أنني أتطلع إلى سماء الليل المرصعة بالنجوم كما في الماضي. فقد اعتدت على رؤية النجوم كما لو كان يمكن استبدالها؛ وهذا مصطلح قانوني يُفيد بأن واحداً جيداً تماماً كآخر. لكني أفهم الآن لماذا تستبعد الغالبية العظمى من النجوم أوتوماتيكياً باعتبارها قادرة على تدعيم كواكب حاملة للحياة.

على النجم الذي يتمتع بالخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، والضوء الصحيح، والمسافة الصحيحة، والمدار الصحيح، والمجرة الصحيحة، والموقع الصحيح – أن يغذي كائنات حية على كوكب سيار. وهذا ما يجعل شمسنا وكوكبنا نادراً حقاً.

ومثلما انبهرت بالشمس، نظرت في اندهاش أيضاً إلى الجسم السماوي السائد الآخر في سماواتنا؛ أي القمر. وبدافع الفضول لمعرفة ما إذا كان هذا القمر الصخري الجاف يساهم بأي شيء لكوكبه المضيف – بغض النظر عن وحي الشعراء والرومانسيين – انتقلت لتحويل مناقشاتنا لقضايا خاصة بالقمر.

قمرنا الداعم للحياة

منذ قرون مضت كان من المعتقد أن المساحات الصغيرة المظلمة على سطح القمر – المناطق المنخفضة التي غمرتها الحمم البركانية البازلتية – بمثابة محيطات تتيح الماء المانح للحياة لسكانه غير المرئيين. وعُرفت باسم maria؛ وهو الاسم اللاتيني لكلمة “بحار”[2]. واستمر الاسم حتى الآن، فما زلنا مثلاً نشير إلى Mare Tranquilitatis، أي بحر الهدوء.

تطلع يوهان كبلر – فلكي القرن السابع عشر الذي قاوم الثورة الكوبرنيكية – إلى القمر، واعتقد أنه ميز كهوفاً كان مأهولة بسكان القمر. حتى أنه كتب كتاباً تخيل فيه ما عسى أن تكون حياتهم[3]. وبعد قرن من الزمان، اعتقد وليم هيرشل الذي اكتسب شهرة باكتشافه كوكب أورانوس أنه اكتشف مدناً، وطرقاً عامة، وأهرامات على سطح القمر.

ومع نمو المعرفة العلمية، تبددت أحلام وجود حضارات قمرية. واتفق الجميع أن القمر لا يمكنه تدعيم حياة. ومع ذلك، فإن الاكتشافات المدهشة في السنوات الأخيرة أظهرت أن العكس هو الصحيح: إن القمر بالفعل يدعم الحياة – أي حياتنا! فالأدلة العلمية تؤكد كيف أن هذا القمر الجاف منعدم الهواء يسهم بالفعل بطرق غير متوقعة في خلق بيئة مزدهرة مستقرة على الأرض على بُعد ربع مليون ميل.

وعندما سألت جوانزاليز كيف يساعد القمر في تدعيم الحياة على كوكبنا، كان أول ما ذكره هو اكتشاف يعود إلى العام 1993.

قال: “كان هناك اكتشاف ملحوظ بأن القمر يُثبت حقاً ميل محور الأرض. وهذا الميل مسؤول عن الفصول. فأثناء الصيف، في نصف الكرة الشمالي يتجه محور القطب الشمالي أكثر نحو الشمس. وبعد ستة أشهر، عندما تكون الأرض على الجانب الآخر من الشمس، يتجه القطب الجنوبي أكثر نحو الشمس. وعندما تكون ميل الأرض عند درجة 23,5، فهذا يمنحنا فصول معتدلة. ومن هنا فإن استقرار مناخنا يُعزى للقمر”.

“وماذا يحدث لو لم يكن القمر موجوداً؟”

“لتأرجح ميلنا بإفراط كبير، ونتجت انحرافات مناخية رئيسية. وإن وصل ميلنا إلى 90 درجة تقريباً، لتعرض القطب الشمالي للشمس لمدة ستة أشهر بينما يظل القطب الجنوبي في ظلام، ثم يحدث العكس. وبدلاً من ذلك، يتغير بحوالي درجة ونصف فقط؛ وهو تغير طفيف، لأن الجاذبية الناتجة عن مدار القمر تحفظه متزناً”.

واستطرد قائلاً: “إن الحجم الكبير للقمر مقارنة بكوكبه المضيف فريد من نوعه في المجموعة الشمسية الداخلية. فعطارد والزهرة ليس بهما أقمار. أما المريخ فبه قمران صغيران – مجرد كويكبات مجتذبة على الأرجح – ولا يقومان بأي دور في تثبيت محور المريخ. فمحور المريخ قريب حالياً من محور الأرض، ولكن هذا حدث بمجرد الصدفة. فهو يتنوع بالفعل على مدى كبير. وفي الواقع كل هذه الكواكب الثلاثة بها تنوعات فوضوية في ميلانها”.

“ويسهم القمر أيضاً بدور حاسم آخر؛ وهو أن يُزيد مدناً. فالقمر يُسهم بنسبة 60٪، والشمس تسهم بنسبة الـ 40٪ الباقية. والمد له دور مهم بدفع المواد الغذائية من القارات إلى المحيطات، وهذا ما يجعلها أكثر غنى بالمواد الغذائية مما يمكن أن تكون. وقد اكتشف العلماء منذ بضعة سنين أن المد القمري يساعد أيضاً على استمرار دورات المحيط واسعة المدى. وهذا مهم لأن المحيطات تحمل الكثير من الحرارة، وهذا ضروري للحفاظ على درجة الحرارة لدوائر العرض الأعلى معتدلة نسبياً”.

“ماذا يحدث لو كان القمر أكبر حجماً مما هو عليه؟”

“لو كان أكثر كتلة وفي نفس المكان، لكان المد قوياً للغاية، مما يخلق صعاب خطيرة. وكما ترى أن القمر يهدئ من دوران الأرض. فالمد يجذب الأرض ويبطئها قليلاً، وفي نفس الوقت يتحرك في مداره. ويمكننا بالفعل قياس ذلك. فرواد الفضاء تركوا مرايا على القمر، وكان الفلكيون يُسلطون تجاهها أجهزة ليزر منذ أوائل السبعينات. وقد أكدوا ان القمر يتحرك في مداره بمقدار 3,82 سم سنوياً”.

“وإن كان القمر أكثر كتلة، لأبطأ الأرض بدرجة أكبر. لصارت هذه مشكلة، لأنه لو طال النهار، لكانت لديك اختلافات كبيرة في درجة الحرارة بين النهار والليل”.

أكد جميس كاستنج – أستاذ في علم الأرض والمناخ في جامعة ولاية بنسلفانيا – أن “استقرار مناخ الأرض يعتمد بقدر كبير على وجود القمر”. وقال إنه بدون القمر، فإن ميل الأرض من الممكن أن “يتنوع عشوائياً من درجة صفر إلى 85 على مدى زمني من عشرات الملايين من السنين” مما يُحدث نتائج مدمرة”.

“بالنسبة لي، كان الأمر مدهشاً أن القمر “يتصادف” أن يكون بالحجم الصحيح وفي المكان الصحيح كي يسهم في خلق بيئة مناسبة للحياة على الأرض. ومرة أخرى كانت تتراكم المزيد من “التزامنات” التي كانت تجعل من الأصعب تصديق أن مجرد الصدفة يمكن أن تكون مسؤولة عن وجود مجالنا الحيوي الداعم للحياة.

لكن كاستنج قدم ملاحظة أخرى مذهلة تضيف احتمالية مثيرة أخرى إلى الظروف الاستثنائية الحالية. قال: “من المعتقد عامة الآن أن القمر قد تكون نتيجة اصطدام عرضي بجسم في حجم كوكب المريخ أثناء المراحل التالية لتكوين الأرض. وإن كانت مثل هذه التصادمات التي تنشئ قمراً نادرة…. من الممكن أن تكون الكواكب المأهولة نادرة أيضاً هكذا”.

[1] Gunter D. Roth, Stars and Planets (New York: Sterling, 1998), 89.

[2]Pam Spence, General editor, The Universe Revealed (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), 40.

[3]David Koerner and Simon LeVay, Here Be Dragons (Oxford: Oxford University Press,2000), 5.

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 2 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

جاي ويسلي ريتشاردز الطويل الأشقر، الذي يرتدي بليزر قوات بحرية، فيلسوف في جمعية Ivy League التعليمية يتحدث بطلقات متسارعة في حماسة شديدة. أما جيليرمو جونزاليز، الذي كان يرتدي قميصاً قصير الأكمام، وشعره قصير، فلكي موسوعي يتحدث بنغمات محترفة في موضوعات مثل اتجاهات الوفرة الكيميائية بين نجوم توري Chemical Abundance Trends among RV Tauri Stars”.

اشتركا معاً في تأليف كتاب “الكوكب المميز The Privileged Planet”، الذي يقدم أدلة مذهلة تشير لوجود مصمم للأرض – وعلى الأقل لقصد واضح للبشرية.

جونزاليز معروف شعبياً باسم “فتى النجوم”. بعد تخرجه مع مرتبة الشرف بدرجات علمية في الفلك والفيزياء من جامعة أريزونا، حصل فيما بعد على درجة الماجستير والدكتوراه في الفلك من جامعة واشنطن في سياتل. والآن يعمل أستاذاً مساعداً في جامعة ولاية أيوا. ويتمركز بحثه حول النجوم الكتلية المنخفضة والمتوسطة، والنظريات عن تطور النجوم والكواكب.

إنه عالم مؤثر مصقول الثقافة قضى ساعات لا حصر لها في البحث من خلال التليسكوبات في مرصد Cerro Tololo الفلكي الدولي، على ارتفاع 6600 قدم في تشيلي، وفي أربعة مواقع أخرى. وهو خبير في تحليل المعلومات الضوئية والطيفية. وكعضو في الاتحاد الفلكي الدولي، والزمالة العلمية الأمريكية، فإن جونزاليز المتباعد عن الأضواء والجذاب رأى عشرات من مقالاته منشورة في الصحف التقنية، ومصورة على أغلفة مجلات شهيرة مثل Scientific American.

أما ريتشاردز الأكاديمي المبدع الذي يتمتع بشخصية صادقة متباعدة عن الأضواء، فيحمل ثلاث درجات علمية متقدمة في الفلسفة واللاهوت، بما فيها دكتوراه من معهد برنستون اللاهوتي. وقام بتأليف كتاب الإله الجامح The Untamed God، وبتحرير أو المساهمة في كتب مثل الدفاعيات التي لا يمكن الدفاع عنها Unapologetic Apologetics، وعلامات الذكاء Signs of Intelligence، وهل نحن ماكينات روحية؟  Are we Spiritual Machines?، وظهرت مقالاته في مطبوعات تتراوح من Perspectives on Science and Christian Faith إلى Washington إلى  Princeton Theological Review. وبصفته نائب رئيس معهد Discovery، يعتبر ريتشارد نجماً ساطعاً في حركة التصميم الذكي المتنامية.

كان كل منا بيده مشروب دافئ، وقد تقابلنا في جناح الضيافة في المطار، حيث جلس ريتشاردز وجونزاليز أمامي على مائدة مؤتمرات جرانيتية تحت أضواء فلورسنت في غرفة بسيطة خالية من الديكور. وفيما كنت مستعداً للانطلاق، سمحت لهم جاهداً أن يستقرا في مكانيهما قبل إثارة سؤالي الأول.

مبدأ كوبرنيكوس

التفت ناحية ريتشاردز، وبدأت قائلاً: “لقد تعلمت في المدرسة أن كوكبنا ليس استثنائياً، وأننا ندور حول نجم نموذجي في جزء متوسط وأرضي من الكون، وأنه ليس هناك أمراً خاصاً أو خارقاً بالنسبة للأرض. أليست هذه وجهة نظر معظم العلماء الآن؟”

فأجابني ريتشاردز: “بلى، وهذا ما يُسمى بمبدأ التوسط Principle of Mediocrity أو مبدأ كوبرنيكوس Copernican Principle. افتح أي كتاب فلك تمهيدي، وسترى ذلك مكرراً مراراً لدرجة افتراض أنه ليس هناك شيئاً متميزاً بخصوص موقفنا، أو موقعنا في الكون، أو السمات الخاصة للأرض، أو النظام الشمسي، أو البشر أنفسهم.

فقاطعته قائلاً: “ولكن أليس هذا مناسباً بعض الشيء؟”

فقال: “نعم بالطبع. فنحن لا يجب أن ندعي أن الأرض، أو نظامنا الشمسي، أو شمسنا فريدة بكل طريقة ممكنة. فلن نكون قادرين أن نمارس العلم إن كان كل مكان في الكون له قانون جاذبية مختلف أو لو كانت الذرات لها كتلة مختلفة. فهذا جيد”.

فسألته: “إذاً من أين تأتي المشكلة؟”

“المشكلة هي أن مبداً كوبرنيكوس قد اتخذ شكلاً ميتافيزيقياً أكبر من حجمه، وهو يقول أساساً بأن حالتنا الميتافيزيقية في نفس عدم أهمية موقعنا الفلكي. وبمعنى آخر، نحن لسنا هنا من أجل غرض معين، ولسنا مميزين بأية طريقة، ولا نشغل مكاناً متميزاً في الكون”.

فقاطعته من جديد: “أليس حقيقة أن اكتشاف كوبرنيكوس – أن الشمس لا تدور حول الأرض، بل أن الأرض هي التي تدور حول الشمس – قد حط تماماً من قدر البشرية؟”

فهز ريتشارد رأسه ضجراً كما لو كان قد سمع هذا التعليق مرات، وقال: “لنعد إلى البداية”. ثم وقف، وخلع معطفه، وألقاه فوق كرسي غير مشغول. وفيما استعاد جلسته، واصل كلامه.

“القصة هي أن القدماء– أرسطو، وبطليموس، ومسيحيو القرون الوسطى – اعتقدوا جميعاً أننا كنا في مركز الكون، أي على عرش الكون، وهو أهم مكان يدور حوله كل شيء. ثم جاء كوبرنيكوس وكبلر وقالا إنه يمكنهما تفسير حركة الكواكب بطريقة أفضل بافتراض أن الشمس هي التي في المركز، وأن الكواكب – بما فيها الأرض – تدور حولها. وبهذا نكون قد ابتعدنا عن المركز، وانتقلنا من موقع امتيازنا”.

“كانت هذه بداية مسيرة طويلة للعلم استمرت في التقليل من قدرنا. وفيما بعد قرر العلماء أن الشمس ليس هي مركز الكون، وأننا لسنا في مركز المجرة، وأن الكون نفسه في النهاية ليس له مركز، لأن العلماء اعتقدوا في القرن التاسع عشر أنه لامتناه وأبدي. وبإمكانك أن ترى كيف أن هذا الاتجاه قد ساعدنا في أن نرى أنفسنا أقل فأقل أهمية، وأننا أقل فأقل في مركز الأشياء”.

“ولهذا جاءت الثورة الكوبرنيكية لتمثل الصراع بين العلم والدين. فالخرافة الدينية أبقت على القول بأن الأرض والجنس البشري هما في مركز الكون، مادياً وميتافيزيقياً، لكن العلم الحديث أثبت بطلان هذا”.

“وتجرد البشر من حسهم الزائف بتفردهم وأهميتهم. وبينما استمرت الجماعة الدينية في اصرارها بوجود شيء ما متفرد، وخاص، وله قصد وهدف يتعلق بوجودنا، يحتفظ العلماء بالقول بأن العالم المادي موجود بأكمله، وأن الصدفة والقانون الطبيعية الموضوعي وحده يمكنه تفسير وجوده”.

كنت أتابع ذلك في اتفاق تام. فتقدير ريتشارد كان متناغماً تماماً مع ما تعلمته بالمدرسة. لكنه حينها أضاف القرار الحاسم.

قال وابتسامة خفيفة تتراقص على جانب فمه: “المشكلة هي أن هذا الوصف التاريخي ببساطة وصف زائف”.

تصحيح الوضع

روعني تأكيد ريتشاردز. فقلت: “زائف؟ ماذا تقصد؟ وكيف؟”

فقال: “اقرأ بطليموس، وجاليليو، وكوبرنيكوس، وكبلر. اقرأ دانتي. ستجد في الكوميديا الإلهية Divine Comedy لدانتي ان سطح الأرض مكان متوسط. وقد كان هذا صحيحاً في علم الكونيات الأرسطي الذي تم صبغه بالرؤية المسيحية في العصور الوسطى. فبالنسبة لأرسطو، كان العالم مصنوعاً من الهواء، والأرض، والنار، الماء. والأرض هي الأثقل، ولهذا من الطبيعي أن تسقط إلى القاع”.

“ولهذا لم تكن الأرض في مركز الكون، لأنها كانت في قاعه. وكان هذا نوع من الحوض الكوني. كانت هي المكان الذي تتحلل فيه الأشياء وتموت. كل شيء فوق القمر كان مصنوع من نوع مختلف من المادة – الخلاصة – والله سكن في الغلاف السماوي خارج الغلاف الجوي للنجوم. والإنسان كان في مكان متوسط”.

ثم قال جونزاليز: “ثم عكس دانتي هذه المستويات بينما تسير في الطريق الآخر نحو الجحيم”.

فاستطرد ريتشاردز قائلاً: “تماماً. كانت هناك تسعة مستويات تصعد إلى الله وتقترب من الكمال، ثم تسعة مستويات تقترب من الفساد المطلق نحو الجحيم. وهكذا، في علم كونيات العصور الوسطى، فإن ما نسميه بمركز الكون هو عرش الشيطان. وهذه نقطة مهمة للغاية. فإن تخيلت أن مركز الكون هو عرش الشيطان، وأن الأرض ذاتها هي الحوض الكوني، عندئذ لن يكون هذا هو الشكل الذي عرفنا من خلاله أن مركز الكون قبل كوبرنيكوس كان هو البقعة المتميزة”.

وأضاف جونزاليز: “بعد ذلك أعادت حركة التنوير سرد القصة بالقول بأن الكنيسة، بسبب غرورها، وضعت البشر في المركز”.

فأومأ ريتشاردز قائلاً: “وهذه هي المفارقة. فحركة التنوير هي التي جعلت الإنسان هو مقياس كل شيء. وعندما تفكر في الأمر بجدية، ستجد أن اللاهوت المسيحي لم يضع الإنسان في المركز على الإطلاق. فنحن لدينا دور مهم جداً لنلعبه في هذه الدراما الكونية، ومن أهميته أن الله قد تجسد. ولكن لم تكن القضية أبداً أن كل شيء قد خُلق خصيصاً من أجلنا”.

منذ عدة قرون، قال أوغسطينوس إن الله لم يخلق العالم “من أجل الإنسان” أو بسبب إلزام ما، بل “لأنه أراد”[1]. في الكوميديا الإلهية يتعلم القارئ أن المعنى الفعلي لكوننا موجودين في المركز كان مجرد تحيز. ففي الواقع نكتشف أن كل شيء قد تم ترتيبه حتى يكون الله في المركز الميتافيزيقي؛ أي في المكان ذي الأهمية القصوى.

“وبدلاً من تشويه صورة الأرض، رأى كوبرنيكوس، وجاليليو، وكبلر أن نظامهم الجديد يرفع من شأنها. فمثلاً، يقرض جاليليو الشعر في كيف أن الأرض، كالكواكب الأخرى، تعكس مجد الشمس، وليس فيما بعد حوضاً كونياً[2]. ولهذا ففي التحول من علم كونيات العصور الوسطى إلى رؤية عصر النهضة، ارتقى هذه المنظور الجديد بالإنسان نوعاً ما”.

وقد توصل باحثون تاريخيون آخرون إلى نفس الاستنتاج. فقال أحدهم: “إن النظام الكوبرنيكي، أبعد من أن يكون قد قلل من شأن الإنسان، إلا أنه حطم رؤية أرسطو عن الأرض كحوض كوني، وإن كان قد فعل شيئاً، فإنه ارتقى بالبشرية. فجعل الأرض كوكباً وجسماً سماوياً، شّرف كوبرنيكوس حقاً من قدرها”[3].

لكن شيئاً لم يُضف لي، فتساءلت: “ألم تضطهد الكنيسة كوبرنيكوس، وجاليليو، وجيوردانو برونو لرؤيتهم بأن الأرض كانت تدور حول الشمس؟”

فقال ريتشاردز: “أولاً، يقول البعض إن كوبرنيكوس قد اضطهد، لكن التاريخ يظهر عكس ذلك. في الحقيقة لقد مات بطريقة طبيعية في نفس العام الذي نُشرت فيه أفكاره. أما عن جاليليو، فلا يمكن تحجيم قضيته إلى صراع بسيط بين الحقيقة العلمية والخرافة الدينية. فقد أصر على أن الكنيسة تُقر بآرائه فوراً بدلاً من السماح لها بنوال القبول تدريجياً، وسخر من البابا. إلخ. نعم، لقد وجه له تعنيف رسمي، لكن الكنيسة واصلت منحه معاشه حتى نهاية حياته”.

في الواقع، قال المؤرخ وليم شي: “كانت إدانة جاليليو نتيجة التفاعل المعقد لظروف سياسية معاكسة، وطموحات سياسية، وكبرياء جريحة”[4]. كما لاحظ الباحث التاريخي فيليب سامبسون أن جاليليو بنفسه كان مقتنعاً بأن “السبب الرئيسي” لمتاعبه هو أنه قد “سخر من قداسة” – البابا أربان الثامن – في رسالة العام 1632[5]. أما بالنسبة لمعاقبته، فقد أوضحها ألفريد نورث وايتهد هكذا: “اجتاز جاليليو احتجازاً إنسانياً وتأنيباً مهذباً قبل أن يرقد في سلام على فراشه”[6].

واستطرد ريتشاردز: “أما حالة برونو فكانت محزنة للغاية. فقد أعدم في روما في العام 1600. وبالتأكيد تعد هذه لطخة في تاريخ الكنيسة. ومرة أخرى، كانت هذه قضية معقدة. فآراؤه الكوبرنيكية كانت عرضية. فقد دافع عن مذهب وحدة الوجود، وأعدم بالفعل لآرائه الهرطقية حول الثالوث، والتجسد، وتعاليم أخرى لا علاقة لها بالكوبرنيكية.

“والآن، إليك الفكرة التي أورد تقديمها: إن كنت تريد تطوير المبدأ الكوبرنيكي، فمن المهم جداً أن تجعله يبدو وكأنه متأصلاً في المسيرة التاريخية للعلم. ولكن عندما تنظر حقاً إلى البيانات، فهي ببساطة غير حقيقة. أما مؤلفو كتب الفلك يواصلون تكرار الأسطورة، كأسطورة الأرض مسطحة بينما كان يعتقد أنها كروية. وهذه فكرة خاطئة أيضاً”.

فأضاف جونزاليز: “كان الدارسون يعرفون في ذلك الوقت أنها كروية. فحتى اليونانيون القدامى عرفوا أنها كروية”.

وقال ريتشاردز: “لقد عرفوا ذلك لمدة ألف عام أو أكثر”.

كنت أعلم أنهم على حق في ذلك. فقد قال ديفيد ليندبيرج – الأستاذ السابق في تاريخ العلوم، والمدير الحالي لمعهد البحث في العلوم الإنسانية في جامعة ويسكونسن – في لقاء حديث:

هناك [خرافة] واضحة؛ وهي أنه قبل كولومبس، اعتقد الأوربيون بالإجماع تقريباً بأن الأرض مسطحة – وهو اعتقاد يُزعم أنه مأخوذ عن عبارات كتابية، ومدعم بكنيسة العصور الوسطى. وهذه الأسطورة يبدو أن لها أصل في القرن الثامن عشر، وقد درسها وبسطها واشنطن ايرفنج، الذي ابتدع دليلاً بصورة فاضحة في تاريخه عن كولومبوس الواقع في أربعة مجلدات…. والحقيقة أنه من المستحيل تقريباً أن تجد شخصاً متعلماً بعد أرسطو يشك في أن الأرض كروية. في العصور الوسطى، كان لا يمكنك التخرج من أي نظام تعليمي، مدرسة كاتدرائية أو جامعة، دون أن تكون لديك فكرة واضحة عن كروية الأرض، وحتى قطرها التقريبي”[7].

والآن، بالإضافة إلى تسفيه أسطورة الأرض المسطحة، كان ريتشاردز وجونزاليز يؤكدان أن المبدأ الكوبرنيكي كان مبنياً على تاريخ خاطئ أيضاً.

استطرد ريتشاردز قائلاً: “ولهذا فإن جيليرمو وأنا بدأنا في مشروع لتوثيق ما إذا كان هناك طرق مهمة تكون فيها الأرض خاصة أو استثنائية. ولعمل هذا كان علينا أن نوضح أن مثل هذه المسيرة التاريخية الطويلة للعلم التي توضح أننا لسنا مهمين لا وجود لها. وكان علينا أن نوضح أن التاريخ مخطئ، وأن ما نفعله يقف في التقليد الجيد للعلم، والذي يقول: “هيا نكتشف ماذا يُشبه العالم بأقصى إمكانياتنا”.

“وماذا وجدتما؟”

فتبادل ريتشاردز وجونزاليز النظرات، وبدأ ريتشاردز: “حسناً، لقد تبع العلماء بشكل عام المبدأ الكوبرنيكي بالقول بأن كوكبنا كوكب عادي، وأن الحياة تتكاثر بلا شك في الكون. وأضاف وهو يومئ لرفيقه باستكمال الحوار: “ومع ذلك، فنحن نعتقد أن الدليل هو عكس ذلك تماماً”.

فواصل جونزاليز: “لقد وجدنا أن موقعنا في الكون، وفي مجرتنا، وفي مجموعتنا الشمسية، وأمور أخرى كحجم ودوران الأرض، وكتلة القمر والشمس، إلخ – أي مدى متكامل من العوامل – تتعاون معاً بطريقة مدهشة كي تجعل من الأرض كوكباً صالحاً للإقامة. والأبعد من هذا هو أننا وجدنا أيضاً أن نفس الشروط التي تسمح بالحياة الذكية على الأرض هو التي تجعلها أيضاً مهيأة لاستطلاع وتحليل الكون”.

وأضاف ريتشاردز: “ونحن لا نعتبر هذا حادثاً. ففي الواقع، نحن نثير تساؤل ما إذا كان الكون قد صمم للاستكشاف أم لا.”

المقادير المكونة للحياة

على هذا الأساس، انطلقت لمناقشة أحد الاتجاهات الرئيسية للعلماء الذين يقبلون المبدأ الكوبرنيكي. قلت: “إنهم يعتقدون أنك إن وجدت مكاناً في أية بقعة في الكون يبقى فيه الماء سائلاً لفترة طويلة من الوقت، فسوف تتطور الحياة، على الأرض. أعتقد أنكما لا تتفقان على ذلك”.

فقال جونزاليز: “كلا؛ لا أوافق. حقيقي أنه كي تكون لديك حياة تحتاج ماء – الذي هو المذيب الكوني – كي تحدث التفاعلات، كما هو الحال مع الكربون الذي هو بمثابة الذرة الأساسية لجزيئات الحياة البنائية الناقلة للحياة. لكنك ستكون بحاجة لأشياء أخرى كثيرة. فالبشر يحتاجون 26 عنصراً أساسياً؛ والبكتريا تحتاج حوالي 16 عنصراً. وأشكال الحياة المتوسطة تقع بين هذين الرقمين. والمشكلة هي أنه ولا حتى أي جسم كوكبي سيكون هو مصدر كل هذه المقادير الكيميائية في الأشكال والكميات الضرورية”.

فقاطعت الحديث لتوضيح أن كُتاب الخيال العلمي تمكنوا من تأمل الحياة خارج كوكب الأرض المبنية بصورة مختلفة تماماً، وعلى سبيل المثال، مخلوقات معتمدة على السيلكون بدلاً من الكربون.

كان جونزاليز يهز رأسه مُبدياً رفضه حتى قبل أن أنهي سؤالي، أصر قائلاً: “هذا لا ينفع. فالكيماء أحد مجالات العلم المفهومة جيداً. ونحن نعلم أنه لا يمكنك الحصول على ذرات معينة، وتلصقها معاً برقم كاف وتعقيد كاف كي تعطيك جزيئات كبيرة كما يفعل الكربون. ولا يمكنك تجنب ذلك. كما لا يمكنك الحصول على أنواع أخرى من السوائل لإذابة أنواع مختلفة من الكيماويات كما يمكنك بالماء. وهناك ست خواص مختلفة لكل من الماء والكربون مناسبة للحياة. ولا شيء آخر يقترب من هذا فالسليكون يفشل عن الوصول إلى الكربون.

“ولسوء الحظ، يرى الناس أنه من السهل خلق الحياة. فهم يعتقدون أن وجود الماء السائل أمر كاف، لأنهم يرون أن الحياة مجرد ظاهرة ثانوية مصاحبة – مجرد قطعة من الطين تنمو على قطعة جامدة من الجرانيت. وفي الواقع، فإن جيولوجيا وبيولوجيا الأرض تتفاعل بقوة معاً. ولا يمكنك أن تتصور الأرض كشيء مستقل عن عمليات الكوكب الجيوفيزيائية والجوية. إنها تتفاعل جميعاً بطريقة وثيقة للغاية. ولهذا فأنت لست بحاجة فقط إلى الكيميائيات اللازمة للحياة، بل أيضاً إلى بيئة كونية معدلة لوجود حياة”.

أثار هذا موضوعاً ذا صلة. فالعلماء كانوا يحلمون بجعل كوكباً كالمريخ يشبه كوكب الأرض، وذلك بتغيير بيئته لخلق كوكب يكون أكثر تلاءماً لاستقرار البشر. تساءلت: “هل سيكون هذا الأمر صعباً للغاية؟”

فقال: “بالطبع؛ فمن المجال المغناطيسي إلى التكتونية (عملية التشويه التي تغير شكل قشرة الأرض محدثة القارات والجبال) إلى دورة ثاني أكسيد الكربون – فإن الحياة المستمرة تتوقف على مجموعة من التفاعلات المعقدة للغاية مع الكوكب”.

وأضاف ريتشاردز: “يعتقد الناس عامة أنهم كما يزرعون بذرة وتنمو يكون من السهل أن تخلق البيئة الصحيحة للحياة، لكن هذا أمر مضلل. ومثال جيد على هذا هو المحيط الحيوي المحكم الذي أنشأه بالبعض في أريزونا منذ عدة سنوات مضت. فقد تصوروا أنه من السهل نسبياً أن تخلق بيئة مستقلة صالحة للحياة، لكن الوقت أعاقهم في محاولة تحقيق ذلك”.

فأشرت قائلاً: “لكن الحياة يمكنها أيضاً أن توجد في ظروف صعبة للغاية. فمثلاً، هناك أشكال من الحياة تعيش في فتحتات ساخنة في أعماق البحر. ولا يبدو أنها تحتاج الأوكسجين أو أي دعم آخر من البيئة المحيطة”.

فقال جونزاليز: “بالعكس؛ فالأشياء الوحيدة الموجودة في هذه الأعماق ولا تحتاج للأوكسجين هي بعض الكائنات المجهرية التي تتنفس الميثان. لكن الكائنات الأكبر التي تحتاج إلى تنظمي أيضها* هي التي تتنفس الأوكسجين. فالأوكسجين يأتي من الحياة التي على السطح والطحالب البحرية. ويختلط الأوكسجين مع المحيط وينتقل إلى المياه العميقة. لهذا فإن هذه الكائنات مرتبطة جداً بالسطح وبالنظام البيئي الكامل للكوكب”.

فيما اندهش بعض الكتاب بموضوع العلاقات البيولوجية، والكيميائية، والفيزيائية المتبادلة المعدلة، ذهبوا لتشبيه مجالنا الحيوي بـ “كائن حي فائق” يعيش حقاً. في الواقع، فإن فرضية Gaia التوحيدية لجميس لافلوك تسعى لتأليه كوكبنا. ومع ذلك، قال جونزاليز وريتشاردز إنه ليس ضرورياً المبالغة إلى هذا الحد.

قال ريتشاردز: “رغم هذه التداخلات المذهلة، ليس هناك ما يدعو أي شخص كي يرى الأرض ذاتها ككائن حي، ولا سيما إلهاً أو إلهة”.

ثم انتقل إلى صورة مألوفة تماماً بالنسبة لمن يرون علامات التصميم في آلية الأرض المعقدة المترابطة. وقال: “هذا يشبه تأليه ساعة بسبب خواصها المدهشة بدلاً من النظر إلى صانع الساعة نفسه”.

عالم 13M المعادي

قبلت فكرة أن أنواعاً فقط من البيئية الكونية يمكنها أن تستضيف الحياة ومن الناحية الأخرى، فالكون بتريليونات النجوم وبأجسام أرضية لا حصر لها تدور حولها. وبالتأكيد فإن الشواذ الرياضية تتحيز لنجوم كثيرة تنتج مواطن شبيهة بالأرض – وهذه نقطة تقف ضد فكرة أن الأرض هي متفردة ومن ثم مصممة.

ولكن بينما ترى عيناي غير المدربة كل نجم كما لو كانت له إمكانية متساوية كي يرأس نظام شمسي حامل لحضارة، سرعان ما تعلمت شيئاً مختلفاً بينما واصلت الأسئلة الخاصة بالشروط الضرورية لازدهار الحياة.

التفت إلى جونزاليز، وقلت: “عندما ننظر إلى بلايين النجوم التي تُشكل مجرة الطريق اللبني، ألا يمكننا أن نفترض منطقياً أن الكواكب التي تزدحم بالحياة تغطي كل المكان؟”

فقال بوضوح: “كلا، ليس هذا هو الافتراض المنطقي المبني على الأدلة. فبالاشتراك مع دون براونلي وبيتر وورد من جامعة واشنطن، طورت مفهوماً اسمه منطقة المجرة المأهولة Galactic Habitable Zone؛ وهي منطقة في المجرة يمكن أن تكون فيها كواكب مأهولة. وهكذا لا يمكنك أن تشكل كوكباً مأهولاً في أي مكان؛ فهناك قدر كبير من معوقات الحياة بينما تنتقل من مكان إلى آخر”.

استرجع ذهني الماضي عندما أرسل دريك وساجان رسالتهما الاشعاعية إلى مجموعة النجوم التي تسمى بالمجموعة الكونية 13M. كانت نظريتهما تقول إنه بإرسال تحيتهما عبر مكان مكدس بالنجوم، ستكون هناك فرصة أكبر لالتقاطها بواسطة حضارة ذكية. وعندما سألت جونزاليز عن رأيه في هذه التجربة، كان رده ينم عن عدم الاهتمام.

قال: “المشكلة هي أنه إن كانت احتمالية وجود حياة على أي نجم هي صفر، ستبقى الاحتمالية بالنسبة لكل النجوم صفراً”.

“صفر؟ هناك أكثر من ربع مليون نجم في هذه المجموعة الكونية. ألا تعتقد أن أياً منها يحوي كواكب بها حياة؟”

فأصر قائلاً: “المجموعة الكونية من أسوء الأماكن في المجرة بأكملها التي نتوقع وجود أية حياة فيها”.

“لماذا؟”

“لسببين. أولاً، إن المجموعات الكونية من بين أقدم الأشياء في مجرتنا. وبسبب قدمها العتيق، فإن نجومها لديها وفرة منخفضة جداً من العناصر الثقيلة – الكربون، والنيتروجين، والأوكسجين، والفوسفور، والكالسيوم، إلخ. وبدلاً من ذلك، فإنها مكونة عن آخرها غالباً من الهيدروجين والهيليوم. وبخلاف ذلك، فإن الأرض مكونة من الحديد، والأوكسجين، والماغنيسيوم، والسيليكون. ثم يأتي الكبريت”.

“وكما ترى، فإن الانفجار العظيم قد أنتج أساساً الهيدروجين والهيليوم. وهما الغازان اللذان صنعت منهما أكثر النجوم المبكرة. أما العناصر الأثقل فقد تركبت – أو طُهوت إن شئت – داخل النجوم. وأخيراً، عندما انفجرت هذه النجوم كسوبرنوفا، قذفت هذه العناصر إلى وسط ما بين النجوم. ثم اندمجت في نجوم أخرى طُهوت بها عناصر ثقيلة كثيرة. ثم قُذفت مراراً، وكانت النجوم تحتوي على كميات متزايدة باستمرار من هذه “المعادن” أو العناصر الأثقل”.

“والآن تحتاج هذه العناصر كي تبني أخيراً كواكب أرضية كالأرض. فلأن النجوم القديمة جداً في المجموعات الكونية قد تكونت مبكراً جداً حتى أنها تتكون خصيصاً من الهيدروجين والهيليوم، لن تكون هناك كواكب أخرى تصاحبها. ربما سيكون هناك غبار، أو حبوب او صخور ضخمة، وهذا كل شيء. لن تجد كواكب في حجم الأرض”.

“والمشكلة الثانية هي أن المجموعات الكونية مكتظة تماماً بالنجوم حتى إنها لا تسمح بوجود مدارات ثابتة حولها. والقوة الجاذبية للنجوم ستخلق مدارات بيضاوية تصل بكوكب افتراضي إلى بوردة وحرارة قصوى، وهذا ما سيخلق موقفاً مانعاً للحياة”.

كان تقريره يشكل معنى، لكنه أثارني للتساؤل لماذا ضيع دريك وساجان – الفلكيان المعروفان – وقتهما في محاولة الاتصال بنجوم 13M؟ فهز جونزاليس رأسه عندما سألته هذه السؤال.

قال: “إنه لأمر مدهش حقاً أن يعتقدا بوجود أية فرصة بوجود حضارة تتلقى رسالتهما في مجموعة كونية. كان يجب أن تكون معرفتهما أفضل! بصراحة، أعتقد أنهما خدعا بثقتهما الكاملة في المبدأ الكوبرنيكي الميتافيزيقي – القائل بأن الحياة كانت موجودة في كل مكان في المجرة – حتى أنهما تغاضيا عن الحقائق”.

[1] Quoted in Hans Blumenberg, The Geneses of the Copernican Revolution, Translated by Robert M. Wallace (Cambridge, Mass: MIT Press, 1987), xv.

[2] Galileo Galilei, Sidereus Nuncius, Quoted in Dennis Danielson, The Book of the Cosmos (Cambridge: Perseus, Helix, 2000), 150.

[3] Philip J. Sampson, Six Modern Myths (Downers Grove, III.: InterVarsity, 2000), 33 (emphases added).

[4] William R. Shea, “Galileo and the Church” in: David C. Lindberg asn Ronald L Numbers, editors, God and Nature (Berkeley: University of California Press, 1986, 132.

[5] Philip J. Sampson, Six Modern Myths, 38, citing Jerome J. Langford, Galileo, Science and the Church (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1971), 134.

[6] N. Whiehead, Science and the Modem World Cmbridge: Cambridge University Press, 1946), 2, quoted in Philip J. Sampson, Six Modern Myths, 38.

[7]”Natural Adversaries?” Christian History, 76 (Volume XXI, No, 4), 44.

* الأيض هو العمليات المتصلة ببناء البروتوبلازم؛ ولا سيما الكيميائية في الخلايا الحية.

لقاء مع جيليرمو جونزاليز وجاي ويسلي ريتشاردز 1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

من الصعب مقاومة انطباع ان التركيبة الحالية للكون – التي يتضح أنها حساسة للغاية تجاه تغيرات طفيفة في العدد – كانت مدروسة جيداً… فالتزامن المعجزي الذي يبدو بالنسبة لهذه القيم العددية لا بد أن يظل أعظم دليل للتصميم الكوني.

الفيزيائي بول يديفيز[1]

ألا يكون الأمر غريباً إن كان كون بلا هدف قد خلق بالصدفة بشر منقادين تماماً بالهدف؟

سير جون تمبلتون[2]

 

صار متشككاً روحياً حين تعلم الدارونية وهو طالب. وعمل لفترة وجيزة في صحيفة كبرى في شيكاغو ثم التحق بكلية التخرج في جامعة Ivy League. وفيما تحفز بمسيحية زوجته، بدأ فيما بعد في تحري دليل وجود خالق. وبذهن منفتح للحقائق، انتهى به الأمر بالتخلي عن إلحاده وقبول الله، وأخيراً كتب كتاباً سرد رحلته العقلية إلى الإيمان.

إن بدا أن هذه تشبه قصتي، فليكن[3]، لكنها أيضاً – بمحض الصدفة – قصة باتريك جلين؛ وهو مفاوض سابق في لجنة التحكم في الأسلحة في إدارة الرئيس ريجان، وهو الآن المدير المساعد لمعهد جامعة واشنطن للدارسات السياسية في واشنطن العاصمة.

واجه جلين النظرية التطورية للمرة الأولى عندما كان طالباً في مدرسة الإيبارشية، وأدرك على الفور أنها لا تتماشى مع الكتاب المقدس. وفيما استدعى ذاكرته قال: “وقفت في الفصل، وقلت هذه كله للراهبة المسكينة”.

وفيما كان مقتنعاً بأن العقل هو “الطريق الوحيد إلى الحق”، أصبح جلين ملحداً مزمناً حين تسلم درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السبعينات. وقال: “لقد أوضح دارون أنه ليس ضرورياً حتى أن نفترض وجود إله لتفسير أصل الحياة. فالحياة والفصائل البشرية ذاتها كانت نتاج تقنيات عشوائية أساساً تعمل على الأيونات”.

وبعد أن تزوج بزوجة مسيحية، ووجد نفسه في مناقشات متكررة معها في الأمور الروحية، قال جلين أن عقله “أصبح منفتحاً بشكل كاف”، ولهذا كان مستعداً لفحص ما إذا كان هناك أي دليل عقلي لوجود الله. وأعد نفسه تماماً لما سوف يتعلمه:

“أدركت تدريجياً أنه في فترة العشرين عاماً منذ أن آثرت الإلحاد الفلسفي، ظهر أدب نظامي منتشر لم يكتفي بمجرد القضاء على الشك العميق، لكنه فند أيضاً نظرتي الإلحادية من أي منظور عقلاني بطريقة مؤثرة…. واليوم يبدو لي أنه ليس هناك سبب مقنع يمكن أن يتبناه إنسان ذكي لقبول خداع الإلحاد أو اللا أدرية، وارتكاب نفس الأخطاء العقلية التر ارتكبتها أنا”[4].

ما الدليل الذي كان مسؤولاً عن هذا التحول الروحي المذهل؟ كان من بين أكثر الاكتشافات المؤثرة التي قابلها في بحثه هو ما يسمى بـ “المبدأ الإنساني anthropic Principle” وقد صاغ هذه المصطلح – المستخرج من الكلمة اليونانية Anthropos بمعنى إنسان – فيزيائي جامعة كامبردج براندون كارتر الذي قدم بحثاً مثيراً بعنوان “تزامنات العدد الكبير والمبدأ الإنساني في علم الكونيات” في مؤتمر علمي حافل في العام 1973.

يقول هذا المبدأ أساساً – كما تعلم جلين – إن “كل الثوابت التي تبدو أنها كيفية وغير متصلة في الفيزياء بها شيء غريب مشترك – فهذه هي القيم التي تحتاجها تحديداً إذا أردت أن يكون لديك كوناً قادراً على إنتاج حياة”.

في كتابه اللاحق “الله: الدليل”، يصدق جلين بأن التعدي المدهش للكون بمثابة أحد الأسباب الرئيسية لاستنتاجه بأن الكون لا بد وأنه كان عمل مصمم فائق[5].

قال: “منذ خمسة وعشرين عاماً، فإن إنساناً مفكراً يزن الأدلة العلمية البحتة المرتبطة بالموضوع من المحتمل أن يكون في جانب التشكك. ولكن لم تعد هذه هي القضية. فالبيانات المادية اليوم تشير بقوة نحو فرضية الله. وهذا أبسط وأوضح حل للغز الإنساني”[6].

الدليل الكافي The Prima Facie Evidence

ألستر ماكجراث – العلامة اللاهوتي الذي درس فيزياء الأحياء الجزيئية في جامعة أكسفورد، وكتب سلسلة طموحة من ثلاثة مجلدات بعنوان “اللاهوت العلمي Scientific Theology” – لديه ميل لاختراق قلب القضايا المعقدة. وفيما يخص موضوع المبدأ الإنساني، تمكن من تلخيص التحدي الأساسي في سؤالين موجزين وضعهما في صيغة تصريح بريطاني مكتوم: “هل من الصدفة البحتة أن قوانين الطبيعة تفيد بأن الحياة ممكنة؟ ألا يمكن أن يكون هذا مفتاحاً مهماً للطبيعة ومصير الإنسانية؟”[7]

وقد شكل هذان السؤالان خريطة طريقي فيما كنت أسعى نحو إجابات قوية تخص كيف ولماذا تفيد الفيزياء بطريقة مشكوك فيها للغاية بأن الحياة في خطر. أما أنا فقد عرفت بالطبع أن عدداً متزايداً من العلماء والفلاسفة كانوا يتتبعون مفاتيح الحل التي تقودهم إلى استنتاجاتهم الخاصة في العقود الأخيرة، بما فيها “بعض الأبرياء من أي تأثير من وجهة نظر دينية تقليدية” كما عبر الفيزيائي واللاهوتي جون بولكينجهورن[8].

“من السهل جداً أن نفهم لماذا غيّر كثير من العلماء آراءهم في الأعوام الثلاثين الماضية، متفقين على أن الكون لا يمكن تفسيره باعتباره حادثاً كونياً، وهذا ما قاله والتر برادلي الذي شارك في تأليف كتاب “لغز أصل الحياة The Mystery of Life Origin“: “إن دليل وجود مصمم ذكي يفرض نفسه باستمرار كلما ازداد فهمنا لموطننا المُعد بحرص”[9].

على سبيل المثال، فإن المتشكك السابق بول ديفيز – الأستاذ السابق للفيزياء النظرية في جامعة أديلايد – مقتنع الآن بأنه لا بد أن يكون هناك هدف من وراء الكون.

وقال في كتابه “ذهن الله The Mind of God“: “توصلت من خلال عملي العلمي إلى الإيمان بقوة متزايدة بأن الكون الطبيعي موضوع ببراعة مدهشة للغاية حتى إنني لا يمكنني قبوله كحقيقة صماء. وأضاف: “لا يمكنني أن أؤمن بأن وجودنا في هذا الكون مجرد دعابة قدر، أو حادث تاريخ، أو مجرد صورة عرضية في الدراما الكونية العظيمة”[10].

عبر عالم الفيزياء الفلكية اللامع سير فريد هويك[11] عن ذلك هكذا: “لست أؤمن أن أي علماء فحصوا الدليل يمكنهم أن يخيبوا عن التوصل إلى استنتاج أن قوانين الفيزياء النووية قد صممت عمداً فيما يتعلق بالنتائج التي تحدثها داخل النجوم”[12].

دفعت تلك الملحوظة، وأخرى مثلها من هويل، أستاذ الفلك من هارفارد أوين جنجريتش – الفلكي الأعلى مقاماً في مرصد سميثونيان الفيزيائي الفلكي – للتعليق: “اختلف مع فريد هويك في كثير من النقاط، لكننا نتفق في هذا النقطة: فالفهم العام والتفسير المرضي لعالمنا يوحي باليد المصممة لذكاء فائق”[13].

قال جون ليزلي الذي تعلم في جامعة أكسفورد، والذي يصور أمثلة إنسانية كثيرة في كتابه المذهل الذي نُشر في العام 1989 “الأكوان Universes” إنه يؤمن بأنه إن كان كوننا هو الكون الوحيد الموجود – وأنه ليست هناك بيانات علمية تثبت وجود أية أكوان أخرى – يكون التعديل إذاً “دليلاً حقيقياً…. أن الله حقيقي”[14].

وفي كتابهما “القصة الجديدة للعلم The New Story of Science”، لخص روبرت أوغروس، وجورج ستانشيو الالتقاء المذهل لـ “التزامنات” التي تجعل الحياة ممكنة في الكون. وقالوا: “إن كوناً يهدف لإنتاج الإنسان يتضمن عقل يوجهه. ومع أن الإنسان ليس في المركز الطبيعي للكون، إلا أنه يبدو في مركز هدفه”[15].

وبوضع تلك الاستنتاجات جانباً، كنت أبحث عن إجاباتي الشخصية عن الأسئلة الأساسية التي وضعها ماكجراث. لم أكن أريد مجرد استكشاف الدليل العلمي لفعل توازن الكون المشكوك فيه. بل أيضاً رؤية ما إذا كان المبدأ الإنساني يمكنه الصمود أمام تحدي فرضية – طبقاً لبعض المتشككين – يمكن اعتبارها مهجورة.

بينما كنت أقوم بدراسة موضوع التعديل، صادفتني كتابات فيلسوف شهير تدرب في علم الفيزياء، وقام بعمل بحثه الأصلي الخاص في هذا الموضوع. وقد راقت لي سمعته بشكل خاص؛ فقد كان معروفاً بحرصه وتحفظه في حساباته، وعدم استعداده لإصدار الأحكام التي تفوق حدود البيانات. باختصار، ما كنت أبحث عنه.

وبعد بضعة مكالمات، كنت على طائرة متجهة إلى بنسلفانيا، حيث حرم جامعي رائع من مباني من الطوب الأحمر ليست أبعد شمالاً من ساحة قتال جيتسرج للحرب الأهلية.

اللقاء الرابع: روبين كولينز – دكتوراه في الفيزياء

عندما كان روبين كولينز طالباً في الصف السابع، انطلق يطلب كتيبات مجانية كثيرة من وكالة الطاقة الذرية، وهكذا ولد عاشق للفيزياء. وأصل مسيرته للحصول على درجات علمية في الفيزياء والرياضيات في جامعة ولاية واشطن (بمتوسط درجات أقل من الدرجة النهائية بـ 0,07)، ثم دخل برنامج الحصول على الدكتوراه في الفيزياء في جامعة تكساس في أوستن.

أما حبه الآخر فكان الفلسفة؛ ففي الواقع، كانت مادته الثالثة في الكلية. وقد استفاد من هذه الخبرة بينما كان يعمل للحصول على درجة الدكتوراه في مكتب تشاركه مع مجموعة من الطلبة الخريجين تضمنت ملحداً ولا أدرياً. أما كولينز فقد كان مسيحياً منذ عامه الأخير في المدرسة الثانوية.

كان الأربعة يسهرون لوقت متأخر من الليل يتجادلون حول قضايا فلسفية ولاهوتية، والتي وجدها كولينز محفزة جداً لدرجة أنه قرر أن يسعى للحصول على درجة دكتوراه في الفلسفة في جامعة نوتردام. وقد أشرف على رسالته الأسطوري ألفين بلانتينجا؛ الذي ريما يكون أفضل فيلسوف أمريكي في العصور الحديثة.

كان تعليق عابر قاله بلانتينجا في الفصل ذات يوم هو الذي دفع كولينز لأول مرة لموضوع تعديل الكون. وعندما أسرته الفكرة، تعمق في الموضوع، وسرعان ما اكتشف ارتباطاً كاملاً بين خبرته في الفيزياء وفي الفلسفة.

إن تدريبه في الفيزياء لم يؤهله فقط لفهم المعادلات الرياضية المعقدة أحياناً في هذا المجال – ذاك التدريب الذي دفعه أحياناً لتصحيح أخطاء دارسين أكثر شهرة بكل احترام – بل إن خبرته في الفلسفة قد عاونته على صياغة حجج دقيقة من الدليل. والآن، بعد سنوات من البحث والتحليل، صار واحداً من أكثر الأصوات معرفة وإقناعاً في المبدأ الإنساني.

كتب كولينز كتب عدة عن الموضوع، بما فيها “الله والعلم: المجادلة الغائية والعلم الحديث God and Science: Teleological Argument and Modern Science؛ ورشد الإيمان بالله The Rationality of Theism؛ والله يهم: القراءة في فلسفة الدين God Matters: Reading in The Philosophy of Religion؛ والفلسفة والدين: القارئ والدليل Philosophy and Religion: A Reader and Guide؛ والسبب المتضمن للأمل Reason for the Within. وبمنحة مدعمة من مؤسسة Pew، يُنهي حالياً كتاباً بعنوان الكون المنغم جيداً: الله، ضبط، وقوانين الطبيعية The Well-Tempered Universe: God, Fine-Tuning, and the Lows of Nature. وبالإضافة إلى ذلك، تحدث في ندوات ومؤتمرات كثيرة في بيل، وكونكورديا، وبيلور، وستانفورد، وغيرها، بما فيها خطاباً في المؤتمر الأمريكي الروسي كامل العدد في نوتردام في العام 2003، والذي كان حول موضوع الله وعلم الكونيات الطبيعي.

وبعد عمله كزميل بعد حصوله على درجة الدكتوراه في جامعة نورث ويسترن، قضى كولينز العقد الأخير في البحث والكتابة والتدريس في كلية المسيا، التي يعمل بها أستاذاً مساعداً للفلسفة. وهناك قابلته في ظهيرة دافئة ذات يوم سبت.

كان مكتب كولينز مكدساً عن آخره بأكوام وأرفف وصناديق الكتب لدرجة أنه لم يكن هناك مكان لنجلس فيه، ولهذا شغلنا غرفة مؤتمرات قريبة. كان الغرفة تسودها أشعة شمس الظهيرة التي تسللت من خلال نافذة كبيرة، وشكلت برك متراقصة من الضوء على السجاد.

خلع كولينز معطفه الرياضي الأخضر، ووضعه فوق مقعد فيما تهيأنا للبداية. كولينز له شعر متجعد داكن، ولحية، وبنية عدّاء (فهو يعدو تقريباً 90 دقيقة يومياً للتدريب والتأمل). جلسنا مقابل منضدة غير مزخرفة، وكان كولينز يحتسي شرابه المفضل: كوكتيل من شاي نصف أخضر ونصف أسود.

كنت مشتاقاً للبدء. فقد قال كولينز ذات مرة إن الحقائق المتعلقة بشروط الكون المميزة بمصطلح “بكل دقة” يتم تقديرها على نطاق واسع بصفتها “أكثر الحجج الحالية إقناعاً لوجود الله”[16] – وهي جملة وضعت معياراً عالياً. سحبت مذكرتي، وطلبت منه بداية أن يقدم لي فكرة عامة عن ماهية تعديل الكون.

انطباع التصميم

قال كولينز: “عندما يتحدث العلماء عن تعديل الكون، فإنهم يُشيرون بصورة عامة إلى التوازن الاستثنائي للقوانين الأساسية، ومعاير الفيزياء، والشروط المبدئية للكون. وعقولنا لا يمكنها استيعاب دقة البعض منها. وتكون النتيجة كون له الشروط الصحيحة لتدعيم الحياة. فالتزامنات ببساطة مذهلة للغاية لدرجة تجعله لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة – وهذا ما قاله بول ديفيز: “إن انطباع التصميم ساحق”[17].

أحب ان أستخدم تشابه هبوط رواد الفضاء على المريخ، وعثورهم على محيط حيوي مغلق يشبه البناء ذات القبة الذي بني في أريزونا منذ بضع سنوات. في لوحة التحكم يجدون أن كل أرقام بينتها مهينة تماماً للحياة. فنسبة الأوكسجين تامة، ودرجة الحرارة 70، والرطوبة 50٪، وهناك نظام لإعادة تزويد الهواء، وأنظمة لإنتاج الغذاء، وتوليد الطاقة، والتخلص من الفضلات. وكل رقم له مدى واسع من الأوضاع الممكنة، ويمكنك أن تفهم ما إذا كان عليك أن تضبط قليلاً واحداً أو أكثر منها، فسوف تفقد البيئة قدرتها على العمل، وسوف تستحيل الحياة. ماذا تستنتج من هذا؟

كانت الإجابة واضحة. فقلت: “إن شخصاً ما اهتم اهتماماً كبيراً في تصميمها وبنائها”.

فأجاب: “هذا صحيح. سوف تستنتج ان هذا المحيط الحيوي لم يكن هناك بالصدفة. فالبراكين لم تثر فقذفت مركبات صحيحة تصادف أنها قد جمعت نفسها في المحيط الحيوي. فهناك كائن ذكي صممه وأعده لتدعيم الكائنات الحية. وهذا تشابه لكوننا”.

“طوال الثلاثين عاماً الماضية، اكتشف العلماء أن كل شيء تقريباً حول البنية الأساسية للكون متزنة في وضع خطر للوجود. إن التزامنات من الروعة بمكان حتى إننا لا يمكن أن ننسب هذا إلى مجرد صدفة، أو ندعي أنه لا يحتاج إلى تفسير. فالأرقام موضوعة بدقة بالغة للقطع باستحالة وجود صدفة عشوائية. وقد ذكر فريد هويل أن شخصاً ما كان يتدخل في الفيزياء”[18].

كان هذا من أروع الاكتشافات العلمية في القرن العشرين. فتساءلت: “من لاحظ ذلك أولاً؟”

“لنرجع إلى أواخر الخمسينات، تحدث هويل عن العملية الدقيقة التي ينتج عنها الكربون والأوكسيجين بنسبة معينة داخل النجوم. فإن كنت تعمل بغير براعة بالحالات الرنينية من الكربون، فلن تحصل على المواد التي تحتاجها لبناء الحياة بالمصادفة، توضح الدراسات الحديثة التي قام بها الفيزيائي هاينز أوبرهامر وزملائه أن مجرد تغير نسبة 1٪ في القوة النووية القوية سوف يكون له أثر من 30 إلى 1000 ضعف على إنتاج الأوكسجين والكربون في النجوم. وطالما أن النجوم تعطي الكربون والأوكسيجين المطلوب للحياة على الكواكب، فإن أبعدت ذلك التوازن، فإن الشروط في الكون ستكون أقل تهيئاً بشكل كبير لوجود الحياة”.

“على أية حال، عودة إلى سؤالك، فإن معظم الأبحاث والكتابات عن التعجيل حدثت منذ أوائل الثمانينيات. فقد كُتبت عنها مئات المقالات والكتب من المنظور التقني والشعبي”.

من الممكن أن تصير الفيزياء معقدة جداً بسرعة مدهشة. ولهذا عندما طلبت كولينز أن يصف لي واحداً من أحب الأمثلة لديه، سُررت لأنه اختار واحداً من أسهلها.

قال: “لنتحدث عن الجاذبية. تخيل مسطرة، أو مؤشر راديو من طراز قديم يعبر الكون. ستتحطم إلى مقادير من بوصة واحدة، وهذا معناه أن ستكون هناك بلايين وبلايين وبلايين من البوصات”.

“إن اللوحة بأكملها تمثل مدى قدرات القوة في الطبيعة، حيث الجاذبية أضعف قوة، والقوة النووية القوية التي تربط البروتونات والنيوترونات معاً في النواة الأقوى، فهي تبلغ عشرة آلاف بليون بليون بليون مرة أقوى من الجاذبية[19]. ومدى الأوضاع الممكنة لقوة الجاذبية يمكن اعتبارها على الأقل كبيراً كالمدى الكلي لقدرات القوة”.

والآن دعنا نتخيل أنك تريد أن تحرك اللوحة من مكانها الحالي. فحتى إن كنت ستحركها بمقدار بوصة واحدة، فإن التأثير على الحياة في الكون سيكون رهيباً”.

“بوصة واحدة تُقارن بالكون كله؟ أي نوع من التأثير سيكون هذا؟”

“إن هذا الضبط البسيط للوحة سيزيد الجاذبية بنسية بليون ضعف”.

“أوه، هذا يبدو كثيراً”.

“في الواقع، ليس كثيراً. فبالنسبة للوحة الراديو كلها – أي المدى الكامل لقدرات القوة في الطبيعة – فإنها صغير بشكل استثنائي، مجرد جزء واحد من عشرة آلاف بليون بليون بليون”.

“واو، هذا سيضعه في منظور. فماذا سيحدث للحياة عندئذ؟”

“ستُسحق الحيوانات في أي مكان والتي يقترب حجمها لحجم الكائنات البشرية. وكما قال عالم الفيزياء الفلكية مارتن ريز: “في عالم من الجاذبية القوية الخيالية، حتى الحشرات ستحتاج إلى أرجل كثيفة لتسندها، ولا يمكن للحيوان أن ينمو أكبر مما هو عليه”[20]. وفي الحقيقة، فإن كوكباً له قوة سحب جاذبية أكثر ألف مرة مما للأرض سيكون قطره 40 قدماً فقط، وهي نسبة غير كافية لدعم نظام حيوي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النجوم التي تصل أعمارها إلى أكثر من بليون سنة – مقارنة بعمر شمسنا الذي يصل إلى عشرة بلايين سنة – لا يمكنه أن يوجد إن زودت الجاذبية فقط بمقدار ثلاثة آلاف مرة”.

وكما ترى، مقارنة بالمدى الكلي لقدرات القوة في الطبيعة، إن الجاذبية لها مدى ضيق غير مفهوم لوجود الحياة. ومن بين كل الأوضاع الممكنة على اللوحة، من أحد جوانب الكون إلى الآخر، يحدث أنه يقع في الكسر الصحيح المضبوط من بوصة كي يجعل كوننا قادراً على تدعيم الحياة”.

والجاذبية مجرد معيار واحد درسه العلماء. فقد قال خبير إنه يوجد أكثر من ثلاثين معياراً فيزيائياً أو كونياً منفصلاً تتطلب تدريجاً دقيقاً لإنتاج كون داعم للحياة[21].

أما بالنسبة لكولنيز، فهو يحب التركيز على الجاذبية، ومجموعة من الأمثلة الأخرى التي تحراها شخصياً، ويؤمن بأنها كافية في حد ذاتها لتقرير الدفاع عن مصمم. قررت أن أسأل كولينز عن معيار آخر – والذي يُسمى بـ “الثابت الكوني” – وهو ظاهرة محيرة للغاية لدرجة انها ترعب ذهن أحد أكثر العلماء المتشككين.

تسديد الأسهم على ذرة

عبر الفيزيائي ستيفن وينبرج، الحائز على جائزة نوبل، والذي يعترف بإلحاده، عن دهشته إزاء الوضع الذي عليه الثابت الكوني – كثافة طاقة الفراغ – “منضبطة جيداً بصورة ملحوظة في صالحنا”[22]. إن الثابت – الذي هو جزء من معادلة أينشتين للنسبية العامة – كان من الممكن أن تكون له أية قيمة، إيجابية أو سلبية، “ولكن من المبادئ الأولى سيخمن المرء أن هذا الثابت يجب أن يكون كبيراً للغاية”. وهذا ما قاله وينبيرج.

وأضاف أنه من حسن الحظ ليس كذلك.

إن كان الثابت الكوني كبيراً وإيجابياً، فسوف يعمل كقوة كريهة تزداد مع المسافة، وهي قوة ستمنع المادة من أن تتجمع معاً في الكون المبكر، وهذه العملية كانت الخطوة الأولى في تكوني المجرات والنجوم والكواكب والناس. وإن كان الثابت الكوني كبيراً وسلبياً، فسوف يعمل كقوة جاذبة تزداد مع المسافة، وهي قوة ستعكس فوراً وغالباً تمدد الكون وتتسبب في إعادة انهياره.[23]

في كلا الحالتين تفقد الحياة زماناً طويلاً. ولكن لدهشتنا، فإن هذا ليس هو ما حدث.

“في الواقع، كما قال وينبرج، فإن الملاحظات الفلكية تبين أن الثابت الكوني صغير للغاية، بل أصغر بمراحل مما كنا نتصور من المبادئ الأولى”[24].

وعندما سألت كولينز عن ذلك، قال لي إن الوضع الدقيق غير المتوقع، والمضاد للحدس، والمدهش للثابت الكوني “يتم اختباره على نطاق واسع بصفته المشكلة العظمى الوحيدة التي تواجه الفيزياء وعلم الكونيات اليوم”.

“وما مدى دقتها؟”

فقلب كولينز عينيه، وقال: “حسناً، ليست هناك طريقة تمكننا من فهمها حقاً. فالتعديل تم تقديره بصورة محافظة على الأقل بصفته جزء من مائة مليون بليون بليون بليون بليون بليون. أي عشرة متبوعة بـ 53 صفراً. وهذا دقيق للغاية”.

كان كولينز على صواب، فلم أتمكن من تخيل رقم مثل هذا. فسألته: “هل يمكنك أن تقدم لي شرحاً لذلك؟”

كان كولينز على صواب؛ فلم أتمكن من تخيل رقم مثل هذا. فسألته: “هل يمكنك أن تقدم لي شرحاً لذلك؟”

“فكر في الأمر هكذا. لنقل إنك انطلقت إلى الفضاء، وكان عليك أن ترمي سهماً بطريقة عشوائية نحو الأرض. فنسبة أن تصيب عين ثور بنجاح ستكون جزء من ترليون من البوصة في القطر. وهذا يقل حجماً عن ذرة واحدة”.

فجالت بخاطري كلمة مدهش. رائع. وقلت له: “لا شك أن العلماء قد اندهشوا إزاء هذا”.

من وجهة نظري، إن كان الثابت الكوني هو المثال الوحيد للتعديل، وإن لم يكن له تفسير طبيعي، فسوف يكون آنذاك كافياً في حد ذاته أن يقرر التصميم بقوة”.

كان عيلّ أن أوافق. فقد رأيت الأمر هكذا: إن كان الكون في وضع محاكمة بتهمة أنه قد صُمم، وأن الثابت الكوني هو الدليل الوحيد الذي تقيمه جهة الادعاء، سأصرح قائلاً: “مذنب”، على افتراض عدم وجود تفسير طبيعي مستتر. واحصائياً، سيكون هذا دفاعاً أقوى بكثير حتى من دليل الحامض النووي DNA الذي يُستخدم لإثبات الجريمة في محاكمات جنائية كثيرة اليوم.

استطرد كولينز: “الآن، فكر أن تضيف معاً دليل العاملين اللذين ناقشتهما حتى الآن؛ وهما الثابت الكوني، وقوة الجاذبية. فهذا سيكون دفاعاً أقوى بصورة لا يمكن تصورها. فعندما تربط الاثنين معاً، سيكون التعديل بالغ الدقة بمقدار جزء من مئة مليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون. وهذا سيكون معادلاً لذرة واحدة في الكون المعروف بأسره!”

ولم يكتفي كولينز بهذا، فأضاف: “هناك أمثلة أخرى للتعديل. فمثلاً، هناك الاختلاف في الكتلة بين النيوترونات والبروتونات. فإن زودت كتلة النيوترون بحوالي جزء واحد من 700 جزء، سوف يتوقف الاندماج في النجوم. ولن يكون هناك مصدر طاقة للحياة”.

“وإذا كانت القوة الكهرومغناطيسية أقوى أو أضعف بدرجة طفيفة، لاستحالت الحياة في الكون. أو فكر في القوة النووية القوية. تخيل إنقاصها بمقدار 50٪؛ وهي نسبة قليلة – جزء من عشرة ألاف بليون بليون بليون بليون، مقارنة بالمدى الكلي لقدرات القوة”.

“ماذا سيحدث لو تعاملت معها بهذه الكمية؟”

“كما ان الشحنات تقاوم، فإن القوة النووية القوية ستكون ضعيفة للغاية عن منع القوة المقاومة بين البوتونات ذات الشحنات الموجبة في النواة الذرية من تفتيت كل الذرات ما عدا الهيدروجين. وبغض النظر عما يمكنهم أن يُظهروه في عرض Star Trek، لا يمكن أن تكون لديك أشكال حياة ذكية مبنية على الهيدروجين. فببساطة ليس لديها تعقيد ثابت بدرجة كافية”.

كنت أعلم أن كولينز يمكنه الاستمرار طويلاً في ذلك الموضوع، ولكني كنت بحاجة إلى طريقة لتصوير تضمينات هذه المفاهيم المجردة بشكل متزايد. قلت له: “عد إلى المحيط الحيوي للمريخ”.

“حسناً، ضع جانباً قضية كيف ظهر المحيط الحيوي في المقام الأول. ولنقل إنه عندما وجدته، كانت هناك 12 لوحة كانت تتحكم في الشروط داخل القبة. وكانت كل لوحة بها مدى ضخم من الأوضاع الممكنة. وعندما رحلت، تركت اللوحات تعمل بطريقة عشوائية، ونتيجة هذا لم تكن هناك حياة ممكنة في المحيط الحيوي”.

“ثم عدت بعد عام. وعندما تنظر إلى اللوحات، ستندهش عندما تجد ان كل واحدة منها تهيأت بحرص للوضع الصحيح، ولهذا فإن الحياة تنتعش في القبة. 12 لوحة، 12 عاملاً مختلفاً – الكل مهيأ للحياة”.

“هل تعرف ماذا ستكون عناوين الصحف الرئيسية في اليوم التالي؟” ستكون هكذا: وجود حياة خارج الأرض. وسوف نتخذ هذا كدليل على أن كائناً ذكياً قد هبط وضبط هذه اللوحات بالدقة المطلوبة للحياة”.

“أقول إن اللوحات للخواص الأساسية للكون قد ضُبطت هكذا في الواقع، فإن الدقة ستكون أعلى قدراً وسيكون هذا أمراً غير متوقع بالمرة بحساب نظرية أن الفرصة العشوائية كانت مسؤولة. ومع ذلك، ليس من غير المتوقع أن يكون هناك مصمماً عظيماً”.

 

[1] Paul Davies, God and the New Physics (New York: Simon and Schuster, 1983), 189.

[2] John Templeton, The Humble Approach: Scientists Discover God (Philadelphia: Templeton Foundation, 1997), 19.

[3] For a description of the dynamics between Christian and non-Christian spouses, based on the experiences that Leslie and I had during the era when she was a Christian and I was an atheist, see Lee and Leslie Strobel, surviving a Spiritual Mismatch in Marriage (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 2002).

[4]  See: Patrick Glynn, “The Making and Unmaking of an Atheist,” in: God: The Evidence (Rocklin, Calif.: Forum, 1997), 1-20.

[5] Ibid., 22.

[6] Ibid., 55,53.

[7] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2002), 19.

[8] John Poldinghorne, Belief in God in an Age of Science (New Haven: Yale University Press, 1998), 10.

[9] Walter L. Bradley, “The <Just So> Universe,” in William A. Dembski and James M. Kushiner, Signs of Intelligence, 170.

[10] Paul Davies, The Mind of God (New York: Touchston, 1992), 16, 232.

[11] Edward Harrison, Masks of The Universe (New York: Collier, 1985), 263, 252.

[12] Quoted in John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmological Principle (Oxford: Oxford University Press, 1986),22.

[13] Owen Gingerich, “Dare a Scientist Belive in Desing?” in John M. Templetion, editor, Evidence of Purpose (New York: Continuum, 1994), 25.

[14] John Lislie, Universes (New York: Toutledge, 1989), 198.

[15] Robert M. Augros and George N. Stanciu, The New Story of Science, 70.

[16]Robim Collins, “Acientific Argument for the Existence of God: The Fine-Tuning Dwsing Argument,” in Michael J. Murray, editor, Reason for the Hope Within (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1999), 48.

[17] Paul Davies, The Cosmic Blueprint: New Discoveries in Nature’s Creative Ability to Order the Universe (New York: Simon asn Schuster, 1988), 203.

[18] Collins (and Gingerich in his earlier quote) was referring to a well-Known Comment by Sir Fred Hoyle: “A common sense interpretation of the facts suggests that a superntellect has monkeyed with the physics, as well as with chemistry and biology, and that there are no blind forces worth speaking about in nature. The numbers one calculates from the facts seem to me so overwhelming as to put this conclusion almost beyond question”. Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Refliction,” Engineering & Science (November 1981).

[19] The relative strength of the four forces in nature-gravity, electromagnetism, the weak force, and the strong nuclear force is typically specified by a widely used dimensionless measure, which can roughly be thought of as the relative strengths of the respective forces between two protons in a nucleus. See: John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmoligical Principle (Oxford: Oxford University Press, 1986), 2995.

[20] Martin Rees, Just Six Numbers: The Forces That Shape the Universe (New York: Basic, 2000), 30.

[21] Stephen C. Meyer, “Evidence for Design in Physics and Biology” in Michael J. Beche, William A. Dembski, and Stephen C. Meyer, editors, Science and Evidence for Design in the Universe (San Francisco: Ignatius, 2000), 60.

[22] Steven Weinberg, “A Designer Universe?” New York Review of Boods (October 21, 1999).

[23] Ibid.

[24] Ibid.

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

استعد، صوب، سدد!

هناك مفاهيم قليلة توسع الذهن كمفهوم تعديل الكون. فمثلاً، قال فيزيائي جامعة أكسفورد روجر بنروز إن معياراً واحداً، وهو “الفراغ الفضائي الأصلي” استلزم تعديلاً لدقة مقدارها جزء من عشرة بلايين مضروبة في نفسها 123 مرة. وأشار بنروز إلى أنه سيكون من المستحيل حتى كتابة هذا الرقم كاملاً، لأنه سيتطلب أصفاراً أكثر من عدد الجزيئات الأولية في الكون بأكمله! وقد أوضح هذا، كما قال “مدى الدقة المطلوبة لضبط الكون في مساره”[1].

وكما تعجبت مجلة Discover: “الكون عجيب. عجيب جداً. عجيب بدرجة عميقة ومذهلة”[2].

في ضوء الأرقام ن غير المجدي محاولة تفسير كل هذا التعديل على أنه مجرد نتاج الصدفة العشوائية.  الشاذة متناهية الصغر للحصول على كل الأوضاع الصحيحة للوحات بالنسبة لثوابت الفيزياء، وقوى الطبيعة، والقوانين الفيزيائية الأخرى، والمبادئ الضرورية للحياة، يبدو أنه م

قال كولينز: “طالما أننا نتحدث عن الاحتمالات، فلا يمكنك نظرياً أن تعلن إمكانية، مهما كانت بعيدة، أن هذا يمكن أن يحدث بالصدفة”.

“ومع ذلك، فإنني إذا راهنتك على ألف دولار بأنني أستطيع أن أقلب عملة وأحصل على صورة الملك خمسين مرة. وأبدأ في فعل هذا، فلن تقبل مني ذلك. فسوف تعلم أن الشواذ ضد ذلك غير محتملة جداً – حوالي فرصة واحدة في مليون بليون – وهذا غير محتمل حدوثه. وحقيقة أنني كنت أستطيع أن أقوم بهذا ضد مثل هذه الشواذ الضخمة ستكون دليلاً قوياً لك بأن اللعبة قد ضُبطت لمصلحة اللاعب. ونفس الأمر صحيح بالنسبة لتعديل الكون – فقبل أن تستنتج أن الصدفة العشوائية كانت مسؤولة، ستستنتج أن هناك دليلاً قوياً على أن الكون قد ضبط. أي إنه قد صمم”.

“سأعطيك توضيحاً آخر. تخيل أنني كنت أتجول في الجبال، وصادفت صخوراً مرتبة بطريقة مكنتني من أن أقرأ العبارة “مرحباً بك يا روبين كولينز على الجبال”. فرضية ستكون أن الصخور تصادف فحسب أن تكون مرتبة بهذا الشكل، ربما نتيجة زلزال أو تدحرج صخري. لا يمكنك استبعاد هذا تماماً. لكن فرضية أخرى ستكون أن أخي، الذي كان يزور هذه الجبال من قبلي، قد نظم الصخور بهذه الطريقة”.

“من الطبيعي جداً أن معظم الناس سيقبلون نظرية زيارة أخي على نظرية الصدفة. لماذا؟ لأن الأمر يدهشنا باعتباره غير محتمل بدرجة كبيرة أن تترتب الصخور بالصدفة هكذا، ولكن ليس بنفس قدر عدم الاحتمالية أن يكون أخي قد وضعها هكذا. وهذا افتراض معقول تماماً”.

“وبالمثل، من غير المحتمل على الإطلاق أن تعديل الكون من الممكن أن يكون قد حدث بطريقة عشوائية، لكنه ليس من غير المحتمل على الإطلاق أن يكون عمل مصمم ذكي. ولهذا فمن المعقول جداً أن نختار نظرية التصميم أكثر من نظرية الصدفة. إننا نفكر في الأمر طوال الوقت. هل كانت بصمات المتهم على المسدس بسبب تكون كيماويات بالصدفة، أم بسبب أنه لمس المسدس؟ المحلفون لا يترددون في الاستنتاج الواثق بأنه لمس المسدس إن كانت الأرقام الشاذة ضد الصدفة أرقام فلكية للغاية”.

بينما كانت نظرية الصدفة العشوائية غير كافية لتفسير “التزامنات” الإنسانية، فربما كانت هناك بدائل أخرى تؤدي للاستنتاج بأن الكون كان عمل مصمم. وقد حان الوقت لاختبار بعض هذه البدائل.

“ماذا يحدث إن كان هناك مبدأ غير مكتشف يجعل الكون على ما هو عليه؟ فربما نظرية كل شيء المراوغة التي كان الفيزيائيون يبحثون عنها لمدة طويلة سيتضح أنها تتطلب معايير الفيزياء كي تكون لها تماماً القيم التي للفيزياء”.

فلم يرتبك كولينز إزاء هذه الفكرة. فأجاب: “هذا لا يزعجني على الإطلاق. فببساطة سيحرك مؤشر عدم احتمالية التعديل درجة واحدة”.

“ماذا تعني؟”

“سيكون الأمر مدهشاً حقاً لو أن هذه “النظرية الموحدة الضخمة Grand Unified Theory” قد تمكنت – خارج إطار مدى الاحتمالات المذهل – من إجبار كل لوحات التعديل للانتقال إلى المكان الذي تصادف وخلقت فيه كوناً داعم للحياة. وسوف يشبه ذلك قانوناً معد سابقاً في بداية الكون تسبب في وضع كل شيء في مكانه، ولهذا عندما وصلت إلى الجبل، رأيت الصخور موضوعة بطريقة مكنتني من قراءة هذه الجملة “مرحباً بك يا روبين كولينز على الجبال”.

“ولذل فإن هذا لن يقضي على حجة التصميم الذكي؟”

“العكس تماماً. إنها ستضخمها، لأنها ستوضح أن المصمم كان مبدعاً أكثر مما اعتقدنا أولاً. وكما أنه من الصعوبة تعديل كون بضبط كل اللوحات الفردية، فسوف يكون من الأصعب خلق قانون ضمني للطبيعة أجبر كل اللوحات آنذاك على هذه الأوضاع المحددة. وكل ما سيفعله هذا هو أن يجعلني حتى أكثر إحساساً بالرهبة بوجود الخالق”.

هاجم بعض المتشككين حجة التعديل من اتجاه آخر، وأثاروا ما أصبح معروفاً بـ “المبدأ الإنساني الضعيف Weak Anthropic Principle”. وطبقاً لهذه الفكرة، إن لم يكن الكون معدلاً للحياة، فالبشر لن يكونوا موجودين لملاحظة ذلك. ونتيجة لهذا يؤكدون ان التعديل لا يتطلب تفسيراً.

“يجب أن تعترف أن هناك جاذبية بديهية لهذا الأمر”.

“أعتقد أن جون ليزلي لديه أفضل إجابة على هذا الموضوع. افترض أنك كنت واقفاً أمام مجموعة مدربة على إطلاق النار مكونة من خمسين قناصاً مدرباً على أعلى مستوى كانوا جميعاً يصوبون بنادقهم إلى صدرك من مسافة قصيرة. وسمعت الأمر: “استعد!، صوب!، سدد!”، لكنك لم تشعر بأي شيء تتخلص من العصابة التي على عينيك، وترى أنك ما زلت حياً. ولم تصيبك حتى رصاصة واحدة”.

“والآن لن تسمح للمتشكك برفض الموقف قائلاً: “حسناً لو كانوا قد أطلقوا عليك النار، لما كانت هنا للتعليق على الموقف”. كلا – فالظروف ما زالت مدهشة ولا تزال تتطلب تفسيراً. هل اتفقوا معاً على ألا يضربونك؟ هل كان إعداماً ساخراً؟ ونفس الشيء ينطبق على تعديل الكون. فهو لا يزال يتطلب تفسيراً وفي تقديري أن أفضل تفسير هو وجود مصمم”.

ومع ذلك، رغم ثقة كولينز، أثار علماء تهديداً أكثر حدة على حجة تعديل الكون في السنوات الأخيرة. يقول علماء كثيرون إن ما يُسمى بـ “فرضية الأكوان الكثيرة” تلوح كما لو أنها أكبر تحدي للاستنتاج القائل بأن الكون قد صنع بدقة فائقة بواسطة مصمم فائق. فقررت أن هذا سيكون استفساري التالي.

 

 

 

باب الهروب الميتافيزيقي

المتشكك الروحي مارتن ريز – الذي أصبح أستاذاً للفلك في جامعة كامبردج عندما كان في الثلاثينات من عمره، وأطلقت عليه الملكة إليزابيث في العام 1995 لقب “الفلكي الملكي” – لم يستطع أن يتجاهل كيف أن المعيارات الكونية متناغمة بدرجة مذهلة لخلق كون تتلاءم فيه الحياة. وقال إن كانت الأرقام الستة التي تُشكل أساس الخواص الفيزيائية الأساسية للكون قد تبدلت “حتى ولو إلى أدنى درجة، فلن تكون هناك نجوم، ولا عناصر معقدة، ولا حياة”[3].

وصرح: “إن سرعة الامتداد، والمحتوى المادي للكون، وقدرات القوى الأساسية، يبدو أنها قد كانت متطلباً أساسياً لظهور هذا الموطن الكوني الملائم الذي نعيش فيه”[4].

لخص مؤلف ببراعة هذا المثال من ريز:

“لكي يوجد الكون، يستلزم الأمر أن يتحول الهيدروجين إلى هيليوم بطريقة دقيقة ولكن مدهشة؛ أي بطريقة تحول نسبة 0,007 من كتلتها إلى طاقة خفّض هذه القيمة قليلاً من 0,007٪ إلى 0,006٪ مثلاً، ولن يحدث أي تحول: فالكون سيتكون حينئذٍ من هيدروجين فقط. ارفع القيمة قليلاً جداً إلى 0,008٪، وسوف تكون الوصلة قوية جداً حتى أن الهيدروجين سيتزود بمخزون كبير منذ أن أستهلك. وفي كلا الحالتين، فمع أدنى تغيير للأرقام، فإن الكون الذي نعرفه ونحتاجه لن يكون موجوداً[5].

قال ريز إنه عندما نأخذ في الاعتبار الأعداد الخمسة الأخرى التي تمثل ” القوة العميقة التي تُشكل الكون”، فسوف تصبح بنية الكون “غير محتملة لدرجة كبيرة”[6].

هل ما زال ريز مندهشاً بفعل توازن الكون المتقن للغاية والمشكوك فيه؟ لا. هل يومن أن التعديل يشير إلى مصمم؟ لا على الإطلاق. لماذا؟ يُجيب على ذلك باستخدام توضيح متجر ملابس كبير للمقاسات الخاصة.

قال: “إن كانت هناك مجموعة مكدسة من الملابس، فليس عليك أن تندهش إذا وجدت فيها بذلة تناسبك. وإن كانت هناك أكوان كثيرة، كل منها تحكمه مجموعة مختلفة من الأرقام، سيكون واحد منها فيه مجموعة خاصة من الأرقام الملائمة للحياة. ونحن موجودون فيه”[7].

يمكن تلخيص هذه الحجة هكذا: “كان من الممكن أن تكون هناك ملايين وملايين من الأكوان المختلفة، خُلق كل منها بأوضاع رقمية مختلفة من النسب والثوابت الأساسية، كثير جداً في الواقع لدرجة أن الوضع الصحيح قد ظهر بالصدفة البحتة. وقد تصادف أن نكون الأوضاع المحظوظة”[8].

وبمعنى آخر، إن كان كوننا هو الكون الوحيد في الوجود، فسوف يكون التعديل دليلاً قوياً – أو دليلاً حاسماً كما يقول كثيرون – على أن ذكاء قد تدخل بالأرقام. ولا يبدو أن هناك إمكانية معقولة أخرى. لكن هذا الرأي يتلاشى إن كانت هناك أكوان كثيرة، أو عدداً محدداً منها. ومع دوران رقمي عشوائي، ستكون الشواذ أنه على الأقل واحداً – كوننا نحن –  سيربح اليانصيب الكوني، وسيصبح موطئاً ملائماً للحياة.

ريز ليس المتشكك الوحيد الذي يهرب من التضمنيات الإيمانية للكون المعدل بالتأمل في وجود عوالم أخرى. في الواقع، هذا هو المدخل الذي اتخذه وينبيرج بعدما عبّر عن دهشته إزاء الشكوك غير المتوقعة للثابت الكوني[9].

يؤيد فيزيائيون كثيرون فكرة الكون المتعدد، أو بما يُسمى بنظرية “multiverse”، مع أن آخرين يسخرون منها، متهمين بأنها أكثر من مجرد هروب ميتافيزيقي لتجنب دليل التعديل المؤيد لوجود مصمم. قال كاتب:

لقد اقترحت فرضية العوالم الكثيرة في الأصل لأسباب علمية بحتة كحل لما يُسمى بمشكلة قياس الكم في علم الفيزياء. ورغم أن تأثيرها كتفسير داخل إطار الفيزياء الكمية ما زال مثيراً للجدل بين الفيزيائيين، إلا أن استخدامها في هذا المجال له أساس تجريبي. ومع ذلك، تم توظيفها في الفترة الأخيرة لتكون بديلاً لا إيماني لتعديل الثوابت الفيزيائية. وهذا الاستخدام [للفرضية] لا يبدو أنه يخدع التهور الميتافيزيقي.

في لقاء مع ويليام لين كريج[10]، الذي اشترك في تأليف كتاب الإيمان بالله، علم دراسة الأكوان الانفجار الكبير والإلحاد Theism, Atheism and Big Bang Cosmology، قال لي: “إنها مفهوم بحت، فكرة بحتة، بلا برهان علمي. انظر، إنها ميتافيزيقا بحتة.[11] فلا يوجد سبب حقيقي لتصديق وجود مثل هذه العوالم المتوازية. وحقيقة ان المتشككين عليهم الخروج بنظرية غريبة كهذه هو أن تعديل الكون يشير بقوة إلى مصمم ذكي – وهناك بعض الناس سيفترضوا أي شيء لتجنب الوصول إلى هذا الاستنتاج”[12].

بالمثل دعا بولكنجهورن – أستاذ سابق للفيزياء الرياضية في كامبردج – هذه الفرضية “علماً كاذباً”، و”تخميناً ميتافيزيقياً”[13]. وقال في كتابه “العلم واللاهوت Science and Theology”: “إن مسألة العوالم الكثيرة تقدم أحياناً كما لو كانت علمية تماماً، ولكن في الواقع، فإن مستنداً كافياً لأكوان مختلفة يمكنه أن ينشأ بعمليات تأملية تتخطى ما يمكن أن يؤكده العلم بأمانة”[14].

استنتج ديفيز أن “نظرية الأكوان الكثيرة يمكنها في أفشل الأحوال أن تفسر مجرى مدى محدود من السمات، هذا إن أضاف المرء بعض الافتراضات الميتافيزيقية التي لا تبدو أنها أقل مغالاة من التصميم”[15]. وقال كليفورد لونجلي: “إن منظر الملحدين العلميين وهم يتعلقون بمثل هذا القش اليائس قد وضع وثبة جديدة في طريق المؤمنين”[16].

اعترف ريز بالطبيعة الهشة لنظرية الأكوان المتعددة في مقابلة مع صحفي علمي في العام 2000. فقد صرح بأن الحسابات “تحكمية بدرجة عالية” (رغم أنه يقترح أنها ستكون غير ذلك يوماً ما)، وأن النظرية نفسها “معلقة على افتراضات”، وتبقى تأملية، وغير مهيأة للبحث المباشر. وقال: “إن الأكوان الأخرى غير متاحة لنا، تماماً كما أن داخل حفرة مظلمة غير متاح”. وأضاف أننا لا يمكننا حتى أن نعرف ما إذا كانت الأكوان نهائية أو لا نهائية في العدد. ومع ذلك، قال إن نظرية الأكوان المتعددة “تقع أصلاً في نطاق العلم”[17].

كان كل هذا يدور في ذهني بينما كنت أتهيأ لسؤال كولينز عن إمكانية أن سيناريو الأكوان المتعددة يمكنه القضاء على دليل وجود مصمم لكوننا. كنت أشعر حقاً بحب الاستطلاع: هل يمكن أن تكون هذه الفرضية ملاذاً معقولاً للمتشككين الذين يُصدمون بفكرة الله؟ أم أن الحجة الإنسانية ستواجه هذه التحدي؟

فكرة الهوكي الكوني

لا بد أن أعترق بأنني اندهشت من إجابة كولنز المبدئية حين سألته عن قابلية فرضية الأكوان الكثيرة للتطبيق.

قال: “حسناً، إن معظم هذه الافتراضات تأملية تماماً، ولها أساس ضعيف في الفيزياء. إنها لا تستحق التفكير. ومع ذلك، فإن أكثر نظرية شيوعاً – وهي الكوزمولوجيا التضخمية – لها مصداقية أكثر. لا بد أن أقول إنني على الأقل متعاطف معها. فأنا أحاول أن يكون ذهني مفتوحاً”.

كان كولنز يشير إلى نموذج “الكون التضخمي ذاتي الإنتاج” الذي اقترحه أندريه ليندي من جامعة ستانفورد، وهو مبني على مبادئ متقدمة من فيزياء الكم. وقد كانت هذه هي النظرية التي استشهد بها وينبيرج عندما حاول تفسير التعديل الظاهر للثابت الكوني. وفي مثال مذهل، قال كاتب علمي إن مفهوم ليندي “تتحدى التصور السهل”[18]. ومع ذلك، مع خطورة السهولة المفرطة، يمكن استخدام توضيح أساسي.

يفترض ليندي وجود فضاء خارق قبل الوجود يتمدد بسرعة. وجزء صغير من هذا الفضاء الخارق ينفجر بمجال تضخمي نظري، انفجر بحسب نظرية التضخم، تماماً كفقاعات الصابون التي تشكل محيطاً لا نهائياً مليئاً بمنظف أطباق. وكل فقاعة تصير كوناً جديداً. وهذا ما يُعرف باسم “نظرية التضخم الفوضوي”، وعدد ضخم من هذه الأكوان تولد عشوائياً بفضل التذبذبات الكمية، عبر نقاط مختلفة من الفضاء الخارق. وهكذا، فإن كل كون له بداية، وحجمه محدود، في حين أن الفضاء الخارق الأكبر لا متناه في الحجم، ويبقى إلى الأبد.

ذكرت لكولينز أنه في لقاء سابق عن الكونيات، استخدم وليم لين كريج هذه النظرية استخداماً محدوداً. فقال كولينز: “موافق، إنها تأملية بدرجة عالية. وفيها قدر مرعب من النهايات غير الدقيقة. ولكن طالما إنها النظرية الأكثر شيوعاً اليوم – وأعتقد أنه لابد من اتخاذها بجدية – دعنا لا ننتقدها الآن. لنفترض أنها حقيقية”.

فقلت وأنا أومئ: “حسناً. هذا جيد”.

“والآن، إليك فكرتي المهمة جداً: حتى إن كانت نظرية ليندي استطاعت أن تفسر وجود أكوان كثيرة، فهذا لن يقضي على الدفاع عن التصميم. بل إنها ستغير المسألة قليلاً. في الواقع، أعتقد أنها تشير إلى التصميم”.

كانت هذه لفتة مذهلة! فسألته: “لماذا تعتقد ذلك؟”

فقال: “سأستخدم مثالاً من الحياة اليومية. لديّ مع زوجتي آلة لصنع الخبز. وهي الآن عاطلة عن العمل، لكننا اعتدنا على استخدامها. ولعمل خبر جيد كنا نحتاج أولاً إلى هذه الماكينة جيدة التصميم، التي كانت بها الدارة الكهربائية الصحيحة، والعنصر الحراري الصحيح، والمؤقت الصحيح، إلخ. ثم كان علينا أن نضع المكونات الصحيحة بالنسب الصحيحة وبالترتيب الصحيح – ماء، ولبن، ودقيق، زبدة، وملح، وسكر، وخميرة. كان يجب أن يحتوي الدقيق على الكمية الصحيحة من مادة البروتين التي تسمى الجلوتين، وإلا كان المطلوب أن تُضاف[19]. كل شيء يجب أن يكون مضبوطاً لإنتاج رغيف من الخبز – وإلا ستحصل على قص هوكي محترق”.

“والآن دعنا نواجه النظرية: فمسألة كون أكثر تعقيداً من رغيف خبز. أقصد أنه إذا كانت آلة تصنيع الخبز تستلزم معاير محددة مرتبة لعمل الخبز، فلا بد أيضاً أن تكون هناك عملية أو تقنية عالية التصميم لعمل أكوان عملية. أي أنه بغض النظر عن أية نظرية تعدد أكوان تستخدمها، ففي كل حالة ستحتاج إلى “مولد اكواناً متعددة”؛ وهذا ما يستلزم البنية الصحيحة، والتقنية الصحيحة، والمكونات الصحيحة لإخراج أكوان جديدة”.

“وإلا سينتهي بك المطاف بقرص هوكي كوني!” قالها ضاحكاً.

آلة الأكوان المتعددة

دفع كولينز مقعده للخلف متجهاً نحو سبورة على الحائط، وقال وهو يرسم رسماً كارتونياً غريباً لآلة تصنيع بها مدخنة متكتلة، وسير يُدخل المواد الخام ثم يخرج أكواناً جديدة طازجة من الجانب الآخر: “عندما أرسم “مولد أكوان متعددة” يندهش طلابي”.

وقال وهو يضع اللمسات الأخيرة على رسمه: “هذه الآلة يمكنها فقط أن تنتج أكواناً داعمة للحياة إن توفرت لها التقنيات والمكونات الصحيحة”.

التفت وتفحصت رسمه، وسألته: “ما الذي ستحتاج إليه مثلاً في ظل نظرية ليندي؟”

فقال كولينز فيما استعاد نظام جلسته: “أولاً، ستحتاج إلى تقنية لمد الطاقة المطلوبة للأكوان الفقاعية. وسوف يكون هذا هو مجال التضخم الذي افترضه هو، والذي يعمل بفعالية كمستودع طاقة غير محدودة. ثانياً، سيحتاج إلى تقنية لتكوني الفقاعات. وسوف تكون هذه معادلة اينشتين عن النسبية العامة. فبسبب شكلها المتميز، فمن المفترض أن يتسبب هذا في تشكيل الأكوان الفقاعية واستمرار المحيط في التمدد”.

“ثالثاً، سيحتاج إلى تقنية لتحويل طاقة مجال التضخم إلى الطاقة/ الكتلة العادية التي نجدها في كوننا. رابعاً، سيحتاج إلى تقنية للسماح بالتنوع الكافي في ثوابت الفيزياء بي الأكوان المتعددة. وبمعنى آخر، سيحتاج إلى طريقة لتنويع ثوابت الفيزياء حتى يمكنه بالصدفة العشوائية أن ينتج بعض الأكوان، مثل كوننا نحن، الذي ينعم بالتعديل الصحيح لتدعيم الحياة”.

“هل هناك مرشحاً لهذه التقنية؟”

“نعم؛ نظرية الخيط الفائق Superstring Theory. قد تنجح في ذلك رغم أن الوقت ما زال مبكراً جداً للحكم عليها”.

وعندما سألته لماذا ذكر الخيوط الفائقة، قال: “طبقاً لنظرية الخيط الفائق، فإن المكونات النهائية للمادة هي خيوط من الطاق تخضع لاهتزازات الكم في 10 أو 11 بعداً من الزمن الفضائي. ستة أو سبعة من هذه الأبعاد “تصل” إلى حجم متناهي الصغر. وبلغة نظرية الخيط الفائق، يُقال إنها مندمجة. وشكلها يحدد طرق اهتزازات الخيوط. وهذا بدوره يحدد أنواع وكتل الجزيئات الأساسية، وصفات القوى بينها. ولهذا ستكون لها ثوابت مختلفة من الفيزياء والقوانين التي تحكم القوى”.

“هذا يبدو مشكوك فيه تماماً”.

“كل من علم الكونيات التضخيم ونظرية الخيوط الفائقة تأمليان إلى حد كبير. في الواقع، قال الفيزيائي النظري ميشيو كاكو مؤخراً إنه ولا حتى “جزء من دليل تجريبي” قد اكتشف لتأكيد الخيوط الفائقة[20]. إن علماء الفيزياء على مسافة بعيدة من حتى عمل معادلات. والآن فهي مجرد نظرية مزاياها الوحيدة هي أنها رائعة رياضياً، وتحتوي على وعد توحيد ميكانيكيات الكم والنسبية العامة، وهما فرعان في الفيزياء ناضل علماء الفيزياء للتوفيق بينهما لما يزيد على خمسين عاماً”. لخصت كل ما قاله كولينز حتى الآن، وقلت: “ولهذا فإن مولد الأكوان المتعددة سيتطلب كل هذه العوامل إن كان يرجو أن يُنتج كوناً عملياً”.

فأجاب: “هذا صحيح، فمثلاً إن لم تعمل معادلة اينشتين مع مجال التضخم بانسجام، فلن تعمل. ولو خضع الكون لنظرية نيوتن في الجاذبية بدلاً من نظرية اينشتين، فلن يعمل. ولكن لي هذا هو كل شيء”.

“لا بد أيضاً أن تكون لديك القوانين الخلفية الصحيحة في مكانها. فمثلاً، بدون ما يسمى بمبدأ الكم، فإن كل الالكترونات في ذرة ستمتص في نواة ذرة. وهذا ما يجعل الذرات مستحيلة. والأهم من ذلك، كما قال فيزيائي برنستون اللامع فريمان دايسون إنه بدون مبدأ استثناء بول Pauli-exclusion prinicile، فسوف تشغل الالكترونات أكثر مدار انخفاضاً حول النواة، وهذا سيجعل الذرات المعقدة مستحيلة[21]. وأخيرً، فإنه لا يمكن أن تتكون النجوم أو الكواكب. وإن كان واحد فقط من هذه المكونات مفقوداً أو مختلفاً، فمن غير المحتمل بدرجة كبيرة إمكانية إنتاج أية أكوان تسمح بوجود حياة.

وأضاف: “وتذكر أنك ستكون بحاجة أن تضع تريليونات فوق تريليونات فوق تريليونات من الأكوان ليك تُزيد الشواذ التي سيخرجها الثابت الكوني مرة واحدة على الأقل، وطالما أنها معدلة لدرجة مذهلة. وهذا مجرد معيار واحد”.

“ما استنتاجك إذاً؟”

من غير المحتمل بدرجة كبيرة أن نظام مولداً للكون كهذا ستكون فيه المكونات والمقادير الصحيحة في مكانها بالصدفة العشوائية، تماماً كما أن الصدفة العشوائية لا يمكنها تفسير كيف تستطيع ماكينة الخبر إنتاج خبز جيد. ولهذا، إن كان نظام توليد أكوان متعددة موجوداً، فسوف يكون أفضل تفسير له هو وجود تصميم”.

فقلت: “وهذا معناه أنه عندما تروق للعلماء فكرة الوجود النظري لأكوان كثيرة لتجنب تضمينات تعديل كوننا، فهم لا يزالوا عاجزين علو الهروب من التصميم”.

“تماماً. فالمؤمنون ليس لديهم ما يخشونه من فكرة أنه ربما تكون هناك أكوان متعددة. ستكون هناك حاجة مستمرة لوجود مصمم ذكي كي يجعل العملية المولدة للكون تستمر في العمل. ولتعديل جملة من الفيلسوف فريد دريتسكي: فإن هذه أزمنة تضخمية، وثمن الإلحاد قد ارتفع”.

العقل الفائق

فكرت للحظات في تفسير كولينز. وبالتأكيد كان من المعقول أن الأكوان المتولدة سوف تستلزمن التقنيات الصحيحة، والمقادير الصحيحة، والدقة السليمة – وكلها علامات مميزة لوجود تصميم ذكي. لكني كنت لا أزال أتصارع ذهنياً مع شيء آخر. فبالنسبة لي، وأعترف أنني لست بفيزيائي، كانت فكرة الأكوان المتعددة بأكملها تبدو سخيفة.

وجدت نفسي متفقاً مع الناقد جرج ايستربورك – محرر مساعد في الأطلسي الشهري ِAtlantic Monthly، الذي بحث اكتشافات ونظرات العلم الحديث. كان حاداً بصفة مميزة في تقريره. فقد كتب: “إن فكرة الأكوان المتعددة تقوم على افتراضات تدعو للسخرية إن كانت قد جاءت من نص ديني. [فالنظرية] تتطلب تأجيلاً طويلاً من عدم الإيمان كأية ديانة. انضم للكنيسة التي تؤمن بوجود أشياء غير منظورة عرضها 50 بليون مجرة!”[22]

كما ذكرت تشككي أما كولينز، استمع باهتمام، وقال: “هناك سبب ما يجعلك تشعر هكذا. فمع تساوي كل شيء آخر، نميل لتفضيل الفرضيات التي هي استقراءات طبيعية لما نعرفه فعلاً”.

لم أدرك ما كان يقصده، فسألته: “هل يمكنك أن تقدم توضيحاً على ذلك؟”

فقال: “بكل تأكيد. لنفترض أنك عثرت على بعض عظام ديناصور. واعتبرتها بتلقائية دليلاً قوياً جداً أن الديناصورات قد عاشت في الماضي. لماذا؟ لأنه حتى إن كان لا أحد قد رأى ديناصورات، فلدينا خبرة عن حيوانات أخرى تركت ورائها بقايا متحجرة. وبهذا يكون تفسير الديناصور استقراء طبيعي من خبرتنا العامة. وهكذا يصير الأمر له معنى”.

“ومع ذلك، لنفترض أنه كان هناك متشكك من وجود الديناصورات. وكان يحاول تفسير وجود العظام التي عثرت عليها. ولنفترض أنه ادعى أنه استطاع تفسير وجود العظام باقتراح أن “مجال إنتاج عظام ديناصور” تسبب ببساطة في اخراج هذه العظام من الهواء المتباعد”.

“هذا أمر سخيف”.

“وهذا تماماً ما ستقوله للمتشكك. ستقول له: “مهلاً؛ ليست هناك قوانين معروفة في الفيزياء تسمح لهذا المجال بإنتاج عظام من العدم”. لكنه سيكون مستعداً للرد عليك. سيرد قائلاً: ” إننا لم نكتشف هذه القوانين بعد.  امنحنا المزيد من الوقت، يا لي Lee، ويقيني أننا سنتوصل إليها”.

“أخمن أن لا شيء يمكنه أن يمنعك عن استنتاج أن الديناصورات كان موجودة، لأن هذا سيكون استقراء طبيعياً مما تعرفه. ومن الناحية الأخرى، يحتاج المتشكك أن يخترع مجموعة كاملة جديدة من التقنيات التي ليست استقراء طبيعياً من أي شيء نعرفه أو اختبرناه. وأنت لن تقبل قصته. مستحيل”.

“تقصد إذاً أن مصمماً ذكياً هو استقراء طبيعي لما نعرفه حقاً”.

“نعم. فكر في الأمر، يا لي Lee، نحن نعلم أن العقول الذكية تنتج وسائل معدلة. انظر إلى مكوك الفضاء. انظر إلى جهاز تلفزيون. انظر إلى موتور احتراق داخلي. نحن نرى عقولاً تنتج أجهزة معقدة دقيقة طوال الوقت”.

“ولهذا فإن افتراض وجود عقل فائق – أو الله – كتفسير لتعديل الكون له معنى مقبول في العالم. وسوف يكون ببساطة استقراء طبيعياً لما نعرفه عما تستطيع العقول أن تفعله. والأهم، أنه على خلاف الفرضية القائلة بوجود أكوان كثيرة، لدينا دليل مستقل على وجود الله، كاختبار شخصي عن الخالق، والدليل الآخر الذي تتحدث عنه في كتابك”.

 

 

جمال الفيزياء

ارتشف كولينز آخر رشفة من الشاي في نفس الوقت الذي انتهيت فيه من شرب كوب الماء. وقال لي وهو يشير لي بأن أتبعه عبر البهو: “لنذهب لإحضار عبوات جديدة”.

كان المبنى هادئاً بصورة مخيفة كونه بلا طلاب أو كلية، وكانت أصواتنا تتردد صداها قليلاً بينما نزلنا الممر الفارغ. فقلت بينما وصلنا إلى مطبخ شخصي: “إن النهار جميل جداً بينما قضينا وقتاً طويلاً بالداخل”.

“نعم، إنه نهار مثالي للجري”.

ملأت كوبي بالماء بينما أعد هو مشروب الشاي. ساد الصمت للحظات، ثم قال كولينز: “إن الحديث عن الجمال يُذكرني باتجاه آخر من التفكير يشير إلى مصمم”.

“حقاً؟ أخبرني عنه”.

فأجاب ونحن عائدون إلى غرفة المؤتمرات: “فكر في الجمال الاستثنائي، والفخامة، والانسجام، والابداع الذي نجده في قوانين الطبيعة”.

“لقد كُتبت كتب كاملة عنه. كتب وينبيرج فصلاً كاملاً يشرح كيف أن معايير الجمال والفخامة استخدمت لإرشاد الفيزيائيين لصياغة القوانين الصحيحة.[23]قال الفيزيائي النظري آلان جوث إن البنية الأصلية لنظريات القياس في الفيزياء الجزيئية الأساسية “تحفزت أساساً بفخامتها الرياضية”[24].

“واحد من أكثر العلماء تأثيراً في القرن العشرين، بول ديراك، الحائز على جائزة نوبل من كامبردج نادى بأن: “أن يكون هناك جمال في معادلات شخص ما أهم من أن تناسب هذه المعادلات التجربة”[25]. وقال مؤرخ إن الجمال الرياضي كان جزءاً متكاملاً من استراتيجية ديراك. وقال إن ديراك كان يعتقد أن الفيزيائيين “كان عليهم أن يختاروا أولاً أجمل الرياضيات – ليست بالضرورة تلك المرتبطة بالأسس الموجودة لفيزياء النظرية – ثم يفسرونها بمصطلحات فيزيائية”[26].

هل ترى جمالاً في قوانين ومبادئ الطبيعة؟”

“نعم، بالتأكيد. إنها جميلة، وفخمة أيضاً في بساطتها. ومن المدهش أن يحدث هذا. عندما يحاول العلماء صياغة قانون جديد للطبيعة، يبحثون عن أبسط قانون يفسر البيانات بطريقة كافية”.

فقاطعته باعتراض: “أليس الجمال في عين الرائي؟ فما هو جميل يبدو أمراً ذاتي تماماً”.

“الذاتية لا يمكنها تفسير نجاح معيار الجمال في العلم. فلا يمكننا أن نتوقع ذاتية بحتة لتكون بمثابة أساس النظريات التي تقوم بتنبؤات عالية الدقة، كنجاح الديناميكا الكهربية الكمية في التنبؤ بالتصحيح الكمي لعامل g في الالكترون”.

“علاوة على ذلك، ليس كل الجمال ذاتياً؛ فهناك أيضاً ملامح موضوعية منه، على الأقل بالمعنى الكلاسيكي. في كتابه “تحليل الجمال The Analysis of Beauty” المكتوب في منتصف القرن الثامن عشر، قال وليم هوجراث إن الصفة المحددة للجمال أو للفخامة هي “البساطة مع التنوع”. وهذا ما وجده العلماء – عالم فيه البساطة الجوهرية تصل إلى تعقيد هائل المطلوبة للحياة”.

فطرحت بديلاً آخر قائلاً: ربما يكون مفهوم الجمال مجرد نتاج التطور. وربما تكون له قيمة باقية، ولهذا فإن إحساسنا بما هو جميل يكون قد تشكل بالاختيار الطبيعي”.

“هذا يمكن تطبيقه فقط على الأشياء التي يمكن أن نراها، أو نلمسها، أو نسمعها؛ الأشياء الموجودة في عالمنا اليومي والضرورية للبقاء. لكن التطور لا يمكنه تفسير الجمال الموجود في العالم المستتر للقوانين والرياضيات الفيزيائية”.

“في الفيزياء يمكننا أن نرى درجة ممتازة من التناغم، والتآلف، والتناسب. ونرى شيئاً أدعوه “إمكانية الاستكشاف”. وأقصد به أن قوانين الطبيعة يبدو أنها قد ترتبت بعناية لدرجة أنه يمكن اكتشافها من قبل كائنات لها نفس مستوى ذكائنا. وهذا لا يتفق فقط مع فكرة التصميم، لكنه يقترح أيضاً فكرة وجود قصد إلهي للبشرية حتى نتعلم عن مواطننا، وننمي العلم والتكنولوجيا”.

وقد ذكر كولنز أن ديفيز قد علق أيضاً على جمال الطبيعة في كتابه “القوة الفائقة Superforce”. وفيما بعد وجدت الفقرة:

أحد ردود الفعل الشائعة بين الفيزيائيين إزاء الاكتشافات الرائعة… هو مزيج من السرور تجاه رقة وفخامة الطبيعة، والاندهاش: “لم أفكر إطلاقاً في عملها بهذه الطريقة”. إن كانت الطبيعة “ماهرة” جداً حتى يمكنها استفلال التقنيات التي تدهشنا بإيداعها، أليس هذه دليلاً مقنعاً على وجود تصميم ذكي وراء العالم المادي؟ إن كانت أفضل عقول العالم يمكنها حل أسرار الطبيعة بصعوبة، فكيف يُفترض أن هذه الأسرار مجرد حادث غبي، نتاج صدفة بحتة؟ …… إن كشف قوانين الفيزياء يشبه تكملة [لغز] كلمات متقاطعة بعدة طرق…  ففي حالة الكلمات المتقاطعة، لن يحدث لنا أبداً أن نفترض بأن الكلمات قد سقطت فحسب في نموذج متداخل بالصدفة[27].

استطرد كولينز: “من وجهة نظر إلحادية، ليس هناك سبباً لتوقع أن القوانين الأساسية ستكون جميلة أو فخمة، لأنها بسهولة كان يمكن أن تكون غير ذلك. وحتى وينبيرج الملحد اعترف أنه “أحياناً ما تبدو الطبيعة أجمل من المطلوب”[28].

“ومع ذلك، فإن التعديل من أجل البساطة، والجمال، والفخامة يشكل معنى في فرضية الله. فكر في الإدراك الكلاسيكي عن الله؛ فهو الكائن الأعظم الممكن، ومن ثم فهو كيان يتمتع بحس مطلق من الجمال. ولن يكون من المدهش على الإطلاق بالنسبة لله أن يريد أن يخلق عالماً ذات جمال ورقة عظيمة في مستواه الأساسي”.

“كل النظريات الأخرى ناقصة”

عدنا إلى غرفة المؤتمرات، عالمين أننا على وشك الانتهاء. استند كولينز على الحائط، وكان كوب في يد، واليد الأخرى ممتدة عبر صدره، بينما جلست على طرف مقعد.

كانت نقطة الالتقاء بين الإيمان والفيزياء ملتقى رائع بالنسبة لي، وكنت مهتماً بمعرفة تأثير بحث كولينز على حياته الشخصية.

“ماذا أسهمت دراستك حول تعديل الكون لإيمانك؟”

فوضع كولينز كوب الشاي، وأجاب: “لقد شددته بالتأكيد. ومثل أي شخص آخر، اجتزت أوقاتاً عصيبة في الحياة، وكانت كل الدلائل العلمية على وجود الله مرساة مهمة بالنسبة لي”.

بدا في هذا أن العلم يحل محل الإيمان. فسألته: “أليس من المفروض أن يكون هذا هو دور الإيمان؟”

فأصر قائلاً: “إني أتكلم عن الإيمان. فالله لا يظهر عادة بطريقة فائقة للطبيعة في مكان ما، ويقول: “هاأنذا” لكنه يستخدم الوعاظ ليوصلوا للناس رسالة الفداء في المسيح. وأحياناً يستخدم وسائل طبيعية. تخبرنا رومية 1: 20 أن قوة الله السرمدية وطبيعته الإلهية يمكن رؤيتهما وفهمهما من خلال المصنوعات، ولهذا فالبشرية بلا عذر. إني أرى الفيزياء وكأنها تزيح الستار عن دليل بصمة الله في مستوى أكثر عمقاً مما كان يحلم به الأقدمون. لقد استخدم الفيزياء لتمكنني من رؤية حضوره وقدرته على الخلق. والسماء تعلن حقاً مجد الله، وهذا ما يلاحظه بمستوى أوضح متدرب الفيزياء بعيونه البشرية. وقد كان هذا تشجيعاً مذهلاً بالنسبة لي”.

“وبالطبع فإن التعديل في حد ذاته لا يمكنه ان يخبرنا ما إذا كان الله شخصياً أم لا. علينا أن نكتشف هذا بطرق أخرى. لكنه يساعدنا في استنتاج أنه موجود، وأنه خلق العالم، ومن ثم هناك قصد من وراء الكون. لقد خلقه بعناية فائقة وبدقة بالغة كموطن للحياة الذكية”.

“كيف تُقّيم إقناع الدليل الإنساني؟”

“إنه ليس حاسماً بنفس حسم الرياضيات بأن 2+2=4. ومع ذلك، فهو حجة تراكمية. فالتعديل الاستثنائي لقوانين وثوابت الطبيعة، وجمالها، وإمكانية اكتشافها، وذكائها، كل هذا يتحد معاً لجعل فرضية الله أكثر اختيار معقول لدينا. وكل النظريات الأخرى ناقصة”.

التقطت قصاصة صحفية من الطاولة، ثم قلت لكولينز: “نشرت صحيفة New York Times مؤخراً هذا الاقتباس الشهير للفيزيائي فريمان دايسون الذي بحث في دليل التعجيل وقال: “لا بد أن الكون بشكل ما قد علم أننا قادمين”. لكن المؤلف أضاف قائلاً: “هذه الفكرة ترعب بعض الفيزيائيين الذين يشعرون أن رسالتهم هي إيجاد تفسير رياضي للطبيعة لا يترك مجالاً للصدفة أو لهوى الخالق”. ومن الواضح أنك لا تنظر إلى مهمة الفيزياء هكذا، أليس كذلك؟”[29]

“كلا على الإطلاق. فهذا الاتجاه يعكس تحيزاً تناقضياً. وأنا لا أمانع العلماء وهم يحاولون إيجاد تفسيرات طبيعية، لكني لن أقول بأن مهمة الفيزياء هي تفسير كل شيء من الناحية الطبيعية. فمهمة الفيزياء هي تتبع تفسير طبيعي بقدر الإمكان، ولكن طالما أن الفيزياء يمكنها فقط تفسر مجموعة واحدة من القوانين باستدعاء مجموعة قوانين أكثر جوهرية، فلا يمكنها بنفسها أن تفسر القوانين الأكثر جوهرية. فتفسير هذه القوانين بمثابة انتقال الإنسان من الفيزياء [علم الطبيعة] إلى الميتافيزيقا [ما وراء الطبيعة]. ورغم أن الاستشهاد بفكرة الله ربما لا يكون جزءاً حاسماً من العلم، فإن العلم في جوهره هو تتبع الدليل وتضميناته حيثما تقودنا. ولا يجب أن نخشى من فرضية الله إذا كانت هي ما تناسبها الحقائق”.

لم يكن لوحده في منظوره هذا. فقد قال جنجريتش من جامعة هارفارد: أؤمن أن …. كتاب الطبيعة، بتفاصيله المذهلة – مسطحات عشبية، أو Conus cedonulli، أو رنين مستويات ذرة الكربون – يقترح وجود إله قصد وإله تصميم. وأعتقد بأن عقيدتي لا تجعلني بأقل من عالم”[30].

وآنذاك خطل سؤال أخير على ذهني، فقلت له: “بينما تتعمق أكثر فأكثر في الفيزياء، هل لديك شعور بالتعجب والرهبة لما تكتشفه؟”

فقال مبتسماً: “نعم، هذا صحيح. ليس فقط مع التعديل، بل أيضاً في مجالات كثيرة، مثل تقنيات الكم، وقدرة عقولنا على فهم العالم. فكلما نتعمق بحثاً، كلما نرى أن الله أكثر رقة، وأكثر ذكاءً، وأكثر إبداعاً مما كنا نعتقد. وأعتقد ان هذه هي الطريقة التي خلق بها الله الكون لنا – أن يكون مملوءً بالمفاجآت”.

ملك أم كتابة

أينما نظرت من حولي، كان استنتاج التصميم يبدو أنه لا يمكن الهروب منه. فإن كان كوننا هو الكون الوحيد في الوجود، وهذا استنتاج منطقي مبني على الدليل، فإن تعديله المتطور يعلن وجود مصمم. ومن الجانب الآخر، إن ثبتت صحة نظريات الفيزيائيين الغامضة، وصار كوننا واحداً من أكوان كثيرة، فإن الحاجة إلى تقنية مولدة لكون ستستلزم أيضاً وجود مصمم.

في كلا الحالتين يكسب الخالق.

لخصت فيرا كيستياكوفسكي – أستاذ فيزياء على المعاش في معهد ماساشوستس، والرئيس السابق لجمعية نساء العلم – تضمينات الدليل: “إن الترتيب الرائع الذي يعرضه فهمنا العلمي عن العالم المادي يدعو إلى السماويات”[31].

كان هذا الاستنتاج أيضاً هو الذي أزال إلحاد باتريك جلين. فقد قال إن الدليل الإنساني….

…. يقدم إشارة قوية في نفس قوة المنطق والعلم التي يمكنها إثبات وجود الله…. ومن المفارقة أن صورة الكون التي سُلمت لنا من خلال أكثر علوم القرن العشرين تقدماً قريبة في جوهرها من الرؤية المقدمة في سفر التكوين أكثر من أي شيء قدمه العلم منذ كوبرنيكوس[32].

حتى الآن، بعد لقائي مع كريج، وكولينز، كان الدليل يشير بوضوح إلى هذا الاتجاه. وفي الواقع، افتتن خيالي بتضمين مميز.

في “القضية…. المسيح” وصفت الدليل التاريخي لمعجزات يسوع الناصري، وخاصة قيامته من الأموات. فالقدرة على التدخل بطريقة فائقة للطبيعة في أمور العالم العادية، وذلك لإرجاء العمل الطبيعي للكون هو إثبات قوي حقاً على أنه ابن الله.

ومع ذلك، فيما سمعت عن التعديل بالغ الدقة لقوانين الطبيعة، أدرك الآن أن عمل الكون اليومي، في حد ذاته، نوع من المعجزة المستمرة. فـ “التزامنات” التي تسمح للخواص الأساسية للمادة أن تقدم بيئة صالحة للسكنى غير محتملة لدرجة بعيدة، وصعبة التصديق جداً، ومدارة ببراعة بالغة حتى إنها تحتاج إلى تفسير سماوي.

وبكلمات أخرى، فإن الإلغاء السريع لقوانين الطبيعة بطريقة فجائية، ومرئية، ومباشرة – وهو ما نسميه عادة “معجزة” – يشير بوضوح نحو إله كلي القدرة. ومع ذلك، حتى لو أن الله لا يتدخل بطريقة فائقة للطبيعة، فإن تعديل الفيزياء الذي يصعب تفسيره، الذي يعمل يوماً بعد يوم منذ بداية الخليقة، يبدو أنه يؤكد أيضاً كلمة “إعجازي”.

والمعجزات هي دائرة اختصاص الله.

كنت أتأمل في هذا التفكير بينما خرجت مع كولينز من المبنى، وتنفسنا الصعداء من هواء الخريف المنعش، واستمتعنا بأشعة الشمس. عندما رفعت عيني، رأيت الشمس المشرقة على جانب واحد من السماء الزرقاء، والقمر الباهت على الجانب الآخر. وتحول تفكيري من عالم الفيزياء النظري إلى الكواكب والأقمار والنجوم والمجرات التي تملأ الكون.

تساءلت عن أدلة التعديل الأخرى التي ربما تكون في الكون؟ هل يمكن أن يخبرنا وجودنا على صخرة داعمة للحياة على ضواحي مجرة الطريق اللبني شيئاً عن الخالق الذي اقترحه حتى الآن بقدر كبير علم الكونيات وعلم الفيزياء؟

وقد اتخذت قراري وأنا في طريق خروجي من المبنى: حان الوقت لمشاورة أحد الفلكيين عما يمكن أن نتعلمه من غموض وعظمة السماوات.

 

[1] Roger Penrose. The Emperors New Mind (New York: Oxford, 1989), 344, quoted in Stephen C. Meyer, “Evidence for Design in Physics and Biology” in Michael J. Behe, William A. Dembski, and Stephen C. Meyer, editors, Science and Evidence for Design in the Universe, 61.

[2] Brad Lemley,”Why Is There Life?” Discover (November 2002) imphasis added.

[3] Ibid. Also see Martin Rees, Just six Nnmbers: The Deep Forces That Shape the universe.

[4] Quoted in Larry Witham, By Design (San Francisce: Encounter, 2003), 55.

[5] Bill Bryson, A Short History of Nearly Everything, 16.

[6] Brad Lemley, “Why Is There Life?”

[7] Ibid.

[8] Clifford Longley, “Focusing on Theism,” London Times (January 21, 1989).

[9] Steven Weinberg, “A Designer Universe?”

[10] Michael J, Behe, William A. Dembske, and Stephen C. Meyer, Science and Evidence for Design in the Universe, 104, Referencing Clifford Longley, “Focusing on Theism”.

[11] Paul Davies offers this definition of metaphysics: “In Greek Philosophy, the term <metaphysics> originally meant <that which comes after physic. It refers to the fact that Aristotle’s metaphysics was found, unfilled, placed after hid treatise on physics. But metaphysics soon came to mean those topics that lie beyond physics (we would today say beyond science) and yet may have a bearing on the nature of scientific inquiry.

So metaphysics means the study of topics about physics (or science generally), as opposed to the scientific subject itself. Traditional metaphysical problems have included the origin, nature, and purpose of the universe, how the world of appearances presented to our senses relates to its underlying <reality> and order, the relationship between mind and matter, and the existence of free will. Clearly Science is deeply involved in such issues but empirical  science alone may not be able to answer them, or any <meaning – of – Life> questions.” (Paul Davies, The Mind of God, 31).

[12] Lee Strobel, The Case for Faith, 78, 79.

[13] John Polkinghorne, Serous Talk: Science and Religion in Dialogye (London: Trinity Press International, 1995), 6.

[14]John Polkinghorne, Science and Theology (Minneapolis: Fortress Press, 1998), 38.

[15] Paul Davies, The Mind of God, 220.

[16] Clifford Longley, “Focusing on Theism.”

[17]Brad Lemley, “Why Is There Life?” In a subsequent interview, Rees said it’s helpful for physicists to contemplate the possibility of other universes He added: “I don’t believe, but I think it’s part of science to find out.” See Dennis Overbye, “A New View of Our Universe: Only One of Many,” New Yord Times (October 29, 2002).

[18] Ibid.

[19] According to The Bread Factory Book, produced by Sanyo: “Bread flour made from Hard wheat is high in the Protein substance called gluten. When Mixed and Kneaded, the gluten stretches and incorporates air bubbles to produce a light, fine textured loaf.” In making whole – wheat bread, up to four tablespoons of gluten needs to be added to increase the Height of the loaves.

[20] Michio Kaku, Introduction to Superstrings and M-Theory (New York: Springer Verlag, Second edition, 1999), 17.

[21] Freeman Dyson, Disturbing the Universe (New York: Harper and Row, 1979), 251.

[22] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002) emphases added.

[23] See: “Chapter Six: Beautiful Theories,” in steven Weinberg, Dreams of a Final Theory (New York, Vintage Books, 1992).

[24] Alan Guth, The Inflationary Universe (New York: Helix, 1997), 124.

[25] Paul Dirac, “The Evolution of the Physicist Picture of Nature,” Scientific American (May 1963).

[26] Oliver Darrigol, From c-Numbers to q-Numbers: The Classical Analogy in The History of Quantum Theory (Los Angeles: University of California Press 1992), 304.

[27] Paul Davies, Superforce: The Search for a Grand Unified Theory of Nature (New York: Simon and Schuster, 1984), 235-36.

[28] Steven Weinberg, Dreams of a Final Theory, 250.

[29]Dennis Overbye, “A New View of Our Universe: Only one of Many”.

[30] Owen Gingerch, “Dare A Scientist Believe in Design?” in John M. Templeton, Editor, Evidence of Purpose (New York: Continuum, 1994), 32.

[31] Vera Kistiakowsky, “The Exquisite Order of the Physical World Calls for the Divine,” in Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, Cosmos, Bios, Theos (Chicago: Open Court, 1992), 52.

[32] Patrick Glynn, God: The Evidence, 55, 56.

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

سخرية الله – فيليب يانسي

سخرية الله  – فيليب يانسي

سخرية الله – فيليب يانسي

سخرية الله  – فيليب يانسي

“يجب أن يُحرث الحقل، وينصهر الحديد، ويُشذب البستان، وتُذرى الحنطة، ويُغلق المجرى فوق الطاحونة. وربما يحدث نفس الشيء في حياة الإنسان. من الهزيمة تولد المحاولة والسعي العظيم، ومن الدموع يزداد التعلق بالهدف، ومن اليأس يولد الأمل. لماذا يسقط الإنسان إلا ليقف ثانية، ويموت لكي يحيا”.

جورج ديل

نتعلم من رياضة تسلق الجبال استمرار تغير وجهة النظر وتدبر الأمور. في البداية يواجهني حائط ضخم من الجرانيت يرتفع آلاف الأقدام. وأشعر في البداية بأنني لن أستطيع تسلقه. ولكن عندما أقترب من الحائط أتمكن من رؤية ممر صغير وسط الصخر ومن خلاله أستطيع التسلق على هذه الصخرة التي كانت تبدو صعبة على التسلق. وكلما ازداد صعودي يختلف المنظر أسفل الصخرة. فمن فوق يمكنني رؤية الأشجار تحيط ببحيرة جبال الألب، وكل من الغابة والبحيرة يحتضنهما الوادي المملوء بالبحيرات الأخرى التي تجري منها المياه لتغذي نهراً يجري في قناة بالقرب من منزلي على بعد عشرين ميلاً. وعندما أصل للقمة يمكنني رؤية المنظر العام بأكمله. وأي استنتاجات أتحدث عنها قبل وصولي للقمة ستكون خاطئة.

العالم جميل وحسن. العالم سقط. العالم يمكن فداؤه ورجوعه إلى الله. وإذا كان هذا التسلسل يصف قصة الكون، عندئذ يجب أن أنظر إلى العالم وإلى نفسي من خلال هذه الفكرة. والإيمان هو الذي ينمي فينا القدرة لقبول وجهة النظر هذه التي لن أتمكن من فهمها فهماً تاماً وكاملاً  حتى أصل للقمة، بغض النظر عن كيفية رؤيتي للأشياء وأنا أواصل عملية التسلق. وهذا يعلمني أن أثق في أسلوب الله الغامض على هذا الكوكب، وبعلاقاتنا مع باقي المخلوقات يمكننا في يوم ما أن نفهم المعنى الصحيح الذي أراده الله.

يشبه الفيلسوف نيقولاس ريتشر اتصالنا مع الله كما لو أننا نتحدث في جهاز تليفون من النوع القديم. الأصوات غير واضحة والخط متقطع ولكننا نستمر في الصراخ “يا مرحبا… هل تسمعني… هل أنت على الخط؟” وطبقاً لما يقوله الرسول بولس أن هذه الصعوبات في طريق معرفتنا لله هي مؤقتة “فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذٍ سأعرف كما عُرفت”. وفي النهاية عندما يسترد الله الخليقة للحالة الأولى التي خلقها عليها فسوف يختفي أي فاصل بين المنظور وغير المنظور. إن هدف الله هو جمع العالمين معاً مرة أخرى ليصالحهما معاً.

من الأصحاح الأول في سفر التكوين وحتى الأصحاح الأخير في سفر الرؤيا يمكنني أن أتبين قوتين رئيسيتين تسريان في تاريخ هذا الكوكب. أولاً، يمسك الشر بكل ما هو خير ويفسده. فمنذ سقوط آدم نحن نعيش في عالم تسيطر عليه قوى شريرة، وهذا ما توضحه كتب التاريخ والصحف اليومية. ولا يجب أن ننزعج من العنف والظلم لأننا موجودون في عصر يحكمه الشر.

وعلى النقيض من ذلك، يُطلق الله قوة لفداء ما أفسدته الخطية والشر. والآن أختار الله أن يمارس قوته من خلال الجنود المشاة وهم البشر الذين أخطأوا. وبسبب هذه الترتيبات والوسائل قد يبدو أحياناً أن الله سوف يخسر المعركة. وسوف نتمتع بالانتصار النهائي فقط عندما ينهي الله – بقوته ومجده – وللأبد سلطان الشر.

وأثق أن اليوم سيأتي عندما تتغلب قوة على الأخرى، ولقد كانت قيامة يسوع كوعد ساطع ومضيء لهذا اليوم. وحتى ذلك الوقت، فإنني أختبر هذه القوى المتصارعة كل يوم بل طوال اليوم. وهذه القوى تعمل سراً، ولا تُرى وأجد نفسي دائماً ممسوكاً من تلك القوتين الموجودتين في التاريخ، إحداهما تواجه الخير وتحاربه والأخرى تسعى لفداء ما أفسده الشر.

إنني أفكر في أسلوب الله “الساخر”. إن التفسير الأكثر استقامة يجيب على كل مشكلة جديدة بحل فوري. امرأة تمرض والله يشفيها. رجل يُسجن ظلماً، والله يخرجه من السجن. ومع ذلك فالله نادراً ما يستخدم هذا الأسلوب. إن بولس يشكر الله من أجل “الشوكة التي في الجسد” لأنها السبب في تقدم عمل الله من خلاله، ويوسف يتذكر الصعوبات التي صادفها في حياته الماضية ويقول لإخوته القساة “أنتم قصدتم بي شراً ولكن الله قصد به خيراً”. ومع أن يوسف لم ينكر الماضي الرهيب ولم يقلل من آثاره السيئة، ولكنه في النهاية يراه جزءاً من قصة ذات معنى خدمت أهدافاً عظيمة أكثر مما كان يتصوره في تلك الأيام. فقط عندما نصل إلى قمة الجبل يمكننا أن نتمتع بجمال المنظر ونفهم معناه.

لا يجب أن نندهش من أن الله صاحب السلطان قد يستخدم أشياء سيئة كمادة خام ليصنع منها خيراً. إن رمز إيماننا الذي نضعه ختماً على الذهب ونلبسه على أعناقنا ونحفره على أحجار كنائسنا هو الصليب. إن الله لم ينقذ المسيح من على الصليب ولكن خلصنا نحن بموت المسيح على الصليب. وفي التجسد تتدفق قوة الله وتنقذ الخير من الشر. إن الله يغلب الشر بالخير، والكراهية بالحب والموت بالقيامة.

يقول فلانري أوكنور وهو من أفضل كتّاب القصة:

“إن كتّاب القصة يتحدثون دائماً ما الذي يُنجح القصة”: “اكتشفت من خبرتي الخاصة في محاولة جعل القصة ناجحة هو حاجتها إلى عمل غير متوقع تماماً، ومع ذلك يمكن تصديقه، واكتشفت أنه حدث يوضح أن النعمة قد قُدمت، وكثيراً ما يكون حدث يكون فيه الشيطان أداة غير مرغوب فيها للنعمة. وليست هذه معلومة أضعها في قصص، ولكنه اكتشاف توصلت إليه عندما قرأتها. وعندما ينمو إيماني وثقتي تشارك حياتي الشخصية بنوع ما في قصة أكبر. إن قصتي تحتوي على تفاصيل أتأسف لكتابتها بل وقد أستاء منها: ألم في الطفولة، مرض، فقر، اختيارات خاطئة، علاقات تحطمت، فرص ضائعة، فشل واكتئاب. هل بإمكاني أن أثق أن الله بتدبير فدائه ومحبته يمكن أن يستخدم كل هذه في قصة حياتي كأدوات غير مرغوب فيها ليقدم لي النعمة من خلالها؟”

ويكتب تيلهارد دي شاردان بتفصيل عن نفس فكرة أوكنور الذي شبّه الله بالفنان قائلاً:

“مثل الفنان الذي يستطيع أن يستفيد من خطأ أو عيب في حجر ينحته، الله – بدون أن يعفينا من الموت الجسدي أو الموت الأبدي وهما جزء أساسي من حياتنا – يحولهما بربطهما بخطة أفضل (بشرط أن نثق فيه بكل حب). وليس فقط أمراضنا التي لم نستطع تجنبها بل أخطاؤنا، حتى التي تعمدنا فعلنا يمكن أن يشملها هذا التغيير. فليس كل شيء خير فوري للذين يعرفون الله، ولكن كل شيء ممكن أن يصبح ويتحول إلى خير للمؤمن”.

وأنا طالب بالمدرسة الثانوية كنت أفتخر بمهارتي في لعب الشطرنج. والتحقت بنادي الشطرنج وأثناء فترة الغذاء كنت أقرأ كتباً عن الشطرنج. ودرست فنون اللعبة، وكنت أكسب معظم مبارياتي، ثم تركت اللعب لمدة عشرون عاماً. وفي شيكاغو التقيت بلاعب شطرنج كان يحاول أن يزيد من مهاراته منذ المدرسة الثانوية وحتى الآن. وعندما لعبنا معاً تعلمت وضع اللاعب عندما يلعب مع إنسان متفوق. فكلما استخدمت طريقة من طرقي القديمة معه كان يواجهني بنفس الأسلوب. حتى أخطائي كان يستفيد منها. ومع أني كنت أشعر بحرية في التحرك بحسب رغبتي أيقنت أن كل استراتيجياتي في اللعب لم تكن مهمة بالنسبة لي. وضمنت له مهارته المتفوقة إن كل محاولاتي كانت تنتهي لصالحه.

ربما يتعامل الله مع هذا الكون، وهو خليقته، بنفس الطريق. فيمنحنا الحرية لكي نثور ضد خطته الأصلية التي وضعها، ومع ذلك ونحن نفعل هذا فالأمر ينتهي بخدمة هدفه لاستعادة البشرية. فإذا قبلت هذا المخطط – وأعترف أنها خطوة كبيرة للإيمان – فسوف يغيّر ذلك نظرتي لكل من الخير والشر الذي يحدث. فالأشياء الخيرة مثل الصحة، الموهبة، والمال يمكن  أن أستخدمها لخدمة الله. والأشياء غير الطيبة – مثل العجز والفقر والعائلة غير الموفقة والفشل – يمكن افتداؤها وتغييرها إلى وسائل تقودني إلى الله. وكتب الرسول بولس من السجن “تعلمت أن  أكون مكتفياً بما أنا فيه”. ومن الطبيعي أنه كان يفضل التعزية على الحزن والصحة على الضعف (صلاته لكي يرفع الرب عنه شوكة الجسد تُثبت ذلك)، ولكن بولس كانت لديه الثقة في أن الله يمكنه أن يستخدم هذه الظروف سواء طيبة أو سيئة لكي يحقق إرادته.

ومرة أخرى – وقد يتهمني الشخص الذي ينزع إلى الشك بأنني أبرر أمراً خاطئاً – أناقش وأجادل الماضي لكي يناسب الدليل استنتاجاً سابقاً. نعم وهذا ما أفعله تماماً. فالمؤمن يبدأ بالخاتمة والتي تقول بأن الله الصالح سوف يسترد خليقته لخطته الأصلية ويرى التاريخ سائراً في هذا الاتجاه. وعندما يلعب الإنسان المتفوق في الشطرنج مع شخص هاوٍ، فسوف ينتصر بكل تأكيد مهما حدث على لوحة اللعب في أي وقت.

ويعلن الكتاب المقدس نفسه الاستخدام الساخر من الله للأحداث السيئة لخدمة النتيجة التي يرغبها. فمثلاً، يسجل ثلاثة أرباع الكتاب الفشل المذهل لعهد الله مع بني إسرائيل. وفي نهاية العهد القديم يتبدد حلم توصيل النور للأمم عندما تقضي جيوش الأمم على الإناء المختار لتوصيل هذا النور. ومع ذلك فعندما تذكر بولس تاريخ الشعب القديم رأى تقدماً كبيراً. فعندما رفض الشعب المختار توصيل الرسالة، قامت الكنيسة بهذا الدور، وأطلق رفضهم الإنجيل حراً لينتشر عبر كل العالم.

واستخدم بولس ما هو متاح – خير كان او شر – لتقديم الخدمة وتحقيق الرسالة. فعبر الطرق الرومانية التي بناها القياصرة لتسهيل حكمهم على رعاياهم، حمل بولس رسالة محبة الله عبر كل الإمبراطورية. كما لجأ للعدالة الرومانية طلباً للحماية في الأوقات الصعبة. وحتى عندما مات بولس – ومعظم التلاميذ – ويسوع نفسه بين يدي هذه “العدالة” ساد هذا النموذج الساخر الذي استخدمه الله. وحقق صلب المسيح وموته الخلاص للعالم، وكما وعدهم “سيتحول حزنكم إلى فرح”. وفي تلك الأثناء، عجّل موت الشهداء بنمو الكنيسة. وكما قال المؤرخ ترتليان: “إن دماء المؤمنين الشهداء هي بذور المسيحية”. ومنذ ذلك الوقت – بكل سخرية – قادت المحاولات للقضاء على الإيمان إلى تقدمه العظيم.

إن سخرية الله تساعد على توضيح التناقض العميق في الإيمان المسيحي. فتقدم التطويبات المعاناة والفقر كأمور حسنة: إذ قال الرب يسوع طوبى للفقراء والمضطهدين والحزانى. وفي ذات الوقت يشجعنا لمساعدة الفقراء، ومحاربة الظلم وتخفيف المعاناة. ألا تخدم هذه الأمثال والحكم أهدافاً متعارضة؟ إذا كان الكتاب يطوّب الفقراء والمضطهدين فلماذا لا تحاول الكنيسة زيادة الفقر والألم؟

أن تتابع الصلاح والسقوط والفداء هو فقط الذي يوضح هذا التناقض. وإذ أعطانا الله عالماً حسناً، فهو يريدنا أن نستمتع بثماره. “إله كل تعزية” يريدنا أن نكون مستريحين بكل معنى الكلمة. ولكن لأننا نعيش في عالم ساقط مملوء بالشر والظلم فسوف يعاني الكثير من الناس من ظروف الفقر والمعاناة. وبإمكان الله أن يستخدم مثل هذه الظروف لتحقيق أغراضه، مستخرجاً الصالح من الشرير. وكما قالت الأم تريزا، إن الدول الفقيرة هي غالباً غنية روحياً والدول الغنية فقيرة روحياً. وقد اختارت هي ومن معها من مرسلات عمل الخير أسلوب الفداء إذ قبلوا تطوعاً المصاعب الشخصية لكي يربحوا الآخرين.

وفي معجزة من معجزات النعمة، يمكن أن يتحول فشلنا الشخص إلى أداة في يدي الله. وقد اكتشف الكثيرون أن استمرارية التجربة – حتى وإن كان الإدمان – هو نفس الجرح الذي يدفعهم للعودة في يأس إلى الله، ليبدأوا حياة جديدة. وفي هذا الصدد قال بول ترونر:

“إن أجمل ما في هذا العالم ليس هو الأمور الحسنة التي نحققها، ولكن الحقيقة بأن الخير يخرج من الشر الذي فعلناه. وقد قابلت الكثيرين من الذين عادوا إلى الله بسبب التأثير الطيب للذين هم قد أساءوا إليهم قبلاً. إن عملنا هو بناء الخير من الشر. لأننا إذا حاولنا أن نبني خيراً من خير فنحن في خطر فقدان المادة الخام لعملنا”.

وبالرغم من أن ترونر يفضل أن الناس لا يرتكبوا الشر أساساً، فإن هذا أمر يصعب الوصول إليه في هذا العالم الشرير. وهنا، يصلح استخدام الأسلوب الساخر إذا أن هذا سيوفر لنا مادة خاماً للعمل والخدمة.

واصلت التساؤل لفترة طويلة لسؤالي القديم: “لماذا تحدث أمور غير طيبة حتى للناس الصالحين؟ لأن هذه القضية تسبب نوعاً من الارتباك، و ربما إحساس بالخيانة، في علاقتنا مع الله. كيف يمكننا أن نثق في إله محب يسمح لنا بمثل هذه الأمور السيئة؟ هل الأمور المرعبة التي تحدث على الأرض هو إرادة الله؟ لماذا يستخدم الله مثل هذا الأسلوب “الساخر”، ولماذا لا يوقف كل هذه المآسي.

يضع المطران البريطاني ليسلي ويذرهيد تمييزاً لهذه العبارة “إرادة الله” فيقول “يتضمن تفاعل الله المهيمن على خليقة حرة ثلاثة أنواع من “الإرادة”. أولاً، إرادة الله المقصودة: نحن نعلم ما يقصده الله، ففي الفصلين الأولين من سفر التكوين يخلق الله عالماً حسناً وكاملاً، كما أن سفر الرؤيا ينتهي بنفس المنظر. وبذلك يقصد الله للإنسان أن يكون صحيحاً ويعيش مع الآخرين في ظروف طيبة ومزدهرة. وأي شيء آخر – الفقر والمرض والكراهية والألم والعنف والجوع – هي ضد إرادة الله التي يقصدها لخليقته.

ومع ذلك فالسقوط غيّر قوانين هذا الكوكب. وفي يقظة انتصار حاسم لقوى الشر، ظهرت شرور كثيرة على الأرض. وعندئذ كان يجب أن يكون لله “إرادة عريضة” (مستمدة من الظروف) تتوائم مع الشر الذي يحدث على الأرض. ولأن الأمور الحسنة التي عملها الله في الأصل قد فسدت، كان عليه أن يستخرج الخير من الشر. وعوامل كثيرة تحاول هزيمة خطة الله الأصلية، وقد سبب له هذا الكثير من الحزن. هل “إرادة” الله ليوسف ودانيال وإرميا وبولس وآخرين أن يعذبوا في السجن؟ كلا بل بكل تأكيد فهذا لم يكن في قصد إرادته. ورغم ذلك فالظروف الشريرة مثل حسد إخوة يوسف والقهر السياسي، وتهديدات القادة الدينين سبّب لكل منهم أن يقضوا فترة في السجن.

وبالرغم من ذلك – ولثقة كل هؤلاء في الرب – فإن خطة الله نفذت بالرغم من الظروف الشريرة، وإن كانت بطرق مختلفة للغاية. فانتصر يوسف وأصبح ثاني رجل في مصر، واختبر دانيال تحريراً غير عادي، و ترك لنا إرميا شهادة دائمة “كالنبي الباكي” وكتب لنا بولس الكثير من لاهوته خلف الأسوار. ويدعو ويذرهيد هذا النموذج الأخير “بإرادة الله العليا”. إلى أولئك الذين يثقون فيه، يعد الله أن يستخدم أية ظروف لكي يخدم إرادته العليا والأساسية.

الفيلسوف المسيحي نيقولاس ولتر ستروف، الذي فقد ابنه إريك في حادث تسلق للجبال، حاول أن يفهم إرادة الله كشيء مخطط: “كيف يمكننا أن نحتفظ بالشعاع في حين أننا نناضل ضد من جلبه؟ وتساءل في كتابه “رثاء ابن” كيف أتقبل معاناتي كنوع من البركة بينما أرفض الفكر السيئ الذي يقول بأن الله يهز الجبل لكي في  حال أفضل؟” وملاً كتابه بأسئلة أكثر من الإجابات، وتضمن وجهة نظرنا المحدودة بأنه ستكون لدينا  دائماً الكثير من الأسئلة غير المجابة. وقد وجد ولتر ستروف مساحة ضيقة من الثقة عندما أدرك أن “الله لكي يخلصنا من انسحاقنا وشعورنا بعدم محبته لنا وهو يعاني معنا لم يضربنا بل أرسل ابنه الحبيب لكي يعاني مثلنا ويخلصنا بمعاناته تلك من المعاناة والخطية. وبدلاً من أن يوضح لنا سبب معاناتنا شاركنا الله فيها”. وحقق الله في ابنه الانتصار العظيم لأسلوبه الساخر في الفداء.

وفي الصورة التي ذكرتها سابقاً عن تسلق الجبال، اقترح ليسلي ويذرهيد أن تصور مجرى ماء يجري أسفل الجبل. وبإمكاننا أن نوقف جريان الماء نحو الوادي، ولكن بصورة مؤقته فقط. فقانون الجاذبية يقول بأن الماء الذي يأتي من أعلى سوف يشق طريقه لأسفل. وبالمثل فإن إرادة الله العليا لا يمكن اعتراضها أو مقاومتها. ومع أن التاريخ الإنساني بكل شروره قد يمثل عقبات كثيرة في الطريق، ففي النهاية سوف نتغلب عليها. وسوف يسترد الله عائلته ويعيدها إلى حالتها الأصلية.

وقد يسمح الله لنا ونحن على كوكب الأرض بأن نصاب بأذى. مباني تنهار، تحدث زلازل، تنتشر الفيروسات، يلجأ الأشرار للعنف. ومما نعلمه عن شخصية الله، فلا شيء من تلك الأمور تعكس إرادته وقصده. ولا تعكس إرادته العليا من نحونا. وفي ذات الوقت فإن الفترة التي نقضيها على الأرض سوف تحدث أموراً سيئة لا يمكن تجنبها.

“إن حياتنا فترة قصيرة نقضيها في التوقع، فترة يلتقي فيها الحزن والفرح في كل لحظة. فهناك الحزن الذي يغطي كل لحظات حياتنا. ويبدون لنا أنه لا يوجد ما يسمى بالفرح في هذه الحياة، ولكن حتى في أسعد لحظات وجودنا ينتابنا شعور بالحزن. وفي كل تعزية هناك شعور بالمحدودية. في كل نجاح هناك خوف من الحسد. وخلف كل ابتسامة هناك دمعة. ووسط الشعور بالألفة قد نشعر بالعزلة والوحدة. وفي الصداقة قد نشعر ببعد المسافة. ووسط النور قد نشعر بالظلمة. ولكن في هذا الاختبار الوثيق الذي نشعر فيه بأن في الحياة يوجد أيضاً الموت قد ينقلنا وراء حدود وجودنا، ويحدث هذا عندما ننظر بتوقع إلى اليوم الذي تمتلئ قلوبنا بالفرح الكامل، فرح لا يمكن لأحد أن ينزعه منا

هنري نووين

وفي الخليقة يعمل الله من خلال المادة. أما في الفداء فهو يعمل من خلالنا. وعند مواجهة المآسي يمكنني الاستجابة إما بالشكوى والتذمر والبعد عن الله او بالرجوع إليه، واثقاً في قدرته أن يحول آلامنا إلى أفراح. واختيار واحد يركز على الماضي ويغلق المستقبل. أما الاختيار الثاني فيفتح المستقبل، ويسمح للفنان الأعظم بأن يستخدم الأحداث كمادة خام يصنع منها قصة جديدة تختلف تماماً عما كانت عليه وينتزع منها الألم والفشك بل ستكون اكثر غنى من سابقاتها.

سخرية الله  – فيليب يانسي

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

إقرأ أيضًا:

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم؟

علامات يوم القيامة – ما هو التعليم الكتابي حول اليوم الأخير (يوم القيامة)؟

يسوع لم يحدّد متى تكون نهاية العالم عندما طرح عليه تلاميذه السؤال على الشكل التالي: “متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر” (مت 24: 3). “متى يكون هذا” أي متى يكون خراب هيكل أورشليم. بالنسبة لنهاية العالم أورد علامات. بالنسبة لهذه العلامات هناك ظواهر عامة لا تسمح بتحديد وقت معيّن.

مثلاً “في تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوّات السموات تتزعزع”. “حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان”. على أنّ هناك ما يُسمَّى في العهد الجديد: “علامات الأزمنة” (مت 16: 3). هل تتضمّن هذه علامات نهاية العالم؟ لا نعرف تماماً.

ولكنْ كلام يسوع يدل على إمكان معرفة علامات الأزمنة هذه. إلاّ أنّ السيّد، في ردّه على سؤال التلاميذ له في شأن متى يردّ الملك إلى إسرائيل، قال لهم: “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه” (أع 1: 7). كما قال لهم أن يسهروا لأنّهم لا يعلمون في أية ساعة يأتي ربّهم (مت 24: 42).

وفي إنجيل مرقس، في معرض الكلام على زوال آواخر الدهور هذا القول: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الآب” (مر 13: 32)

إذا عبثاً نحاول أن نستطلع تاريخ نهاية الدهور، أو متى تكون نهاية العالم. الاهتمام ينبغي أن ينصبّ لا على معرفة متى يحدث ذلك بل على الاستعداد، في كل حين، لمجيء السيّد. “طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيّدهم يجدهم ساهرين” (لو 12: 37). (الأب توما بيطار)

“قال شيخٌ: صوت واحد يجب أن يطنّ على الدوام في أذني الإنسان: اليوم قد تم استدعائي”

“ها هو ذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً، أما الذي يجده غافلاً فهو غير مستحق” (صلاة الختن، الأسبوع العظيم)

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

Exit mobile version