لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟

لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟

لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟

لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أولاً تعريف كلمة “المسيح” العربية التي هي تعريب لكلمة “المسيّا” العبرية.

لمحة تاريخية:
كلمة المسيح في اللغات السامية تعني الممسوح. موسى رسم مسحة (خروج30: 31…). شملت المسحة هارون ونسله الكهنوتي (خروج29: 7 و30: 30 والمزمور132/133: 7). ثم مُسِح الملوك. وبين الاعوام 1000 إلى 587ق.م، عندما حكمت الملكية الداؤودية اليهودية، كان كل ملك يُمسح ويُعتبر ممسوحاً (أو مسيح) الرب وممثل الله أمام الشعب[1].

كانت المرتبة المسيانية للسلالة الحاكمة الداوودية تتمتع بالميزات التالية: إنتخاب داود من قبل يهوه، الوعود بالنصر والسيطرة الواسعة، تبنّي داود وخلفائه كأبناء، الوعد بسلالة حاكمة أبدية غير مشروطة بإخلاص خلفاء داود ليهوه. كان الملك أداةً للأمن السياسي ورفاهية الشعب. في القرن الثامن قبل الميلاد، حدث تطور في المسيانية المَلَكية، بعد أن عتّم ملوكٌ أشرارٌ على مجد السلالة الداوودية ولطًخوا الرجاء المسياني بفكرة أن كل ملك سيكون مخلّصاً لشعبه.

أشعياء على الخصوص أثار رجاءاً مختلفاً: ستوجد قوة ليهوه ستُحيي السلالة الحاكمة وتضمن إستمراريتها، لأنه بالمستقبل القريب سيُقيم الله خليفة مستحقاً لداود. (أشعياء7: 14-16 و9: 6-7) تصفان الوارث الذي سريعاً ما سيولد كآية على أن الله ما يزال مع شعبه المختار (عمانوئيل). سيؤسس الوارث العدالة، ويبني إمبراطورية فسيحة، ويورد السلام إليها، وسيستحق أن يُدعى بألقاب مثل: عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً ابدياً، رئيس السلام. حدث تبدل جذري بعد النفي في مفهوم الرجاء الداوودي المسياني.

فلم تعد سلالة الداوودية حاكمة بعد في أورشليم، وبالتالي فالممسوح (المسيح) المنتظر بالكاد يستطيع أن يكون الملك التالي. فالملك المثالي المنتظر سيأتي في مستقبل غير معين عندما يُستعاد عرش داود. هكذا بزغت تدريجياً فكرة الملك المسياني بالمعنى الذي إعتاد الكثيرون أن يفكروا به. بالطبع ما يزال المسيح شخصاً بشرياً سيأتي في حدود التاريخ، لكن عمله سيكون ظهوراً خاصاً لقوة يهوه، وسيحرّر الشعب بدون حدود ويمنحهم الخيرات الروحية والمادية معاً.

مع ذلك، بما أنه لم توجد سلالة حاكمة منظورة لتُنتج هذا الشخص، فقد ظهرت آمال وتوقعات يهودية اخرى غلى جانب التوقعات الداودية، مثل الخلاص بكاهن مثالي، او نبي مثل موسى، أو بالله بدون معونة بشرية. في أيام الرب يسوع نجد توقعات مختلفة تتعلق بالمسيح المرجو. فلم يتوقع كل اليهود مجي المسيح، والذين كانوا يتوقعون مجيئه كان لهم تصورات مختلفة عنه كما تدل عليها المصادر اليهودية في تلك الفترة[2].

والأدب اليهودي بين 200ق.م و100م ذكر مرات قليلة هذا اللقب بالإشارة إلى شخص مستقبلي. توجد اكثر من 15 مرة تّذكر فيها كلمة “المسيح” في مخطوطات البحر الميت المؤلفة خلال 150سنة. بالإضافة غلى ندرة الإشارات (أقل من30) خلال300 سنة عن توقع مجيء المسيح، نضيف حقيقة أخرى أنه رغم أن يوسيفوس، المؤرخ اليهودي المشهور المعاصر للمسيح، قد وصف كل أنواع الشخصيات التاريخية (أنبياء، كهنة، ملوك، مثيري شغب) في القرن الأول الميلادي، إلا أنه لم يدعُ احداً منهم قط مسيحاً.

إلا أن يوسيفوس يشير إلى يسوع بلفظة “مسيح، خريستوس” مرتين. إذاً قبل هذا لا يوجد شخص في هذه القرون قد أعتبره اليهود أنه المسيا المَلكي سوى يسوع الناصري. ولكن في كتاب الصلوات اليهودي_العبري_العربي (القاهرة1917) تتردّد كثيراً عبارة: “وليأتِ المسيح في أيامنا وايام أولادنا ولتحلّ علينا بركته” فدخول الأمر الصلوات اليومية أهمّ شأناً من ذكره عضاً أو قصداً في الكتب الأخرى.

وهذا مؤيد بحادثة وردت في إنجيل يوحنا: كان يسوع قد ذكر رفعه على الصليب، فأجابه الجمع: “نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت أنه ينبغي أن يرتفع إبن الإنسان؟”  (يو12: 34). المقصود هنا بالناموس الكتاب المقدس. فعقيدة مجيء المسيح وبقائه إلى الأبد كانت، إذاً، آنذاك شعبية لدى الجموع. وسماه كثيرون “إبن داود” وبخاصة في يوم أحد الشعانين.

“المسيح في الاناجيل”:
إختصاراً للوقت، سنذكر هنا أربعة حوادث ترد فيها مسألة لقب “المسيح” ليسوع، وهي: سؤال يوحنا المعمدان، إعتراف بطرس، سؤال رئيس الكهنة اليهودي في محاكمة السنهدرين، وحديث الرب مع السامرية.

شهادة يوحنا المعمدان: “أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه مَن أنت؟. فاعترف ولم ينكر وأقرّ أني لستُ المسيح. فسألوه: إذاً ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لستُ أنا. ألنبي أنت ؟ فأجاب لا… فسألوه وقالوا له: فما بالك تعمّد إن كنتَ لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟ (يو1: 19-25). يوحنا أجاب أولاً: “لست المسيح”.

الفريسّيون قالوا: “إذا لم تكن المسيح…”. وحين النزول من جبل التجلّي سأل التلاميذ الثلاثة يسوع: “فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟” (متى17: 10). والكتبة فريسّيون. والفريسّيون هم علماء الدين. ففي أيام يسوع كان تعليمهم عن مجيء إيليا أولاً والمسيح ثانياً تعليماً مقرّراً رسمياً. وكان الشعب يردّد كلام الكتبة والفريسّيين. فبعض النقص في المدونات اليهودية لا يؤثر على الحقيقة الثابتة في هذا الحوار.

إعتراف بطرس: جواباً على سؤال الرب يسوع لتلاميذه “من يقول الناس إني انا؟”، “أجاب بطرس وقال له: انت المسيح” (مر8: 29-33)، “أنت هو المسيح إبن الله الحي” (مت16: 15-23)، “ومسيح الله” (لو9: 20-22). بعد هذا الإعلان ينتهر الرب يسوع تلاميذه كي لا يُخبروا عنه. لا يعني هذا أن إعتراف بطرس خاطئ، لأن الرب يمدح بطرس على هذا الإعتراف. لكن يسوع يبدي تحفظاً هنا تجاه مفهوم المسيّا لدى الناس، لأنه لن يقبل بتعريفهم للمسيّا بدون عنصر الآلام المرتبط به إرتباطاً جوهرياً.

من هنا نفهم لماذا وبّخ الرب تلميذه بطرس بقسوة لأنه رفض، بدون إدراك، هذه العلاقة بين المسيا وبين آلام يسوع (مت16: 22-23). إذاً لم يرفض الرب يسوع لقب المسيّا وإنما رفض المفهوم الشائع له لدى الناس عامةً والتلاميذ خاصةً والذي يفصله عن الإرتباط بالآلام.

سوء فهم هذا اللقب هو الذي رفضه الرب. بعد تكثير الخبزات الخمس سعى اليهود لتنصيبه ملكاً، ففّر من وجوههم (يوحنا6). ما كان يسوع يريد مثل هذه المغامرة اليهودية ذات الطابع المدني الثائر ضد الرومان. وأعلنه للسامرية لأن السامريين لا يفكرون في مغامرة كهذه، بل قالوا فيه: “… مخلّص العالم حقاً” (يوحنا4: 42) مخلّص العالم لا مخلّص اليهود أو السامريين وحدهم.

سؤال رئيس الكهنة في محاكمة السنهدرين: سأل رئيس الكهنة: “أنت المسيح إبن المبارك؟” أجاب يسوع في مرقس: “أنا هو” (مر14: 62)، وفي متى: “أنت قلت” (مت26: 64)، وفي لوقا: “إن قلت لكم لا تصدقون؛ وإن سألتُ لا تجيبونني” (لو22: 67-68). يدل هذا على أن مسألة “المسيح” قد أُثيرت خلال حياة يسوع. ففي مرقس كان جواب الرب بالإيجاب؛ وفي متى “… أنت إذاً إبن الله؟” … قال: “أنتم تقولون إني أنا هو”. يوافق الرب في جوابه الإيجابي على السائل رئيس الكهنة.

لم ينجح على شهادات متطابقة، فلجأ إلى إستجواب يسوع لينتزع منه إقراراً قضائياً يكفي للحكم على يسوع. لم يخف يسوع. إعترف بالحقيقة، فحكم عليه السنهدرين بالموت. وفي لوقا جواب الرب موجّه إلى المجمع بصورة تجمع نصّي متى ومرقس. في يوحنا قالوا: “إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً، أجابهم يسوع: إني قلتُ لكم ولستم تؤمنون” (يو10: 24-25). أيضاً لم ينكر الرب أنه المسيّا، لكنه كان يعرف أنهم لن يؤمنوا بالمعنى الحقيقي لهذا اللقب ولن يفهموه.

حديث الرب مع السامرية: هنا تقول السامرية للرب: “أنا أعلم أن مسيّا الذي يقال له المسيح يأتي. فمتى جاء ذاك يُخبرنا بكل شيء. قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو” (يو4: 25-26). على مستوى القصة، كان جواب الرب أنه المسيّا تأكيدي وإيجابي ومدعوم بـ(يوحنا1: 41). إن الفهم السامري للمسيّا لم يكن يحمل التلّون السياسي الذي كان للفهم اليهودي، ولأن السامريين لم يتوقعوا المسيح لأنهم رفضوا العهد بين الله وداود عن إستمرار التعاقب الملوكي لسلالة داود.

حديث الرب يسوع مع السامرية (يوحنا4: 20-25) قادها إلى معرفة كون الخلاص ياتي من اليهود، وإلى عبارة الآب بالروح القدس والحق فآمنت بإنه نبيّ وأن كان يهودياً. فأعلن لها يسوع عبارة الآب ومسيحيانته. إذاً، من الأناجيل الأربعة نعرف أن الرب يسوع لم ينكر أنه كان المسيح، وإلا لكان تلاميذه قد قالوا أنه كان قد صُلِب بتهمة كاذبة (تهمة كونه ملك اليهود، أي المسيح). لكنه كان مسيحاً وملكاً من نوع آخر.

المفهوم الشعبي للمسيح: كما رأينا، تلوّن مفهوم المسيّا في اليهودية المعاصرة ليسوع بلون سياسي قومي، وأكتسب تحت الحكم الروماني نبرات سياسية قوية، وصار يُنظر إلى المسيّا كملك قومي لليهود من نسل داود، وظيفته أن يحرّر اليهود من الإستعمار الروماني ويؤسس مملكة أرضية يهودية. فعند الدخول الأخير إلى أورشليم في أحد الشعانين، عبّرت الجموع عن تطلّعاتها القومية بأن يكون يسوع الناصري ملكاً وطنياً مثل ياهو (2 ملو9).

وحتى قبل حلول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة، نجد أن التلاميذ أنفسهم كانوا ما يزالون يشاركون اليهود بعض هذه التطلّعات. إذ قال إثنان منهما عندما قابلهما الرب في الطريق غلى عمواس: “ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل” (لو24: 21). والصدى نفسه نجده في سؤال التلاميذ ليسوع قبل صعوده إلى السماء: “يا رب، هل في هذا الوقت ترّد المُلك إلى إسرائيل؟” (أع1: 6). لهذا كان الرب متحفّظاً جداً من دعوة أي واحد له بالمسيح (مر1: 34؛ مر5: 43؛ مر9: 9).

لكن الرب يسوع كان ملكاً، قد أتى ليؤسّس مملكة، وليحرّر شعبه وليرد المُلك إلى إسرائيل؛ لكنه كان ملكاً من نوع آخر، ملكاً كونياً إلهياً أتى ليؤسّس مملكة ليست على هذه الأرض، ملكاً يحرّر شعبه من أهم عدو له وهو الخطيئة، ملكاً يرد المُلك إلى إسرائيل الجديد وهو الكنيسة، ملكاً ترتبط ملكيته ومسيانتيه إرتباطاً بالآلام والموت (عبد يهوه في أشعيا) وبالتالي بالقيامة.

هذا المسيح الملك تمّم مسيانيته بإنجازه خروجاً exodus من نوع جديد في أورشليم (لو9: 31)، خروجاً يترادف مع موته على الصليب، فيه خلّص شعبه من عبودية الخطيئة والموت فأخرجهم منهما، ومنحهم حياة أبدية وملكوتاً سماوياً، ومواطنة جديدة في أورشليم السماوية الجديدة[3].

لاهوتياً: قال غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الدمشقي إن لاهوت يسوع هو مسحة لناسوته. وقال كيرللس الإسكندري إن الروح القدس مسح يسوع وسكن في ناسوته يوم البشارة. أما سرمدياً فالروح القدس ساكنٌ في يسوع الإله. ولذلك لقب “المسيح” في اللاهوت يدلّ على لاهوت يسوع أيضاً.   (د. عدنان طرابلسي)

[1] راجع: مز2: 2؛ 2صمو7؛ مز89؛ 1 تاريخ17.

[2] مخطوطات البحر الميت؛ مزامير سليمان (القرن الأول ق.م)؛ إلخ.

[3] راجع للإستزادة: R.E. Brown: the death of the Messiah, p. 473 وشرح إنجيل متى للقديس يوحنا الذهبي الفم، ترجمة د. عدنان طرابلسي، الجزء الثالث، دراسة: “مَن يقول الناس إني أنا”

لماذا أمر الرب الذين من حوله أن لا يقولوا أنه كان المسيح “المسيا”؟

المسيح في أسفار الأنبياء

المسيح في أسفار الأنبياء

المسيح في أسفار الأنبياء

بيت لحم أفراته

“أما أنتِ يا بيت لحم أفراته وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يَخرج لي الذي يكون مُتسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” ميخا 5: 2.

كنا قد درسنا من قبل العديد من النبوات التي تُشير إلى الطبيعة اللاهوتية، جنباً إلى جنب مع الطبيعة الناسوتية للمسيا. ونبوة ميخا 5: 2 التي نحن بصددها الآن، هي أيضاً تشير إلى كلنا الطبيعتين في المسيا. ميخا النبي كما هو معروف كان معاصراً لإشعياء النبي، وتنبأوا في نفس الوقت، ولكن في أماكن مختلفة من اليهودية (أي المملكة الجنوبية).

إشعياء النبي يُعلن أن المسيا سيُولد من عذراء، ويُكمل ميخا النبي فيُحدد مكان هذا الميلاد على وجه التحديد. سوف لا يُولد المسيا في أورشليم كما كان يتوقع بعض اليهود، بل في بيت لحم.

وقد لمخ إشعياء النبي من بعيد وبطريقة غير مباشرة عن ميلاد المسيا في بيت لحم، “يخرج قضيب من جذع يسّى” إشعياء 11: 1. كان يُمكن لإشعياء أن يذكر مباشرة أن المسيا سيأتي من جذع داود، ولكن ذكر اسم أبيه يسّى، على أساس أن اسم يسّى مقرون دائماً ببيت لحم “فقال الرب لصموئيل… تعال أُرسلك إلى يسّى البيتلحمي لأني قد رأيت لي في بنيه ملكاً “صموئيل الأول 16: 1 – “فأجاب واحد من الغلمان وقال هوذا قد رأيت ابناً ليسّى البيتلحمي يُحسن الضرب وهو جبار بأس” صموئيل الأول 16: 17.

لكن في نبوة ميخا، أصبح واضحاً الآن وبشكل مباشر، أن المسيا سيُولد في بيت لحم. وتحديداً يذكر ميخا النبي “بيت لحم أفراته، هي بيت لحم اليهودية، في مملكة يهوذا الجنوبية والتي تقع إلى الجنوب من أورشليم (حوالي 9 كم تقريباً).

وكما أشار ميخا النبي إلى طبيعة المسيا الناسوتية، بولادته في بيت لحم، هكذا أشار إلى طبيعته اللاهوتية بقوله “ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل”. والذي يقرأ هذا التعبير في اللغة العبرية، يجد أن هذا التعبير من أقوى المصطلحات العبرية المستعملة للحديث عن أزلية الله في الأسفار المقدسة، وتُستعمل لله فقط على الوجه المطلق. ففي سفر المزامير نجد مثلاً “من قبل أن تُولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” مزمور 90: 1. وما قيل بحق عن الله الآب، قيل أيضاً وبحق في الله الأبن، الذي سيُولد في بيت لحم “ومخارجه منذ القديم. منذ أيام الأزل” ميخا 5: 2 – ” الرب قناني أوّل طريقه من قبل أعماله منذ القديم. منذ الأزل” أمثال 8: 22 -23.

إذا، من نبوة ميخا، نرى أن المسيا سيكون إنساناً – يولد في مكان محدد هو بيت لحم – وهو أيضاً إله، لأنه منذ الأزل، كونه كلمة الله.

دخول المسيا أورشليم

“ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكُك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان. وأقطع المركبة من أفرايم والفرس من أورشليم وتُقطع قوس الحرب. ويتكلم بالسلام للأمم وسلطانه من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض” زكريا 9: 9-10.

إذا قرأنا بإمعان الأصحاح التاسع من سفر زكريا، من العدد 1 حتى 8، نستطيع أن نفهم بسهولة خلفية وضع النبوة الخاصة بدخول المسيا إلى أورشليم في هذا المكان بالذات. ففي الآيات من 1-8 نقرأ عن نبوة لملك غريب يقتحم ويغزو أورشليم وبلاد مجاورة، وهذه النبوة تحققت في الإسكندر الأكبر.

لكن في العدد 9 بالمقارنة مع هذا الملك الأممي المُقتحم، نجد إشارة واضحة لمجيء ملك يهودي. وبذلك أراد زكريا النبي أن يُبشر شعب إسرائيل بأخبار مفرحة “ابتهجي.. اهتفي …” لأنه “هوذا ملكُكِ” أي ملك إسرائيل، يأتي … ليس “ضدك” بل “إليك”. ينبغي أن تفرح أورشليم لأن ملكها ليس كالإسكندر الأكبر ولكنه:

– عادل: هو يتصف بالعدل والبر، إشارة إلى ما جاء عنه في إرميا 23: 5-6 “يُجري حقاً وعدلاً في الأرض”. بعكس الإسكندر الأكبر الذي كان جائراً وظالماً، وقد مات في غيبوبة وهو مخموراً.

– منصور: الكلمة أصلها العبري، تعني حرفياً “مانح أو مُقدّم الخلاص”. إذاً، المسيا سيأتي ومعه هبة الخلاص. بعكس الإسكندر الأكبر الذي جاء ومعه الخراب والدمار والموت.

– وديعاً متواضعاً: وديعاً وتعني أنه يحمل مشاعر الرقة واللطف – متواضعاً تعني بعده عن مظاهر القسوة والعناد. فالمسيا “ظلم ولم يفتح فاه”، “راكباً على حمار وعلى جحش ابن أتان”. أما الإسكندر الأكبر، فقد أتى ومعه العنف والقوة والاضطهاد وراكباً على جواده الأبيض…. وفي الأناجيل الأربعة، عندما ذكرت حادثة دخول السيد المسيح إلى أورشليم راكباً على أتان وعلى جحش ابن أتان – أردف السيد المسيح يقول “…. تجدان جحشاً مربوطاً لم يجلس عليه أحد من الناس قط” لوقا 19: 30.

هنا نفهم أن الجحش غير مُروّض. وبالتالي، نقول إن حتى هذا الحيوان غير المُروّض – هذه الخليقة غير العاقلة، عرفت خالقها. فبدلاً من أن يُلقيه الحمار من على ظهره، خضع له. ألا يذكر شعب إسرائيل قول الرب على لسان إشعياء النبي “الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أمّا إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم” إشعياء1: 3.

ماذا قال الرابيون عن هذه النبوة:

في بعض النبوات الواردة في العهد القديم، قد نلاحظ أن في النبوة الواحدة إشارة إلى المجيء الأول للمسيح والمجيء الثاني – معاً – دون إعطاء علامة مميزة تفصل بين الحديث المُدمج. من هذه النبوات ما جاء في نبوة زكريا 9: 9-10. والتي نحن بصددها الآن.

ففي الآية التاسعة، نجد الإشارة إلى المجيء الأول للمسيا، في صورة متواضعة، ثم بعدها مباشرة في الآية العاشرة، تُدمج إشارة إلى مجيئه الثاني. فنبوة زكريا تحمل خطين من النبوات المسيانية – جنباً إلى جنب – الأول، المسيا المتواضع الوديع، ثم في الآية التي تليها، نراه ملكاً يمتد سلطانه ليشمل الأرض كلها.

حاول بعض الرابيين، التوفيق بين النبوتين – حسب وجهة نظرهم القاصرة والمتسرعة أنهما متناقضتان – فجاء تفسيرهم بوجود مسيحيين مختلفين: المسيا الأول سيُدعى ابن يوسف، وهو متواضع وفقير ومهان ومُتألم، ثم يتبعه مسيا آخر يأتي، سيدعى ابن داود، وهو المسيا الملك المنتصر.

ولو قرأ هؤلاء الرابيون التلمود بإمعان، لوجدوا خطأ رأيهم. حيث نقرأ في التلمود الآتي:

1 – في التلمود Talmud في قسم السنهدرين Sanhedrin 98b – 99a نقرأ التالي […. رابي هيلليل Rabbi Hillel قال: إن شعب إسرائيل لا يمكن أن يتوقع مجيء مسيا الآن، لأنهم أبادوه في أيام حزقيا. إنّ هذا خطأ فادح! أما الردّ المُفحم هو: متى عاش حزقيّا؟ أليس في أيام الهيكل الأول! لكن زكريا كان في أيام الهيكل الثاني، وهو يتنبأ الآن قائلاً “ابتهجي جداً…. “زكريا 9: 9].

2 – في التلمود Talmud في قسم السنهدرين Sangedrin 98a نقرأ التالي

[…. رابي يوسف بن ليفي Rabbi Joseph ben Levi في تفسيره لنبوة زكريا عن المسيا يقول: لقد كُتب عن المسيا القول “كُنت أرى في رُؤى الليل وإذا مع سحاب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه” دانيال 7: 13. ولكن في وضع آخر كُتب عنه “هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل … وديع وراكباً على حمار وعلى جحش ابن أنان” زكريا 9: 9. والحلّ هو: لو شعب إسرائيل كان باراً، فسوف يأتي المسيا على سحاب السماء، أما إذا كان خاطئاً، فسوف يأتي المسيا وديعاً وراكباً على جحش ابن أتان].

3 – أيضاً في كتاب “Pesikta Rabbati”* في العظة رقم 53 (Piska 53) نقرأ الآتي [….أما ما جاء في زكريا 9: 9 بخصوص المسيا الوديع… فهو وديع لأنه ظُلم طوال هذه السنين في السحن، أما خطاه إسرائيل فأنكروه ورفضوه. من سمات المسيا، الشخص المقدس – مُبارك هو – إنه سيحفظك ويفديك].

هذه النوعية من أقوال الرابيين، تشرح مبدأ الاتجاهين للنبوة المسيانية الواحدة، وقرروا أن كل اتجاه من الاتجاهين في النبوة سيتم، لكن لم يقروا بمبدأ وجود مسيحيين اثنين.

نظرة العهد الجديد واضحة جداً بهذا الخصوص. فالعهد الجديد يُعلم بأن المسيا هو شخص واحد، ولكن سيأتي مرتين: المرة الأولى – يتألم ويُصلب ويموت ثم يقوم – وهذا المجيء قد تم بالفعل… أما المرة الثانية – فسيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، وهذا لم يتم بعد.

ثمن المثمن -الراعي الصالح

” افتح أبوابك يا لبنان، فتأكل النار أرزك. ولول يا سرو، لأن الأرز سقط لأن الأعزاء قد خربوا. ولول يا بلّوط باشان، لأن الوعر المنيع قد هبط. صوت ولولة الرعاة لأن فخرهم خرب. صوت زمجرة الأشبال، لأن كبرياء الأردن خربت. هكذا قال الرب إلهي: ارع غنم الذبح الذين يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون وبائعوهم يقولون مبارك الرب قد استغنيت.  ورعاتهم لا يشفقون عليهم. لأني لا أُشفق بعد على سكان الأرض، يقول الرب، بل هأنذا مُسلّم الإنسان كل رجل ليد قريبه وليد ملكه فيضربون الأرض ولا أنقذ من يدهم.

فرعيت غنم الذبح. لكنهم أَذَلُ الغنم. وأخذت لنفسي عصوين، فسميّتُ الواحدة نِعمة وسميّتُ الأخرى حِبَالاً ورعيت الغنم. وأَبدتُ الرعاة الثلاثة في شهر واحدٍ، وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضا نفسهم. فقُلتُ: لا أرعاكم. من يَمُت فليمُت، ومن يُبدْ فليُبدْ والبقية فليأكل بعضها لحم بعض. فأخذت عصاي نعمة وقصفتها لأنقض عهدي الذي قطعته مع كل الأسباط.

فنُقض في ذلك اليوم وهكذا عَلِمَ أَذَلُ الغنم المنتظرون لي أنها كلمة الرب. فقُلتُ لهم: إن حَسُنَ في أعينكم فأعطوني أُجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أُجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذتُ الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب. ثم قصفتُ عصاي الأخرى حِبَالاً لأنقض الإخاء بين يهوذا وإسرائيل.

فقال لي الرب: خُذ لنفسك بعد أدوات راعٍ أحمق. لأني هأنذا مُقيم راعياً في الأرض لا يفتقد المنقطعين ولا يطلب المنساق ولا يُجبر المنكسر ولا يُربي القائم ولكن يأكل لحم السمان وينزع أظلافها.

ويل للراعي الباطل التارك الغنم. السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى. ذراعه تَيبس يبساً وعينه اليمنى تكلُ كلولاً”

سفر زكريا: الأصحاح الحادي عشر

الأصحاح الحادي عشر كله من سفر زكريا، يتعلّق بالمجيء الأول للمسيا، والأحداث التي صاحبته. يمكن تقسيم الأصحاح إلى ثالثة أجزاء:

– الآيات من 1: 3، تصف التدمير الكلي لأرض إسرائيل من الشمال إلى الجنوب. وهذا تحقق بالفعل إثر اندلاع ثورتين ضد الرومان: الثورة الأولى بدأت في سنة 68 ميلادية، والثورة الثانية بدأت في سنة 132 ميلادية.

– الآيات من 4: 14، تصف رفض المسيا في مجيئه الأول، كراعٍ صالح لشعب إسرائيل، ثم تصف الآيات الخراب العظيم الذي حدث في سنة 70 ميلادية عقب اندلاع الثورة الأولى.

– الآيات من 15: 17، تصف اختيار راعٍ أحمق، يقود إلى الخراب الثاني الذي حدث في سنة 135 ميلادية، عقب اندلاع الثورة الثانية.

1 – وصف خراب الهيكل

في مواضع كثيرة يُشار إلى الهيكل ب “أرز لبنان” أو “بيت الأرز”: “كما كلّم الرب داود أبي قائلاً إن ابنك الذي أجعله مكانك على كرسيّك هو يبني البيت لاسمي. والآن فأمُر أن يقطعوا لي أرزاً من لبنان ويكون عبيدي مع عبيدك وأجرة عبيدك أُعطيك إياها حسب ما تقول” ملوك الأول 5: 5-6 – “وأرسل حيرام إلى سليمان قائلاً. قد سمعت ما أَرسلت به إليّ.

أنا أفعل كل مسرتك في خشب الأرز وخشب السرو…. فكان حيرام يُعطي سليمان خشب أرز وخشب سرو حسب كل مسرته… لبناء البيت” ملوك أول 5: 8-18 (راجع أيضاً 2صم 7:2/ 1ملوك 6:18/ 7:3-11/ 1ملوك 4: 33/ 1ملوك 10: 11). النبوة تقول “افتح أبوابك يا لبنان فتأكل النار أرزك. ولول يا سرو لأن الأرز قد سقط” واضح أنه يتكلم عن حرق وهدم الهيكل، المصنوع من خشب الأرز والسرو. وهي إشارة غير مباشرة لخراب الهيكل والذي ظل العمل فيه حتى زمن نبوءة زكريا.

وقول النبوة “صوت ولولة الرعاة لأن فخرهم خرب”، فهو يتحدث عن رعاة شعب إسرائيل أي القادة اليهود، الذين بدمار الهيكل والمدينة سيتحول فخرهم إلى صوت ولولة ونواح.

وبقية الأصحاح يتحدث عن سببين لهذا الدمار والخراب: الأول، بسبب رفضهم للراعي الصالح – المسيا – وحقدهم عليه، وهذا قاد إلى الخراب الذي تم بحرق وهدم الهيكل وكل المدينة في سنة 70 ميلادية. الثاني، بسبب قبولهم للراعي الأحمق، وهذا قاد إلى الخراب الرهيب الذي حدث سنة 135 ميلادية.

2 – الله أوكل إلى زكريا بعمل خاص

” قال الرب إلهي ارع غنم الذبح الذين يذبحهم مالكوهم ….. ورعاتهم لا يشفقون عليهم… لكنهم أَذَلّ الغنم”. تحدثنا هذه الآيات عن أمر قد يبدو غريباً، ولكن كان عبارة عن وصف تفصيلي لما هو عتيد أن يحدث مع السيد المسيح في مجيئه الأول: فقد كلّف الله زكريا النبي بمهمّة يقوم بها، ليست في الأصل من عمله… بل كرسالة يريد الله أن يوصلّها إلى هذا الشعب العنيد: هو أن يقوم بدور المسيا في مجيئه الأول، فالمسيا يرمز إليه في هذه النبوة بالراعي الذي يقود ويُطعم الخراف أي شعب إسرائيل. والدقة المُذهلة التي كبت بها زكريا بوحي الروح القدس، في قوله “يذبحهم مالكوهم ولا يأثمون” هو إشارة للرومان… أما “رعاتهم لا يشفقون عليهم” هو إشارة إلى القادة اليهود الذين تركوا الرعية ولم يشفقوا عليهم.

“فرعيت غنم الذبح” يقصد شعب إسرائيل… ثم نرى في الآية 5، 6 أن الله تخلّى عنهم، وقرر أن يُسلّمهم إلى يد ملكهم “هأنذا مُسلّمُ الإنسان كل رجلٍ ليد قريبه وليد ملكه فيضربون الأرض ولا أُنقذ من يدهم”. قد يتبادر إلى ذهن البعض، أن هناك مشكلة بخصوص التعبير “ليد ملكه”، حيث أنه أثناء الاحتلال الروماني، لم يكن لإسرائيل ملكاً حقيقياً من نسل داود.

ونجد الإجابة على هذه المشكلة في العهد الجديد، فعندما وقف الرب يسوع – الراعي الحقيقي والملك الحقيقي – أثناء محاكمته أمام بيلاطس البنطي، قائلاً لهم “أأصلب ملككم” صرخوا كلهم قائلين “ليس لنا ملك إلاّ قيصر” يوحنا 19: 15. بما أنهم رفضوا المسيا كملك عليهم وأقروا بأن قيصر وحده هو ملكهم، أسلمهم الله إلى مشورتهم، فقد حكموا على أنفسهم ” من فمك أدينك أيها العبد الشرير” لوقا 19: 22.

وجلبوا على أنفسهم دينونة الله العادلة، وتمت النبوة، إذ في أثناء تدمير وخراب الهيكل وأورشليم سنة 70 ميلادية، قبل الرومان ما يقرب من 1،100،000يهودي، وحوالي 97،000 أُخذوا كعبيد (حسب بعض المراجع).

“فرعيت غنم الذبح. لكنهم أَذَلّ الغنم”، هنا ينفذ زكريا النبي، النهمة التي أوكلها إليه الله. فنجده يرعى غنم الذبح، ولكن بصفة خاصة “أُذُلُ الغنم” أي أضعفها، وحسب بعض الترجومات “المعوزة والمحتاجة”. وهذا تعبير شائع عند الأنبياء ويُشير عادة إلى البقية البارة من شعب إسرائيل. فبينما في كل العصور والأزمنة في تاريخ إسرائيل، الكل زاغوا وفسدوا، إلاّ أن بقية صغيرة بينهم ظلت محافظة على برّها بالإيمان.. وأطلق عليها “بقية إسرائيل”.

فبالرغم من أن المسيا يأتي من أجل كل إسرائيل، إلاّ أنّه يظهر كما لو أنه جاء تحديداً من أجل البقية المؤمنة. وتحقيق هذا نراه جلياً في إنجيل متى، حيث يقول “ولما رأى الجموع تحنن عليهم إذ كانوا منزعجين ومطروحين كغنم لا راعي لها” متى 9: 36.

وقد استعمل زكريا النبي في عمله عصوين، “فسَميّتُ الواحدة نعمة وسَميّتُ الأخرى حِبالاً”: العصا التي سُميّت “نعمة” هي من أجل الحماية وقيادة الغنم، أما العصا المسماة “حِبالاً” هي لحفظ الغنم مع بعضهم البعض، وصيانة وحدتهم. أثناء رعاية الغنم واجه زكريا مقاومة من ثلاثة رعاة “وأَبدتُ الرعاة الثلاثة في شهر واحدٍ وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضاً نفسهم”: هذا الأمر قد تحقق بدقة متناهية في أيام السيد المسيح أثناء خدمته بين شعب إسرائيل، إذ واجه ثلاثة رعاة، قاوموه بشدة، وهم: الكتبة والفريسيون والصدوقيون… هذه الفئات الثلاث كانوا هم قادة إسرائيل أثناء كرازة السيد المسيح.

وكانت إحدى مهام السيد المسيح التبشيرية، هي هدم تعاليم هذه الفئات الثلاث. من هنا نشأ حقد وكراهية في قلوبهم عليه، وانطبق قول زكريا “وضاقت نفسي بهم وكرهتني أيضاً نفسهم”، فنقرأ في إنجيل متى الآتي “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل.

ولعلة تطيلون صلواتكم…. الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون لأنكم … أيها الجهال والعميان…” متى 23 (رجاء قراءة الأصحاح كله). وقد ظهر قمة العداء الشديد الذي في قلب هؤلاء القادة نحو الرب يسوع، عندما تآمروا عليه لإدانته وإصدار حكم بالصلب وإعطاء رشوة ليهوذا الإسخريوطي ليسلّمه لهم.

“فقلت لا أرعاكم” هنا نقرأ عن انقطاع مُفاجئ لرعاية وإطعام الغنم. هذا ما عبّر عنه السيد المسيح نفسه قائلاً “فأجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية (معجزة) ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي… رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان. وهوذا أعظم من يونان ههنا. ملكة التيمن… فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرّ من أوائله. هكذا يكون أيضاً لهذا الجيل الشرير” متى 12: 38-40. قول السيد المسيح “جيل فاسق وشرير” يقصد به شعب إسرائيل في ذلك الوقت. وقوله “هكذا يكون أيضاً لهذا الجيل الشرير” يقصد وقوع شعب إسرائيل تحت دينونة الخراب المحتوم، والذي سيقع سنة 70م. من جهة أخرى، كان الرب يسوع قبل رفضه العلني من الكتبة والفريسيين، دائماً يُعلن عن نفسه بوضوح بأنه المسيا المكتوب عنه… لكن بعد رفضه، لم يُعلن عن نفسه مرة أخرى بهذا، وكان يمنع تلاميذه والأشخاص الذين شفاهم عن أن يكشفوا مسيانيته… أيضاً، قبل رفضه أجرى الرب يسوع العديد من المعجزات والآيات لكل الناس في المدن والقرى ويُطعم الجموع، لكن بعد رفضه، لم يجر أية معجزات أو أشفيه إلا للذين أعلنوا إيمانهم به شخصياً. وهذا يوضح قول زكريا النبي فجأة “فقلت لا أراعاكم”.

“فأخذت عصاي نعمة وقصفتها لأنقض عهدي الذي قطعته مع كل الأسباط. فنُقض في ذلك اليوم. وهكذا عَلِمَ أَذَلُّ الغنم المنتظرون لي أنها كلمة الرب”. بعد التوقف عن رعاية الغنم، أخذ زكريا العصا المسماة “نعمة” وكسرها، وهنا إشارة إلى نزع الحماية عن شعب إسرائيل وتركهم فريسة لإعدائهم. وهذا ما نطق به رب المجد يسوع عند اقترابه من المدينة “وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلاً إنكِ لو علمتِ أنتِ أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك.

ولكن الآن قد اُخفي عن عينيك. فإنه ستأتي أيام ويُحيط بك أعداؤك بمترسة ويُحدقُون بك ويحاصرونك من كل جهة. ويهدمونكِ وينيكِ فيكِ ولا يتركون فيك حجراً على حجرٍ لأنك لم تعرفي زمان افتقادك” لوقا 19: 41-44… “ويقعون بفم السيف ويُسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم” لوقا 21: 24.

من الآيات السابقة، يتضح كيف تخلّى الله عن حماية شعب إسرائيل، وهذا ما أشار إليه الوحي الإلهي في النبوة بقصف زكريا لعصاه “نعمة”. أما عن قوله “وهكذا عَلِمَ اَذَلُ الغنم… أنها كلمة الرب”، قلنا من قبل أن “أذل الغنم” هم البقية المؤمنة من شعب إسرائيل… وتتمثل في التلاميذ والذين تبعوا الرب يسوع. هؤلاء سيروا كسر عصا النعمة، ككلمة الرب ويفهموا مغزى ذلك.

وفعلاً عندما شاهد التلاميذ والمسيحيون متاريس الرومان تُنصب، والجيوش تتدفق لمحاصرة المدينة، هربوا كقول الرب يسوع لهم من قبل “ومتى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها. حينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال. الذين في وسطها فليفروا خارجاً والذين في الكور فلا يدخلوها. لأن هذه أيام انتقام ليتم كل ما هو مكتوب” لوقا 21: 20-22. وهذا ما أشارت إليه النبوة “وهكذا عَلِمَ اَذَلُ الغنم… أنها كلمة الرب”.

3 – ثمن الراعي الصالح

“فقُلتُ لهم: إن حَسُنَ في أعينكم فأعطوني أُجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أُجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به. فأخذتُ الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب”.

تقدّم الراعي الصالح إلى قادة إسرائيل وطلب أجرته… أن يدفعوا بحسب ما يظنوا إنه مستحق. فوزنوا أجرته ثلاثين من الفضة (شاقل Shekel). ويحسب ناموس موسى، فإن ثلاثين من الفضة، كانت قيمة الفدية التي تدفع عوضاً عن العبد الميت “إن نطح الثور عبداً أو أمة يعطي سيده ثلاثين شاقل فضة والثور يُرجم” خروج 21: 32.

أي أن قيمة عمل الراعي الصالح، قدر بمساواته بالعبد الميت. كونهم يدفعون ثلاثين من الفضة، كان أكثر إهانة له، من أن لا يدفعوا على الإطلاق. وهنا أريد أن أذكر نقطة في غاية الأهمية، وهي: إنه زكريا النبي الذي دفع له الثلاثين من الفضة، ثم أجرته كراعٍ… ولكن من هو المهان فعلاً في هذا التقدير؟

هل هو زكريا أم الله نفسه؟؟ للإجابة نُورد الآية مرة أخرى “فقال لي الرب (يهوه) ألقيها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به” الذي يتكلم هنا هو، الرب يهوه “فقال لي يهوه” الذي هو الراعي الصالح. هو الرب، الذي عمله مُحتقر ومرذول ومزدرى به، لدرجة أنه قدر بثلاثين من الفضة فقط، ثم يعود هو نفسه فيقول “الثمن الكريم الذي ثمنوني به”.

وبهذا يكون واضحاً أن زكريا النبي مجردّ ممثل يلعب دوراً في مهمة نبوية، وأن هذا الدور يُتممه الرب نفسه. لأن المتكلم هو الرب، وليس زكريا. إذاً، المسيا الراعي الصالح هو الرب “يهوه”. وأن هذا الثمن هو ثمن الرب.

أمر الرب زكريا بأن يأخذ الثلاثين من الفضة ويُلقيها إلى الفخاري، ففي الحال أطاع زكريا النبي القول “فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب” وهذا ما تم بكل دقة، إذ عندما أخذ يهوذا الإسخريوطي من قادة اليهود الثلاثين من الفضة، كي يُسلمهم الرب يسوع “حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الإسخريوطي إلى رؤساء الكهنة وقال ماذا تريدون أن تُعطوني وأنا أسلمه إليكم. فجعلوا له ثلاثين من الفضة” متى 26: 14-15.

لكن لما ندم طرح الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ. قائلاً قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ماذا علينا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه. فاخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري” متى 27: 3- 10. يمكن القول، بأن الثلاثين من الفضة التي دفعت ليهوذا، بواسطة رؤساء الكهنة، قد أخذت من خزانة الهيكل، حيث كانت تحفظ بعض الأموال لشراء الذبائح. ودون أن يعلموا – رؤساء الكهنة – بما هم يفعلون، اشتروا ذبيحة، هي المسيح، آخر ذبيحة عن الخطية.

4 – الراعي الكاذب – الأحمق

“فقال لي الرب: خُذ لنفسك بعد أدوات راعٍ أحمق….. لا يفتقد المنقطعين ولا يطلب المنساق ولا يُجبر المنكسر ولا يُربي القائم ولكن يأكل لحم السمان وينزع أظلافها. ويل للراعي الباطل التارك الغنم. السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى. ذراعه تَيبس يبساً وعينه اليُمنى تكلُ كلولاً”

عندما رفض شعب إسرائيل، الراعي الصالح – المسيا- الذي جاء ليرعاهم ويقودهم ويُطعمهم، نراهم يقبلون راعياً كاذباً واحمقاً بدلاً منه. ففي نهاية الأصحاح، يُخبرنا زكريا النبي بأنه سيلعب دوراً ثانياً، ليس كراعٍ صالح كما في السابق، ولكن في هذه المرة سيُمثل دور راعٍ أحمق كاذب، سيجلب الأذى والضرر للغنم.

كيف تحققت هذه النبوة؟ كانت النكبة التي مُني بها اليهود المتطلعون لتحرير بلادهم، في سنة 70 ميلادية، كفيلة أن تجعلهم بلا قوة ولا حراك، بل وبلا أي تفكير أو أمل في القيام بمحاولة من نفس النوع مدة لا تقل عن خمسين عاماً. وظل اليهود غير قادرين على عمل أن ثورة طاول هذه المدة. ولكن لم يستطع الشعب اليهودي أن يعيش هذه السكنية إزاء تصرفات أباطرة الرومان، مثل هادريان الذي تدخل في شؤونهم الدينية، هذا بالإضافة إلى محاولة هادريان مسخ يهودية مدينة أورشليم بأن أسماها “آيلا كابيتولينا” وقام بمشروع بناء هيكل كبير فيها للإله زيوس ولتعمير المدينة المخرّبة.

وقد كان قيام اليهود بثورتهم الجديدة والأخيرة أمراً مفاجئاً ومدهشاً، إذ في فترة وجيزة كانت اليهودية كلها تحمل السلاح بطريقة غير مترقبة. لأن نداء الواجب العنصري والديني عند اليهود كان في الواقع شديداً وكفيلاً أن يؤدي إلى أي ثورة في أي وقت. وكان اعتمادهم دائماً أبداً ليس على كمية السلاح ولا عدد المحاربين، بل على رجاء معونة يهوه وإيماناً بمجيء المسيا في لحظات الحرب الحاسمة ليقود ويعطي النصرة. في حين أنهم يعلمون جيداً ما تنبأ به زكريا النبي عنهم، إذ برفضهم المسيا الراعي الحقيقي، أسلمهم الرب إلى راعي كاذب أحمق (الرومان) لكي “يأكل لحم السمان (من الغنم) وينزع أظلافها” زكريا 11: 16.

وفي هذه الثورة بالذات برز عنصر الاعتقاد بمجيء المسيا وظهوره في شخص يُدعى سمعان باركوكبا Simon bar Cohoba (الذي معناه ابن الكوكب)، ودعي من اليهود “المسيا رئيس اليهود”، فكان سبباً في تتحمس كافة اليهود بجميع طبقاتهم وأحزابهم. ومما زاد في تضليل الشعب ورفع حماسهم إلى درجة الجنون، أن رابي عقيبة Rabbi Akiba، أكبر المعلمين الدينيين في اليهودية تولى إعلان وتقديم سمعان باركوكبا للشعب بصفته هو “المسيا المنتظر”، “رجاء إسرائيل” وزاد على ذلك أن أعلنوا بدء ملكوت المسيا، وصكوا نقوداً عليها “سمعان رئيس اليهود”، “لأجل تحرير إسرائيل”، “لأجل تحرير أورشليم”.

استغاث حاكم اليهودية بالإمبراطور هادريان، وجاءت النجدة تلو النجدة، لتواجه هذه الثورة العارمة المنتشرة في البلاد كلها. وفي ظرف ثلاث سنوات (132- 135 م) سلّم اليهود نهائياً، لما وجدوا أن العمليات الحربية أكثر مما كانوا يتوقعوا. وبذلك دُمرت أورشليم مرة أخرى سنة 135 ميلادية وسُوّيت بالأرض، وقُتل أكثر من نصف مليون يهودي، هذا بخلاف من مات بالجوع والوبأ. فلما انكسر اليهود في ثورتهم ضد الرومان بقيادة “سمعان باركوكبا” أي ابن الكوكب، سموّه اليهود “سمعان باركوزيبا” أي ابن الكذب.

طعن المسيا

“وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون اليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيدٍ له ويكونوا في مرارة عليه كمن هو في مرارةْ على بكره” زكريا 12: 10.

بعض الشراح فسروا هذه الآية، كونها نبوة عن المجيء الثاني للمسيا. البعض الآخر، قالوا إن النبوة تشتمل على المجيئين: القادة اليهود سيرفضون المسيا في مجيئه الأول، ولكن عند مجيئه الثاني، سيندمون على رفضهم، ويترجون الله عودته. والواضح من هذه النبوة، هو أن زكريا النبي، يصف الأسى والحزن الذي سيلحق قادة اليهود – يوماً ما – بسبب قتلهم المسيا في مجيئه الأول.

تُوجد ثلاث نقاط هامة في هذه النبوة:

1 – التأكيد على رفض قادة اليهود للمسيا.

2 – يُخبرنا زكريا النبي، أن موت المسيا لم يكن طبيعياً، بل ناتجاً عن عمل إجرامي عنيف وهذا يتضح من القول “طعنوه”.

3 – المتحدث في النبوة هو “الرب نفسه” وليس زكريا، بدليل قوله “وأفيض على بيت داود” ثم يقول هو نفسه “فينظرون إليّ الذي طعنوه”، وهذا واضح جداً في اللغة العبرية “אלי = إ ل ي” أي أن الذي طُعن هو الرب نفسه. بناء على ذلك يكون المسيا هو نفسه “الرب يهوه”.

وقد تمت هذه النبوة، عندما طعن أحد الجنود الرومان الرب يسوع في جنبه، وقد سجّل يوحنا الحبيب ذلك بقوله “لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دماء. والذي عاين شهد وشهادته حق… وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إليّ الذي طعنوه” يوحنا 19: 33-37.

ساد في فترة ما قبل التلمود، تفسيران لهذه النبوة: التفسير الأول، يقول إن النبوة تخص المسيا ابن يوسف…. أما التفسير الثاني، يقول إن شعب إسرائيل سينوح من أجل طلب قتل الميول الشريرة التي فيهم. وعندما جاء التلمود حسم الموقف، وأعلن صراحة بأن النبوة تخص المسيا…. فنقرأ في التلمود الآتي [لماذا هذا النوح في زمان المسيا؟ يُوجد تفسيران مختلفان لكل من رابي دوسا Rabbi Dosa، والحكيم رعبنان Sages Rabanan: الرأي الأول، هو أنهم يوحون على المسيا ابن يوسف الذي قُتل، الآخر، أنهم ينوحون لطلب قبل ميولهم الشريرة.

إنه مقبول جداً يحسي ما شرحناه أن سبب النوح هو قتل المسيا. وهذا يتفق تماماً مع ما جاء في زكريا النبي 12: 10. لو أن النوح يتعلق بقتل ميولهم الشريرة، ينبغي أن نسأل: هل هذه مناسبة للنوح؟ ولا أيضاً مناسبة للفرح؟ فلماذا إذا سيبكون….] Talmud, Succah 52a.

الراعي الصالح

“فيقول له ما هذه الجروح في يديك. فيقول هي التي جُرحت بها في بيت أحبائي. أستيقظ يا سيف على راعيّ وعلى رجل رفقتي يقول رب الجنود” زكريا 13: 6- 7.

الراعي الصالح المذكور في هذه النبوة، هو نفس الراعي الصالح المذكور في سفر زكريا 11: 4-13. كما أن هذه النبوة، تكشف عن كون أن المسيا سيكون “إلهاً وإنساناً”. بالنسبة للطبيعة البشرية للمسيا واضحة في قوله”…. وعلى رجل ….”، أما بالنسبة إلى الطبيعة اللاهوتية، فللأسف الترجمة العربية، لا تُعطي المعنى الدقيق الوافي والمقصود به مثلما يُعطي النص العبري… فكلمة “رجل رفقتي” كما جاءت في النص العبري هي:

“גבר עמיתי = ج ب ر  ع م ي ت ي” وهي تعني في العبرية حرفياً “رجل – مساوٍ لي” أو “رجل – معادل لي”. من هنا يتبين لنا أن الترجمة العربية عاجزة عن إعطاء المعنى المقصود. لذا، بعد العودة إلى الأصل العبري للآية، ينبغي أن تُترجم “….. على راعيّ وعلى الرجل – مساوٍ لي يقول رب الجنود”. بناء على ذلك، يكون المسيا هو الله، لأن المتحدث في الآية “رب الجنود”.

من جهة أخرى، فإن النبوة تُبين أن موت المسيا سوف لا يكون موتاً طبيعياً بل نتيجة آلام يُعانيها من أقرب الناس إليه، من بني جنسه، أي شعب اليهود، وهذا يظهر من القول “فيقول هي التي جُرحت بها في بيت أحبائي”. وقد تمت هذه النبوة، عندما سمروا الرب يسوع بالمسامير على الصليب “ولما مضوا به إلى الموضع الي يُدعى جمجمة صلبوه هناك” لوقا 23: 33 – “انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو …. ” لوقا 24: 39 – “فقال لهم (توما) إن لم أُبصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أُومن… ثم قال لتوما هاتِ إصبعك إلى هنا وأبصر يديّ وهاتِ يدك وضعها في جنبي ولا تكن غي مؤمن بل مؤمناً. أجاب توما وقال له ربّي وإلهي” يوحنا 20: 24 – 29.

كذلك، تذكر النبوة أن موت المسيا سيعقبه تشتت اليهود، حسب قوله “اضرب الراعي فتتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار” زكريا 13: 7. أما الراعي فقد ضُرب حوالي سنة 30 ميلادية (احداث الصلب)، والرعية تبددت في سنة 70 ميلادية، عندما تشتت اليهود خارج أورشليم. أمّا عن قوله “وأردّ يدي على الصغار” فهو يقصد التلاميذ والذين آمنوا به من عامة الشعب “لا تخف أيها القطيع الصغير….” لوقا 12: 32.

ملاك لتهيئة الطريق

“هأنذا أُرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرّون به هوذا يأتي قال رب الجنود” ملاخي 3: 1.

تُوجد في أسفار العهد القديم إشارتان تتحدثان عن “السابق” الذي يُهيئ الطريق لمجيء المسيا: الأولى، في سفر إشعياء “صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب. قوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا. كل وطاءٍ يرتفع وكل جبلٍ وأكمه ينخفض ويصير المعوجّ مستقيماً والعراقيب سهلاً. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشرٍ جميعاً لأن فم الرب تكلم” إشعياء 40 :3-5. أما الإشارة الثانية، فهي في نبوة ملاخي التي ندرسها الآن.

بعض الشرّاح قالوا أن هذا “السابق” هو إيليا النبي، بحسب تفسيرهم لما جاء في سفر ملاخي 4: 5-6، حيث يقول “هأنذا أُرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف، فيردّ قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم”. ورغم ذلك لم تذكر نبوة إشعياء ولا نبوة ملاخي 3:1، اسم هذا “السابق”…. لكن الذي كشف عن اسمه هو العهد الجديد، وهو يوحنا المعمدان.

حيث جاء في إنجيل متى الآتي “….. ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا. ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا. أقصبه تحركها الريح. لكن ماذا خرجتم لتنظروا. إنساناً لابساً ثياباً ناعمة. هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك. لكن ماذا خرجتم لتنظروا. أنبياّ. نعم أقول لكم وأفضل من نبيّ. فإن هذا هو الذي كُتب عنه ها أنا أُرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك.

الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه. ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه. لأنّ جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أُذنان للسمع فليسمع” متى 11: 7-14.

ملاخي النبي هو آخر أنبياء العهد القديم، والنبوات التي نطق بها تُعتبر آخر إعلانات الله للبشرية في العهد القديم، ولمدة حوالي 400 سنة حتى جاء المسيا في حوالي سنة 4 ق.م. على أن الاسم “ملاخي” تعني بالعبرية “رسولي” أو ملاكي”. “מלאכי = م ل أ خ ي”. والصوت النبوي القادم الذي سيُسمع في إسرائيل بعد 400 سنة من ملاخي، سيكون صوت “ملاكي – رسولي – ملاخي”، إنه يوحنا المعمدان…. هل لهذا مغزى مُعيّن!!!

بقية النبوة تُعلن عن دخول الرب المسيا إلى الهيكل المقدس “ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه”. هذا هو الهيكل الثاني، الذي أعاد بناءه زوربابل، وجدده ووسعه هيرودس الكبير. إلى هذا الهيكل، جاء الرب يسوع في مناسبتين منفصلتين، من أجل تطهيره من الباعة والصيارفة (راجع يوحنا 2: 13-22، متى 21: 12-13). ما يهمنا في قوله “إلى هيكله” أي أن هذا الهيكل يخص المسيا، أو بحسب النص العبري “صاحبه”. وعندما طهره الرب يسوع، فقد مارس ألوهيته وسلطانه لأنه هو صاحب الحق الكامل فيه.

* Pesikta Rabbati: هو كتاب عظات تُقرأ في الأعياد. وهي عبارة عن تعليقات روحية للعديد من الرابيين، على قراءات التوراة التي تقرأ في مناسبات الأعياد.

المسيح في أسفار الأنبياء

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

” ها أيام تأتي يقول الرب وأُقيم لداود غصن بٍرّ فيملك مَلكٌ وينجح ويُجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يُخلّص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب بِرّنا” إرميا 23: 5-6.

هذه النبوة تكشف عن الطبيعة الناسوتية والطبيعة اللاهوتية في المسيا. ففي الآية الخامسة من هذا هذا الأصحاح، نتعرف على المسيّا ابن داود، الذي سيحكم ويكون له سلطان كملك، وبالتالي فهو يكشف عن طبيعة المسيح الناسوتية “ابن الإنسان”. أما الآية السادسة، نجد أن اسم المسيا “الرب برّنا”، وهذا الاسم يُستعمل فقط لله. حيث أن الأصل العبري ل “الرب برّنا” هو “يهوه برّنا”.

وعلى طول أسفار العهد القديم العبري، اسم الألوهية “יהוה ي ه و ه” يُطلق فقط على الله…. فكيف يأخذ هذا المسيا الملك – ابن داود – اسماً يخص الله فقط؟! إلاّ إذا كان هذا المسيا الملك، يحمل في ذاته الطبيعة البشرية والطبيعة اللاهوتية. نبوة إرميا هذه، تُقدم لنا عقيدة هامة جداً هي أساس المسيحية – أن المسيح هو “الله – الإنسان” أو “الإله المتجسد”.

بعض الرابيين اليهود يقدمون اعتراضاً على هذا التفسير، فيقولون: إن الكثير من الأنبياء في العهد القديم يحملون أسماء تحتوي على اسم الله “يهوه”. فعلى سبيل المثال: إشعياء ومعناه “الرب يُخلّص” – إرميا ومعناه ” الرب يُثّبت” وأسماء أخرى تحوي فيها “يهوه”. وللإجابة على هذا الاعتراض، نقول بادئ ذي بدء. إنه يوجد في هذا الاعتراض مغالطة كبرى لا تفوت إلا على الذين لا يعرفون اللغة العبرية. ولذلك لا نجد هذا التفسير في كتبهم التي يقرأها الشعب اليهودي، ولكن نجدها في مناقشاتهم مع المسيحيين.

للرد على هذا الإعتراض نقول: عندما نرجع إلى هذه الأسماء التي ذُكرت وغيرها، في أصلها العبري، نجد إنه ولا واحد من هذه الأسماء يحتوي على الحروف العبرية الأربعة “יהוה أي ي+ه+و+ه” وهو الاسم الخاص بالله، لكن في أسماء الأنبياء أو أي اسماء أخرى، ذُكرت في العهد القديم، نجدها لا تحتوي إلا على حرفين اثنين فقط وأحياناً ثلاثة. ولا يُمكن بأي حال من الأحوال نجدها تحتوي على الحروف الأربعة الخاصة بالله، حتى تُستعمل لإنسان ذي طبيعة بشرية. الوحيد الذي استعمل في اسمه الحروف الأربعة لاسم الله هو المسيا، رغم إنه ذو طبيعة بشرية، (لأنه من نسل داود ويُولد من عذراء).

هذه المجادلات – في الحقيقة – لم تكن محل نزاع بين الرابيين القدامى وبعضهم، الذين كانوا يُفسرون إرميا 23: 5-6، كنبوة مسيانية. فقط منذ عهد قريب نسبياً، حاول الرابيون أن يتناقشوا مع المسيحيين بطريقة أخرى. في حين أن هناك العديد من كتبهم يؤيدون أن أحد اسماء المسيا هو “يهوه”، فعلى سبيل المثال:

1 -ميدراش على سفر الأمثال (حوالي سنة 200-500 ميلادية)، في تفسيره لأمثال 19: 21، نقرأ الآتي […رابي حونه Rabbi Hunah يقول: هناك ثمانية أسماء أعطيت للمسيا وهي: ينّون Yinon *– شيلوه – داود – مناحم – يهوه – غصن – إيليا – مشير الرب. الاسم الخامس في القائمة “يهوه” هو اسم الله، وهو مأخوذ من الآية الواردة في إرميا 23: 6. الاسم السابع من القائمة هو “غصن” وهو مأخوذ من الآية الواردة في إرميا 23: 5].

2 – ميدراش على سفر مراثي إرميا، في تفسيره مراثي 1: 16 يقول [… ما هو اسم المسيا؟ رابي Rav Ava Kahanna يقول: اسمه “يهوه” وهذا ما يثبته القول “وهذا هو اسمه الذي يدعونه به يهوه برنا” إرميا 23: 6].

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

3 – في التلمود، في باب Babba Bathra 75b يذكر الآتي [رابي صموئيل بن ناحمان Shmuel ben Nachman يقول على لسان رابي يوهانان Rabbi Yohanan: الشخص المقدس والمبارك – هو المسيا – وهذا هو الاسم الذي به يُدعى ” يهوه برّنا” كما هو مكتوب في إرميا 23: 6]

4 – ميدراش على مزمور 21: 1 يقول [الله يُسمى المسيا الملك باسمه الخاص به. ما هو هذا الاسم؟ الإجابة ” يهوه”. فقد أعلن إرميا هذا الاسم عندما قال “وهذا هو الاسم الذي يدعونه به يهوه برنا” إرميا 23: 6]

مما سبق، يتضح كيف أن كتابات الرابيين الكبار، ذكرت أن اسم المسيا هو “يهوه” وهو الاسم الخاص بالله، حتى التلمود نفسه أعلن هذا صراحة. وبذلك يكون المسيح – المسيا- ابن داود هو أيضاً الله (أي يهوه يصير إنساناً).

* ينّون Yinon: في مزمور 72: 17، الترجمة هي “يكون اسمه إلى الدهر. قدام الشمس يمتد اسمه”. أما في الأصل العبري “قبل أن تُوجد الشمس كان اسمه ينّون Yinon”.

الرب برنا (يهوه برنا) – ألوهية المسيح الحرفية في العهد القديم

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

“روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشّر المساكين أرسلني لأعصب مُنكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة الرب المقبولة للرب” إشعياء 61: 1-3.

هذه النبوة، تتحدث عن عمل ووظيفة المسيا في أثناء حياته على الأرض. ويُعلن إشعياء النبي، أن المسيا هو الممسوح بالروح القدس، ليبدأ بعمله التبشيري ويقوم بمهمته التي من أجلها أُرسل. وفي العهد القديم، كان المسح بالدُهن المقدس، دلالة أن الشخص الممسوح له صفة معينة لمهمة ووظيفة معينة. أما المسيح فقد مسح لا بدُهن ولا بيد إنسان، بل بالروح القدس، فنقرأ في إنجيل متى الآتي “فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه” متى 3: 16.

وبعد أن اعتمد الرب يسوع وقضى في البرية أربعين يوماً وأربعين ليلة، جاء إلى الناصرة، ودخل المجمع كعادته يوم السبت، وأعلن هو بنفسه أن النبوة التي نطق بها إشعياء قد كُتبت عنه. ويُسجّل القديس لوقا ذلك في إنجيله قائلاً “وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه سفر إشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوباً فيه.

روح الرب عليّ لأنه مسحني لأُبشّر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأُرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلّمه إلى الخادم وجلس. وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم” لوقا 4: 16-21. أي أن المكتوب قد تم الآن، وسوف يراه الناس عياناً في أثناء حياته على الأرض… قد صار الآن المكتوب في حكم التحقيق.

من جهة أخرى، أن المسيا الممسوح بالروح القدس، قد جاء لا من أجل نفسه بل ليُنجز أعمالاً ومهاماً يقوم بها من أجل الشعب، بل من أجل العالم كله.  

أعمال يقوم بها المسيا

1 – يُبشر المساكين:

أي الكرازة بالإنجيل. وهنا كلمة “إنجيل” لا تعنى كتاباً، بل حسب معناها اليوناني “البشارة المفرحة”، وماهي البشارة أو الأخبار المفرحة؟ هي أن زمان إبليس وسلطانه على الناس بالخطية والموت قد انقضى، وحان الوقت الآن لتأسيس ملكوت الله “وبعدما أُسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول قد كَمَلَ الزمان واقترب ملكوت الله” مرقس 1: 14-15.

2 – يُنادي للمسبيين بالعتق:

كان الشعب اليهودي مُستعبداً لحرفية ناموس موسى، وإذا لم يقدروا أن يحفظوا الناموس بالكامل، وقعوا تحت دينونة العصيان.. فجاء المسيح ليحررهم من هذه العبودية. فكما قلنا سابقاً أن الرابيين جمعوا ما يقرب من 613 أمر ونهي، لم يستطع شعب إسرائيل تنفيذها بالتمام، بل صاروا له عبيداً فوقعوا تحت لعنة الناموس، فجاء المسيح وحررهم من عبودية الفرائض، بالإيمان به. وهذا ما عبّر عنه بولس الرسول بقوله “مبطلً بجسده ناموس الوصايا في فرائض” أفسس 2: 15 – “إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا” كولوسي 2: 14.

3 – يُنادي للمأسورين بالإطلاق:

هنا الأسر يشمل الخطية والموت، لأن “كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية” يوحنا 8: 34 – أيضاً “أجرة الخطية هي موت” رومية 6: 23. وأصبحت البشرية الخاطئة، واقعة تحت عبودية الخوف من الموت. فكان العمل الرئيسي للمسيا أن ينزع مفاتيح الموت من سلطان إبليس “فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك لك يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية” عبرانيين 2: 14-16.

4 – يُنادي بسنة الرب المقبولة:

يريد إشعياء النبي أن يُخبرنا بأن زمن الخلاص والنعمة قد بدأ. فبمجيء المسيا وموته، انتهى زمن الناموس (الحرف)، وبدأ زمن النعمة والخلاص (الروح)… هذه هي البشارة المفرحة التي جاء لينادي بها المسيا، فسنة الرب المقبولة، هي سنة اليوبيل الحقيقي للعتق من سلطان الخطية وإبليس والموت. سنة الخلاص هذه، هي السنة التي يحيا فيها ومازال يحيا المسيحيون، منذ يوم عمل المسيح الخلاصي – بصليبه وقيامته- وإلى آخر الدهور “هوذا الآن وقت مقبول، هوذا الآن يوم خلاص” كورنثوس الثانية 6: 2.

ما هو عمل المسيا من نبوات العهد القديم؟

وجهات نظر الرابيين بخصوص آلام وموت المسيا

وجهات نظر الرابيين بخصوص آلام وموت المسيا

 

التضاد

أي شخص يدرس العهد القديم، ليتعرف على ما جاء فيه عن المسيا، قد يجد للوهلة الأولى تضاد. سيجد نفسه أمام صورتين مختلفتين للمسيا: الأولى، المسيا المتألم، المحتقر ثم يموت بعد ذلك. أما الثانية، فيجده مُمجداً، له القوة والسلطان على جميع الأرض. وقد تعرفّ الرابيون على هاتين الصورتين، لكن للأسف لم يقدروا أن يدركوا الحقيقة الكاملة ثم يقبلوها.

بناء على هذا التضاد، ذهب البعض من الرابيين إلى القول: إن أنبياء العهد القديم تنبأوا بمجيء مسيحيين مختلفين وقالوا إن المسيا الذي سيأتي ويتألم ثم يموت هو المسيا ابن يوسف، أما المسيا الثاني الذي سيأتي بعد الأول هو المسيا ابن داود. وهذا الأخير سيُقيم الأول إلى الحياة مرة أخرى، ثم يؤسس مملكة السلام على الأرض.

لكن الحقيقة التي لا يُريد الرابيون أن يقبلوها أن العهد القديم لا يتكلم أبداً عن مجيء مسيحيين اثنين. بل الواقع يقول، بأن العديد من الصور المتضادة للمسيا، نجدها في كثير من الأسفار، جنباً إلى جنب في نفس النبوة وهذا يعني أن المشار إليه هو شخص واحد، أي مسيح واحد يأتي مرتين، وهذا يُمثل عقيدة هامة بالنسبة للمسيحيين. ولقد رأى العديد من الرابيين أن وجهة نظر المسيحيين، تعتبر أفضل إجابة لهذا التضاد. وقد تمسك اليهود الأرثوذكس بوجهة النظر هذه لقرون عديدة، حتى فترة التلمود.

رغم أن المسيا ابن داود ظل يداعب خيال اليهود قلباً وفكراً، طوال تاريخهم، أما المسيا الآخر، ابن يوسف – المسيا المتألم – فكانوا يتجاهلونه، وهو موجود فقط عند علماء اليهود، عند الحاجة لشرح آلام المسيا التي تحتويها الأسفار المقدسة، او في حالة توجيه أسئلة شائكة أو للهروب من فقرة أو عبارة في آية. فيما عدا ذلك، فإن المسيا المتألم مُتجَاهَل على الإطلاق.

والمصدر الوحيد الذي يعتمد عليه الرابيون لتدعيم فكرتهم عن المسيا المتألم – ابن يوسف – هو سفر إشعياء الأصحاح 52، 53. في الوقت الحالي، سبب النزاع بين الرابيين أنفسهم، موضوعه يتعلق بما قاله العهد القديم عن المسيا، خاصة في هذين الأصحاحين من إشعياء. نبوة إشعياء تتحدث عن “عبد يهوه المتألم”، هذا العبد يخضع لعذابات وآلام مبرحة ثم يموت ميتة مهينة. وهذا العبد لا يموت من أجل ذنب فعله، ولكن من أجل خطايا غيره، أي موتاً نيابياً.

ثم تقودنا النبوة لتُعلن أن هذا العبد الذي مات، قام من الأموات مرة أخرى. فسبب النزاع، ليس ماذا تقول النبوة، ولكم عن مَنْ تتحدث؟ هل هذه النبوة تخص المسيا؟ يقول الرابيون، أن هذا القول هو التفسير المسيحي له وليس التفسير اليهودي. أما التفسير اليهودي فيقول: إن عبد يهوه المتألم، هو شعب إسرائيل الذي يُظلم من شعوب الأمم الاخرى.

تفاسير كبار الرابيين

لم يكن النزاع في تفسير ما ورد في إشعياء 52، 53، بين المسيحيين والرابيين محتدماً، بقدر ما كان بين الرابيين وأنفسهم. لسبب بسيط، هو أن تفسير إشعياء 52، 53 كونه يُشير إلى الشعب اليهودي، هو في الواقع تفسير حديث. فالتفسير القديم لهذه النبوة، والذي سجّله غالبية علماء اليهود من الرابيين، يُصرّح بوضوح أن إشعياء يتحدث عن شخص واحد فقط، هو المسيا ابن يوسف. وسأحاول في عجالة أن أسرد بعض ما قاله كبار الرابيين بخصوص ذلك:

من بين الترجومات القديمة، ترجوم يوناثان Targum Jonathan ben Uzziel، يعود إلى القرن الأول الميلادي. في هذا الترجوم سُجلت هذه الكلمات [هوذا عبدي المسيا يعقل…]. ترجوم يوناثان اقتبس الكثير في ترجمته التفسيرية من الرابيين القدامى، ولذا يُعتبر مرجعاً موثوقاً فيه للتفسير اليهودي للعهد القديم. ويُقرّ بوضوح أن نبوة إشعياء هذه تتحدث عن المسيا الآتي. من هنا نفهم، لماذا يتهم الرابيون الحداثي يوناثان بن عزئيل، بتبني التفسير المسيحي لهذه النبوة.

ليس فقط يوناثان هو وحده الذي فسّر هذه النبوة بأنها تخص المسيا فقط، بل أيضاً الرابي دون إتسحاق Rabbi Don Yaitzchak Abarbanel (في حوالي سنة 1500ميلادية)، فبينما هو لا يقبل فكرة أن نبوة إشعياء تخص المسيا، إلا أنه اعترف بها بطريقة شيّقة جداً، حيث قال [السؤال الأول، هو التحقق عن مَنْ يُشير إشعياء في هذه النبوة: لقد نشر المسيحيون تفسيراً يقول إن الشخص الذي صُلب في أورشليم في نهاية الهيكل الثاني، هو ابن الله – بحسب رأيهم – اتخذ جسداً من عذراء، كما هو مكتوب في كتبهم.

أيضاً رأى غالبية مُعلمينا المباركين في الميدراشيم Midrashim]. على الرغم من أن وجهة نظر Rabbi Don Yitzchak الشخصية فيما يتعلق بهذه النبوة، مختلفة، إلا أنه يُسلم بدون تحفظ، أن غالبية الرابيين في ميدراشهم يُقروّن أن النبوة تُشير إلى المسيا.

نأتي إلى كتاب هام جداً وهو “Zohar”، يرجع إلى القرن الثالث عشر الميلادي، والذي اهتم بدقة شديدة بكتابات كل من الرابي سيمون ابن يوخّيا Rabbi Simon bar Yochai (من القرن الثاني الميلادي)، وأحد الرابيين الأسبان (من القرن الثالث عشر)، وقد سجّل تعبيراً واضحاً لتفسير هذه النبوة من سفر إشعياء، فقال [في جنة عدن يُوجد مكان يُسمى “مكان أبناء الأوجاع والآلام، في هذا المكان سيدخل المسيا ويجمع كل الآلام والأوجاع والتأديبات التي لشعب إسرائيل، وكلها تُوضع عليه، وبالتالي يأخذها لنفسه عوضاً عن شعب إسرائيل.

لا يستطيع أحد أن يُخلّص إسرائيل من تأديباته لعصيانهم الناموس. إلا هو، المسيا. وهذا هو الذي كتب عنه “لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها”]. هذا الجزء من كتاب “Zohar”، يستشهد بإشعياء 53: 4، ويبيّن أنه يُشير إلى المسيا نفسه. هذا الجزء أيضاً يُميز بين إسرائيل كشعب والمسيا كشخص واحد يُشير إليه إشعياء. علاوة على ذلك يُقّر كتاب “Zohar” بمبدأ ” الشخص البديلي”، الذي تكلّم عنه الأصحاح 53 كله. أي أن المسيا سيحمل في نفسه كل أوجاع وآلام شعب إسرائيل من أجل عصيانهم.

دليل آخر في خلال نفس الفترة، يزودنا به تلمود بابل Babykonian Talmud، هو [“المسيا” ما هو اسمه؟ أولئك الذين من بيت رابي يهوذا Rabbi Yuda يقولون: إنه “عبد يهوه المتألم”، كما قيل عنه “لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها”] Sanhedrin 98b. إذاً، تلمود بابل يشابه “Zohar” في استشهاده بسفر إشعياء 53:4.

وإنه يُشير إلى المسيا نفسه وليس إلى شعب إسرائيل. أيضاً في ميدراش تانومي Thanhumi، نقرأ الآتي [رابي نامان Rabbi Nahman يقول: الكلمة “رجل” في قوله “رجل أوجاع” إشعياء 53: 3 تٌشير إلى المسيا ابن داود، الذي اسمه “Zemah”، حيث فسرّه يوناثان “هوذا الرجل المسيا”، لهذا قيل عنه “رجل أوجاع ومُختبر الحزن”].

كتاب الجلجاليم “Sepher ha-Gilgalim”، يرى في إشعياء 52: 13 على أنها إشارة إلى المسيا الملك، فيقول [“هوذا المسيا الملك يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً” ويقول عنه علماؤنا الرابيين: سيكون أعلى من إبراهيم ويتسامى فوق آدم]. أما ميدراش كوهين Midrash Kohen، حينما يشرح إشعياء 53: 5، يضع الكلمات التالية على فم إيليا النبي، حيث يقول إيليا للمسيا [أنت أبرّ من أن تتألم وتجرح. كيف كليّ القدرة يُعاقب هكذا من أجل خطايا إسرائيل، ويُكتب عنك “مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا”. إلى أن يحين الوقت، حيث تأتي نهاية الأزمنة].

في ميدراش آخر، لشرح نفس نبوة إشعياء، نقرأ التالي [كل الآلام تُقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم من نصيب داود والبطاركة، والآخر من نصيب الجيل العاصي “إسرائيل العاصي”، أما الثالث فمن نصيب المسيا الملك] Midrash Tehillim and Midrash Samuel 19.

في كتاب قديم يحوي صلوات يوم الكفارة “يوم كيبور” (يُطلق على الكتاب الاسم العبري “Mahsor”)، يُلمّح أن هذا الأصحاح من إشعياء 53، يتحدث عن المسيا. ففي واحدة من هذه الصلوات تُسمى صلاة “Musaf”، كتبها الرابي إليعازر كالير Rabbi Eliezer Kalir (في حوالي القرن السابع الميلادي)، نقرأ الآتي [… المسيا برنا رحل عنا رعدة شديدة تستولي علينا. لا نملك أن نبرر أنفسنا. حمل نير معاصينا وآثامنا فجُرح من أجلها. حمل خطايانا على كتفه كي يصفح عن آثامنا.

سنتمسّك بجروحه إلى الوقت الذي فيه يأتي كآدم جديد] Prayer book for the day of Atonement/New York 1931. p.239.

الملفت للنظر في هذه الصلاة، أن نغمة الخوف تتملك عليهم، من أن يكون المسيا قد جاء ورحل عن الشعب، والذي يفترض أن المسيا قد جاء بالفعل إليهم وتركهم. أضف إلى ذلك، أن المسيا الذي رحل قد تألم بديلاً عن الشعب، حسب ما ورد في الصلاة، حيث أن خطايا الشعب قد وضعت على كتفه.

الآن، بعد أن تألم، رحل المسيا عنهم، هذه هي علّة زعرهم، أنهم يُصلّون أن يرجع المسيا مرة أخرى، نلاحظ أيضاً، أن أغلب هذه الصلاة مُقتبس من إشعياء 53، للأسف لم تعد تُستخدم هذه الصلاة، وقد اختفت من الكتب المستعملة في عيد يوم الكفارة، منذ قرون عديدة. لكن نستطيع من خلالها أن نقول: إنه على الأقل حتى القرن السابع الميلادي، ظل التقليد اليهودي يتمسك بأن هذه النبوة من إشعياء تُشير إلى المسيا.

بل أكثر من ذلك، نقول، إن هذا التفسير لنبوة إشعياء ظل المسيطر على الشعب اليهود حتى القرن العاشر. وهذا يتضح من تعليق رابي يافيت ابن عالي Rabbi Yepheth ben Alie، حيث يقول [بالنسبة لرأي فأنا أنحاز إلى رابي بنيامين النهاوندي Rabbi Benjamin of Nehawend في تفسيره لهذا الأصحاح، كونه يُشير إلى المسيا.

فالنبي إشعياء يريد أن يٌفهمنا شيئين: في المرحلة الأولى، إن المسيا هو الوحيد الذي سيصل إلى أعلى درجة من الكرامة والمجد، لكن بعد محن طويلة ومريرة، ثانياً: هذه المحن ستُوضع عليه كعلامة، لدرجة أو وجد نفسه تحت نير هذه المحن وظل مطيعاً وتقياً في تصرفاته وأفعاله، يعرف أنه هو المختار….

والتعبير “عبدي” يعود إلى المسيا، كما قيل أيضاً إلى أجداده “قطعت عهداً مع مختاري. حلفت لداود عبدي” مزمور 89: 3] هذا الرابي، يُعلن صراحة أن إشعياء 53 يتحدث عن المسيا، كما اقتبس من الأصحاح كون أن المسيا سيرتقي إلى أعلى درجة من المجد بتألمه.

أيضاً، في القرن الحادي عشر، فسّر الرابيون الأصحاح 53 من سفر إشعياء، أنه يتحدث عن المسيا. ففي كتاب “Bereshith Rabbah” لمؤلفه رابي موشي هادرشان Rabbi Moshe Hadarshan، يُقرر أن القدوس، أعطى فرصة للمسيا أن يُخلص النفوس، ولكن بضربات وتأديبات عديدة، يقول [… على الفور قبل المسيا تأديبات وضربات المحبة، كما هو مكتوب “ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه”… عندما أخطأ شعب إسرائيل، طلب المسيا لهم الرحمة والمغفرة، كما هو مكتوب “وبحبره شفينا” وقوله “وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين”].

لقد اقتبس رابي موشي هادرشان من سفر إشعياء 53 الآيات 5، 12، 17 ليبرهن أن شخص المسيا، هو شخص واحد سيخلص كثيرين، لكن هذا الخلاص سيتم عن طريق آلامه أيضاً، هذه الآلام ينظر إليها كآلام بديليه من أجل خطايا شعب إسرائيل.

رابي آخر من القرن الحادي عشر، هو رابي طوبيا بن إليعازر Rabbi Tobiyyah ben Eliezer يقول في تفسير إشعياء 52: 13 [… سيجعل مملكته مرتفعة ومُمجّدة… هذا هو المسيا الذي قيل له “هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً”] من كتاب “Lechah Tova”.

ومن بين الرابيين المشهورين في القرن الثالث عشر، رابي موسى بن ميمون Rabbi Moses ben Mainom ويُعرف ب “ميموندس Maimonides” واختصار اسمه رامبام هو أيضاً يتحدث عن المسيا الآتي، فيقول [ماذا ستكون مواصفات المسيا الآتي… سيبرز لكم فجأة هذا الشخص، لا أحد يعرفه من قبل. والمعجزات والآيات التي سيصنعها هي تبرهن أنه المسيا الحقيقي المنتظر. وفي الوقت الذي فيه سيظهر، بلا أب ولا أم ولا عائلة، لكن سيُعرف.

حيث قال عنه إشعياء “ينبت قدامه كفرح وكعرق من أرض يابسة” إشعياء 53: 2. ومظهر حضوره الفريد في تجلّيه، سيجعل كل ملوك الأرض يسقطون من شدة رهبته وهيبته. سيضعون أيديهم فوق أفواههم، ليتم ما قاله عنه إشعياء “من أجله يسدّ ملوك أفواههم لأنهم أبصروا ما لم يُخبروا به وما لم يسمعوه فهموه” إشعياء 52: 15].

بعد عرض كل هذه الأقوال من مشاهير علماء اليهود، يتضح لنا جلياً أن تفسيراتهم لنبوة إشعياء 52، 53 جاءت كلها لتُعبرّ عن أن المُشار إليه هو المسيا وليس شعب إسرائيل. أول من اقترح بأن النبوة تتحدث عن شعب إسرائيل وليس عن المسيا، هو رابي شلومو إتسحاق Rabbi Shlomo Yizchaki، الشهير ب RaSHi راشي. وبما أنه أول من خرج عن التقليد اليهودي المألوف فيما يتعلق بهذه النبوة، فقد قُوبل في الحل بردّ فعل مضاد من علماء كبار يهود آخرين.

وأول من تصدى للاقتراح الخاطئ الذي وضعه راشي، وهو الرابي موشي كوهين Rabbi Moshe Kohen Ibn Crispin، حيث كتب يقول […. بالطبع يسرني أن أُفسر ما جاء في إشعياء 53، وفقاً لتعاليم علماؤنا الكبار Rabbis، بأن هذا الأصحاح يتحدث عن المسيا الملك، وسأفعل ذلك بكل دقة وعناية، وبكل ما أملك من إمكانية. سوف ألتزم بحرفية التفسير بكل ما أُعطيت من قوة. وسأتحرر من قيود التفاسير المتكلفة والظاهرية التي وضعها قبلي آخرون قد أثموا في تفسيرهم ….

هذه النبوة نقلها إلينا إشعياء بأمر إلهي، بهدف أن يعرفنا شيئاً عن شخصية المسيا القادم الذي سيأتي ويُخلّص إسرائيل، وحياته من اليوم الذي سيظهر فيه حتى مجيئه كمخلّص. وبحسب هذا لو أن شخصاً ما ظهر وأعلن عن نفسه إنه المسيا، ينبغي أن ننتبه ونفكر ملياً أي الإثنين نتبع… أيهما تنطبق عليه السمات التي وضعها إشعياء في نبوته، لو انطبقت الصورة التي رسمها إشعياء على الشخص الآتي، حينئذ نؤمن به هو المسيا برّنا، وإن لم تنطبق فلا نؤمن به….]

يتبين من كلام رابي موشي كوهين، الآتي:

  1. يقصد بقوله [سأتحرر من قيود التفاسير المتكلّفة والظاهرية التي وضعها قبلي آخرون قد أثموا في تفسيرهم]، يقصد تفسير راشي.
  2. رابي موشي كوهين، يقاوم بشدة تفسير راشي، ويُصر أن إشعياء يقصد شخص المسيا وليس شعب إسرائيل.
  3. ما كّتب في إشعياء 53، القصد منه التمييز بين المسيا الحقيقي والمسيا المزيف.
  4. ينبغي إتّباع وطاعة المسيا الحقيقي، وقد دعاه “المسيا برّنا”.

القرن السادس عشر، ظهر الرابي سعادية ابن دانان Rabbi Saadyah Ibn Danan (في سنة 1500 ميلادية)، وقد كتب الآتي

[…. أحد هؤلاء رابي يوسف بن كاسبي Rabbi Joseph ben Kaspi، يذهب بعيداً، فيقول إن هؤلاء الذين يؤيدون القول بأن إشعياء يقصد المسيا، ويبوح به، هم يعطون الفرصة للهراطقة أن يفسروا ذلك بأنه يسوع الناصري… ليت الله يغفر لهم، لأنهم لم يقولوا الصواب. فمعلمونا الكبار، أساتذة التلمود، يستخرجون آراءهم من قوة النبوة ووحيها، متمسكون بالتقليد القديم فيما يتعلق بمبادئ التفسير وقد اتفقوا كلهم بأن المقصود في نبوة إشعياء 53 هو المسيا الملك].

مما سبق نستنتج أن هذا الرابي، هو أيضاً يقاوم تفسير راشي، ويُطالب المفسرين اليهود بأن يرجعوا إلى التفاسير التلمودية، التي تؤيد القول بأن نبوة إشعياء تتحدث عن المسيا وليس عن شعب إسرائيل. كما أراد أن يُلقى الضوء على سبب تحوّل البعض إلى التفسير الخاطئ بحجة تفاقم حدة النزاع بين المسيحيين والرابيين. فقد استخدم المسيحيون نبوة إشعياء لتبيان أن الرب يسوع المسيح هو المسيا المُشار إليه في النبوة، وكردّ فعل بدأ الرابيون يفسرون إشعياء 53 على كونه يخص شعب إسرائيل وليس المسيا… تماماً كما اقترح راشي.

أيضاً، في النصف الثاني من القرن السادس عشر، برز الكاتب الشهير رابي موشي الشيخ Rabbi Moshe El Shech، وطالب هو أيضاً المفسرين اليهود أن يرجعوا إلى التفاسير التقليدية، حيث قال [معلمونا الكبار Rabbis، كلهم برأي واحد يقبلون ويبرهنون على صحة التفسير القائل بأن إشعياء النبي يتحدث عن المسيا، وينبغي علينا جميعاً الالتزام بنفس الرأي].

وفي تعليق آخر على إشعياء 53: 3، كتب الرابي ايليا دي فيداس Rabbi Eliyyah de Vidas، في سنة 1575 ميلادية، الآتي

[…. قوله “وهو مجروح لأجل معاصينا ومسحوق من أجل آثامنا” معنى هذا: بما أن المسيا حمل آثامنا وخطايانا، والتي سببت كل هذه الآلام والتأديبات، بالتالي يكون كل من لا يقبل أن المسيا يتألم من أجل خطايانا وآثامنا، عليه أن يتحملّ ويتألم من أجل نفسه].

هذا الرابي، يُشير أيضاً إلى إشعياء 53 ويُقرر أنه يخص المسيا الذي سيتألم نيابة عن شعب إسرائيل، من أجل خطاياهم وآثامهم. بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيحذر كل من يرفض الإيمان به.

أيضاً، في القرن السابع عشر، ظل ردّ الفعل المضاد لتفسر راشي قائماً. فقد كتب رابي نفتالي بن أشير Rabbi Nphtali ben Asher (سنة 1650 ميلادية)، قائلاً […. أريد الآن أن أواصل شرح هذه الآيات عن المسيا الذي يخصّنا، الذي اختاره الله وسيأتي سريعاً في أيامنا هذه!… أنا مندهش من تفسير كل من رابي شلومو إتسحاق Rabbi Shlomo Yizchaki ورابي دافيد كيمشي Rabbi David Kimchi، لإشعياء 53، كيف لا يتطابق تفسيرهما مع الترجوم، الذي يؤكد أن الأصحاح يتحدث عن المسيا…]

في القرن الثامن عشر، التفسير الجديد الذي وضعه راشي (1040-1105 م)، وتبناه من بعد رابي دافيد كيمشي (1160-1235 م)، قُوبل باستحسان ضخم وتغلّب على كل تفاسير الرابيين القدامى، وصار هو السائد وحتى يومنا هذا. لكن لم يكن الانتصار كاملاً، فقد ظلّت قلة من الرابيين تقاوم بشدة تفسير كل من راشي ودافيد كيمشي. ها هو هيرتز هومبورج R. Herz Homburg في كتابه “Korem” (كلمة عبرية تعني صاحب الكرمة)، والذي وضعه سنة 1818 ميلادية، كتب يقول

[…. في الحقيقة، ما سجله إشعياء في الأصحاح 53، يُشير وبلا جدال إلى المسيا الملك، الذي سيأتي في الأيام الأخيرة، التي فيها يُسرّ الله بتخليص إسرائيل من بين الأمم المختلفة على هذه الأرض…].

أخيراً، مما سبق نخرج بنتيجة مفادها أن كل الرابيين في خلال 1000سنة كانت تفاسيرهم لنبوة إشعياء 52، 53 متفقة على أنها تخص المسيا الآتي.

وأول من خرج بتفسير جديد هو راشي Rabbi Shlomo Yizxhak (1040-1105م) ثم تبنى تفسيره رابي دافيد كيمشي Rabbi David Kimchi (1160-1235 م). ورغم ذلك قوبل برفض شديد من أغلب الرابيين الذين أتوا من بعدهما. لكن للأسف الشديد، أصبح تفسيرهما هو السائد في العصر الحالي.

وجهات نظر الرابيين بخصوص آلام وموت المسيا

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

المزامير تأخذ مكانها لدى اليهود، نظراً للأهمية الخاصة التي تتعلّق بمجيء المسيا لديهم، وإمكانية استكشاف شخصية هذا المسيا من خلالها. هذا ولقد استشهد السيد المسيح وتلاميذه بالمزامير كثيراً في عملهم التبشيري، فعلى سبيل المثال، يقول السيد المسيح لتلاميذه بعد القيامة “وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ».” لوقا 24: 44. ولو دققنا البحث في أسفار العهد الجديد، وتتبعنا الإقتباسات المأخوذة من سفر المزامير لاندهشنا.

فنجد أن العهد الجديد يقتبس 224 مقطع من بين 103 مزمور، هذه المقاطع تحتوي على 280 آية من مختلف المزامير. ومن هذه الآيات حوالي 50 آية تختص بآلام وموت وقيامة الرب يسوع، والبشارة بالإنجيل للأمم. أما بقية الاقتباسات فيه تعليمية وللعزاء الداخلي وتقوية الإيمان.

التقليد ينسب 73 مزمور من جملة الـ150 مزمور إلى الملك داود. وفي كتابات الرابيين، المسيا يُشار إليه ك “ابن داود” لهذا السبب، فإنه في أن موضع من سفر المزامير فيه وصف للبركات التي ستأتي على بيت داود، يعتبرها الرابيون نبوة عن المسيا. لدرجة أن المعاني الجميلة في المزمور 45، التي يصف فيها داود النبي علاقة العريس بعروسه – روحياً – وافتتانه الشديد بها، يعتبرها الرابيون صورة سرّية لعلاقة المسيا بشعب إسرائيل، واعتبروا المزمور كله مزمور مسياني.

وعندما رأت الكنيسة حب المسيح لكنيسته، اعتبرت علاقة المسيح بالكنيسة كعلاقة العريس بعروسه، وعلى ذلك يكون مزمور 45 كله يتحدث عن حب المسيح العريس للكنيسة عروسه (راجع يو 3: 29/ متى 22/ متى 25/ 2كو 11: 2/ رؤ 19: 7).

أيضاً وجد اليهود في مزامير خاصة سموها مزامير النواح، والتي فيها رجل الله البار والتقي، يتألم من بُغض الشعب له، إشارة إلى المسيا ابن يوسف.. حتى آلام المخاض التي وردت في بعض المزامير، قالوا أنها آلام من أجل مملكة المسيا. وفي مدراش على سفر المزامير، يرى راشي רש”י RaSHI، أن مزمور 21، يتحدث عن المسيا الملك، خاصة الآية 1-4-7، أما الترجوم فيضيف إليهم الآية الثامنة “يَا رَبُّ، بِقُوَّتِكَ يَفْرَحُ الْمَلِكُ، وَبِخَلاَصِكَ كَيْفَ لاَ يَبْتَهِجُ جِدًّا! … وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ. حَيَاةً سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ. طُولَ الأَيَّامِ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ. عَظِيمٌ مَجْدُهُ بِخَلاَصِكَ، جَلاَلاً وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ…..تُصِيبُ يَدُكَ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ. يَمِينُكَ تُصِيبُ كُلَّ مُبْغِضِيكَ.” مزمور 21.

يقول المدراش معلقاً على هذا المزمور [… هذا هو المسيا، ابن داود، الذين سيظهر في آخر الأيام. رابي تنحوما רבי תנחומא Rabbi Tanhuma يقول: المسيا الملك سيأتي ويُعطي العالم ست وصايا فقط، مثل الوصية الخاصة بعيد المظال واستعمال سعف النخيل والتمائم، ….. لكن كل إسرائيل سيتعلّم التوارة… لماذا؟ لأن كل الأمم ستطلبه]. بعد ذلك مباشرة يسأل هذا المدراش قائلاً [… من هو هذا الملك؟… الله لا يُتوج ملكاً من لحمٍ ودمٍ، ولكن القدوس – مبارك هو – سيُعطي تاجه للمسيا الملك، لأن قيل عنه “وَضَعْتَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا مِنْ إِبْرِيزٍ.” … كذلك الله لا يُلبس ملكاً أرضياً ثوبه الذي من برفير، ولكن القدوس – مبارك هو – يُلبسه للمسيا الملك، لأنه قيل “جَلاَلاً وَبَهَاءً تَضَعُ عَلَيْهِ” . وسيدعو المسيا باسمه، لأنه قيل عنه “وهذا هو اسمه الرب برنا” ] Midrash Tehilim מדרש תהלים.

وفي مدراش على سفر الخروج، يقول [… لم يأخذ موسى من الله سوى عصا “فأخذ موسى عصا الله في يده” خروج 17: 9.. أما المسيا الملك… فالقدوس – مبارك هو – سيضع تاجه على رأس المسيا الملك، في حين أن الله لا يُتوّج ملكاً أرضياً بتاجه] Midrash Shemoth 8 מדרש שמות ח. أما الترجوم فيُعلق في الهامش على المزمور قائلاً [المسيا الملك سيتكل على الرب من أجل هذا سوف لا يتزعزع. وتاجه الذي وضع على رأسه، وثوب البهاء والجلال الذي وضع عليه…. يبقى ولا يزول].

وفي مدراش آخر على سفر المزامير، يقول في تعليقه على المزمور 16[هؤلاء الذين يؤمنون بالمسيا الآتي، يوماً ما سيُمجدون بهاء حضور الله ولا يتألمون، من أجل قداسته، كما هو مكتوب “أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ.” آية 11.سيسأل شعب إسرائيل: متى ستُخلّصنا؟ سيُحيب: عندما تعانون من هول الظلم والاضطهاد، عندئذ سأخلصكم، كما هو مكتوب “وَيُجْمَعُ بَنُو يَهُوذَا وَبَنُو إِسْرَائِيلَ مَعًا وَيَجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ رَأْسًا وَاحِدًا” هوشع 1: 11… وقال “لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ. لَصِقَتْ فِي الأَرْضِ بُطُونُنَا. قُمْ عَوْنًا لَنَا وَافْدِنَا مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ.” مزمور 44: 25-26. وكما تتفتح الزهرة ونكشف قلبها إلى أعلى، هكذا معكم يا شعب إسرائيل، عندما تتوبون أمامي وترجع قلوبكم إلى أعلى كالزهرة، في هذه اللحظة سأُرسل المسيا إليكم، لأنه قال “أَكُونُ لإِسْرَائِيلَ كَالنَّدَى. يُزْهِرُ كَالسَّوْسَنِ” هوشع 14: 5].

وفي مدراش يُعلّق على مزمور 44 […. “لأَنَّ أَنْفُسَنَا مُنْحَنِيَةٌ إِلَى التُّرَابِ. لَصِقَتْ فِي الأَرْضِ بُطُونُنَا” مزمور 44: 25… هذه نبوة عن شخص ما سيأتي، ربما يكون المسيا. رابي حنينا רבי חנינא Rabbi Hanniah أيضاً قال: أن الرب يُحدِر إلى الموت ثم يُعيد إلى الحياة…. يُحدر إلى القبر ويُقيم…. هل هوالمسيا ابن يوسف. وبنفس هذه الطريقة سيُحدرنا الرب إلى أسفل تحت أقدام الأمم حتى إلى القبر، لكن في الحال سيُقيمنا، كما هو مكتوب” يُحدر إلى القبر ويقيم”] Sanhedrin 97a – בבלי, סנהדרין צ”ז א. وتُوجد صورة مشابهة في التلمود ولتفسير بعض المزامير التي تتحدث عن خلاص إسرائيل في آخر الأزمنة، من عمق آلامهم. هذا وقد اعتبر العديد من الرابيين أن هذه المزامير تُعد تاريخاً هاماً يُسجل أحداثاُ مستقبلية تخص شعب إسرائيل عندما يأتي المسيا.

وفي مدراش على مزمور 72 يقول […. “اَلَّلهُمَّ، أَعْطِ أَحْكَامَكَ لِلْمَلِكِ، وَبِرَّكَ لابْنِ الْمَلِكِ…..يَكُونُ اسْمُهُ إِلَى الدَّهْرِ. قُدَّامَ الشَّمْسِ يَمْتَدُّ اسْمُهُ” مزمور 72: 1، 17… مبارك ومُمجد هو المسيا الملك، ويكون اسمه ينّون ינון Yinnon الذي معناه ليته يخرج، لأن كُتِب عنه “وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ” إشعياء 11: 1. هذا الذي من قبل أن يُخلق العالم…] Mikraoth Gedoloth מקראות גדולות.

ويُشير راشي רש”י RASHI، إلى نفس هذا المزمور في تفسيره لنبة ميخا 5: 5، حيث يقول [إن المتسلّط على إسرائيل، والذي سيُولد في بيت لحم، أصوله منذ القديم منذ أيام الأزل، هو المسيا ابن داود، وكما يقول مزمور 118 “هو الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ”. ومخارجه منذ الدهر، لأنه قبل أن تكون الشمس، اسمه ينّون Yinnon] מקראות גדולות Mikraoth Gedoloth. ويقول رابي دافيد كمحي רד”ק Rabbi David Qimhi في تعليقه على مزمور 78 [بدون المسيا لا يوجد تفسير صحيح للأسفار المقدسة.

فعندما يقول داود الملك “أفتح بمثل فمي” فهو يُشير إلى المسيا، من أجل هذا سُمّي داود. وسيكون هو معلّم الشعوب، كما قيل عنه في إشعياء “هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ ” إشعياء 2: 3-4].

أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ

“لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟ قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ،….إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ….قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ الطَّرِيقِ.” المزمور الثاني

المزمور الثاني كله ، يتكلّم عن المجيء الأول للمسيا، وما يُصاحبه من أحداث، يحصرها في الآيات من 7 حتى 12. إنها تعلن بصراحة وقل كل شيء أن هذه الآيات تخص فقط المسيا ولا تخص داود النبي. فبينما داود كان ملكاً عظيماً، لكن لم يعطه الله السلطان على كل شعوب الأرض ” اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ…” ولا يُملك داود إلى أقاصي الأرض “وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ”. ويعتبر الرابيون أن المزمور الثاني كله مزموراً مسيانياً، فعلى سبيل المثال:

1 – تلمود بابل:Babulonian Talmud, Sukka 52a، يقول [معلمونا الكبار Rabbis، قالوا: القدوس – مبارك هو – سيقول للمسيا ابن داود (ليت يُظهر نفسه قريباً، في أيامنا هذه) اسألني أي شيء وأنا أُعطيه لك، كما قيل إني “ِإنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ” مزمور 2: 7-8… إنه المسيا الملك] Soncino Talmud Edition

2 – مدراش رباه على سفر التكوين: Midrash Genesis Rabbah 44: 8 يقول [رابي يوناثان Rabbi Yonathan قال: ثلاثة أشخاص طُلب منهم أن يسألوا، هم: سليمان – آحاز – المسيا الملك. سليمان “فِي جِبْعُونَ تَرَاءَى الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ فِي حُلْمٍ لَيْلاً، وَقَالَ اللهُ: «اسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ».” ملوك الأول 3: 5 – آحاز “ثُمَّ عَادَ الرَّبُّ فَكَلَّمَ آحَازَ قَائِلاً: «اُطْلُبْ لِنَفْسِكَ آيَةً مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ. عَمِّقْ طَلَبَكَ أَوْ رَفِّعْهُ إِلَى فَوْق».” إشعياء 7: 11 – المسيا الملك “اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ” مزمور 2: 8 Soncino Midrash Rabbah – Vol.1, P.365- 366

3 – رابي إليعازر Rabbi Eliezer (من القرن التاسع)، يقول [كل الأمم والشعوب سيجمعون معاً ويقاومون المسيا الملك – ابن داود – كما قيل “قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” مزمور 2: 2 Prike de – Rav Eliezer, Section 28, Vol.2, P.123

 4 – راشي RaSHI (القرن الحادي عشر)، يقول […. فسّر الرابيون الكبار Rabbis أمور هذا المزمور كونها إشارة إلى المسيا الملك، ولكن أنا بحسب رأي أرى أن المعنى العام يمكن أن ينطبق على داود الملك نفسه] A Manual of Christian – Evidences for Jewish People (London: Vol.2. P.122 – 123) – Cited in Lukym Willians. يتبين لنا من هذا القول – بصورة غير مباشرة – أ، راشي يعترف بأن رأيه مخالفاً لرأي أغلب العلماء من الرابيين.

5 – مدراش على المزامير (من القرن الحادي عشر)، يقول […. “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” مزمور 2: 7، رابي حُنا Rabbi Huna يقول: الآلام قُسّمت إلى ثلاثة أجزاء: جزء أخذه البطاركة ابراهيم وإسحق ويعقوب، وأجيال البشرية من بعدهم. جزء آخر، أخذه الجيل الذي عاش في أيام إضطهاد هادريان. والجزء الأخير سيأخذه المسيا الرب. عندما يحين الوقت، القدوس – مبارك هو – سيقول: سأخلق المسيا، خليقة جديدة. كما تقول الأسفار عنه “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ”.

هذا معناه، أنه في يوم الخلاص العظيم، الله سيخلق المسيا… أما عن قوله “اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ.”…. فالله سيقول للمسيا: لو سألتني أن تخضع كل أمم الأرض لك، فسأعطيهم ميراثاً لك. وإن طلبت أن يمتد سلطانك على الأرض كلها، دفعتها ليدك] Midrash on Psalms, Translator: Willians G. Brande (Yale University Press, 1987, vol.1 – P.41 -44).

6 – رابي موشي بن ميمون (الشهير ب Maimonides – القرن الحادي عشر)، يقول [الأنبياء والأبراء تاقوا مدة طويلة إلى أيام المسيا، وتمنوا أن يكون مجيئه على الأبواب، كي يجمعهم معه، وينعموا بالبر الملوكي والعدل، وتسود الحكمة الحسنة. لأن الله قال له “أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” ] Manimonkeds Introduction to SangedrinK Vol.2 – Chapter 10, P.122(London:1919)

7 – رابي دافيد كمحي Rabbi David Kimchi (القرن الثالث عشر)، يقول [هناك من يفسّر هذا الجزء “قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” عن جوج وماجوج، أما “مسيحه” فهو المسيا الملك. أما عن قوله “قبلوا الابن” فلكي يخضعوا للمسيا. هذا هو تفسير معلمينا الكبار Rabbis، مبارك هو ذكرهم] Midrash on Psalms – Rich Robinson , Vol2, P.121 – (London).

8 – كتاب Yalkut (القرن الثالث عشر)، تعليقه على هذا المزمور يُشابه إلى حد كبير مدراش على سفر المزامير، حيث ورد في الكتاب الآتي […”إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي”. رابي حُنا Rabbi Huna قال بالنيابة عن رابي عيدي Rabbi Idi، قُسّمت الآلام إلى ثلاثة أقسام، واحدة منها من نصيب المسيا الملك، عندما تأتي ساعته، فالقدوس – مبارك هو – سيقول: ها أنا أصنع عهداً جديداً معه، ولهذا قال له “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ”. أما قوله “تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ” الآية 9 فهذا هو المسيا ابن يوسف] “Yalkut”, Section 621 A.Lukym Willians – Vol2, P.122 (London).

” أَنْتَ ابْنِي….قَبِّلُوا الابْنَ “

من بين الاسماء التي أُعطيت للمسيا لقب (ابن الله). وهذا اللقب طُبق على المسيا في هذا المزمور مرتين:

  • “قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” الآية 7
  • “قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ” الآية 12

هذا المسيا، الذي يجلس ملكاً على أورشليم، وملكه يمتد إلى أقاصي المسكونة، هو فريد من نوعه، إنه ابن الله، وهذا اللقب يختلف كل الاختلاف عن التعبير (أبناء الله) التي تُعبر إما عن الملائكة أو أبناء الله من البشر بالمعنى الروحي… الفرق هو: أن التعبير (ابن الله) في صيغة المُفرد، تُستعمل دائماً – وفقط – للتعبير عن المسيا. أما التعبير أبناء الله فهي دائماً تأتي في صيغة الجمع لتعبّر عن الملائكة أو أبناء الله من البشر، وهي لا تأتي أبداً في صيغة المفرد.

ومن جهة أخرى، فالمتكلم هنا هو الابن (المسيا)، حيث يقول “قَالَ (الله) لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” … إن الجزء الأول من هذه الآية يُشير إلى بنوة المسيح الأزلية، بنوته في اللاهوت أزلياً قبل الزمان “أَنْتَ ابْنِي”، بينما الجزء الثاني “أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” فهو يُشير إلى ولادته من العذراء مريم في ملء الزمان (غلاطية 4: 4)… وإلا لجاء الترتيب عكسياً وقال “أنا اليوم ولدتك. فأنت ابني”.

وكلمة الابن التي وردت في هذا المزمور مرتين، فقد استخدم الوحي الإلهي كلمتين مختلفتين، وكليهما بمعنى الابن:

  1. في الآية 7 “أَنْتَ ابْنِي” أُستعملت الكلمة العبرية “בן ب ن” مثل: يشوع بن نون – داود بن يسّى… إلخ
  2. في الآية 12 “قَبِّلُوا الابْنَ ” أُستعملت الكلمة الآرمية “בר ب ر” مثل يوسف بار سابا (أي يوسف ابن سابا) أعمال 1: 12 – يهوذا بار سابا (أي يهوذا ابن سابا) أعمال 15: 21- بارنابا (أي ابن الوعظ) أع 11 :22 – بار يشوع (أي ابن يشوع) أعمال 13: 6-8

والشيء الجميل أن التعبير الأول “أَنْتَ ابْنِي” وردت بالعبرية، لأن المسيح في مجيئه الأول وُلد تحت الناموس وجاء أساساً ليفتدي الذين هم تحت الناموس أي اليهود. أما في المرة الثانية “قَبِّلُوا الابْنَ” يرد اللفظ الآرامي الشائع بين الأمم، لأن المطلوب الآن من كل الشر – يهوداً وأمماً – أن يقبّلوا الابن، أي يتصالحوا مع الله الابن يسوع المسيح. ويُمكن القول أيضاً إن المرنم استخدم اللغة العبرية، لغة الوحي في الحديث عن البنوة في اللاهوت، بينما استخدم المرنم اللغة الآرامية، لغة الأمم للتعبير عن البنوة. كما سيراها العالم عندما يظهر المسيح بالجسد.

ونُلاحظ أن هذه الآية “أَنْتَ ابْنِي”، لا تُعلّم بأن الله جعل المسيا ابنه، ولا تقول إنه صار ابناً عندما تجسد… حاشا! فهو الابن الأزلي. ولقد اقتبس بولس الرسول هذه الآية ثلاث مرات، للتعبير عن شخص الرب يسوع:

  • “وَنَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِالْمَوْعِدِ الَّذِي صَارَ لآبَائِنَا، إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضًا فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ.” أعمال الرسل 13: 33.
  • “كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ».” عبرانيين 5: 5.
  • “لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ:«أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟” عبرانيين 1: 5.

وهنا يبين بولس الرسول، بكل وضوح، سمو السيد المسيح وتفوقه عن الملائكة. نعم أي ملاك قيل له بصيغة المفرد “أنت ابني”!! وهذا من أقوى الأدلة على مساواة الابن للآب.

كذلك قول المزمور “أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي.” الآية 6 بمعنى أقمت أو عيّنت…. لاحظ الفرق بين القولين: لكن لا يقول – قط – إنه قد عيّن ابنه أو أقام ابنه، ذلك لأنه هو الابن الأزلي… إن التعبير (الملك) يوضح لنا ما هو المسيح، بينما التعبير (الابن) يُوضح لنا من هو المسيح في ذاته. الأولى تحدثنا عن مجده الوظيفي كملك، اما الثانية فتحدثنا عن مجده الشخصي كابن.

ونلاحظ أن المسيح دُعي ليكون رئيس كهنة (عبرانيين 5: 4)، والله جعله “رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ” أفسس 1: 22، هذه كلها وغيرها أمجاد وظيفية للمسيح، لكننا لا نجد ولا مرة أن الله دعاه ليكون ابنه، أو أنه جعله ابناً له. فما أريد أن أُوصله إلى القارئ العزيز، أن البنوة ليست وظيفة. من كل ما سبق نخلُص إلى أنه كما أن الآب هو أزلي، فهكذا الابن الوحيد هو الابن من الأزل.

تفسير الرابيين لكلمة “ابن”

“قَبِّلُوا الابْنَ”، بعض الرابيين، اعترضوا على الكلمة الآرمية ” בר بَ ر”، والتي تُترجم إلى العربية ابن، وقالوا أنها لا تعني ابن. وحجتهم في ذلك تعتمد على نقطتين:

1 – يقولون لماذا كل المزمور كُتب باللغة العبرية، ما عدا هذه الكلمة كُتبت بالآرامية.

2 – كلمة “בר” تعني نقاوة أو طهارة أكثر مما تعني ابن، حيث يُمكن أن تكون الكلمة عبرية وليست آرامية.

وللرد على هذين الادعائين، نقول:

1 – الترجمة السبعينية: Septuagint

تمت هذه الترجمة في عهد بطليموس فيلادلفوس ( 285- 246 ق.م.)، فقد تُرجمت الأسفار المقدسة للعهد القديم من اللغة الأصلية العبرية إلى اللغة اليونانية… أي كانت قبل ظهور السيد المسيح بحوالي 300 سنة. وقد ترجم علماء اليهود بالاجماع هذا المزمور “قَبِّلُوا الابْنَ” واعتمدت الترجمة باليونانية هكذا، ومنها تمت الترجمة بكل اللغات: ففي العربي: قَبِّلُوا الابْنَ – وفي الإنجليزية “Kiss the son” – وفي الألمانية “KuBt dem Sohn  “. فليس لهؤلاء الرابيين أية حجة في أن يتهموا بأن هذه الترجمة هي من عندياتهم… أين كانوا هؤلاء الرافضون طوال هذه القرون.

2 – رابي ابن عزرا: Rabbi Ibn Ezra ראב”ע (القرن الثاني عشر):

 يقول [… أنا أرفض قبول إمكانية أن تكون كلمة בר تعني نقاوة أو طهارة، ولكن أميل إلى الترجمة التي اعتمدها مُعلمونا الكبار Rabbis، على كونها تعني الابن.. وهذا يتفق مع سياق الحديث، حيث أنها تعود على الشخص الممسوح المذكور في الآية الثانية، والابن المذكور في الآية السابقة أنت ابني] J. SarachekK “The Doctrine of the Messiah in Mediebal

Jewish Literature” (New York: Harmon Perss, 1968).

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

3 – رابي دافيد كمحي: Rabbi David Kimchi (القرن الثالث عشر):

 يقول [الكلمة בר هي شائعة الاستعمال بين الشعب اليهودي، رغم أنها آرامية، إلا أنها على قدم المساواة مع الكلمة (בן ب ن) وكليهما بمعنى ابن. وذلك كما ورد في سفر الأمثال “مَاذَا يَا ابْنِي؟ ثُمَّ مَاذَا يَا ابْنَ رَحِمِي؟ ثُمَّ مَاذَا يَا ابْنَ نُذُورِي؟” أمثال 31: 2. وعلى ذلك فالقراءة قبّلوا الابن يكون معناها مقبولاً، إذ يُقصد بها: قبّلوا الابن الذي دعاه الله ابن في قوله (أنت ابني)، أما الفعل قبّلوا فينبغي أن يُشرح على خلفية العادة الشائعة، في تقبيل العبيد ليد سادتهم أو التلميذ ليد مُعلمه.

لكن إذا أخذنا القراءة بمعنى نقاوة فهذا يعني: ماذا ينبغي أن أفعل معك؟ لأني نقي ، وليس فيّ جور أو ظلم حتى تأتي وتقاومني، ولكن هذا نصيبك أن تُقبلني وتعترف بأني الملك بقضاء إلهي. ولكن المعنى الأول أوقع]: “The Book of Psalms” A New Translation with Introductions (Grand Rapids: Zondervan, 1975) P.119 -120

4 – ترجمة Isaac Lesser: (القرن التاسع عشر):

ترجم Isaac Lesser 24 سفراً من أسفار العهد القديم، مع هوامش…. تُعتبر ترجمته من أدق الترجمات التي اعتمدها كبار علماء اليهود في هذا القرن. وفي هوامشه استعان بالمفسرين المعتبرين أعمدة تفسير العهد القديم لعلماء يهود. وكانت تعتبر معيار يُقاس عليها أي ترجمة أخرى منذ 1845 ميلادية، حتى ظهرت ترجمة أخرى سنة 1917 ميلادية. وفي مقدمة الترجمة التي وضعها Isaac Lesser  كتبت دار النشر التي تولت إعادة طباعة الترجمة: (Now York Hebrew Publishing Company): Leeser’s Translation Was The standard American Jish translation from 1845 until the Jewish Publication Society translation of 1917. 

هذا ولقد ترجم Leeser، الآية 12 من المزمور الثاني قبلّوا الابن Kiss the son

5 – بروفيسور Willen A. Van Gemeren، أستاذ العهد القديم:

(Professor of old Testament and Chairman, Dept. of O.T. studies Reformed Theological Seminary)

 يقول [أنا أنحاز للترجمة التقليدية (الابن)… فمن سياق الحدث في المزمور (الخضوع للرب وللشخص الممسوح)، فإن الرأي بأن الترجمة “قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ ….” هي أكثر واقعية في إنسجام المعنى، مما لو تُرجمت (نقي). ويبدو ا، المرنم قد استخدم الكلمة الآرامية בר بَ ر عمداً كونها موجهة مباشرة إلى الأمم الأجنبية الأخرى. هذا بالإضافة إلى أن استعمال المرنم בר (وتنطق bar penK، أي كلمة الابن بالآرامية + كلمة خشية أو لئلا) ليتفادى عدم انسجام النغم الشعري، لو قال בן (وتنطق ben pen أي كلمة الابن بالعبرية + كلمة خشية أو لئلا)]،   “In the Expositor’s Bible Commentary” Frank E. Gaebelein, Vol.5 (Grand Rapids: Zondervan, 1991),p.72.   

6 – كتاب “Zohar“:

يقول […. إنه الابن، الذي كُتب عنه “قَبِّلُوا الابْنَ”، “أنت ابني” و”الراعي الصالح”. وقد قال من أجله “قَبِّلُوا الابْنَ” لأنك أنت هو حاكم المسكونة، رأس إسرائيل، سيد الملائكة المُرسلة، ابن العلي، ابن القدوس والمبارك والمجد العظيم Shechinah].

 Shechinah”Zohar” Part3, folio 307, Amsterdan edition

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

اسم ابن الله

“مَنْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ؟ مَنْ جَمَعَ الرِّيحَ في حَفْنَتَيْهِ؟ مَنْ صَرَّ الْمِيَاهَ في ثَوْبٍ؟ مَنْ ثَبَّتَ جَمِيعَ أَطْرَافِ الأَرْضِ؟ مَا اسْمُهُ؟ وَمَا اسْمُ ابْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ؟ ” أمثال 30: 4

هذه النبوة تحتوي على ستة أسئلة، هي:

  1. من صعد إلى السموات ونزل؟
  2. من جمع الريح في حفنتيه؟
  3. من صرّ المياه في ثوبٍ؟
  4. من ثبّت جميع أطراف الأرض؟
  5. ما اسمه؟
  6. ما اسم ابنه؟

الأسئلة الأربعة الأُول، هي أسئلة تُطرح لمجرد جذب الانتباه والتأثير في النفوس، لا ابتغاء الحصول على إجابة.  وإجابة هذه الأسئلة واضحة، حيث أن الله وحده هو القادر لإنجاز هذه الأشياء. السؤال الخامس، سهل أيضاً، حيث أن اسم الله قد كُشف للناس في أسفار موسى، وقبل أن يُكتب سفر الأمثال بفترة طويلة. اسم الله هو “يهوه יהוה ي ه و ه” ومعناه “أنا هو الكائن والذي كان – أنا هو”.

حيث جاء في سفر الخروج “فَقَالَ مُوسَى للهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ». وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ” خروج 3: 13-15. (راجع رؤيا 1: 4-8/ 4: 8/ 11: 17/ 16: 5). وفي الترجمات الحديثة سواء العربية أو الإنجليزية تُرجمت “يهوه” ب “الرب”، “Lord”.

أما السؤال السادس، والذي هو في الحقيقة عسير على اليهود في هذا العصر أن يعرفوا الإجابة عليه “ما اسم ابنه؟”. هذا ولقد أخبرتنا الأسفار المقدسة في العهد القديم مسبقاً أن لله ابناً. وقد ورد ذلك صراحة مرتين، في المزمور الثاني، وفي هذه النبوة من سفر الأمثال. وقد تعرّفنا على أسماء عديدة للمسيا، كنا قد درسناها من قبل في العديد من النبوات مثل : عمانوئيل – الرب برّنا – الغصن – … إلخ.

هذا وقد كشف لنا العهد الجديد صراحة عن اسم ابن الله، وهو يسوع “وتدعو اسمه يسوع. لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم” متى 1: 21. وقد جاهر بطرس الرسول باسمه قائلاً: “يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحًا. هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ”. أعمال 4: 10-12.

نبوات المسيح في سفر المزامير – القمص روفائيل البرموسي

اللوحة المسمرة على صليب يسوع: المسيّا ملك اليهود

اللوحة المسمرة على صليب يسوع: المسيّا ملك اليهود

اللوحة المسمرة على صليب يسوع: المسيّا ملك اليهود

اللوحة المسمرة على صليب يسوع: المسيّا ملك اليهود

في مرقس 15: 26 ويوحنا 19: 19 تسجيل هام للتهمة الموجهة ليسوع فيقول انجيل مرقس “وكان عنوان علته مكتوبا: ملك اليهود.“ وانجيل يوحنا ذكر ان بيلاطس كتب عنواناً ووضعه على الصليب. وكان العنوان هو “يسوع الناصري ملك اليهود” فلقب ملك اليهود كٌتب على لوحه وضعت فوق رأس يسوع وهو معلق علي الصليب. هذا اللقب لم يعطي ليسوع اطلاقاً من قبل المسيحين. فهذا الحدث يشير الي الاحداث المحيطة بيسوع. وهذا اللقب يرجع لربط مفهوم المسيا بالملك فنجد الارتباط بلوقا 23: 2 حينما قال الجمع انه يقول عن نفسه انه المسيح الملك. وقد فهم بيلاطس الملك انه سينزع كرسيه وهذا مخالف لفكر المسيح المعلن في يوحنا 18: 36.

فهذا اللقب يوضح الاتي انه لم يتم القاء القبض علي يسوع وصلبه لكونه مجرد مشاغباً او يعكر سلام المجتمع. لكن صلب لأنه ادعي انه المسيا. ونحن نري ادله على هذا في كتابات يوسيفوس المؤرخ اليهود 62 بعد الميلاد عن يشوع ابن حنانيا الذي كان يقف دائما امام الهيكل ويصرخ بأشياء مشئومة. وتم القاء القبض عليه وعندما سئل عمن يكون ومن اين أتى. ولماذا يقول ما يقوله. لم يعطي اي اجابه على تلك الأسئلة فاعتبر مجنوناً وتم إطلاق سراحه. ويشوع ابن حنانيا لم يزعم انه هو المسيا.

المراجع بتصرف:

    Craig, William Lane. Reasonable Faith:  Christian Truth and Apologetics; Third Edition. Page 305, 306.

تابوت العهد ومسيح العهد ببيت لحم

تابوت العهد ومسيح العهد ببيت لحم

تابوت العهد ومسيح العهد ببيت لحم

في ايام داود الملك (مزمور 132)، الذي كان يريد ان يبني هيكل الله، وُجِد تابوت العهد -الذي هو يمثل حضور الله -في بيت لحم أفراته. لم يرتاح داود ولم يغفل حتى ذهب ومعه جيشه وإلى تابوت العهد لاسترداده. هذه القصة التاريخية، لا تمثل مجرد قصة تاريخية، ولكن قصة ذات بُعد نبوي وبُعد رمزي ايضا، صدق الكتاب عندما قال ان الكتاب كله نافع للتعليم (2تيموثاوس 3: 16).

تابوت العهد (هو البناء الرمزي) الذي اختاره الله لكي يمثل حضوره في العهد القديم، وهو من خلاله يتكلم (خروج 25: 10-22)، هو رمز واضح للمسيح. لاحظ ان التابوت هو مكان دفن الموتى (خروج 25: 10)، والمسيح قد جاء ليتنفذ فيه حكم الموت (متى 26: 28). لاحظ ايضا ان الله امر بصنع كاروبين على غطاء التابوت ويكون وجههما فى وجه بعض (خروج 25: 17-20)، وهذا حدث حرفيا فى قبر المسيح اذ كان الملاكان حوله عند الرأس وعند القدم (يوحنا 20: 12).

الله في العهد القديم كان يتكلم من بين الكاروبين على غطاء التابوت (خروج 25: 22)، والله في العهد الجديد تكلم وأعلن لنا رسالته من خلال المسيح الذي أعلن انه لم يتكلم من نفسه (يوحنا 12: 49). فإن كان التابوت يمثل -بشكل رمزي-حضور الله في العهد القديم، فإن المسيح يمثل حضور الله في العهد الجديد كما أعلن المسيح نفسه (يوحنا 14: 8-9)، هو الله الظاهر في الجسد.

البُعد النبوي لمزمور 132: داود (المحبوب) لم ينام ولم يرتاح حتى يصل إلى بيت لحم أفراته ليسترد تابوت العهد، وعندما وجده سجد له. وهذا حدث مرة اخرى وبشكل اكبر ، فاليهود كانوا في اشتياق شديد لمجئ المسيح وبالنبوات كانوا يعلمون انه سيولد في بيت لحم ، فعندما جاء المسيح للعالم ، ذهب اليه اليهود الرعاة ليسجدوا له (لوقا 2: 8-20) ، ليس فقط اليهود وانما الامم ايضا اذ عرفوا مكان ميلاد المسيح ليس بنبوة (ميخا 5: 3) وانما بالنجم الذى ظهر لهم واستقر فوق ميلاد المسيح و قد عرفوا عن هذا النجم من قبل (عدد 24: 17) ، ذهب اليه الامم وسجدوا له في بيت الخبز (متى 2: 1-12).

البُعد الرمزي لمزمور 132: يجب علينا نحن المؤمنين (المحبوبين) ان نستقبل المسيح فى بيت لحم (بيت الخبز) الذي في افراته ، ونسجد له بالروح والقلب . بيت لحم هو القلب، فنحن لن نرتاح ولن ننام إلا عندما نسترد المسيح الموجود في قلبنا والمقصود ان نجعله هو الملك على قلبنا فنسجد له، قال المسيح انه لا يقدر أحد ان يخدم سيدين (متى 6: 24)، لذا يجب ان ننحي شهواتنا جانبا ونجعل المسيح هو الرئيس في بيت لحمنا.

تابوت العهد ومسيح العهد ببيت لحم

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

 

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع هوية المسيا؟ – لي ستروبل

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع هوية المسيا؟ – لي ستروبل

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع هوية المسيا؟ – لي ستروبل

كان ذلك في أحد أيام السبت الهادئة الخالية من الإحداث فيبيت هيلر في شيكاغو. وكان كلارنس هيلر قد قضى فترة ما بعد الظهر في طلاء الزخارف الخشبية خارج منزلة ذو الطابقين والواقع غرب شارع 104 وفي أوائل المساء آوى هو وعائلته إلى الفراش. على أية حال، ما حدث لاحقا سيغير الفانون الجنائي في أمريكا إلى الأبد.

استيقظت عائلة هيلر في ساعات الصباح الباكر من يوم 19 سبتمبر سنة 1910 وساورهم الشك بأن مصباح الغاز القريب من حجرة نوم ابنتهم قد انطفأ. فذهب كلارنس هيلر ليتحقق الأمر. وسمعت زوجته سلسلة متتالية من الأصوات: شجار، سقوط رجلين على السلم، طلقتين ناريتين، اغلاق الباب الأمامي بعنف. وحينما ذهب، حيث مصدر الصوت، وجدت كلارنس هيلر ميتا عند أسفل السلالم.

ألقت الشرطة القبض على توماس جننجز، وهو لص منازل سبق أدانته، على بُعد أقل من ميل. وكان هناك دم على ملابسة وذراعه الأيسر المصاب، وقال، أن كل من الدم والإصابة حدثتا من جراء سقوطه على سيارة في الشارع ووجدوا في جيبه نفس نوع المسدس المستخدم في قتل كلارنس هيلر، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحددوا إن كان هل هو ذات السلاح المستخدم في القتل.

ولما كانوا يعرفون بأنهم محتاجين لمزيد من الأدلة لإدانة جننجز، قام المخبرون بمسح بيت القاتل بحثا عن أدلة إضافية.

أصبحت هناك حقيقة واحدة واضحة سريعا: إن القاتل دخل المنزل من خلال نافذة مطبخ خلفية. فخرج المخبرون إلى خارج المنزل، وهنا بجوار النافذة، وجدوا آثار مطبوعة، أربع بصمات أصابع من اليد اليسـرى لشخص، ولن تزول هذه الآثار، حيث طبعت على الطلاء التي قام به القتيل قبيل موته بساعات قليلة.

لقد كان دليل بصمات الأصابع فكرة جديدة في ذلك الوقت، بعد ان عرض حديثا في معرض شرطة دولي في مدينة سان لويس.

وحتى ذلك الوقت لم تكن بصمات الأصابع قد استخدمت كدليل لإدانة أي شخص بجريمة قتل في الولايات المتحدة.

وبالرغم من الاعتراضات القوية من محامي الدفاع الذين اعتبروا مثل هذا الدليل غير علمي وغير مقبول فإن أربعة من الضباط اثبتوا أن بصمات الأصابع الموجودة على الطلاء مطابقة تماما لبصمات جننجز ـ وهو وحده. وبعدها وجدت هيئة المحلفين أن جننجز مذنب وأيدت محكمة إلينوي العليا إدانته في حكم تاريخي وشنق فيما بعد(1).

إن الفرضية وراء دليل بصمة الإصبع بسيطة: فكل فرد لدية على أصابعه او اصبعها خطوط متقاطعة فريدة من نوعها. فعندما ‘تطبع بصمة على شيء ما فهي تتطابق مع نفس نمط الخطوط المتقاطعة على إصبع الشخص، وبذا يستطيع المحققين الانتهاء بيقين علمي بأن هذا الفرد بالذات قد لمس هذا الشئ.

في كثير من القضايا الجنائية، يعتبر تطابق بصمات الأصابع دليل محوري. أتذكر تغطيتي الصحفية لمحاكمة كانت بصمة واحدة لإصبع إبهام وجدت على غلاف سيلوفان لعلبة سجائر كانت العامل الحاسم في ادانة لص منازل عمرة عشرون عاما، بقتل طالبة في إحدى الكليات(2). وهذا ‘يبيّن كيف يمكن لدليل بصمات الأصابع أن يكون حاسماً وقاطعا.

حسناً، لكن ما علاقة هذا الأمر بيسوع المسيح؟

هو ببساطة ما يلي: هناك نوع آخر من الأدلة مماثل لبصمات الأصابع ويثبت بدرجة مذهلة من التأكيد أن يسوع هو حقا المسيا، المنظر لإسرائيل والعالم كله.

في الكتب المقدسة اليهودية، التي يدعوها المسيحيين “العهد القديم” هناك عشرات من النبوءات الكبرى حول مجئ المسيا، الذي سيرسله الله لخلاص شعبه. في الواقع، ‘تشكل هذه النبوءات بصمة الإصبع الرمزية التي يمكن للمسوح من الله وحده أن يتطابق معها. فبهذه الطريقة، يمكن للإسرائيليين أن يستبعدوا أي منحون و‘يصدّقون أوراق اعتماد المسيا الحقيقى.

والكلمة اليونانية للمسيا معناها المسيح. لكن هل كان يسوع حقاً هو المسيح؟ هل حقق هذه النبوءات التي كتبت قبل مولده بمئات السنين بشكل إعجابي؟ وكيف نعرف بأنه الشخص الوحيد على مدى التاريخ الذي تطابق مع بصمة الإصبع النبوية؟

هناك كثير من العلماء الذين نجد صفا طويلاً من الأحرف الأولى بعد أسمائهم، والذين كان بإمكاني أن أسألهم عن هذا الموضوع.

ومع ذلك فكنت أريد إجراء ‘مقابلة مع شخص أكاديمي نظري، وهذا ما قادني إلى مكان غير متوقع جداًّ في جنوب كاليفورنيا.

المقابلة التاسعة: لويس إس. لابيدس، ماجستير في عِلم لاهوت العهد القديم والساميات؛ ماجستير في اللاهوت

عادة ما تكون الكنيسة الموقع الطبيعي لاستجواب شخص ما حول مسألة تتعلق بالكتاب المقدس. لكن كان هناك شيء مختلف في الجلوس مع القس لويس لابيدس في قاعة المصلين في الصباح بعد اجتماع العبادة ليوم الأحد. فهذا الوضع من المقاعد والزجاج الملون ما يمكن توقع أن يوجد فيه ولد يهودي لطيف من نيويورك، نيوجيرسي.

ومع ذلك فهذه هي خلفية لابيدس. وبالنسبة لشخص له ميراثه، فإن السؤال عما إذا كان يسوع هو المسيا الذي طال توقعه، يعتبر أبعد من أي نظرية أو رأي. فهو سؤال شخصي جداً، وقد بحثت عن لابيدس لكي أستطيع أن أسمع قصة بحثه الخاصة لهذه المسألة الخطيرة والحساسة.

نال لابيدس شهادة البكالوريوس في علم اللاهوت من جامعة دالاس المعمدانية، بالإضافة إلى ماجستير في اللاهوت، وماجستير في علم لاهوت العهد القديم واللغات السامية من معهد تالبوت اللاهوتي. وعمل لمدة سبع سنوات كمعلم للحلقات الدراسية ” السير على هدي الكتاب المقدس “. كما كان أيضا الرئيس السابق لشبكة وطنية مكونة من خمس عشرة طوائف مسيائية (نسبة إلى المسيا).

كان لابيدس نحيفاً، يرتدي نظارة، وله صوت ناعم لرقيق، وابتسامة سريعة وضحكة حاضرة. وكان متفائلاً وموديا عندما أرشدني إلى كرسي بالقرب من واجهة مؤسسة بيث إربيل في مدينة شيرمان أوكس، بولاية كاليفورنيا. لم أرد البدء بمناقشة الفروق الكتابية الدقيقة؛ وبدلاً من ذلك بدأت بدعوة لابيدس بمشاركتي بقصة رحلته الروحية.

طوى يديه في حضنه، ونظر إلى الحوائط الخشبية الداكنة للحظة عندما قرر من أين يبدأ، ثم بدأ يحكي بوضوح حكاية غير عادية أخذتنا من نيويورك إلى قرية جرينتش إلى فيتنام إلى لوس انجيلوس، من الشك إلى الايمان، زمن اليهودية إلى المسيحية، ومن يسوع كعديم الأهمية إلى يسوع كالمسيا.

ثم بدأ حديثة قائلاً ” كما تعرف، جئت من عائلة يهودية، وحضرت في معهد يهودي محافظ لمدة سبع سنوات استعدادا لعيد البلوغ.

ومع إننا كنا نعتبر هذه الدراسات مهمة جداً، فإن إيمان عائلتي لم يؤثر كثيراً على حياتنا اليومية. فلم نكن نتوقف عن العمل في يوم السبت؛ ولم يهتم بيتنا ” بالكوشر1  Kosher “.

ثم ابتسم ” على اية حال، في الأيام المقدسة الكبرى كنا نذهب إلى المعبد اليهودي الأرثوذكسي الأكثر صرامةً، لأن والدي كانٍ يشعر أن هذا هو المكان الذي تذهب إليه إذا أردت أن تكون تقياً وجاداً مع الله!”.

وعندما قاطعته لكي أسأله عما علمهُ أبويه عن المسيا، كانت إجابة لابيدس واضحة ” لم يحدث هذا أبداً، لقد كنت ميالاً إلى الشك. وفي الوقع ظننت أني فهمة فسألته ” هل تقول إن موضوع المسيا لم يكن حتى يناقش مع عائلتك؟ “.

فكرر إجابته قائلاً ” ابداً، أنا حتى لا أتذكر بأن هذا الموضوع قد سمعت عنه في المدرسة العبرية “.

لقد كان مدهشاً لي، فسألته ” وماذا عن يسوع؟ هل كان في أي وقت لحديثكم؟ هل استخدم أسمه؟ “.

فقال مازحاً ” الطريقة الوحيدة التي ذكر بها أسم يسوع كانت بشكل انتقاصي! أساسا، لم نناقشه أبداً. أما انطباعاتي عن يسوع فقد نشأت من رؤية الكنائس الكاثوليكية: كان هناك الصليب، وإكليل الشوك، والجنب المطعون، والدم النازل منٍ رأسه.  ولم يكن لهذا أي معني عندي. لماذا تعبدون رجلاً مصلوباً على الصليب والمسامير في يديه وفي قدميه؟ لم أفكر أباً، ولو مرة واحدة، بان يسوع كان له أي صلة بالشعب اليهودي. لكنني اعتقدت فقط أنه كان إلها للأمم (غير اليهود).

  • قد يكون اللحم المذبوح بحسب القواعد الصارمة بالشريعة اليهودية، حيث تنزع منه كل الأشياء غير النظيفة، وحين يذبح يجب أن ُيصفّى دمه كلياً، قاموس أدبيات ومعتقدات شعوب العالم، مكتبة دار الكلمة، مصر القاهرة، 2004.

“إن الشعوب الني لم تكن يهودية (الأمم)، كان يُنظر إليهم كمرادفين للمسيحيين، وعلمونا أن نحترز لأنة من الممكن أن هناك معاداة للسامية بين الأممين” قال ذلك بطريقة دبلوماسية نوعاً ما.

واصلت تتبع الموضوع ” هل تقول أنك كونت مواقف سلبية نحو المسيحيين؟ “

في هذه المرة لم يفتت الكلمات، فقال ” نعم، في الحقيقة فعلت ذلك. فيما بعد، عندما ُقدم لى العهد الجديد لأول مرة، بصدق اعتقدت بأنه سيكون أساسا كتيباً عن معاداة السامية: كيفية كراهية اليهود، كيفية قتل اليهود، وكيفية ذبحهم. واعتقدت أن الحزب النازي الأمريكي سيستريح لاستخدامه كمرشد “.

هززت راسي، وحزنت وشعرت بالأسى حين فكرت في كم عدد الأطفال اليهود الآخرين الذين نشأوا وهم يعتقدون أن المسيحيين أعدائهم.

مسعى روحي يبدأ

لابيدس ذكر عدة أحداث أضعفت ولأنه لليهودية فيما كان يكبر.

ولما كنت متشوقاً لمعرفة التفاصيل، طلبت منه التوسع، فاتجه مباشرة وبشكل واضح إلى الحادثة الأكثر فاجعة في حياته.

فقال:”أنفصل والدي عن والدتي حين كان عمري سبعة عشر عاما ” ولدهشتي أنه بعد كل هذه السنين مازلت أستطيع تبين جرح في صوته “.  في الواقع أن هذا الحدث أحدث طعنة في أي قلب متديَن التي لربما كانت لديّ. وتساءلت: من أين يأتي الله؟ لمَ لم يذهبا إلى الحاخام للاستشارة؟ أي صلاح للدين إذا لم يستطيع مساعدة الناس على نحو عملي؟ لقد كان من المؤكد بأن أبوأي لن يستطيعا الاستمرار معاً. وعندما انفصلا، أنفصل جزء مني أيضاً.

” وفوق كل ذلك في اليهودية لم اشعر كأن كان لديَ علاقة شخصية مع الله. كانت لديَ شعائر وتقليد جميلة، ولكنه كان إله جبل سيناء البعيد

والمُنفصل الذي قال ” ها هي القوانين (الوصايا العشر)، ستعيشون بها وستكونون على ما يرام، وسأراكم فيما بعد “. وهناك كنت أنا، مراهق بهرمونات مهتاجة، يتساءل: ” هل الله على علم بكفاحي وصراعاتي؟ هل يهتم بي كفرد؟ حسناً، لم أرى شيئاً مُطلقاً من هذا “.

دفع الطلاق ببدء مرحلة من التمرد. أولع بالموسيقى وتأثر بكتابات جاك كيروواك وتيموثي ليري، وقضي وقتاً أكثر من اللازم في مقاهي قرية جرينتش فلم يستطع الالتحاق بالكلية، مما جعله ُعرضة للخدمة العسكرية. وفي سنة 1967 وجد نفسه في الجانب الآخر من العالم في سفينة شحن عليه حمولة متفجرة، ذخيرة، وقنابل، وصواريخ، ومتفجرات قوية أخرى ـ مما جعلها هدفاً مغرياً للمحاربين الفيتناميين.

” أتذكر ما قيل لنا من توجيهات في فيتنام، عشرون بالمائة منكم يحتمل أن يقتلوا، والثمانون بالمائة سُيصابون بأمراض تناسلية أو مدمني خمور أو مدمني للمخدرات “. اعتقدت، انه ليس لي فرصة حتى واحد بالمائة من العودة بحالة طبيعية!

” لقد كانت فترة مظلمة جداً. شاهدت فيها صنوف العذاب، ورأيت جثثاً في أكياس، وشاهدت دمار الحرب. وصادفت معاداة السامية بين بعض الناس. قليل منهم من الجنوب حرقوا صليباً في إحدى الليالي. لربما رغبت في إبعاد نفسي عن هويتي اليهودية لربما، لهذا بات بالتنقيب في الديانات الشرقية “.

قرأ لابيدس كتباً عن الفلسفات الشرقية وزار المعابد البوذية حينما كان في اليابان. ” لقد تضايقت جداً للشرور التي رأيتها وكنت أحاول أن اكتشف كيف يستطيع الإيمان أن يتعامل معها. لقد اعتدت القول: لو كان هناك إله فلا يهمني إن كنت سأجده على جبل سيناء أو جبال فوجي. فسأقبله بأي طريقة”.

خرج حياً من فيتنام، وعاد إلى الوطن مولعاً بطعم جديد اكتشفه في المار جوانا وخططا ليصبح كاهناً بوذيا. حاول أن يعيش حياة الزهد وإنكار الذات في محاولة جاهدة للتخلص من الكارما)2( السيئة لآثام ماضية، ولكن سرعان ما أدرك بأنه لن يستطيع أبداً التعويض عن كل أخطائه.

سكت لابيدس لحظة ثم قال ” أصبحت مُكتئباً، وأتذكر أني ركبت مترو الأنفاق وبدأـ بالتفكير، لربما كان الحل هو القفز فوق الأحداث. يمكنني من أن أتحرر من هذا الجسد وأتحد بالله.  ولقد كنت مرتبكاً جداً. ومما زاد سوءاً إني بدأت أجري تجارب بتعاطي مخدر اسمه LSD “.

وبحثا عن بداية جديدة، قرر الانتقال إلى كاليفورنيا، حيث استمر في مسعاه الروحي ” ذهبت إلى الاجتماعات البوذية، ولكنها كانت فارغة. فالبوذية الصينية كانت إلحادية، والبوذية اليابانية تتعبّد لتماثيل بوذا، وبوذية الزن مراوغة جداً. وذهبت إلى اجتماعات العلموية (حركة دينية علمية)، ولكنهم كانوا متلاعبين ومسيطرين.

وكان الهندوس يؤمنون بكل هذه الطقوس العربيدة التي كانت لدى الآلهة وفي الآلهة التي كانت عبارة عن أفيال زرقاء. لا شيء من كل هذا بدأ معقولاً؛ لا شيء يمكنه أن يُرضي، ويُشبع النفس “.

وزادت أحواله سوءاً حتى كان يصطحب أصدقاء إلى اجتماعات لها اتجاهات شيطانية خفية. ” كنت أراقب وأشاهد وأفكر. إن شيئاً ما يحدث هنا، لكنه ليس جيداً، وفي وسط عالمي المجنون بالمخدرات، أخبرت أصدقائي أن هناك قوة شريرة تفوق طاقتي، وتستطيع أن تعمل في داخلي، ومتواجدة في كياني.لقد رأيت في حياتي شروراً كافية لأعتقد ذلك”. وبابتسامة ساخرة قال ” أظن أني قبلت وجود الشيطان، قبل قبلت الله”.

____________

(2) هي كلمة سنسكريتية تعني “الفعل”و”المصير”، وتعد مصطلحاً هاماً في التراث الديني الهندي حيث تشير إلى مجمل أفعال الشخص في واحد من حالات الوجود المتعاقبة، وهي تفرر ما سيكون وضعه في الحالة التي تعقب وجودة الحالي، وهي التي تحددت بالحالة السابقة.] قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم، مكتبة دار الكلمة، مصر القاهرة،2004 [

“لا يمكنني” الإيمان بيسوع

      في سنة 1969 دفع فضول لابيدس لزيارة قطاع “سنست ستريب” للتحديق في داعية إنجيلي كان قد قيًد نفسه بسلسلة في صليب طوله 8 أقدام للاحتجاج، على ألطريقه التي تمكن بها أصحاب حانة محلية التي تسببت في طردة من الدير. وكان هناك على الرصيف صادف لابيدس بعض المسيحيين الذين شاغلوه في نقاش روحي مرتجل.

ولكونه كان مغروراً. بدأ يقذفهم بأفكار الفلسفة الشرقية، وقال لهم وهو يشير إلى السماء “ليس هناك إله. نحن الله. أنا الله. وأنتم الله. فقط عليكم أن تدركوا ذلك”.

فأجابه أحد الأشخاص “حسناً، إذا كنت أنت الله، فلماذا لا تخلق صخرة؟ فقط أظهر أي شيء: أي شيء مما يفعله الله”.

وبعقله المشوش بسبب المخدرات، تخيل أنه ماسكاً بيده صخرة فقد مد يده الفارغة قائلاً ” حسناً، ها هي الصخرة”.

فضحك المسيحي ساخراً “هذا هو الفرق بينك وبين الله الحقيقي. عندما يخلق الله شيئاً، يستطيع كل فرد أن يراه. فهو شيء ملموس وليس شيء وهمي”. وهنا تسجلت هذه الفكرة مع لابيدس. وبعدما فكّر فيها قليلاً، قال لنفسه، لو وجدت الله فلابد أن يكون ملموساً. لقد انتهيت من هذه الفلسفة الشرقية ومللتها وهي التي تقول إن كل شيء موجود في عقلي وأنني أستطيع خلق حقيقي. إن الله لابد أن يكون حقيقة ملموسة إذا كانت سيكون له معنى يفوق مستوى خيالي.

وعندما ذكر أحد المسيحيين إسم يسوع، حاول لابيدس التخلص منه بالجواب الذي طال اختزانه “أنا يهودي، لا أؤمن بيسوع”.

وهنا تكلم القس وسأله ” هل تعرف بالنبوءات حول المسيا؟

لكن لابيدس فوجئ بهذا السؤال فقال له”نبوءات؟ أنا لم اسمع عنها أبداً”.

وفاجأ الداعية لابيدس بالإشارة إلى بعض نبوءات العهد القديم.

تفكر لابيدس ثم قال له “إنتظر دقيقة! تلك كتبي اليهودية المقدسة التي اقتبس منها! كيف يمكن ليسوع أن يكون هناك”.

فلما قدم له الداعية الكتاب المقدس، كان لابيدس مرتاباً، فسأله “هل به العهد الجديد؟ فأومأ الداعية برأسه موافقاً فقال لابيدس “حسناً، سأقرأ العهد القديم، لكن لن افتح الأخر”.

وإندهش من رد الداعية الذي قال له حسناً، اقرأ العهد القديم فقط وإسأل إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، إله إسرائيل ليريك إن كان يسوع هو المسيا. لأنه مسيحك المنتظر. جاء إلى الشعب اليهودي أولاً ثم كان أيضاً مخلص العالم”.

بالنسبة للابيدس، كانت هذه معلومات جديدة. معلومات مثيرة، معلومات مدهشة. لذا عاد إلى شقته، وفتح العهد القديم من أول سفر، سفر التكوين، وراح يبحث عن يسوع بين الكلمات التي كانت قد كتبت من مئات السنين قبل أن يولد نجار الناصرة.

 ” مَجْرُوحٌ لأجْلِ مَعَاصِينَا

 ثم قال لابيدس “سرعان ما بدأت بقراءة العهد القديم كل يوم وأرى نبوءة بعد أخرى. فمثلاً، تحدث سفر التثنية عن نبي أعظم من موسى سوف يأتي ويجب أن نستمع إليه. أنه المسيا، شخص عظيم ومحترم مثل موسى، ولكنه معلم أعظم وذو سلطان أعظم. فأمسكت بهذه النبوءة ورحت ابحث عنه”.

وكلما تقدّم لابيدس في قراءة الكتاب المقدس. توقف مذهولاً عند سفر أشعياء الإصحاح 53. بوضوح ودقة، وفي نبوءة متكررة ومغلفة بشعر متقن، كانت هذه صورة المسيا الذي سيتألم ويموت من أجل خطايا إسرائيل والعالم، كلها كتبت قبل حضور يسوع إلى الأرض بأكثر من سبعمائة عام.

3 مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. 4 لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. 5وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. 6 كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. 7 ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. 8 مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ 9 وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ.

12 لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. أشعياء (53: 3- 9  ،12)

وفي الحال تعرّف لابيدس على الصورة: هذا هو يسوع الناصر]! الآن بدأ يفهم الصور التي رآها في الكنائس الكاثوليكية التي مر بها وهو طفل: يسوع المتألم، يسوع المصلوب، يسوع الذي أدرك الآن أنه ” مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا ” كما أنه ” وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا “.

ومثلما سعى اليهود في العهد القديم للتكفير عن خطاياهم من خلال نظام الذبائح الحيوانية، فهنا يسوع، الحمل الذبيحة النهائية من الله، الذي دفع ثمن خطايانا مرة والى الأبد. وهنا كان تجسيد خطة الله للخلاص.

لقد كان هذا الاكتشاف مدهشاً جداً لدرجة أن لابيدس إستطاع أن يتوصل إلى استنتاج واحد فقط: إنها كانت خدعة! فقد أعتقد بأن المسيحيين أعادوا كتابة العهد القديم وحرفوا كلمات أشعياء ليجعلوها تبدو كأن النبي كان يتنبأ عن يسوع.

وشرع لابيدس ليكشف عن هذه الخدعة”سألت زوجة أبي أ، ترسل إلى نسخة من الكتاب المقدس اليهودي وبذا يمكنني أن أتأكد بنفسي. وفعلاً أرسلت الكتاب المقدس، فهل يمكنك أن تخمن؟ وجدته يقول نفس الشيء! الآن أنا مضطر أن أتعامل معه”.

يهودية يسوع

مرة بعد أخرى يصادف نبوءات في العهد القديم، أكثر من أربع دزينات (48) من النبوءات الكبرى إجمالاً. وقد كشف أشعياء طريقة ميلاد المسيا (من عذراء)؛ وحدد ميخا مكان ميلاده(بيت لحم)وحدد سفري التكوين و أرميا سلسلة النسب (من إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبط يهوذا، من بيت داود)؛ وتنبأت المزامير بمن سيخونه، واتهامه من قبل شهود زور، وطريقة موته (مثقوب في يديه وقدميه، مع أن الصلب لم يكن قد إخترع وقتئذ)، وقيامته (لن يفسد حسده بل سيصعد إلى السموات) وهكذا وبدون توقف(3) كانت كل نبوءة تُكسّر شكوكية لابيدس حتى أصبح أخيراً مستعداً لان يتخذ الخطوة الحاسمة.

“قررت فتح العهد الجديد وأقرأ الصفحة الأولى فقط”.

وبارتعاش انتقلت ببطئ إلى إنجيل متى وأنا ناظر إلى السماء منظراً صاعقة البرق أن تهبط علىَّ!”.

وقفزت كلمات متى الأولى من صفحة الإنجيل حيث يقول “كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ….”. فاتسعت عينا لابيدس حين تذكر لحظة قراءته لهذه الجملة لأول مرة”فكرت ـ واو! إبن إبراهيم وإبن داود، كل الأشياء متوافقة معاً! وعدت إلى قصص الميلاد وفكرت. أنظر إلى هذه الجملة.إن متى يقتبس من النبي أشعياء14:7 “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» وبعد ذلك يقتبس من النبي أرميا، وجلست هناك أفكر. أنت تعرف أن هذه عن الشعب اليهودي. فأين يبدأ الكلام عن الأمم (غير اليهود)؟ ماذا يحدث هنا؟

“وهنا لم أستطع أن أترك الكتاب. بل قرأت باقي الأناجيل كلها، وأدركت بأنها ليست كتيب للحزب النازي الأمريكي، بل كانت تفاعلاً بين يسوع والمجتمع اليهودي. ثم وصلت إلى سفر الأعمال، وهذا شيء لا يمكن تصديقه! لقد حاولوا أن يبينوا بوضوح كيف استطاع اليهود أن يوصلوا قصة يسوع إلى الأمم (غير اليهود).

حديث عن تبادل الأدوار!

لقد كانت النبوءات التي تحققت مقنعة لدرجة أن لابيدس بدأ يخبر الناس أنه آمن بأن يسوع هو المسيا. وفي ذلك الوقت، كان هذا مجرد احتمال عقلاني بالنسبة إليه، ومع ذلك فما تضمنه من معاني كانت مقلقة للغاية.

“أدركت أنني لو قبلت يسوع في حياتي، فلابد أن تحدث بعض التغيرات في طريقة معيشتي”. ثم أوضح قائلاً “لابد أن أعالج مشاكل المخدرات، والجنس، وغيرها. ولم أفهم أن الله سيساعدني في إتمام هذه التغيرات؛ واعتقدت بأني يجب أن أنظف حياتي بنفسي، بمفردي”.

الغطاس في الصحراء

  توجّه لابيدس وبعض أصدقاؤه إلى صحراء موجاف للنزهة. وقد كان روحياً يشعر بصراع نفسي. فقد انتابته كوابيس التي رأى فيها الكلاب تمزقه وتنهشه من اتجاهات متقابلة. وبينما كان جالساً بين الأشجار الصحراوية، تذكر كلمات قالها له شخص يوم ذهب إلى سنست ستريب” إما أن تكون مع الله أو مع الشيطان”.

لقد أمن بالشر ومتضمنا ته، ولم يكن هذا هو الجانب الذي أراد أن يكون معه. لذا صلى لابيدس ” يارب، يجب أن أضع حداً لهذا الصراع. يجب أن اعرف دون أي ظل من الشك أن يسوع هو المسيا. أحتاج أن أعرف، أنك كإله إسرائيل، تريدني أن أؤمن بهذا”.

وبينما حكي لي هذه القصة، تردد لابيدس حيث كان غير متأكد كيف يعبر بالكلمات عما حدث بعد ذلك. ومرت لحظات قليلة. ثم قال لي “أفضل ما استجمعه من تلك التجربة هو أن الله تكلم إلى قلبي، بطريقة ملموسة. وأقنعني، بشكل اختباري أنه موجود. وعند تلك النقطة، وأنا في الصحراء، قلت في قلبي “يارب، أنا أقبل يسوع في حياتي. لكني لا أفهم ما هو مفروضاً أن أفعلة معه، ومع ذلك فإني أريده. لقد أفسدت حياتي كثيراً جداً، واحتاجك يارب لأن تغيرني”.

وفعلاً بدأ الله بالقيام بتلك العملية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.        ” عرف أصدقائي أن حياتي قد تغيرت، ولم يستطيعوا أ، يفهموا ذلك. فهم يقولون لي أن شيئاً ما قد حدث لك في الصحراء. فأنت لا تعد راغباً في تعاطي المخدرات. هناك شيء مختلف فيك؟”

“فأقول لهم، حسناً، أنا لا أستطيع تفسير ما حدث. فكل ما أعرفه أن هناك شخص في حياتي، وهذا الشخص قدوس، وبار، وهو مصدر الأفكار الإيجابية عن الحياة، وأنا اشعر فقط بكل هذا”.

هذه الكلمة الأخيرة، بدا وكأنه كل شيء. “بكل هذا” أما هو فأكد لي “كل هذا بطريقة لم أشعر بها أبدا من قبل”.

وبالرغم من التغيرات الإيجابية، فقد كان مهتماً بتبليغ هذا الخبر لوالديه. وعندما أبلغهما أخيراً، كان رد فعلهما متفاوتا. “في بادئ الأمر كانا فرحين لأنهما عرفا أنني لم أعد معتمداً على المخدرات، وأنني بدوت أفضل بكثير نفسيا” وبعد ذلك تذكر ما حدث “لكن هذا الابتهاج بدأ بالتحلل عندما فهما مصدر كل هذه التغيرات. فجفلوا، كما لو كانوا يقولون: ولماذا يجب أن يكون يسوع؟ ولماذا لا يمكن أن يكون شئ آخر؟ ولم يعرفوا ماذا يمكنهم أن يفعلوا”.

ثم أضاف بصوت فيه نبرة من الحزن” مازلت غير متأكد بأنهم يفعلون شيئاً”.

ومن خلال سلسلة من الظروف الغير عادية، حصل لابيدس على استجابة للصلاة من أجل الحصول على زوجة حين قابل ديبورا، التي كانت يهودية أيضا ومن أتباع يسوع.فأخذته إلى كنيستها، التي أتضح إنها نفس الكنيسة التي يرعاها الداعية الذي كان قد قابله قبل ذلك بشهور كثيرة في سنست ستريب الذي حفز لابيدس لقراءة العهد القديم. وهنا ضحك لابيدس”يمكنني أخبارك، لأنه شُدهّ عندما رآني أدخل الكنيسة!”

وكان جماهير المصلين كثيرين وكان من بينهم راكبو الدراجات البخارية فيما قبل، ومن مجموعات الهيبز السابقين، ومدمنين سابقين للمخدرات من هذا القطاع، وكان بيتهم عدد من أهالي الجنوب سيئ السمعة جاءوا واستقروا. وبالنسبة للشاب اليهودي من نيو أرك الذي كان منطقياً خجولاً جداً من الذين مختلفون عنه، بسبب معاداة السامية التي كان يخشى أن يصادف، قد إستراح عندما تعلم أن يسمي مثل هذه المجموعة المتباينة”إخوة وأخوات”.

تزوج لابيدس من ديبورا بعد عام من لقائهما. ومنذ ذلك الحين أنجبا ولدين. ثم أنجبا معا مؤسسة بيث أريل، وهي عبارة عن مأوى لليهود وغير اليهود(الأمم) الذين وجدوا الكمال في المسيح.

الرد على الاعتراضات

أنهى لابيدس قصته في كرسيه. أما أنا فتركت الزمن يتباطأ. وكانت قاعة الكنيسة هادئة تبث السلام في النفس؛ وكان الزجاج الملون يتوهج باللون الأحمر والأصفر والأزرق بشمس كاليفورنيا. جلست أتأمل في قوة قصة شخص واحد عن إيمان وجدة. وعجبت لهذه القصة المليئة بالصراع والمخدرات، وقرية جرينتش وقطاع سنست ستريب والصحراء القاحلة، التي لا يمكني ربطها بالقس اللطيف المنضبط الجالس أمامي.

ولكني لم أرد تجاهل الأسئلة الواضحة التي أثارتها قصته. وبعد استئذان لابيدس بدأت أساله السؤال الرئيسي الذي خطر ببالي “إذا كانت النبوءات واضحة جداً أمامك وأشارت بطريقة لم تدع مجالاً للشك ـ إلى يسوع ـ فلما لا نجد مزيداً من اليهود يقبلون يسوع كالمسيا لهم؟”.

لقد سأل لابيدس نفس السؤال طوال الثلاثين عاماً منذ أن تحداه رجل مسيحي للتحقق في الكتب اليهودية المقدس. فقال لي “في حالتي، فقد تأنيت في قراءتهم. ومن الغريب، أنه مع أن اليهودي معروف عنهم الذكاء الفائق، إلا أنهم في هذه المسألة لديهم الكثير من الجهل.

“علاوة على ذلك، هناك مؤسسات للتبشير المضاد والتي تعقد حلقات دراسية في الجامع والمعابد اليهودية لمحاولة تفنيد النبوءات المسيائية. فاليهود يسمعوها ويتخذوها حجة لعدم استكشاف النبوءات بأنفسهم. ويقولون “إن الحاخام قال لي ليس هناك شئ من هذا القبيل” وحين أسألهم” هل تظنون أن الحاخام قدم اعتراضا لم تسمع به المسيحية من قبل؟ أعني أن العلماء قد ظلوا يبحثون في هذا الموضوع لمدة مئات السنين! هناك أدب كثير وكتب عظيمة وإجابات مسيحية قوية على هذه التحديات، فلو كانوا بهذا الموضوع فسأساعدهم على مزيد من البحث”.

ولقد تعجبت من نبذ المجتمع الذي يواجهه شخص يهودي إذا أصبح هو أو هي مسيحيا. فقال لابيدس “إن هذا بالتأكيد أحد العوامل، فإن بعض الناس لا يسمحون للنبوءات المسيائية أن تلفت نظرهم لأنهم خائفون من الارتداد الذي يؤدي إلى النبذ عن عائلاتهم والمجتمع اليهودي. وهذا ليس من السهل مواجهته صدقني، أما أعرف ذلك”.

ورغم ذلك، فإن بعض التحيات للنبوءات تبدو مقنعة جداً عندما يسمها شخص لأول مرة. ولذلك فقد وجهت أكثر التحديات شيوعاً إلى لابيدس واحدة بعد الأخرى لأرى كيف سيرد عليها.

  1. مجادة الصدفة

  أولاً، سألت لابيدس إن كان من الممكن أن تحقيق يسوع للنبوءات قد يكون مجرد صدفة. لربما يكون أحد الكثيرين على مدى التاريخ الذين توافقوا بالصدفة مع بصمة إصبع النبوءات.

جاء رَدَّة “إنها ليست صدفة، فإن الإحتمالات كثيرة العدد لدرجة أنها تحسم هذه النقطة. وقد حسبها شخص فوجد أن احتمال مجرد تحقق ثمانية نبوءات هي صدفة أو فرصة واحدة في مائة مليون بليون. وهذا العدد أكبر بملايين المرات من عدد جميع الناس الذين عاشوا على هذا الكوكب حتى الآن!

“وحسب هذا العدد أنك إذا أخذت هذا العدد بالدولارات الفضية، فستغطي ولاية تكساس إلى عمق قدمين. فلو وضعت علامة على واحد من هذه الدولارات الفضية ثم أحضرت شخصاً مغمض العينين وطلبت منه التجول في كل أنحاء الولاية ويلتقط هذه العملة المحددة، ماذا تكون الإحتمالات لوصله للعملة التي وضعت عليها العلامة؟”.

وبهذا فإنه يعتبر أجاب على سؤاله بنفسه: “إنه نفس عدد الإحتمالات التي يمكن لأي شخص في التاريخ لأن يحقق ثمانية فقط من هذه النبوءات”.

لقد درست هذا التحليل الإحصائي نفسه من قبل عالم الرياضيات بيتر دبليو ستونر عندما كنت أبحث في النبوءات المسيائية لنفسي. وإن ستونر قد حسب أيضا أن أحتمال تحقق ثمان وأربعون نبوءة كان فرصه واحدة في تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون!(4)

 إن عقولنا لا تستطيع أن تستوعب عدداً بهذا الحجم. وهذه إحصائية مذهلة لدرجة أنها مساوية لعدد الذرات الدقيقة جداً في تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، بليون من الأكوان ضعف حجم الكون الذي نعيش فيه!

واختتم لابيدس الكلام قائلاً” إن الإحتمالات وحدها تقول إنه من المستحيل لأي شخص أن يحقق نبوءات العهد القديم. ومع ذلك فإن يسوع، ويسوع وحدة، عبر كل قرون التاريخ، إستطاع أن يحققها”.

وهذا قفزت إلى رأسي كلمات بطرس الرسول ” وَأَمَّا اللهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ، قَدْ تَمَّمَهُ هكَذَا” (أعمال 18:3).

2.مناقشة مسألة الإنجيل المحرف

رسمت سيناريو آخر للابيدس، فسألته” أليس من الممكن أن كُتّاب الأناجيل اختلقوا تفاصيل لُظهروا أن يسوع حقق النبوءات؟”

“فمثلاً تقول النبوءات أن عظام المسيا ستبقى سليمة ولن تُكسر، لذلك فربما يوحنا أخترع قصة أن الرومان كسروا سيقان اللصين اللذين صلبا مع يسوع ولم يكسروا سيقانه. والنبوءة التي تتحدث عن الخيانة مقابل ثلاثين قطعة من الفضة، لربما تلاعب متى بالحقائق بطريقة ماكرة وقال: نعم، باع يهوذا يسوع بهذا المبلغ نفسه”.

لكن هذا الاعتراض لم ينجح أكثر من الاعتراض السابق.فأوضح لابيدس “الله بحكمته قد خلق وسائل المراجعة والرقابة من داخل المجتمع المسيحي وخارجه. فعندما انتشرت الأناجيل وأصبحت متداولة، كان هناك أناس يعيشون في ذلك الوقت وفي تلك المناطق عندما حدثت هذه الأمور. وكان من الممكن أن يأتي شخص ويقول ل متى ” أنك تعلم أن هذه الأحداث لم تحدث بهذه الطريقة. إننا نحاول أن نحيا حياة التقوى والصدق فلا تشوهها بكذبة”.

علاوة على ذلك، لماذا يختلق متى نبوءات تحققت ثم يسمح لنفسه، وبرغبته أن يحكم عليه بالإعدام لكونه تابع لشخص يعرف سراً أنه لم يكن فعلاً المسيا؟ هذا شيء لا معنى له؟

وما هو أكثر من ذلك، أن المجتمع اليهودي كان سينتهز أي فرصة ليكذبوا الأناجيل بلفت الأنظار إلى هذه الأكاذيب. وكانوا سيقولون ” لقد كنت هناك، وقد كسر الرومان عظام يسوع أثناء عملية الصلب. ولكن مع أن التلمود اليهودي يشير إلى يسوع بطريقة تحط من قدره، فأنه لم يدعي أبداً، ولا مرة واحدة، أن تحقيق هذه النبوءات قد تم تزيفه”.

  1. مناقشة تدبير عملية تحقيق النبوءات عمداً

صَرح بعض المشككين بأن يسوع خطط حياته بطريقة تحقق النبوءات.  ” ألم يكن يستطيع أن يقرأ في سفر زكريا أن المسيا سيدخل أورشليم راكباً على حمار، ثم يتخذ الترتيبات اللازمة لتمكنه فعل ذلك بالضبط؟”

وهنا تنازل لابيدس تنازلاً صغيراً فقال رداً على سؤالي ” نعم، بالنسبة لنبوءات قليلة، فإن هذا الأمر يمكن تخيله بالتأكيد. ولكن هناك نبوءات أخرى كثيرة لم يكن من الممكن أن يحدث فيها هذا.

“فمثلاً، كيف سيتحكم في حقيقة أن مجلس السنهدريم اليهودي أعطوا ليهوذا ثلاثين من الفضة لكي يخونه؟ وكيف سيتمكن من ترتيب سلسلة النسب، والمكان الذي ولد فيه، وطريقة إعدامه، أو مُراهنة الجنود على ثيابه، أو بقاء رجليه سليمة ودون أن تكسر على الصليب؟ وكيف كان سيرتب عملية قيامته من الأموات؟ وكيف كان سيرتب أن يولد في الموعد الذي ولد فيه؟”

هذه الجملة الأخيرة أثارت فضولي فسألته ” ماذا تقصد بعبارة في الموعد الذي ولد فيه؟”

عندما تفسر دانيال 9: 24-26، الذي يتنبأ بأن المسيا سيظهر بعد فترة زمنية محددة بعد أن ملك أرْتَحْشَسْتَا الأول أصدر مرسوماً للشعب اليهودي بالذهاب من فارس إلى أورشليم ليعيدوا بناء أسوار أورشليم.

ثم مال للأمام لقول الجملة الحاسمة “إن هذا يجعل الظهور المتوقع للمسيا في اللحظة المحددة من التاريخ التي ظهر فيها يسوع. وبالتأكيد لم يكن بإمكانه أن يرتب هذه المسألة مقدماً”(5)

  1. مجادلة السياق

هناك اعتراض واحد آخر لابد من مناقشته: هل كانت الفقرات التي عينها المسيحيون كنبوءات عن المسيا مقصودة فعلاً لتشير إلى مجئ المسيا الوحيد الممسوك بالزيت، أم أن المسيحيين انتزعوها وفصلوها عن سياق الجملة وأساءوا تفسيرها؟

تنهد لابيدس قائلاً “أنت تعرف، أنني أفحص الكتب التي يؤلفها الناس ليحاولوا تشويه ما نؤمن به. وأن هذا ليس من السهل عملة وكنني أقضي الوقت الكافي لفحص كل اعتراض على حدة، أبحث في سياق الجملة وأستخدم الكلمات في اللغة الأصلية. وفي كل مرة ثبتت النبوءات صدقها.

“لذا فإني هنا أوجه تحدياً إلى المشككين: لا تقبلوا كلامي كما هو، ولكن لا تقبلوا كلام الحاخام أيضاً. بل خصصوا الوقت الكافي لبحثها بأنفسكم. لا يستطيع أحد اليوم أن يقول “ليس عندي معلومات” فهناك كتب كثيرة يمكنها مساعدتكم.

“وهناك شئ آخر: اطلبوا من الله بإخلاص أن يعلن لكم هل يسوع هو المسيا أم لا. وهذا هو ما فعلته بنفسي، وبدون أي تعليم أصبح من الواضح أمامي من الذي تنطبق عليه بصمة المسيا”.

“لآ بُد أَنْ يَتِمَّ جمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنَّي……”

لقد أعجبت بالطريقة التي أجاب بها لابيدس على الاعتراضات، ولكن في النهاية لقد كانت قصة رحلته الروحية هي التي ظلت تتكرر في تلك الليلة. وتأملت في عدد المرات التي صادفت فيها قصصا مماثلة، خصوصاً بين الناس اليهود الناجحين والذين يفكرون بعمق، والذين شرعوا بدقة من خلال قراءته لما كتبه من قبل الذين يحاولون أن يحطوا من قدر إدعاءات يسوع المسيا نية.

فكّرت في “ستان تيلتشين”، رجل الأعمال بالساحل الشرقي الذي بدأ مسعاه للكشف عن “العبادة” المسيحية بعد سفر أبنته إلى الكلية، حيث قبلت يسوع كالمسيا. لقد اندهش من أن تحقيقه قاده هو وزوجته وأبنته الثانية إلى نفس المسيا. لقد أصبح فيما بعد خادما للمسيح، وكتابه الذي يعيد رواية قصته “المغدور به Betrayed “، والذي تُرجم إلى أكثر من عشرون لغة.(6)

وهناك أيضا جاك سترنبيرج، طبيب السرطان البارز في لتل روك، آركانساس، الذي قاده قلقة مما وجدة في العهد القديم عن المسيا، وتحي ثلاثة حاخامات لتفنيد تحقق هذه النبوءات في يسوع المسيا. ولم يستطيعوا، وهو يدعي بأنه وجد تحقيقها كلها في المسيح(7).

وهناك أيضاً، بيتر جرينسبان، أخصائي الولادة، وطبيب أمراض النساء الممارس في مدينة كانساس وأستاذ مساعد سريري في كلية الطب مدينة ميسوري كانساس. ومثل لابيدس، كان قد تحديّ للبحث عن يسوع في اليهودية. وهو ما اضطره لبحث في التوراة والتلمود، ساعياً إلى إثبات عدم أحقية يسوع كالمسيا. وبلاً من ذلك وصل إلى النتيجة بأن يسوع قد حقق في شخصه، وبشكل أعجوبي، كل النبوءات.

بالنسبة له، قرأ الكتب التي حاول مؤلفوها تقويض الدليل القائل بأن يسوع هو المسيا. إلا أنه وصل إلى نتيجة فحواها ” لقد قدتني هذه الكتب الهجومية على يسوع للإيمان به”(8)

وقد وجد مثل لابيدس وآخرين ـ أن كلمات يسوع في إنجيل لوقا قد ثبت صدقها “أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لوقا 24:44). لقد تحققت في يسوع وحده، الشخص الوحيد في التاريخ الذي ضاهى بصمة الإصبع النبوية لمسيح الله الواحد.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

1.حتى لو تكن يهودياً، هل هناك أي سمة لرحلة لابيدس الروحية مشابهه لرحلتك الخاصة؟ هل كان هناك أي دروس تعلمتها من لابيدس عن كيف يجب أن تبدأ؟

2.درس لابيدس تراثه اليهودي وأسلوب حياته المخالف للكتاب المقدس، التي شكّلت عوائق تمنعه من أن يصبح من أتباع يسوع؟ هل هناك شئ في حياتك يجعل من الصعب أن تصبح مسيحياً وهل تري أي تكاليف قد تتكبدها لو أصبحت مسيحياً؟ وما قيمتها لو قورنت بالفوائد؟

3.كان لابيدس يعتقد أن المسيحيين معادين للسامية. في تدريب حديث على ترابط الكلمات في جامعة الساحل الشرقي، كانت الكلمة الأكثر ترابطاً مع كلمة “مسيحي” هي كلمة “عديم التسامح”، هل لديك تصورات سلبية عن المسيحيين؟ من أي مصدر نشأت؟ وكيف يمكن لذلك أن يؤثر على تقبلك للأدلة الخاصة بيسوع؟

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 

Fruchtenbaum, Arnold. Jesus Was a Jew. Tustin, Calif.: Ariel Ministries,1981.

Frydland, Rachmiel. What the Rabbis Know about the Messiah. Cincinnati:  Messianic, 1993.

Kaiser,  Walter  C., Jr. The messiah in old testament. Grand Rapid Rapids: Zondervan, 1995.

Rosen,  Moishe. Y`shua, the Jewish Way to Say Jesus. Chicago: Moody Press,1982.

Rosen, Ruth, ed. Jewish Doctors Meet the Great Physican. San Francisco: Purple Pomegranate, 1997.

Telchin, Stan. Betrayed! Grand Rapids: Chosen, 1982.

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع -ويسوع وحده -هوية المسيا؟ – لي ستروبل

موعد مجئ المسيح مرتبط ام غير مرتبط بتوبة الشعب؟

موعد مجئ المسيح مرتبط ام غير مرتبط بتوبة الشعب؟

موعد مجئ المسيح مرتبط ام غير مرتبط بتوبة الشعب؟

 
موعد مجئ المسيح مرتبط ام غير مرتبط بتوبة الشعب؟
صفحة : المسيح في التراث اليهودي
 
– يعرض التلمود نقاش هام دار بين الرابي يشوع وهو متبني فكرة أن مجئ المسيح غير مرتبط بالتوبة وهو مرتبط فقط بالمواعيد التي حددتها النبوات، والرابي اليعازر الذي تبنى فكرة مجئ المسيح عند توبة إسرائيل.
وهذا جزء من حوارهم

– في التلمود البابلي ، سِدِر نزيقين נזיקין ، في مسيخت سنهدرين סנהדרין (98a-97b)

[قال الرابي اليعازر للرابي يشوع ، اليس مكتوب “ارجعوا إليّ ،ارجع اليكم”(ملاخى 3: 7) ، رد الرابي يشوع: اليس مكتوبا “لإنى احكمكم فآخذ واحدا من المدينة واثنين من العشيرة وآتي بكم إلى صهيون” (ارميا 3: 14 س) ، رابي اليعازر قال: ولكنه مكتوب”بالرجوع والسكون تخلصون” (اشعياء 30: 15) ، اجاب يشوع: اليس مكتوبا “هكذا قال الرب فادي إسرائيل ، قدوسه، للمهان النفس، لمكروه الامة، لعبد المتسلطين: ينظرملوك فيقومون، رؤساء فيسجدون” (اشعياء 49: 7) ، رد الرابي اليعازر: اليس مكتوبا “ان رجعت يا إسرائيل ، ان رجعت”(ارميا 4:1)…
 
رباي يشوع يجيب : ولكنه مكتوب في مكان اخر “فسمعت الرجل اللابس الكتان الذى من فوق مياة النهر، اذ رفع يمناه ويسراه نحو السماوات وحلف بالحي إلى الأبد إنه إلى زمان وزمانين ونصف ، فإذا تم تفريق ايدي الشعب المقدس تتم هذة كلها” (دانيال 12: 7) ، وعلى هذا النص صمت الرابي اليعازر]

ملحوظة : في هذا النص نرى ضعف حجة الرابي اليعازر ، فالايات التى استند عليها تدعو للتوبة ، ولكنها بعيدة كل البعد عن نبوة دانيال التى تحدد الاوقات ، فالله بعلمه يعلم الحالة التى سيكون فيها إسرائيل ، فلماذا لم يطيل المدة في النبوة ويجعلها مثلا 700 اسبوع بدلا من 70 اسبوع !! ، ان هذا العبث ليس له منطق .
 
فأي باحث في العهد القديم يرى مئات النبوات الكبيرة والصغيرة وكلها تحققت في ميعادها ، ولم يؤثر على تحقيق تلك النبوة اي فعل بشري ،لان ببساطة الهدف من النبوة هو الاخبار بشئ سيحدث بغض النظر عن اي ظرف خارجي وإلا فقدت النبوة اهميتها، في نبوة دانيال نرى ان النبوة مصحوبة بميعاد ، فهذا الميعاد هو صحيح وصادق ، هذا الفكر التهربي يقلل من قدسية تلك الاسفار ويقلل من مدى مصداقية النبوات ، وهذا غير مقبول ، مع العلم بأنه لم نرى نبوة واحد بداخل كل الكتاب المقدس لم تتحق ، أو تحققت في وقت مخالف لما نصت عليه النبوة . ا
 
لسؤال الذي سيبقى امامه اليهودي عاجزا ، هو لماذا لم يأتي المسيح في الوقت الذي حددته النبوات!!!

التوبة التي تكلمت عنها النبوات وذكره الرابي اليعازر ما هي الا السبيل لتتعرف على المسيح ولكن ليست هي المحددة لتوقيت مجيئه ، بالتوبة تتعرف عليه وتعيش معه وتستمتع بخلاصه ، ولهذا تنبأ ملاخي عن ارسالية ايليا النبي مباشرة قبل المسيح ليرد قلوب الاباء على الابناء والابناء على الاباء ، ارساليته للتوبة تمهيدا لمجئ العظيم.

موعد مجئ المسيح مرتبط ام غير مرتبط بتوبة الشعب؟

Exit mobile version