هل كان يسوع مقتنعا حقا بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل

هل كان يسوع مقتنعا حقا بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل

هل كان يسوع مقتنعا حقا بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل

هل كان يسوع مقتنعا بأنه ابن الله؟ – لي سترويل 

جون دوجلاس كان لديه قدرة غريبة للنظر في عقول الناس الذين لم يقابلهم أبداً.

ولكونه أصلاً “محلل نفسي” لمكتب التحقيقات الفيدرالي، كان دوجلاس يجمع المعلومات من مسرح الجريمة ثم يستخدم بصيرته للنظر داخل شخصية المجرم الذي ما زال حراً طليقاً.

مثال ينطبق على هذه الحالة: توقَّع دوجلاس أن “قاتل تريلسيد” ان قاتل متسلسل يطوف بالمناطق المشجّرة قرب سان فرانسيسكو من سنة 1979 إلى 1981. بانه سيكون شخص لديه صعوبة في التكلم بالإضافة إلى ميول نحو الوحشية الحيوانية، والتبول اللاإرادي، وإحراق المباني عمداً. وكما هو متوقع، ألقى القبض على هذا الشخص أخيراً وأدين في هذه القضية، وكان مطابقاً لهذه الأوصاف تماماً(1).

ومع حصوله على الدكتوراه في علم النفس، وما لديه من خبرة سنين كمخبر، وموهبة طبيعية لفهم السلوك البشري، أصبح دوجلاس مشهوراً ببراعته العالية في التشخيص. ولقد شارك في تأليف العديد من الكتب الأكثر رواجاً حول هذا الموضوع، وعندما فازت جودي فوستر بجائزة الأوسكار عن ادانتها في فيلم “صمت الحملان” شكرت دوجلاس علناً لكونه الشخصية الواقعية من واقع الحياة الذي كان وراء توجيهها كمستشارة بمكتب التحقيقات الفيدرالي.

كيف يقدر دوجلاس على فهم عملية التفكير لدى أشخاص لم يسبق له أن قابلهم؟ وقد شرح دوجلاس هذه البراعة لمجلة “سيرة حياة” بعبارة “السلوك والتصرفات تعكس الشخصية”(2).

وبعبارة أخرى فأن دوجلاس يفحص بدقة الأدلة المتروكة في مسرح الجريمة وحيثما كان ذلك ممكناً، يجري مقابلات مع الضحايا ليكتشف بالضبط ما قاله وفعله المجرم. ومن هذه الأدلة المتروكة والتي هناك نتاج لسلوك الشخص يستنتج التركيب النفسي للشخص.

والآن نعود إلى يسوع، بدون أن نجري حوار معه. كيف نستطيع أن ننقب في عقله لنحدد ما إذا كانت دوافعه، ونواياه، وفهمه لذاته؟ كيف نعرف ما إعتقده عن نفسه، وما الذي كان يفهمه عن ماهية مهمته؟

فبالنظر إلى تصرفاته، سيقول دوجلاس: إذا أردنا فهم إن كان يسوع يعتقد بأنه هو المسيا او ابن الله ـــــ أو كان يعتبر نفسه كمجرد معلم يهودي أو نبي ـــــ فإننا نحتاج إلى معرفة ما فعله، وما قاله، وكي كانت علاقته بالآخرين.

إن السؤال عما كان يسوع يعتقده عن نفسه يعتبر مسألة حساسة. فبعض الأساتذة يؤكدوا أن أسطورة الوهية المسيح قد فُرضت على التقليد المتعلق بيسوع من قبل مؤيدين مبالغين في حماسهم بعد موته بسنوات. ويعتقد هؤلاء الأساتذة، أن يسوع الحقيقي، سينقلب في قبره لو علم أن الناس تعبده. فإذا تخلصت من الأساطير وأعدت المادة إلى أقرب معلومات عنه، فسنجد أن لن يكون أي شيء أكثر من معلم يهودي متجول ومثيراً للرعاع من حين لآخر.

لكن هل شهادة التاريخ إلى جانبهم؟ لاكتشاف ذلك، سافرت جواً إلى ليكسنجتن، بولاية كنتاكي، وذهبت بالسيارة في طرق متعرجة ماراً بسلسلة من مزارع الخيل الرائعة لتعقب أثر العالم الذي يؤكد كتابه الرائج “كرستولوجيا يسوع The Christology of Jesus” لمواجهة هذا الموضوع بالذات.

المقابلة السادسة: بن وذرنجتون الثالث، دكتوراه فلسفة

ليس هناك الكثير في مدينة ويلمور الصغيرة جداً، بولاية كنتاكي، فيما عدا معهد آزبيري اللاهوتي، حيث وجدت مكتب بن وذرنجتون في الطابق الرابع لبناية على طراز مباني المستعمرات بالقرب من الطريق الريفي الرئيسي. وطبقاً لكرم الضيافة لرجل جنوبي، قدم لي مواطن كارولينا الشمالية كرسي مريح وبعض القهوة حين جلسنا لمناقشة ما الذي إعتقده يسوع الناصري عن نفسه؟

هذا الموضوع أرضاً مألوفة لوذرنجتون، وهو الموضوع الذي تضمنته كتبه “يسوع الحكيم Jesus the Sage ; وجوه كثيرة للمسيح The many Faces of the Christ ; البحث عن يسوع The Jesus quest ; ويسوع، وبولس ونهاية العالم Jesus، poul، and the End of The World ; والنساء في إرسالية يسوع Women in the Ministry of Jesus” والذي ظهرت مقالاته عن يسوع في قواميس متخصصة ومجلات أكاديمية.

وقد تعلم في معهد جوردون كونويل اللاهوتي (ماجستير في اللاهوت بامتياز مع مرتبة الشرف)، وجامعة دور هام في انجلترا (دكتوراه في اللاهوت بتركيز على العهد الجديد). وقد درَّس وذرنجتون في معهد آزبيري، ومدرسة آشلاند اللاهوتية، كلية اللاهوت بجامعة ديوك، وجوردن كونويل. وعضويته تشمل جمعية دراسة العهد الجديد، وجمعية الأدب الكتابي، ومعهد أبحاث الكتاب المقدس.

وكان وذرنجتون يتكلم بحرية ووضوح، يزن كلماته بعناية، وبذلك كان يبدو فعلاً كعالم فعلاً. ومع ذلك كان صوته يكشف عن روعة، أو حتى رهبة، خفية لكنها جلية واضحة. وقد ظهر هذا الاتجاه أكثر من ذلك عندما أخذني في جولة في الأستديو عالي التقنية حيث كان يمزج صور يسوع بالترانيم التي تلقى كلماتها ضوءاً على الحنان، والتضحية، والإنسانية، والعظمة في حياته وإرساليته.

بالنسبة لعالم يُدوّن حواشي بغزارة، ملوّنة بشكل حذِر. ونثر دقيق أكاديمياً على الموضوعات التقنية عن يسوع، وهذا التزاوج الفني للفيديو والموسيقى يعتبر منفذاً شاعرياَ لاكتشاف أحد جوانب يسوع التي تستطيع الفنون الخلاقة وحدها الاقتراب من إدراكه.

رجعنا الى مكتب وذرنجتون. وقررت البدء بفحص مسألة إدراك يسوع لنفسه بسؤال كثيراً ما يقفز إلى اذهان القراء عندما يتعرفون على الأناجيل لأول مرة.

“الحقيقة بأن يسوع كان غامضاً نوعاً ما بخصوص هويته، أليس كذلك؟” سألت هذا السؤال فيما كان وذرنجتون يسحب كرسياً من الجانب المقابل لي. “وقد كان ميالاً لتجنب الإعلان الصريح عن نفسه كالمسيا أو ابن الله. أليس هذا لأنه لم يكن يظن في نفسه أنه المسيا أو ابن الله أم كانت لديه أسباب أخرى؟”

أجاب وذرنجتون بعدما أستقر على كرسيه واضع ساقاً على ساق “كلا، لم يكن لأنه لم يعتقد في نفسه ذلك. فلو كان أعلن ببساطة “مرحبا، أيها الناس، أنا الله” وهو ما كان يمكن أن يُسمع كـ “أنا يهوه”، لأن اليهود وقتئذٍ لم يكن لديهم أي فكرة عن مفهوم الثالوث. فقد كانوا يعرفون فقط الله الآب، الذي اسمه يهوه، وليس الله الابن أو الله الروح القدس.

: إذن لو قال شخص ما أنه الله، وهذا ما ليس له أي معنى عندهم إلا أن يُرى ككفر واضح. وهو ما كان يؤدي إلى نتيجة عكسية لجهود يسوع في الوصول إلى الناس ليستمعوا إلى رسالته.

“بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك فعلاً مجموعة كبيرة من التوقعات لما يمكن أن يكون عليه شكل المسيا، ولم يرد يسوع أن يُصنف في فئة شخص آخر. بالتالي، كان حريصاً جداً في كل ما كان يقوله علناً. لكن حينما ينفرد بتلاميذه كان الموقف يختلف. لكن الأناجيل كانت في المقام الأول تخبرنا عما فعله يسوع علناً”.

استكشاف التقاليد المبكرة

في سنة 1977 ظهر كتاب من تأليف عالم اللاهوت البريطاني جون هيك وستة من زملائه ذوي عقلية مماثلة أثاروا زوبعة نارية من الجدال، مفترضين أن يسوع لم يعتبر نفسه أبداً الله المتجسد أو المسيا. وقالوا فيما كتبوا، أن هذه المفاهيم نشأت فيما بعد وكتبت في الأناجيل ولذلك بدا أن المسيح ادعى لنفسه هذه الادعاءات.

ولاستكشاف هذا الادعاء، رجع وذرنجتون إلى أقدم التقاليد عن يسوع، المادة الأكثر بدائية، والاكثر أمنا من التطوير الاسطوري، واكتشف أدلة مقنعة تتعلق بمسألة كيف كان يرى يسوع نفسه حقاً.

أردت التنقيب في هذا البحث، فبدأت بهذا السؤال: “ما هي الأدلة التي يمكن أن نجدها حول فهم يسوع لنفسه من خلال علاقاته بالآخرين؟”

وهنا فكر وذرنجتون لحظة ثم أجاب قائلاً “أنظر إلى علاقته مع تلاميذه، فقد كان لدى يسوع إثنا عشر تلميذاً، ومع ذلك لاحظ أنه لم يكن واحداً من الاثنا عشر”.

وفيما يبدو ذلك كتفصيل بدون أي اختلاف، إلا أن وذرنجتون قال إنها مهمة جداً وذات مغزى.

“فإذا كان الاثنا عشر تلميذاً يمثلون إسرائيل الجديدة، فأين يكون موقف يسوع؟ فالرابطة لا تعني بإنه ليس مجرد جزء من إسرائيل، وليس جزءاً من المجموعة المُخلّصة، فهو الذي يشكل المجموعة تماماً مثلما شكل الله شعبه في العهد القديم وهيأ أسباط إسرائيل الاثنا عشر. تلك إشارة عما إعتقده يسوع عن نفسه”.

ثم استمر وذرنجتون في وصف مفتاح حل اللغز الذي يمكن وجوده في علاقة يسوع بيوحنا المعمدان. “يقول يسوع: الحَقَّ أَقولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ المَولوُدينَ مِنَ النِّساءِ أعظَم مِنْ يُوحَنا المَعمَدان وَلكِنْ الأَصْغَرْ فِي مَلَكُوتِ السَّموات أَعظَمْ مِنهُ”. وبعد أن قال هذا، يذهب لما هو أكثر في إرساليته مما فعل يوحنا المعمدان بصنع المعجزات مثلاً. فماذا يعني ذلك عن إعتقاد يسوع حول نفسه؟

“وعلاقته بالزعماء الدينيين ربما كانت الأكثر وضوحاً. فقد أعطى يسوع التصريح الجوهرية حقاً “لَيسَ مَا يَدْخُلُ الفَمْ يُنَجِّسُ الإِنسَانَ بَل مَا يَخرُجُ مِنَ الفَمِ هَذَا يُنَجِّسُ الإنسانَ”. بصراحة، هذا التصريح يُبطل أجزاء هائلة من سفر اللاويين في العهد القديم، بقواعد شديدة التدقيق فيما يتعلق بالطهارة.

“حينها، لم تعجب هذه الرسالة الفريسيون. وكانوا يريدون بقاء الأمور كما هي، ولكن يسوع يقول “كلا، فلدى الله خطط أُخرى، فهو يفعل شيئاً جديداً”. وهنا لابد أن نسأل “ما نوع هذا الشخص الذي يعتقد بأن لديه السلطة لإبطال جزء من كتاب اليهود المقدس والموحى به من الله ويستبدلها بتعاليمه الخاصة؟

“وماذا كانت علاقته-لو أمكننا أن نسميها علاقة-مع السلطات الرومانية؟ لابد لنا أن نسأل لماذا صلبوه؟ فلو كان مجرد حكيم مسالم يحكي أمثال صغيرة، لطيفة، عاقلة، غير مؤذية، فكيف ينهي به الحال على صليب، خصوصاً في موسم عيد الفصح، عندما لم يكن هناك يهودي يريد أن يعدم أي يهودي؟ لابد أن هناك مبرراً لللافتة التي كانت فوق رأسه والتي كتب عليها “هذا هو ملك اليهود”.

ترك وذرنجتون هذا التعليق الأخير معلقاً في الهواء، قبل أن يشرحه بنفسه “إمّا أن يسوع كان قد قال هذا الادعاء عن نفسه، أو أن شخصاً آخر اعتقد وبشكل واضح أنه قاله”.

بإصبع الله

بينما تفتح علاقات بسوع أمامنا نافذة توصلنا إلى طريقة معرفته لذاته، قال وذرنجتون بأن أعمال يسوع-وخصوصاً معجزاته. تعطينا بصيرة إضافية. ومع ذلك، رفعت يدي لكي أستوقفه.

“بالتأكيد لا يمكنك لقول بأن معجزات يسوع تثبت أنه اعتقد أنه الله. لأن التلاميذ خرجوا، فيما بعد، وفعلوا نفس الأشياء، وبالتأكيد أنهم لم يقدموا أي ادعاء بالألوهية”.

فأجاب وذرنجتون قائلاً “كلا، ليست حقيقة أن يسوع صنع معجزات هي التقي تلقي ضوءاً على معرفته لذاته. لكن ما هو مُهم هو كيف تُفسِّر معجزاته”

فسألته “ماذا تقصد؟”

فأجاب “يسوع يقول: إِنْ كُنْتُ بِإِصبع الله أُخرِجُ الشَّياطينَ فَقَدْ أقبَلَ عَلَيكُمْ مَلَكوت اللَه”. فلم يكن كصانعي المعجزات الآخرين الذين يصنعون أشياء مدهشة ثم تمضي الحياة كما كانت دائماً. كلا، فبالنسبة ليسوع، فإن معجزاته تُشير الى مجيء ملكوت الله. فإن معجزاته عينة تعطينا فكرة عما سيكون عليه شكل ملكوت الله. وهذا يبين أن يسوع يختلف عن باقي صانعي المعجزات الآخرين…”

فقاطعته مرة اخرى قائلاً “توسع قليلاً في شرح هذه النقطة، كيف أن هذا يجعل يسوع مختلفاً؟”

فأجاب وذرنجتون “يرى يسوع معجزاته كإحداث لمجيء شيء غير مسبوق، وهو مجيء ملكوت الله. فهو لا يرى نفسه مجرد صانع معجزات، بل يرى نفسه الشخص الذي فيه ومن خلاله ستتحقق وعود الله. وهذا ليس بادعاء خفي، بل واضح جداً بالتفوق والسمو”.

أومأت برأسي موافقاً، الآن بدت هذه النقطة معقولة بالنسبة لي. مع أنني عدت إلى كلمات يسوع، بحثاً عن مزيد من المفاتيح لحل لغز معرفته لذاته.

فقلت لوذرنجتون “لقد دُعي من قبل اتباعه “رابوني” أو “رابي” (ومعناها الحاخام عند اليهود). أليس هذا يدل على أنه كان مجرد أحد المعلمين اليهود كغيره من الحاخامات الآخرين في عصره؟”

فابتسم وذرنجتون ابتسامة عريضة ثم قال “في الواقع أن يسوع كان يعلم بطريقة جديدة راديكاليتيه. فهو يبدأ تعاليمه بقوله: “الحق أقول لكم” ومعناها “أنا اقسم مقدماً بصدق على ما أوشك قوله – وهذا كان ثورياً جداً”

فسألته “وكيف ذلك؟”

فأجاب “في الديانة اليهودية تحتاج لشهادة شاهدين ليشهدوا، فالأول يستطيع أن يشهد بصدق الشاهد الثاني، والعكس بالعكس. لكن يسوع يشهد لصدق أقواله هو. فبدلاً من أن يبني تعاليمه على شهادة الآخرين، فإنه يتكلم بسلطانه هو.

“من ثمَّ، نجد هنا شخصاً اعتبر نفسه ذا سلطة تفوق سلطة أنبياء العهد القديم. اعتقد أنه ليس يمتلك فقط الإلهام الالهي، كداود الملك، بل أيضاً السلطة الالهية وقوة النطق بالكلام الإلهي مباشرةً”.

بالإضافة إلى استخدام عبارة “الحق أقول لكم” في تعاليمه. استخدم يسوع المصطلح “آبا” عندما كان يشير إلى الله. فسألت وذرنجتون “ما الذي يخبرنا به هذا المصطلح “أبا” عما إعتقده يسوع عن نفسه؟”

فأجاب وذرنجتون شارحاً المصطلح “إن “آبا” تعني الألفة والمودة بين طفل وأبيه. وان المشوق حقاً، أنه أيضاً المصطلح الذي كان يستخدمه التلاميذ لمعلم محبوب في أوائل اليهودية. ولكن يسوع كان يستعمله مع الله، وعلى قدر علمي، كان هو وأتباعه الوحيدون الذين كانوا يصلون لله بهذه الطريقة.

وعندما طلبت من وذرنجتون أن يحدثني بالتفصيل عن أهمية هذا. فقال لي “في المنطقة التي كان يسوع يعمل بها، كان اليهود معتادين أن يؤدوا عملهم مع الالتزام بذكر اسم الله وكان اسم الله هو اللفظة الأكثر قداسة التي يمكن نطقها، حتى أنهم كانوا يخافون من الخطأ في تلفظها. وعندما كانوا يخاطبون الله، فقد يقولوا شيء مثل “القدوس، المُبارك”. ولكنهم ما كانوا يستخدمون إسمه الشخصي. فقلت له “وأبا مُصطلح شخصي”.

فأجاب قائلاً “شخصي جداً، وهو مصطلح التحبب الذي يقول فيه الطفل لأبيه “يا أبي العزيز، ماذا تريدني أن أفعل؟”.

ومع ذلك، فقد شعرت بتضارب واضح في هذا الكلام فقاطعته قائلاً “إنتظر لحظة”، إن إستعمال كلمة “أبا” عند الصلاة لا يتضمن معناها أن يسوع يعتبر نفسه الله لأنه علّم تلاميذه أن يستعملوا نفس الكلمة في صلاتهم، وهم ليسوا الله”.

فأجاب وذرنجتون “في الواقع، أن أهمية “أبا” هي في أن يسوع هو الذي بدأ علاقة عميقة لم تكن متاحة من قبل. فالسؤال هو: ما نوع الشخص الذي يستطيع أن يغير مصطلح العلاقة من الله؟ ما نوع الشخص الذي يستطيع أن يبدأ علاقة تعبر عن عهد جديد مع الله؟”.

بدت هذه التفرقة معقولة لي، فسألته “إذن ما المعنى الذي تعتبره المقصود من استعمال يسوع لكلمة “أبا”؟

فأجاب “معناها يشير ضمناً إلى أن يسوع لديه درجة من الألفة مع الله يختلف عن أي شيء في الديانة اليهودية في تلك الأيام. ثم أرجو أن تسمعني، إليك هذا المعنى الذي أصاب الهدف: إن يسوع يقول من خلال وجود علاقة معه فقط يصبح هذا النوع من لغة الصلاةـ هذا النوع من علاقة الأبا مع الله ـ ممكناً. وحول هذه النقطة تقول مجلدات عن كيف اعتبر يسوع نفسه.

وهنا بدأ وذرنجتون يضيف مفتاحاً آخر لحل اللغز-وهو إشارة يسوع المتكررة إلى نفسه على أنه “ابن الإنسان” ـ لكني أخبرته أن خبيراً سابقاً وهو كريج بلومبيرج سبق أن شرحها لي أن هذه الكلمة كانت إشارة إلى ما جاء بسفر دانيال الإصحاح السابع، فوافق وذرنجتون أن هذا الأًطلاح مهم للغاية في إظهار معرفة الذات الفائقة ليسوع كالمسيا.

وعند هذه النقطة توقفت عن الكلام لأدون مذكرات عما قاله وذرنجتون. فعندما قمت بتجميع مفاتيح اللغز عن علاقات يسوع، ومعجزاته، وكلماته، فإن فهمه لذاته أصبح في بؤرة واضحة.

يبدو أنه ليس هناك إلا قليل من الشك مبني على أقدم الأدلة، بأن يسوع كان يعتبر نفسه أكثر من صانه أعمال عظيمة، وأعظم من معلم، وأعظم من نبي آخر بين أنبياء كثيرين. وكان هناك أدلة كثيرة تجعلنا نستنتج أنه كان يعرف نفسه باصطلاحات فريدة ذات منزلة سامية. ولكن إلى أي حد بالضبط كانت معرفته لذاته شاملة؟

صورة يوحنا عن يسوع

في افتتاحية إنجيل يوحنا، الإصحاح الأول، يستخدم يوحنا لغة ملوكية مهيبة وواضحة لتأكيد الوهية يسوع بجرأة

في البَدءِ كانَ الكلِمَةُ، والكلِمَةُ كانَ عِندَ اللهِ، وكانَ الكلِمَةُ اللهَ هذا كانَ في البَدءِ عِندَ اللهِ.  كُلُّ شَيءٍ بهِ كانَ، وبغَيرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ مِمّا كانَ… والكلِمَةُ صارَ جَسَدًا وحَلَّ بَينَنا، ورأينا مَجدَهُ، مَجدًا كما لوَحيدٍ مِنَ الآبِ، مَملوءًا نِعمَةً وحَقًّا.   يوحنا 1: 1-3 ،14.

و‘ني اتذكر قراءة هذه المقدة الملكية الفخمة عندما قرأت انجيل يوحنا لأول مرة. وأتذكر أني سألت نفسي: أتساءل كيف كانت ستكون استجابة يسوع إذا قرأ كلمات يوحنا عنه؟ فهل كان سيتراجع ويقول “ما هذا، لدى يوحنا فهم خاطئ كلياً! لقد زينني وحولني إلى اسطورة لدرجة أني لا أستطيع حتى أن أتعرف على نفسي”، أم تُراه سيومئ بإستحسان ويقول “نعم، أنا كل الذي ذكرت وأكثر؟

فيما بعد صادفتني كلمات العالم ريموند براون، الذي كان له استنتاجه الخاص: “لا أجد أي صعوبة في افتراض أنه إذا قرأ يسوع انجيل يوحنا… كان سيجد هذا الإنجيل تعبير مناسب عن هويته”.

فوجدت أن هذه كانت فرصتي لأسمع مباشرة من وذرنجتون، الذي قضى حياته كلها يحلل التفاصيل بطريقته العلمية فيما يتعلق بمعرفة يسوع لذاته، لأسأله إن كان يوافق على تقييم براون.

ولك يكن في رده أي تردد أو غموض حين قال “نعم، أوافق، وليس دي أي مشكلة في ذلك، فعندما تدرس إنجيل يوحنا، فإنك تدرس صورة مترجمة ليسوع، لكني أعتقد أيضاً أنها صورة منطقية لما كان مفهوماً عن يسوع التاريخي.

“وسأضيف أنا هذا: حتى لو حذفت إنجيل يوحنا، فما زال لا يوجد يسوع لا يعتبر المسيا، يمكن استحضار صورته من محتويات الأناجيل الثلاثة الأخرى. فهي غير موجودة أصلاً.

وفي الحال فكرت في المقولة المشهورة، والتي سُجلت في إنجيل متى، حين اجتمع يسوع بتلاميذه قالً لهم: “وَأَنْتُم مَن تَقولُونَ إنِّي أنَا” فَأَجَابَ سمعَانْ بُطرسُ: “أَنْنَ هوَ المَسيٍحُ ابْنُ اللهِ الحَيْ”. وبدلاً من ان يتجنب الموضوع نجد أن يسوع أكد لبطرس وشهد له بقوة ملاحظته فَقَالَ لهُ يسوع: “طُوبَى لَك يا سٍمعان بْن يَونَا إنَّ لَحمَاً وَدَمَاً لَمْ يُعلِنَا لَكَ لَكِنْ أبي الَّذي في السَّموات (انظر، متى 16: 15-17).

ومع ذلك فإن بعض الصور الشائعة عن يسوع مثل فيلم “الإغراء الأخير للمسيح” تظهره كمضطرب أساساً حول هويته ورسالته. فهو مُحمل بالغموض والقلق المشوب بالذنب.

وهنا سألت وذرنجتون “هل هناك أي دليل أن يسوع كانت لديه أزمة هوية؟”.

فأجاب الأستاذ “ليس هناك أزمة هوية، ولو أنني أصدق بأنه لديه نقاط تأكيد الهوية، في مواضع معينة، عند معموديته، وعند تجربته (من الشيطان)، وعند التجلي، وفي بستان جثسيماني. هذه كلها لحظات حاسمة أكد لله له فيها من يكون وما هي رسالته.

“على سبيل المثال، أنا لا اعتقد أن واجباته لم تبدأ بصفة جدية حتى بعد تعميده، عندما سمع الصوت القائل “أنت ابني الحبيب الذي به سررت!”

“ماذا كان يعتقده عن مهمته؟”

“أدلاك أن رسالته، أنه كان ليحرر شعب الله، لذ، فإن رسالته كانت موجهة لإسرائيل”.

فقلت مشدداً: “خصيصاً لإسرائيل”.

فقال وذرنجتون: “نعم، هذا صحيح. فقليلة هي الأدلة التي تدل على أن طان يقصد الأمم (غير اليهود) أثناء إرساليته، فتلك كانت مهمة الكنيسة التي جاءت فيما بعد. فكما تعرف، إن وعود الأنبياء كانت موجهة لإسرائيل، وإلى إسرائيل كان يجب أن يذهب”.

“أنا والآب واحد”

في كتابه “الإيمان المعقول Reasonable Faith” يشير وليم لين كريج الى وجود كمية كبيرة من الأدلة تدل على انه في خلال عشرين سنة من الصلب كانت هناك كرسيتولوجيا تامة تعلن يسوع كاله متجسد.

اشار المؤرخ الكنسي جار وسلاف بيليكان الى أن أقدم عظة مسيحية، وأقدم تقرير عن شهيد مسيحي، وأول تقرير وثني عن الكنيسة، وأول صلاة طقوسية (1كورنثوس 16: 22) كلها تشير الي يسوع كرَب واله. وقال بيليكان: “من الواضح أنها الرسالة عما آمنت به الكنيسة وعلمت بأن “الله” هو الاسم المناسب ليسوع المسيح”(4).

في ضوء هذا الكلام، سألت وذرندتون “هل ترى أي طريقة ممكنة تمكن هذا من الظهور – خصوصاً بهذه السرعة – لو لم يكن يسوع قد إدعى إدعاءات فائقة ومسيانية حول نفسه؟”.

وهنا كان وذرنجتون مُصراً “لا، لم يكن ذلك ممكناً، ما لم تكن مستعداً أن تجادل بأن التلاميذ نسوا تماماً ما الذي كان يسوع التاريخي، وأنه لم يكن لديهم علاقة بالتقاليد والتعاليم التي بدأت تظهر بعد موت يسوع بعرين عاماً. وبصراحة كمؤرخ أقول إن هذا الكلام ليس له معنى إطلاقاً”.

ثم أضاف قائلاً “عند التعامل مع التاريخ نجد أن كل أنواع الاشياء ممكنة ولكن ليس كل الأشياء الممكنة محتملة على حد سواء.

1كرستولوجي= التعليل اللاهوتي لشخص المسيح

ثم سألني “هل من الممكن أن كل هذه الأشياء قد حدثت بفعل السحر مستمدة من الهواء الخالي في غضون عشرون عاماً من موت يسوع، عندما كان هناك على قيد الحياة شهود على شكل يسوع التاريخي ومازالوا أحياء؟”.

وإذ أجد ذلك الافتراض التاريخي غير محتمل مثل أي شيء آخر من الممكن أن يصادفك. القضية الحقيقية هي ماذا حدث بعد صلب يسوع مما جعل التلاميذ يغيرون رأيهم، أقصد التلاميذ الذين أنكروا وخالفوا تعاليم يسوع وتخلوا عنه؟ ببساطة حدث لهم شيء مشابه لما حدث ليسوع عند عماده، فقد تأكد لهم أن يسوع كان الشخص الذي كانوا يأملونه”.

وماذا كان شكله بالضبط؟ وبينما كنت أختتم وقتي مع وذرنجتون، طلبت منه أن يلخص هذه النقطة. وبعد أن يأخذ كل أبحاثه بعين الاعتبار، ماذا كان استنتاجه الشخصي عن ماذا كان رأي يسوع في ذاته؟ فسألته هذه السؤال ثم جلست مرة اخرى وتركته يوضحه، وهذا هو ما فعله ببلاغته وفصاحته واقتناعه.

“اعتقد يسوع بأنه الشخص الذي عينه الله ليحقق ذروة عمل الخلاص الالهي في التاريخ البشري. اعتقد بأنه أداة الله في تنفيذ هذا الأمر، وأن الله قد فوضه وأعطاه السلطة’ وانه يتكلم باسم الله، وأن الله يرشده لأداء هذه المهمة. لذلك فالذي قاله يسوع هو الذي قاله الله، والذي فعله يسوع هو عمل الله.

“وبحسب المفهوم اليهودي للوكالة هو أن “وكيل الإنسان هو الإنسان نفسه”. تذكر كيف أرسل يسوع رسله وقال لهم” أي شيء يفعلونه معكم كأنهم قد فعلوه معي”. فقد كانت هناك رابطة قوية بين الإنسان وبين وكيله الذي يرسله في مهمة.

“حسناً، اعتقد يسوع بأنه مكلف بمهمة الهية، وهذه المهمة هو أن يخلص شعب الله. ومضمون هذا المعنى أن شعب الله قد ضلوا وأن الله لابد أن يفعل شيئاً – كما كان يفعل دائماً – لكي يتدخل ويعيدهم إلى المسار الصحيح. ولكن هناك فرق هذه المرة، وهو أن هذه كات آخر مرة، فتلك كانت الفرصة الأخيرة.

“هل كان يعتقد يسوع بأنه ابن الله، والممسوح من الله؟ الإجابة نعم، هل كان يعتبر نفسه أنه المسيا النهائي؟ نعم، هذه هي الرؤية التي يرى نفسه بها. هل كان يعتقد بأن أي شخص أقل شأناً من الله يمكنه ان ينقذ العالم؟ كلا، أنا لا أعتقد أنه كان يعتقد ذلك”.

“وهذه هي النقطة التي تجعل التناقض غريباً بقدر الإمكان، وهي الطريقة التي كان الله سينقذ بها العالم بموت ابنه، فأكثر أعمال الانسان إنسانية هي الموت.

فالآن إن الله بطبيعته الالهية لا يموت. لذا كيف كان الله سينفذ هذا العمل؟ كيف كان الله سيكون هو منقذ الجنس البشري؟ كان لابد أن يأتي في صورة إنسان لإنجاز هذه المهمة. وكان يسوع يعتقد أنه هو الذي سيؤدي هذه المهمة.

“وقد قال يسوع في إنجيل مرقس 10: 45 “لِأَنَّ ابْنَ الإِنْسَان أيضِاً لَمْ يَأتِ لِيُخدَم بَلْ لِيَخدِمْ ولِيَبذِلْ نَفسَهُ فِدية عَنْ كَثِيرِينَ”. فهذا إما يكون أعلى شكل من أشكال جنون العظمة أو هو مثال لشخص يعتقد فعلاً، كما قال “أنا والآب واحد”، وبعبارة أخرى “إن لي السلطة لأن أتكلم نيابة عن الآب، ولي القدرة لأن أقوم بأي عمل نيابة عن الآب، وإذا رفضتموني فقد رفضتم الآب”.

“وحتى لو حذفت الإنجيل الرابع وقرأت فقط الأناجيل الثلاثة، فستظل هذه هي النتيجة التي تصل إليها. وهي أيضاً النتيجة التي كان يسوع سيرشدنا إليها لو درسنا الكتاب المقدس وسألناه هذا السؤال”.

“ولابد أن نسأل: لماذا لا يوجد يهودي آخر من القرن الأول لديه اليوم ملايين من الأتباع؟ ولماذا لا توجد حركة يوحنا المعمدان آخر؟ ولماذا من كل شخصيات القرن الأول، بمن فيهم الأباطرة الرومان، يسوع وحده هو الذي يعبده الناس اليوم. بينما الآخرون قد اندثروا وتفتتوا في تراب التاريخ؟

“السبب هو لأن هذا يسوع – يسوع التاريخي – هو أيضاً الرب الحي. ولماذا؟ لأنه مازال موجوداً بيننا فيما هلك الآخرون.

في مكان الله ذاته

مثل وذرنجتون، هناك علماء آخرون كثيرون قد بذلوا غاية الجهد للتنقيب عن أقدم الأدلة عن يسوع فتوصلوا إلى نفس النتيجة.

كتب كريج “ها هو رجل اعتبر نفسه ابن الله بمعنى فريد، الذي ادعى أنه يعمل ويتحدث بسلطة إلهية، وهو الذي كان يعتبر نفسه صانع المعجزات، والذي اعتقد أن مصير الناس الأبدي يتوقف على ما إذا كانوا يؤمنون به أم لا”.

ثم أضاف تعليقاً مروعاً بوجه خاص: “إن مفاتيح اللغز التي تكفي للتحليل اللاهوتي لإدراك يسوع لشخصه، موجودة حتى في العشرين في المائة من أقوال يسوع التي يعترف بها أعضاء نادي مؤتمر يسوع كأصيلة. والدليل الذي يجعلنا نستنتج أن يسوع كان قد أعد نفسه للوقوف في مكان الله نفسه، هو دليل “مقنع تماماً للغاية” قد وافق عليه العالم اللاهوتي رويس جوردن جرونلير.

وقال كريج “إن تأكيد يسوع غير عادي لدرجة أنه مما لا يمكن تجنبه أن تعرض سلامته العقلية على بساط البحث. ويلاحظ أن جيمس دون بعد أن أكمل دراسته التي تعتبر كملحمة عن هذه القضية. فقد اضطر بعد ذلك لتعليق سؤال واحد أخير لا يمكن تجاهله: هل كان يسوع مجنون؟”(8).

في مطار لكنجستون، بينما كنت انتظر رحلة الطائرة للعودة إلى شيكاغو، وضعت عملات معدنية في تليفون عمومي وطلبت موعداً لمقابلة واحد من كبار خبراء البلاد البارزين في علم النفس.

فقد حان الوقت لأن أكتشف ذلك.

مشاورات

اسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. ماذا تظن أنها بعض المببررات التي جعلت يسوع يتجنب الكشف عن هويته للجماهير؟ وهل يمكنك أن تتخيل بعض الطرق التي كان أي إعلان مبكر عن الوهيته سيحدث ضرراً لمهمته؟
  2. ماهي بعض الصعوبات التي نواجهها في تحديد ماذا كانت الشخصيات التاريخية تعتقده في نفسها؟ وما مفاتيح حل اللغز التي تعتبرها مفيدة في محاولة تحديد هذه؟ ولماذا كانت مفاتيح اللغز التي قدمها وذرنجتون قد أقنعتك أو أخفقت في إقناعك أن يسوع اعتقد بأنه الله أو المسيا؟

     

  3. علم يسوع تلاميذه استعمال المصطلح “أبا” أو “أبانا المحبوب”، في مخاطبة الله، ماذا يعرفك هذا عن علاقة يسوع بالآب؟ وهل هذا النوع من العلاقة جذاب بالنسبة لك؟ لماذا ولماذا لا؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Craig، William Lane. “The Self-Understanding of Jesus.” In Reasonable Faith، by William Lane Craig، 233-54. Westchester، 111. Crossway. 1994. Marshall. I. Howard. The Origins of New Testament Christology. Downers Grove. 111. Intervarsity Press، 1976.

Moule. C. F. D. The Origins of Christology. Cambridge: Cambridge Univ. Press، 1977.

Witherington. Ben، III. The Christology of Jesus.

Minneapolis: Fortress، 1990

نJesus.”    g of Jesus.”    i يسوع بالآب؟ وهل هذا النوع من العلاقة جذاب بالنسبة لك؟ لماذا ولماذا لا؟

يسوع إعتقد بأنه الله أو المسيا
هل كان يسوع مقتنعا حقا بأنه ابن الله 

هل كان يسوع مقتنعا حقا بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل

دليل الرسم التخطيطي – هل حقق يسوع صفات الله؟ – لي ستروبل

دليل الرسم التخطيطي – هل حقق يسوع صفات الله؟ – لي ستروبل

دليل الرسم التخطيطي – هل حقق يسوع صفات الله؟ – لي ستروبل

بعد فترة قليلة من مصرع ثمانً طالبات يدرسن التمريض في شقة سكنية في شيكاغو، إجتمعت الطالبة الوحيدة التي نجت من القتل وهي ترتجف مع رسام من الشرطة لرسم تفصيلي للقاتل الذي رأته من مخبئها السري الممتاز تحت أحد الأسرّة.

وبسرعة البرق أرسل الرسم إلى كافة أنحاء المدينة -إلى ضباط الشرطة، وإلى المستشفيات، وإلى محطات العبور، وإلى المطار. ووفور ذيوع الخبر إتصل طبيب بقسم الطوارئ مستدعياً المخبرين للتبليغ عن أنه كان يعالج رجلاً بدا بصورة مريبة مثل الهارب ذو العيون القاسية المرسوم في الرسم التخطيطي.

بهذه الطريقة ألقت الشرطة القبض على القاتل الفار ويدعى ريتشارد سبك، الذي أدين على الفور بقضايا قتل شنيعة، وانتهى به الحال بالموت في السجن بعد ثلاثون عاماً(١).

ومنذ ذلك الحين الذي حوّلت فيه الشرطة البريطانية -لأول مرّة – ذكريات شاهدة إلى رسم تخطيطي للمشتبه بجريمة القتل في سنة 1889، لعب الرسامين الشرعيين دوراً هاماً في تطبيق القانون. يعمل الآن أكثر من ثلاثمائة رسامين الرسوم التخطيطية مع وكالات الشرطة الأمريكية، وهناك عدد متزايد من إدارات الشرطة يعتمدون على نظام إليكتروني ويسمى “EFIT” (أسلوب تعريف وجهي إليكتروني).

هذه التقنية المتطورة حديثاً استخدمت بنجاح لحل مشكلة حادث إختطاف سنة 1977 الذي حدث في مركز تجاري يبعد بضعة أميال عن بيتي بضاحية شيكاغو. أعطت الضحية تفاصيل عن شكل المختطف لفني، الذي استخدم جهاز كمبيوتر لخلق تشابه إلكتروني للمجرم وذلك بإختيار من أشكال مختلف للأنوف، والأفواه، وخطوط الشعر، وهلم جرا.

وفي لحظات من إرسال الصورة بالفاكس إلى وكالات الشرطة في كافة أنحاء المنطقة، تعرّف محقق في ضاحية أخرى على الصورة التي تُشبه تماماً مجرماً كان قد قابله قبل ذلك. ولحسن الحظ، أدى هذا إلى قبض سريع على المختطف المُشتبه به(٢).

من الغريب، فكرة أن صورة يرسمها رسام يمكن أن تمدنا بصورة مشابهة يمكن أن تساعدنا في مسعانا للحقيقة حول يسوع.

ولكن كيف يمكن فعل ذلك هنا: يمدنا العهد القديم بتفاصيل عديدة عن الله ترسم رسماً تخطيطياً بدقة كبيرة عما يمكن أن تكون عليه صورته. على سبيل المثال، هو وحده الذي يوصف كالله الكلي الوجود، أو حاضر في كل مكان في الكون؛ وكلي العلم، أو كلي المعرفة؛ وكلي القدرة، وأبدي، أو أزلي، والذي يُغيّر ولا يتغير. وهو محب، وقدوس، وبار، وحكيم، وعادل.

والآن، حينما يزعم يسوع بأنه الله. فهل تتوافق صفاته المميزة مع خصائص الله؟ وبقول آخر، إذا تفحصنا يسوع بعناية، فهل يماثل شكله الرسم التخطيطي لله، الذي نجده في أماكن أخرى من الكتاب المقدس؟ فإذا لم تشبهها نستطيع أن نستنتج أن ادعائه بأنه الله باطل.

تلك قضية معقدة جداً ومحيرة للعقل. على سبيل المثال، عندما كان يسوع يلقي العظة على الجبل -على سفح تل خارج كفر ناحوم، لم يكن في نفس الوقت واقفاً على الشارع الرئيسي بأريحا، لذا في أي معنى يمكن أن يُسمّى الكلي الوجود؟ وكيف يمكن أن يُسمى كلي المعرفة إذا كان يعترف وبسهولة في إنجيل (مرقس 13 : 32) بأنه لا يعرف كل شيء عن المستقبل؟ وإذا كان أبدي، فلماذا تدعوه الرسالة إلى

(كولوسي 1 : 15) “بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ”؟

بحسب النظرة السطحية فإن هذه المسائل توحي بأن يسوع لا يشبه الرسم التخطيطي لله. وبالرغم من ذلك، فقد تعلمت على مر السنين بأن الإنطباعات الأولية يمكنها الخداع. لهذا السبب أسعدني جداً إمكان مناقشة هذه المسائل مع الدكتور دي. أي. كارسون، العالم اللاهوتي الذي ظهر في السنوات الأخيرة كأحد المفكرين الأبرز في المسيحية.

المقابلة الثامنة: دونالد أي. كارسون، دكتوراه فلسفة:

دي. أي. كارسون، أستاذ أبحاث العهد الجديد في مدرسة الثالوث اللاهوتية الإنجيلية، أُلًّف أو حرر أكثر من أربعون كتابا، من ضمنها “العظة على الجبل the sermon on the mount “؛

“المغالطات التفسيرية Exegetical Fallacies”؛ “الإنجيل بحسب يوحنا the gospel According to john”؛ والحائز على جوائز “إسكات الله The Gagging Of God”.

وهو يستطيع القراءة ب 12 لغة (تأتي على رأسها الفرنسية الناجمة عن طفولته التي قضاها في كوييك). وهو عضو في “زمالة تيندال في أبحاث الكتاب المقدس”، “وجمعية أدب الكتاب المقدس”، و “معهد أبحاث الكتاب المقدس”.  تتضمن مجالات خبرته ل يسوع التاريخي، وما بعد العصرانية، وقواعد اللغة اليونانية، وعلم لاهوت الرسولين بولس ويوحنا.

بعدما بدأ بدراسة الكيمياء (حصل على بكالوريوس العلوم من جامعة ماكجيل)، إستمر كارسون ليحصل على درجة الماجستير في علم اللاهوت قبل ذهابه إلى إنجلترا، حيث حصل على الدكتوراه في العهد الجديد من جامعة كامبريدج الرفيعة المستوى. وقام بالتدريس في ثلاث كليات مدارس أخرى قبل إنضمامه لكلية الثالوث في سنة 1988.

لم يسبق لي مقابلة كارسون قبل ذهابي بالسيارة إلى ديرفيلد كلية اللاهوت، في ولاية إلينويز، وهي أرض الجامعة التي كانت مقراً لحديثنا وحواري معه. بصراحة، كنت أتوقع أستاذ جامعي مُنّشَّئ. بيد أنني وجدت كارسون العالم غير الذي كنت أتوقعه، أذهلتني نبرة صوته الدافئة والمخلصة والرعوية، كما أجاب على ما ظهر، في بعض الحالات، أسئلة حارقة جداً.

أُجريت محادثتنا في غرفة جلوس عادة ما تكون مهجورة خلال أجازة أعياد الميلاد. كان كارسون مرتدياً سترة من الجلد الأبيض فوق قميص مزرّر، وبنطلون چينز أزرق، وحذاء أديداس. وبعد بداية مازحة حول تقديرنا المشترك لإنجلترا (وكان كارسون يعيش هناك على فترات متقطعة عبر السنين، وزوجته چوي كانت بريطانية الأصل)، ثم سحبت دفتر ملاحظاتي، وأدرت جهاز التسجيل، وسألته سؤالاً أساسياً للمساعدة على تقرير هل كان يسوع له “القدرة الصحيحة” ليكون مثل الله؟

يحيا ويغفر كالله

تمركز سؤالي الأول على: لماذا يعتقد كارسون مبدئياً أن يسوع إله؟ وما الذي قاله أو فعله فأقنعك بأنه قدوس؟ ولم أكن متأكداً كيف سيرد على سؤالي هذا، مع أني توقعت أنه سيركز على أعمال يسوع الخارقة للطبيعة. لكني كنت مخطئاً.

فقال كارسون فيما إتكأ إلى الخلف على الكرسي المُنّجَّدَ بإرتياح “يمكن لأي واحد أن يشير إلى مثل هذه كمعجزاته، ولكن هناك أناس آخرون صنعوا معجزات، لذا فبينما يُعتبر هذا دليلاً يدل على ألوهيته، لكنه ليس دليلاً حاسماً. وطبعا، القيامة هي الإثبات النهائي لهويته. ولكن من الأشياء الكثيرة التي فعلها، بحسب رأيي أن أحد أكثر الأفعال هو غفرانه للخطايا”.

“حقاً؟” قلت هذا وأنا أتحرك على كرسيَّ الذي كان وضعه عمودياً على كرسيه لكي أواجهه مباشرة “كيف تعتقد هذا؟”.

فقال “النقطة الهامة هي أنك لو قمت بشئ ضدي، فلديَّ الحق لأن أغفر لك، ومع ذلك، فلو أخطأت في حقي، وجاء شخص آخر ويقول “أني أغفر لك”، فما هذه الوقاحة؟” فالوحيد الذي يستطيع أن يقول هذا الكلام بكل ما فيه من معاني هو الله نفسه، لأن الخطية، حتى لو كانت ضد الآخرين، فهي أولاً وقبل كل شئ موجهة ضد الله وقوانينه.

“فعندما أخطأ داود بارتكابه الزنا وتدبير موت زوج المرأة، فإنه في النهاية يقول لله في (المزمور 51) إليك وحدك أخطأت، والشر قدام عينيك صنعت”. فهو يعترف بأنه برغم أنه ظلم أُناس، إلا أنه، في النهاية، إرتكب خطية ضد الله الذي صنعه على صورته، ويحتاج لغفران الله.

“لذلك يقول يسوع للخطاة “إني أغفر لكم خطاياكم” فاليهود في الحال إعتبروا هذا تجديفاً فكان رد فعلهم القائل “مَنْ هذَا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟” في رأيي، أن هذا هو أكثر الأشياء المميزة التي فعلها يسوع؟”.

فقلت له ملاحظاً “ليس فقط أن يسوع يغفر الخطايا، بل أيضاً صرّح بأنه نفسه كان بلا خطية. وبالتأكيد إن كونه بلا خطية، فتلك من صفات الألوهية”.

أجاب قائلاً “نعم، تاريخياً في الغرب، نُظر إلى الأشخاص الأكثر قداسة هم كانوا أيضاً الأكثر إدراكاً في ضمائرهم بنواحي إخفاقهم وخطاياهم. وهم الأشخاص المُدركون بضعفهم، ورغباتهم واستيائهم، ويجاهدون ضدها بكل أمانة بنعمة الله. وفي الحقيقة، لقد جاهدوا بشكل جيد جداً ضد هذه الأمور، لدرجة أن الآخرين يلاحظون ذلك فيقولوا “هذا رجل أو امرأة مقدسة”.

“ولكن هنا يأتي يسوع، الذي يستطيع أن يقول بوجه صريح “من منكم يستطيع أن يوبخني على خطية؟”، فلو أنا قلت هذه العبارة لكانت زوجتي وأبنائي وكل من يعرفوني يسعدهم أن يقفوا ويشهدوا لذلك، بينما لم يستطع أحد أن يفعل ذلك فيما يتعلق بالمسيح”.

ومع أن الكمال الأخلاقي ومغفرة الخطايا هما بلا شك من خصائص الله، لكن هناك صفات إضافية أخرى يجب أن يتحلى بها يسوع إذا أراد أن يتوافق مع الرسم التخطيطي لله. ولقد حان الوقت لننتقل إلى تلك الصفات الأخرى. فبعد أن قذفت كرات لينة بضربات منحنية على كارسون، إستعددت لرمي بعض الضربات المنحنية.

سر التجسد

باستخدام بعض الملاحظات التي أحضرتها معي، صدمت كارسون بسلسلة نارية من أكبر العقبات لإدعاء يسوع بالإلوهية.

فقلت له “دكتور كارسون، كيف يكون يسوع كلي الوجود في العالم إذا لم يستطع أن يتواجد في مكانين في نفس الوقت؟ وكيف يكون كلي المعرفة والعلم فيما يقول “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ”؟ وكيف يكون كلي القدرة مع أن جميع الأناجيل تخبرنا صراحة أنه لم يستطع أن يصنع معجزات كثيرة في بلدته الأصلية؟”

ثم أشرت بقلمي نحوه مؤكداً ومختتماً حديثي، بقولي “دعنا نعترف أن: الكتاب المقدس نفسه يجادل ضد كون يسوع إله”.

وفي حين أن كارسون لم يجفل ولم ينزعج، لكنه إعترف بأن هذه الأسئلة ليس لها اجوبة بسيطة. ومهما يكن، فإن هذه الأسئلة تنفذ إلى قلب قضية التجسد-أن يصير الله إنساناً-الروح يتخذ جسداً، والازلي يصير محدوداً، والأبدي يصبح محصوراً في الزمن. لقد شغلت هذه العقيدة اللاهوت لعدة قرون. ومن هنا إختار كارسون أن يبدأ إجابته: بالرجوع إلى الطريقة التي حاول العلماء بها الإجابة على هذه الأسئلة عبر السنين.

“من الناحية التاريخية، كانت هناك طريقتان أو ثلاثة لفهم هذا الموضوع” هكذا أبدأ الإجابة وكأنه يلقي محاضرة للطلبة.

“فمثلاً، في نهاية القرن الماضي، قام العالم اللاهوتي العظيم بنيامين وارفيلد بدراسة الأناجيل ونسب بعض الفقرات إما إلى طبيعة المسيح البشرية أو إلى ألوهيته. فعندما يفعل يسوع شيئاً يعكس صورة له كإله، فإن هذا يُنسب إلى ألوهية المسيح. ولكن عندما نجد شيئاً يعكس محدوديته أو بشريته، مثلاً، دموعه؛ هل الله يبكي؟ فإن هذا يُنسب إلى إنسانيته”.

لقد بدا لي أن ذلك التفسير مشحون بالمشاكل، فسألته “إذا قلت بهذا، ألن ينتهي بك الأمر إلى يسوع المريض بالفصام؟”.

فأجاب “من السهل الإنزلاق إلى هذا الرأي بلا تعمد، فجميع العقائد والإعترافات أصرّت على أن كلً من طبيعة يسوع البشرية وألوهيته ظلتا متميزتان، ورغم ذلك جمعتا في شخص واحد.

وهكذا إنك تريد أن تتجنب حلاً يحتوي أساساً على عقلين: عقل يسوع كإنسان وعقل المسيح كإله. على أية حال، هذا نوع واحد من الحلول، وربما نجد شيئاً يقال عنه.

“أما النوع الآخر من فهو نوع من “kenosis”، الذي يعني “إفراغ”.

وهذا يظهر بوضوح في الرسالة إلى أهل فيليبي الإصحاح الثاني، حيث يخبرنا بولس أن يسوع “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ”، بحسب هذه الطريقة التي ترى “أَخْلَى نَفْسَهُ” يجب أن تترجم “لكنه أفرغ نفسه”، أي أصبح كأنه لا أحد”.

ولما كان هذا يبدو غامضاً لذلك سألته “هل يمكنك أن تكون أكثر وضوحاً؟ من أي شيء أخلى نفسه بالضبط؟”.

يبدو أني قد وضعت إصبعي على القضية، فأجاب بإيمانه “آه، هذا هو السؤال، فعلى مر قرون، اعطى الناس أجوبة مختلفة على هذا السؤال. على سبيل المثال، هل أخلى نفسه من ألوهيته؟ حسناً، إذن فلن يكون إله.

“هل أفرغ نفسه من صفات الألوهية؟ لديَّ أيضاً مشكلة في هذه النقطة، لأنه من الصعب فصل الصفات عن الحقيقة. فلو كان عندك حيوان يبدو مثل الحصان، ورائحته مثل رائحة الحصان، ويمشي مثل الحصان، وله جميع صفات الحصان، فإنك عندك حصان. لذا أنا لا أعرف ما معنى أن الله يخلي نفسه من صفاته ومع ذلك يظل إله.

“يقول البعض، أنه لم يُخلي نفسه من صفاته، بل أخلى نفسه من استخدام هذه الصفات، كنوع مت التحديد الذاتي. وهذا يقربنا من المعنى أكثر، مع أنه، في بعض الأحيان، لم يكن هذا هو ما كان يفعله، إذ كان يغفر الخطايا بنفس الطريقة التي يستطيع الله وحده أن يغفرها، والتي هي صفة لإله.

“ويذهب آخرون لأبعد بالقول “إنه أخلى نفسه من الاستعمال المنفرد لصفاته” بمعنى أنه كان يتصرف كإله عندما يعطيه أبيه السماوي موافقة صريحة لعمل ذلك. والآن، هذا المعنى أقرب بكثير. والمشكلة أن هناك إحساس بأن الابن الأبدي كان دائماً يتصرف حسب وصايا أبيه السماوي. وأنت لا تريد أن تفقد هذا الإحساس حتى في مسألة الأبدية. لكن المعنى أصبح أقرب إلى الفهم”.

وهنا شعرت بأننا اقتربنا من جوهر المسألة، ولكني لم أكن متأكداً أننا سنقترب أكثر من ذلك. ويبدو أن هذا كان شعور كارسون، أيضاً.

ثم قال “لو تكلمنا بدقة، فإن الرسالة إلى أهل فيلبي، الإصحاح الثاني لا تخبرنا على وجه التحديد مما أخلى نفسه منه الابن الأبدي؟ لقد أخلى نفسه؛ وأصبح لا أحد. نوع من الإفراغ موضع بحث، لكن دعنا نتكلم بصراحة، فأنت تتحدث عن التجسد، أحد الأسرار الجوهرية للإيمان المسيحي.

“إنك تتعامل مع روح ذات صلاحيات مطلقة، لا شكل لها، ولا جسم، وكلية المعرفة، وكلية الحضور، وكلية القدرة، كما تتحدث أيضاً عن مخلوقات محدودة ملموسة ومحدودة بالزمن. فلو تحول أحدهما إلى الآخر فلا يمكن أن تتجنب الدخول في دائرة الأسرار الغامضة.

“لذا فإن جزءاً من علم اللاهوت المسيحي المتعلّق به ليس معنياً “بشرح هذه المسألة كلها” بل بمحاولة أخذ الأدلة الموجودة في الكتاب المقدس، ويحتفظ بها كلها بإنصاف، وإيجاد طرق تركيبات مترابطة بشكل منطقي، حتى لو كانت غير قابلة للتفسير بشكل كامل”

لقد كانت هذه طريقة معقدة للتعبير عن أن علماء اللاهوت يمكنهم التوصل إلى التفسيرات التي تبدو معقولة، مع أنهم قد لا يكونون قادرون على توضيح كل فرق دقيق حول التجسد. وهذا يبدو منطقياً، إلى حد ما. فلو كان التجسد حقيقي، فليس من المفاجئ أن تلك العقول المحدودة لا تستطيع أن تفهمها كلياً.

بدا لي أن نوع من “الإفراغ” الطوعي من إستعمال يسوع المستقل للصفات المميزة ليسوع كان تفسيراً معقولاً لتوضيح لما لم يظهر يسوع الصفات الكلية: كلية المعرفة، وكلية القدرة، وكلية الحضور، في وجوده الأرضي، مع أن العهد الجديد يذكر بوضوح أن كل هذه الصفات المميزة في النهاية حقيقة عنده. ومع ذلك فإن هذا هو جزء من المشكلة فقط.

إنتقلت إلى الصفحة التالية من ملاحظاتي وبدأت سلسلة أخرى من الأسئلة عن بعض الفقرات المعينة من الإنجيل التي كانت تبدو أنها تتناقض مباشرة مع إدعاء يسوع بأنه الله.

خالق أم مخلوق؟

جزء من الرسم التخطيطي الذي يجب على يسوع أن يماثلها هي أن الله غير مخلوق، أبدي. ويصف (أشعياء 57: 15) الله بأنه “الْعَلِيُّ الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ”. لكن، قلت لكارسون، هناك بعض الآيات التي توحي بشدة إلى أن يسوع كان كائناً مخلوقاً.

فقلت له “فمثلاً، (يوحنا 3: 16) يدعو يسوع إبن الله “الوحيد”، وفي الرسالة إلى أهل كولوسي أنه “بكر كل خليقة”، ألا يُشيرا ضمناً إلى أن يسوع وبشكل واضح قد خُلق، وهو ما يتعارض مع كونه خالق؟”.

من بين مجالات خبرة كارسون كانت قواعد اللغة اليونانية، التي لجأ إليها لتفسير كلا الآيتين.

قال “دعنا نتناول الآية التي في إنجيل (يوحنا 3: 16) تقول ترجمة الملك جيمس التي تُترجم الكلمات اليونانية ب “إبنه الوحيد المولود له”. فالذين يعتبرون أن هذه هي الترجمة الصحيحة يربطون هذا بالتجسد نفسه-أي بولادته من مريم العذراء-لكن في الواقع ليس هذا هو معنى الكلمة في اللغة اليونانية.

“إنها في الواقع تعني “الواحد الفريد”. والطريقة التي كانت تستخدم عادة في القرن الأول هي “الفريد والمحبوب”، لذا فـ (يوحنا 3: 16) تقول ببساطة أن يسوع هو “الإبن الوحيد والمحبوب”، أو كما تذكرها الترجمة الدولية الجديدة “الابن الوحيد الفريد” بدلاً من أن نقول إنه وجودياً قد ولد في حينه”.

فقلت له “إن هذا يفسر فقط تلك الفقرة وحدها”.

فقال “حسناً، دعنا ننظر إلى الآية في الرسالة إلى أهل كولوسي التي تستخدم التعبير “بكر” فإن الغالبية العظمى من المفسرين سواء المتحفظين أو المتحررين، يدركون أنه في العهد القديم كان الإبن البكر، بسبب قوانين الميراث، كان عادة يحصل على نصيب الأسد من الممتلكات، أو أن يصبح الابن البكر الملك في حالة العائلة المالكة. إذن ف”البكر” هو الوحيد الذي له كل حقوق الآب في النهاية.

“وفي القرن الثاني قبل المسيح، وجدت هناك أماكن حيث لا يعد للكلمة أي فكرة للولادة الفعلية أو للوليد الأول، لكنها تحمل فكرة السلطة التي تصاحب فكرة أن تكون الوريث الشرعي. وهذه هي الفكرة التي تنطبق على يسوع كما يعترف بها كل العلماء فعلاً. وفي ضوء هذا المعنى فإن التعبير ذاته “بكر” يُضلًّل بعض الشئ.

فسألته “ماذا ستكون الترجمة الأحسن؟

فأجاب: “أعتقد “الوريث الأعلى” ستكون أكثر ملازمة”.

وبينما كان يُوضّح آية كولوسي، فإن كارسون ذهب لأبعد من ذلك، إلى نقطة واحدة أخيرة.

“إذا كنت ستقتبس آية (كولوسي 1: 15) فيجب أن تحافظ على سياق المعنى بالإستمرار إلى (كولوسي 2 : 9) حيث يؤكد نفس “الكاتب فِيهِ [المسيح] يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا”. فالكاتب ذا يُناقض نفسه. من ثمَّ فالتعبير “بكر” لا يستبعد أبدية يسوع، لأن هذه الأبدية جزء مما يعنيه إمتلاكه كل ملء اللاهوت”.

جعل هذا التوضيح المسألة ثابتة، بالنسبة لي. إلا أنه كان هناك فقرات أخرى مثيرة للقلق أيضاً، فمثلاً في إنجيل مرقس، الإصحاح العاشر، نجد شخص ما يُخاطب يسوع بصفة “الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ”، مما دفعه للإجابة “لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ”.

فسألته “أما كان يُنكر لاهوته بهذا القول؟”

أوضح كارسون قائلاً “كلا، أظن أنه كان يحاول جعل هذا الشخص يتوقف ويفكر فيما كان يقوله، والفقرة الموازية لها في إنجيل متى تتوسّع أكثر قليلاً ولا نجد يسوع يُقلل من ألوهيته مطلقاً.

“أعتقد أن كل ما كان يقوله هو “إنتظر دقيقة؛ لماذا تدعوني صالحاً؟ إنها فقط طريقة مؤدبة، مثلما تقول “يوم صالح” ماذا تعني بصالح؟ ماذا تعني بكلمة صالح؟ تدعوني معلم صالح، هل هذا لأنك تحاول أن تتملقني؟”.

ففي المعنى الأساسي لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. لكن لا يقصد يسوع “لذلك لا تدعوني صالحاً” إنما يقول “هل تُدرك فعلاً ما تقوله عندما تقول ذلك؟ هل تُنسب لي فعلاً ما يجب أن ينسب إلى الله وحده؟”.

وهذا يمكن تفسيره ليعني “أنا فعلاً صالح كما تقول؛ فأنت تتكلم أحسن مما تعرف” أو “إياك أن تتجرأ على دعوتي بذلك؛ في المرة القادمة إدعوني “يسوع الخاطئ” مثلما يفعل الآخرون”.

فمن معنى ما يقوله ويفعله يسوع في أماكن أخرى، بأي طريقة ذات معنى تفهمها؟”

في العديد من الآيات التي تدعو يسوع “بار”، “قدوس”، “صالح”، “بلا خطية”، “بلا دنس”، و “مختلفاً عن الخطاة”، كان الجواب واضح جداً.

هل كان يسوع أقل إلوهية من الله؟

إذا كان يسوع إله، فأي نوع كان هذا الإله؟ أكان مساوياً للآب، أم كان نوع أصغر من الله، يحوز صفات الألوهية ومع هذا يُخفق في مُضاهاة الرسم التخطيطي الكلي، بطريقة ما، التي يقررها العهد القديم للألوهية.

هذا السؤال مأخوذ من آية أخرى لفت نظر كارسون إليها “تقول يسوع في إنجيل (يوحنا 14: 28) “لأن أبي أعظم مني” بعض الناس ينظرون إليها ويستنتجون بأن يسوع لابد وأن يكون أقل ألوهية، فهل هم على صواب؟

فتنهد كارسون ثم قال “لقد كان أبي واعظاً، وكان له قول مأثور في منزلنا عندما كنت شاباً: نص بدون سياق يصبح ذريعة لنص تصحيحي”. من المهم جداً النظر لهذه العبارة في سياقها.

“فالتلاميذ يشتكون لأن يسوع قال لهم أنه سيمضي. فقال لهم “سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَنَا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي”. بمعنى آخر، أن يسوع سيعود إلى المجد الذي يليق به، فلذلك لو كانوا فعلاً يعرفون من هو ويحبونه فعلاً كما ينبغي فسيفرحون بأنه سيعود إلى المملكة حيث سيكون فعلاً أعظم. ويقول يسوع في إنجيل (يوحنا 17: 5) “مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ”، بمعنى “أبي أعظم مني”.

“فعندما تستخدم مقولة مثلاً “أعظم”، فليس من الضرورة أن تعني أعظم وجودياً. فلو قلت مثلاً، أن رئيس الولايات المتحدة أعظم مني، فلا أقصد أن أقول إنه وجودياً يعتبر كائناً أعلى مقاماً ومنزلة وتفوقاً، بل أعظم مني في القدرة العسكرية، وبراعته السياسية، وفي تهليل الناس له، ولكنه ليس أكثر مني كإنسان فهو إنسان وأنا أيضاً إنسان.

“لذا عندما يقول يسوع “أبي أعظم مني” يجب أن ننظر إلى السياق ونسأل هل قصد يسوع قول “أبي أعظم مني لأنه إله وأنا لست إله”. بصراحة، أن هذه المقولة ستكون مضحكة وسخيفة.

إفترض أني صعدت إلى منصة لألقي عظة وقلت “أنا أعلن بجدية أن الله أعظم مني” فإن هذه الملحوظة ستكون عديمة الفائدة.

“وهذه المقارنة ذات مغزى فقط إذا كانوا على نفس المستوى وأن هناك قدر من التحديد. فيسوع كان في حدود التجسد، وكان ذاهباً إلى الصليب؛ وسوف يموت، ولكنه على وشك العودة إلى الآب وإلى المجد الذي كان له عند الآب قبل تأسيس العالم.

“فهو يقول: “أيها الرجال إنكم تحزنون من أجلي، لكن ينبغي أن تفرحوا لأني عائد إلى موطني الأصلي”، وبهذا المعنى إن “أبي أعظم مني”.

فقلت له “إذن ليس هذا إنكار ضمني لألوهيته”.

فاختتم حديثه قائلاً “كلا، ليست فعلاً كذلك. والسياق يجعل هذا واضحاً”.

فيما كنت مستعداً لقبول حقيقة أن يسوع ليس أقل ألوهية، فقد كان لديَّ مسألة أكثر حساسية مختلفة وأكثر إثارة: كيف يمكن ليسوع أن يكون رحيماً ومع ذلك يوافق على فكرة العذاب الأبدي للذين يرفضونه؟

مسألة جهنم المزعجة١

يقول الكتاب المقدس بأن الآب مُحب للبشر. ويؤكد العهد الجديد نفس الشئ عن يسوع. ولكن هل من الممكن أن يكونا فعلاً محبين للبشرية وفي نفس الوقت يرسلون الناس إلى جهنم؟ والمهم أن يسوع يعلمنا عن جهنم أكثر من أي شخص آخر في كل الكتاب المقدس. ألا يتناقض هذا مع شخصيته التي من المفترض أنها لطيفة، ورحيمة؟

عندما طرحت هذه المسألة على كارسون؛ إقتبست الكلمات الحادة القاسية التي قالها تشارلز تمبلتون “اللا أدري”: كيف يمكن لأب سماوي محب للبشر أن يخلق جهنماً لا نهائية، ويرسل ملايين من البشر إليها، عبر القرون، لأنهم لا يقبلون، أو لا يستطيعون أن يقبلوا، أو لن يقبلوا بعض المعتقدات الدينية؟”(٣)

ذلك السؤال، مع أنه قيل بصيغة تحدث أقصى تأثير ممكن، فلم يثير غضب كارسون، فبدأ بالتوضيح “أولاً، إني لست متأكداً أن الله يلقي الناس ببساطة في جهنم لأنهم لا يقبلون معتقدات معينة”.

ثم فكر لحظة، ثم إستعد لإعطائي إجابة أكثر شمولاً بمناقشة موضوع يعتبره كثير من المحدثين مفارقة تاريخية جذابة: الخطية.

فقال كارسون: “رُسمت صورة الله في بدء الخليقة مع رجل وإمرأة خُلقا على صورته. يستيقظون في الصباح ويُفكرون في الله. إنهم يحبونه حقاً، ويُسرّون بعَمل ما يريده؛ فتلك كانت مُتعتهم الأكمل. فهم بحق مرتبطون به كما أنهما بحق مرتبطين ببعضهما.

“ثم، بدخول الخطية والعصيان إلى العالم، بدأ أولئك الذين يحملون صورته بالإعتقاد بأنهم مركز الكون. وهذا ليس حرفياً، لكنهم هكذا كانوا يظنون. وتلك هي الطريقة التي نفكر بها، كل الأشياء التي نسميها “أمراض إجتماعية”، الحرب، والإغتصاب، والعنف، والمرارة، والغيرة الخفية، والكبرياء، ومركبات النقص كلها تتجمع في أول مرحلة وترتبط بحقيقة أننا لسنا بحق مرتبطين بالله.

“ومن منظور الله، هذه التصرفات تثير الإشمئزاز بفظاظة.

إذن ماذا ينبغي على الله أن يفعله إزاء هذه التصرفات؟ فلو أنه قال: “حسناً، لن أعطي هذا الأمر أي إهتمام” فكأنه يقول إن الشر لا يهمه. وكأنه يقول: “نعم، إنها المحرقة، لا يهمني”. ألن نشعر بصدمة لو إعتقدنا أن الله لا يحكم أحكاماً أخلاقية على هذه الأمور.

“لكن من حيث المبدأ، إذا كان لدى الله هذا النوع من الأحكام الأخلاقية على تلك الأمور، فلا بد أن يكون لديه أحكام أخلاقية على هذه المسألة الفظيعة الخاصة بكل حاملي صورته الإلهية، وهم يهزون قبضة أيديهم التافهة في وجهه ويغنون مع فرانك سيناترا “لقد فعلتها بطريقتي الخاصة” تلك هي طبيعة الخطية الحقيقية.

“وبعد قول ذلك، فإن جهنم ليست مكاناً يُودع فيه الناس لأنهم أشخاص طيبين ولكنهم لم يؤمنوا الإيمان الصحيح. يُدعون هناك، أولاً وقبل كل شيء، لأنهم يتحدون خالقهم ويريدون أن يكونوا في مركز الكون. ولن تُملأ جهنم بالناس الذين ندموا فعلاً، لكن الله ليس رحيماً لدرجة أنه يسمح لهم بالفرار. ولكنها مملوءة بالناس الذين يريدون، دائماً وأبداً، أن يكونوا في مركز الكون والذين يصرون في العصيان وتحدي إلههم.

“ما المفروض أن يفعله الله؟ إذا قال إن هذا الأمر لا يهمه، فإنه لن يُعدّ إلهاً جديراً بالإحترام. وهو إما أن يكون إلهاً لا أخلاقي أو إلهاً مخيفاً مريعاً. إذا تصرف بأي طريقة أخرى لمواجهة هذا التحدي الصارخ، فإن هذا سيقلل من ألوهيته”.

فقاطعته قائلاً “نعم لكن أكثر ما يزعج الناس ويقلقهم هو أن الله سيعذب الناس إلى الأبد. فإن هذا يبدو تصرفاً شريراً. أليس كذلك؟”

فأجاب كارسون “أولاً، يقول الكتاب المقدس بأن هناك درجات مختلفة من العقاب، لذا فلست متأكداً بأنه سيكون بنفس مستوى الشدة لكل الناس.

“ثانياً، لو أن الله رفع غضبه عن هذا العالم المنحل الأخلاق فلن تكون هناك أي ضوابط تكبح شرور البشر، وسنصنع جهنماً بأنفسنا. وهكذا لو سمحت لمجموعة كاملة من الخطاة أن يعيشوا في مكان ما في مكان محصور حيث لا يُلحقون أضرار بأي شخص إلا أنفسهم، فأي مكان تجده صالحاً لذلك غير جهنم؟ فهناك إحساس بأنهم من يُسبب ذلك لأنفسهم، وهو الشيء الذي يعوزهم لأنهم مازالوا غير نادمين”.

إعتقدت أن كارسون قد أنتهى من جوابه، لأنه تردد للحظة.

على أية حال، فمازالت لديه نقطة واحدة أكثر حسماً “أحد الأشياء التي يصر عليها الكتاب المقدس هي أنه في النهاية ستتحقق العدالة وليس هذا فقط، ولكن لابد من التأكد أن العدالة قد تحققت لكي تسكت جميع الأفواه”.

وهنا تشبثت بهذه الجملة الأخيرة وقلت “بعبارة أخرى، في وقت الدينونة لن يوجد إنسان في العالم سيُخلى من هذه التجربة ويقول إن  الله قد عاملهم معاملة ظالمة. وكل واحد سيعترف بالعدالة الأساسية التي يحكم بها الله عليهم وعلى العالم كله”.

فقال كارسون بحزم “هذا صحيح، فإن العدالة لا تتحقق دائماً في هذا العالم؛ وهذا ما نراه في كل يوم. لكن في اليوم الأخير ستتحقق العدالة ليراها الجميع. ولن يكون هناك من أحد قادر على الشكوى يقول “هذا ليس العدل”.

يسوع والعبودية

كانت هناك قضية واحدة أخرى التي أردت إثارتها مع كارسون.

فنظرت إلى ساعتي وقلت له “هل لديك بضعة دقائق أخرى؟ فلما أشار لي بالموافقة، بدأت أقدم له موضوعاً مثير للجدل والخلافات.

“لكي يكون يسوع إله، يجب أن يكون كاملاً من الناحية الأخلاقية. لكن بعض نقاد المسيحية إتهموه بالتقصير لأنه-بحسب قولهم-صدّق ضمنياً على الممارسة المُقززة أخلاقياً للعبودية. وكما كتب مورتن سميث

كان هناك عبيد يفوق حصرهم العد في الإمبراطور والحكومة الرومانية؛ وقد إمتلك هيكل أورشليم (القدس) العبيد؛ وكذا لرئيس الكهنة (واحد منهم فقد إحدى أذنيه عند القبض على يسوع)؛ وكان لدى كل الأغنياء ومعظم الطبقة المتوسطة، عبيد. وبحسب ما قيل لنا، لم يهاجم يسوع هذه الممارسة…

ويبدو أنه كانت هناك حركات تمرد من العبيد في فلسطين والأردن في أيام شباب يسوع؛ والقائد صانع المعجزات لمثل هذه الثورة كان سيجتذب أتباعاً كثيرين. فلو شجب يسوع العبودية أو وعد بتحرير العبيد، لكنا بالتأكيد قد سمعنا بأنه قام به. فنحن لم نسمع شيئاً، لذا فعلى الأرجح بأنه لم يقل عنه شيئاً. (٤)

كيف فشل يسوع في الحث على إلغاء العبودية يتفق مع حب الله لجميع الناس؟ لماذا لم يقف يسوع ويصرخ قائلاً “العبودية نظام ظالم؟ هل كان ينقصه الحافز الأخلاقي لدرجة أنه لم يعمل على إلغاء قانون يحط من قدر الناس الذين خلقهم الله على صورته؟”

فاعتدل كارسون في جلسته على الكرسي ثم قال “أعتقد حقاً بأن الناس الذين يثيرون هذا الإعتراض يُخطئون في فهم الغاية، فلو سمحت لي، فسأمهد الطريق بالحديث عن العبودية، قديماً وحديثاً، لأنه في ثقافتنا، نجد أن هذه القضية مشحونة ومحملةً بمعاني إضافية لم تكن موجودة في العالم القديم”.

أومأت له للإستمرار، وقلت له “من فضلك إستمر”.

الإطاحة بالإضطهاد

“في كتابه “الأجناس والحضارة ” Race and Culture “(٥) أشار العالم الأفرو-أمريكي توماس سوديل بأن كل ثقافة كبرى في العالم حتى العصر الحديث-بلا استثناء-كان فيها عبودية”، وبدأ كارسون يشرح الموضوع “بينما كان من الممكن ربط نظام العبيد بالفتوحات العسكرية، إلا أن العبودية كانت تؤدي وظيفة إقتصادية. فلم يكن هناك قانون إشهار الإفلاس. ولذلك فإنك إذا وقعت في مشكلة رهن أو دين فظيعة، كنت تبيع نفسك و / أو عائلتك للعبودية. وبينما كانت العبودية تسدد الدين، فإنها كانت أيضاً توفر للعبد عمل. فلم تكن كلها سيئة بالضرورة، وعلى الأقل إنها كانت خيار للبقاء.

“من فضلك حاول أن تفهمني: فأنا لا أحاول مُغازلة العبودية بأية حال. ومع ذلك، ففي الأوقات الرومانية كان هناك عمال يدويين وكانوا عبيد، وكان هناك آخرين أيضاً ممن كانوا يضارعون العلماء المشهورين من حملة دكتوراه الفلسفة، وكانوا يقومون بالتدريس للعائلات. ولم يكن هناك أي إرتباط لعرق معيّن بالعبودية.

“وفي نظام العبودية الأمريكي، ولو أن، جميع الزنوج السود والسود وحدهم من كانوا عبيد. وكان هذا أحد مظاهر الرعب العجيب من العبودية، ونتج عنه شعور ظالم بالنقص لدى الزنوج ومازال الكثيرون منا يواصلون المحاربة حتى اليوم.

“والآن دعنا ننظر إلى الكتاب المقدس. ففي المجتمع اليهودي كان كل واحد يمكنه أن يحصل على حريته عند كل يوبيل، بحسب الشريعة. وبعبارة أخرى، كان هناك تحرير للعبيد كل سنة سابعة. وسواء أكانت الأمور تتم فعلاً بهذه الطريقة أم لا، وبالرغم من ذلك، كان هذا هو ما قاله الله، وكان هذا هو النظام الذي تربى فيه يسوع.

“لكن كان يجب أن تضع رسالة يسوع نصب عينيك. فهو لم يأتي أساساً، لقلب النظام الإقتصادي الروماني، الذي تضمّن نظام العبودية. لكنه جاء ليحرر الرجال والنساء من خطاياهم. وهنا نقطتي: إن رسالته تعمل على تحويل الناس ليبدأوا بمحبة الله بكل قلوبهم، وأرواحهم، وعقولهم، وقدرتهم، ولمحبة جيرانهم كأنفسهم. وبالطبع، كان لهذا أثره على فكرة العبودية.

“أنظر إلى ما يقوله بولس الرسول في رسالته إلى فليمون فيما يتعلق بعبد هارب يُدعي أونسيموس. فإن بولس لم يطلب الاطاحة بنظام العبودية، لأن كل ما كان سينتج عن ذلك هو حكم بالإعدام. وبدلاً من ذلك يُخبر فليمون أنه يستحسن أن يعامل أونسيموس كأخ في المسيح، تماماً كما سيعامل بولس نفسه. ثم أن بولس يؤكد ومذكَّراً له “إنك مديون لي بنفسك أيضاً”.

“فالإطاحة بنظام العبودية، إذن، كان عن طريق تحويل الرجال والنساء بالإنجيل، أفضل من خلال تغيير النظام   الإقتصادي. وقد رأينا جميعاً ما الذي يمكن أن يحدث عندما تُسقط نظام إقتصادي وفرض نظام جديد. كان الحلم الشيوعي الكامل هو إيجاد “إنسان ثوري” يتبعه “الإنسان الجديد”. والمشكلة أنهم لم يجدوا “الإنسان الجديد” أبداً، ومع أنهم تخلصوا من مُضطهدي الفلاحين، إلا أن هذا لم يكن معناه أن الفلاحين أصبحوا أحراراً فجأة، لكنهم كانوا فقط تحت نظام جديد من الظلام. وفي التحليل النهائي، إذا أردت تغييراً دائماً، فعليك أن تحوّل قلوب البشر. وتلك كانت مهمّة يسوع.

“وتستحق هذه النقطة أيضاً أن تسأل السؤال الذي سأله سويل: “كيف أوقفت العبودية؟ يُشار إلى أن الحافز الذي أدى لإلغاء العبودية كان النهضة الإنجيلية في إنجلترا. فرض المسيحيون إلغاء العبودية في البرلمان في بداية القرن التاسع عشر وبعد ذلك إستخدموا القوارب المسلحة البريطانية، في النهاية، لإيقاف تجارة العبيد عبر المحيط الأطلنطي.

“وبينما كان هناك حوالي أحد عشر مليون أفريقي نُقلوا بالسفن إلى أمريكا، وكثيرون منهم لم يفعلوا ذلك، كان هناك حوالي ثلاثة عشر مليون أفريقي نقلوا بالسفن ليصيروا عبيداً في العالم العربي. ومرة أخرى كان البريطانيون-بتشجيع الناس الذين تغيرت قلوبهم من قبل المسيح-هم الذين أرسلوا سفنهم المسلحة إلى الخليج الفارسي لإعتراضها”.

بدا رد كارسون معقولاً ليس فقط من الناحية التاريخية، بل أيضاً من خلال تجربتي الشخصية. فمثلاً، منذ عدة سنوات، كنت أعرف رجل أعمال عنصري متطرف وكان له موقف متعالي شاعر بالتفوق على أي شخص من لون آخر. ولربما لم يكن يبذل أي مجهود لإخفاء إحتقاره للأمريكيين الأفريقيين، وكان كثيراً ما يسمح لطبعه المتعصب أن يتدفق على شكل نكات غير مهذبة وتعليقات ساخرة. ولم تستطع أي كمية من المجادلات أن تثنيه عن آرائه المثيرة للإشمئزاز.

ثم أصبح من أتباع يسوع. ولما راقبت مواقفه، ووجهة نظره، وقَيَمَه، التي تغيرت بمرور الزمن، حينما جدد الله قلبه. أدرك أنه لم يستطيع إضمار الحقد نحو أي شخص، منذ أن تعلم من الكتاب المقدس بأن كل الناس صُوروا على صورة الله. أستطيع اليوم القول بكل أمانة بأنه شفوق حقاً ويقبل الآخرين، ومن ضمن ذلك أولئك الذين هم مختلفون عنه.

لم تغيره القوانين المُشرّعة. ولا المجادلات المناشدة للمشاعر أن تبدله. وسيخبرنا بأن الله غيّره من الداخل للخارج بشكل حاسم، بالكامل، وبشكل دائم. ذلك أحد الأمثلة العديدة التي رأيت لقوة الإنجيل التي كان كارسون يتحدث عنها، قوة تحويل الحاقدين إلى مُحسنين، ومُحبي الإنتقام إلى محبين للخير، والبخلاء قساة القلوب إلى مانحين رقيقي القلوب، وتحويل المفتخرين بقوتهم إلى خدام ناكرين للذات، والمُستغلون للآخرين-عن طريق العبودية أو أي شكل آخر من أشكال الظلم -إلى أناس يحبون الجميع.

يتطابق هذا مع ما قاله بولس في رسالته إلى أهل غلاطية (3:28) ” ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع”.

يضاهي الرسم التخطيطي له

تحدثنا أنا وكارسون، بنشاط لساعتين، وملأنا أشرطة أكثر مما وُضع في هذا الفصل. وقد وجدت إجابته معقولة وسليمة وصحيحة من الناحية اللاهوتية. ومع ذلك، ففي النهاية، ظلت مسألة كيف يحدث التجسد، وكيف تتلاحم الروح مع الجسد، بقيت هذه المسائل مفاهيم مُحيرة للعقل.

ومع ذلك، وبحسب الكتاب المقدس، فإن حقيقة أنه حدث لا شك فيها. ويقول العهد الجديد أن كل صفة من صفات الله المميزة موجودة في يسوع المسيح.

* كلي المعرفة: في إنجيل (يوحنا 16: 30) يؤكد الرسول بأن يسوع ” اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَكَ أَحَدٌ. لِهذَا نُؤْمِنُ أَنَّكَ مِنَ اللهِ خَرَجْتَ”.

* كلي الوجود: يقول يسوع في إنجيل (متى 28: 20) “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ”. وفي إنجيل (متى 18: 20) “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ”.

* كلي القدرة: قال يسوع في إنجيل (متى 28: 18) “دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ”.

* أبدي، أزلي: في إنجيل (يوحنا 1: 1) يعلن عن يسوع “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ”.

* ثابت، غير قابل للتغيير: تقول الرسالة إلى (العبرانيين 13: 8)، “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ”.

والعهد القديم أيضاً يرسم صورة الله باستخدام مثل هذه الألقاب والأوصاف ك البداية والنهاية، والرب، والمخلّص، والملك، والديان، والنور، والصخرة، ومانح الحياة، والراعي، والخالق، وغافر الذنب، والمتكلم بسلطة مقدسة. ومن الرائع أن تلاحظ أنه قيل العهد الجديد كل صفة من هذه الصفات المميزة تُطبّق على يسوع(٦).

وقد قال يسوع كل هذا في إنجيل (يوحنا 14: 7) ” لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ”

والترجمة الحرّة: عندما تنظرون إلى الرسم التخطيطي لله في العهد القديم، فسترون صورة مشابهة لي”.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

■ إقرأ الرسالة إلى أهل (فيليبي 2: 5-8) التي تتحدث عن إخلاء يسوع لنفسه وأنه ولد في ظروف متواضعة، وكان الصليب هو مصيره. ما هي الدوافع المحتملة لأن يفعل يسوع ذلك؟ ثم إقرأ الآيات “9-11”. ماذا يحدث كنتيجة لمهمة يسوع؟ ما الذي يمكن أن يحثّ كل إنسان لإستنتاج، يوماً ما، أن يسوع هو الله؟

■ هل سبق وأن كانت فكرة جهنم عائقاً في رحلتك الروحية؟ كيف ترد على تفسير كارسون عن هذه المسألة؟

■ وجه كارسون بعض الآيات التي تبدو في ظاهرها أنها توحي أن يسوع كان كائناً مخلوقاً أو إله أقل من الله. هل وجدت إستنتاجاته مقنعة؟ لماذا نعم ولمّ لا؟ وماذا تعلمت من تحليله لهذه المسائل من حيث إحتياجك لمعلومات مساعدة مناسبة في تفسيرك للكتاب المقدس؟

مصادر أخرى حول الموضوع.

  • Harris, Murray J. Jesus As God. Grand Rapids: Baker, 1993.
  • Martin, W. J. The Deity of Christ. Chicago: Moody Press, 1964.
  • McDowell, Josh, and Bart Larson. Jesus: A Biblical Defense of His Deity. San Bernardino, Calif.: Here’s Life, 1983.
  • Stott, John. Basic Christianity. Grand Rapids: Eerdmans, 1986.
  • Zodhiates, Spiros. Was Christ God? Grand Rapids: Eerdmans, 1966.

(١) يتناول الكاتب “لي ستروبل” هذا الموضوع بشكل مُفصّل في كتابه “القضية.. الإيمان”، حيث أجرى مقابلة مع “تشارلز تمبلتون” نفسه، وكذا مقابلات مع آخرين حول هذا الموضوع، وموضوعات أخرى ذات صلة. مكتبة دار الكلمة، مصر، القاهرة، 2007، ط  ١ “.

دليل الرسم التخطيطي – هل حقق يسوع صفات الله؟ – لي ستروبل

الدليل الطبي للقيامة – هل كان موت يسوع افتعال وقيامته خدعة؟ – لي ستروبل

الدليل الطبي للقيامة – هل كان موت يسوع افتعال وقيامته خدعة؟ – لي ستروبل

الدليل الطبي للقيامة – هل كان موت يسوع افتعال وقيامته خدعة؟ – لي ستروبل

وقفت قليلاً لكي أقرأ اللوحة المعلقة في غرفة الإنتظار في عيادة أحد الأطباء: “لتتوقف المحادثات، ولتهرب الضحكات، في هذا المكان يبتهج الموت لمساعدة الأحياء”.

من الواضح، بأن هذا لم يكن طبيباً عادياً. كنت أقوم بزيارة أخرى للدكتور روبرت جي. شتاين، أحد أكبر الأطباء الشرعيين في العالم. هو مخبر طبي ملابسه مزركشة وصوته أجش، شديد التباهي، وقد إعتاد أن يمتعني بحكايات عن الأدلة غير المتوقعة التي كُشفت أثناء فحص الجثث. ففي رأيه، أن الموتى أخبروا القصص الحقيقية، القصص التي كثيراً ما تحقق العدالة للأحياء.

أثناء فترة خدمته الطويلة كطبيب شرعي في مقاطعة كوك، بولاية إللينوي، شرَّح شتاين أكثر من عشرون ألف جثة، وفي كل مرة يبحث عن بدقة شديدة عن بصيرة لمعرفة الظروف التي أحاطت بموت الضحية. وبشكل متكرر كان نظره الثاقب الباحث عن التفاصيل، ومعرفته الموسوعية لعلم التشريح الإنساني، كما ساعده حدسه الإستقصائي الغريب الشرطة السرية في إعادة فحص أسباب وفاة الضحية العنيفة.

أحياناً يُبرأ أُناس أبرياء كنتيجة لأستنتاجاته. ولكن في أحيان أخرى كثيرة كان عمل شتاين بمثابة المسمار الأخير في تابوت المتهم. وكانت هذه هي الحالة مع جون واين جايس، الذي واجه الجلاد بعدما ساعد شتاين على إدانته بإرتكاب ثلاث وثلاثون جريمة قتل مريعة.

وبذا، كيف يمكن أن يكون الدليل الطبي حاسماً. فبإمكانه تقرير إن كان أحد الأطفال قد مات بسبب سوء المعاملة أم بسبب سقوط عرضي. وبإمكانه إثبات إذا كان أحد الأشخاص قد توفي لأسباب طبيعية أم قتله شخص سمم قهوته بإضافة الزرنيخ إليهما. وبإمكانه تأييد أو تكذيب وجود متهم في مكان الجريمة وقت إرتكابها، وذلك بالتحديد الدقيق جداً لموعد وفاة الضحية بإستخدام إجراءات بارعة تقيس كمية البوتاسيوم في عيني الميت.

وكذلك، حتى في حالة شخص أعدم بوحشية على صليب روماني منذ ألفين سنة، فإن الدليل الطبي ما زال بإمكانه أن تقديم مساهمة حاسمة: فبإمكانه أن يُفسد أحد أكثر الحجج المستديمة- والتي إستخدمها من يدعون قيامة يسوع- وهي من أهم البراهين لإدعائه الألوهية، لم تكن أكثر من خدعة متقنة.

قيامة أم إنتعاش من إغماء؟

فكرة أن يسوع لم يمت حقاً على الصليب يمكن وجودها في القرآن، الدي دوّن في القرن السابع الميلادي، وفي الواقع أن المسلمين من طائفة الأحمدية يؤكدون بأن يسوع هرب فعلاً إلى الهند. وإلى يومنا هذا هناك ضريح الذي يفترض أنه مدفنه الحقيقي في مدينة سريناجار، في إقليم كشمير[1].

وفي مطلع القرن التاسع عشر، حاول كارل باهردت، وكارل فينتوريني، وآخرون أن يثبتوا بطلان القيامة بالقول أن يسوع غاب عن الوعي فقط من الإعياء على خشبة الصليب، أو أنه أعطى مادة مخدرة جعلته يبدو كأنه ميت، وبأنه بعد ذلك تم إنعاشه بتأثير هواء القبر البارد الرطب[2].

وقد عزز المؤمنون بنظرية المؤامرة هذه الفرضية بالتلميح إلى أن يسوع قد أُعطي سائل على إسفنجة فيما كان معلقاً على الصليب (مرقس 15: 36)، وكذا دهشة بيلاطس بسرعة وفاة يسوع (مرقس15: 44). ونتيجة لذلك قالوا أن عودة يسوع إلى الظهور لم تكن قيامة أعجوبية لكنها كانت مجرد إنتعاش عرضي، وقبره كان فارغاً لأنه وآصل العيش.

وبينما أنكر علماء مشهورين نظرية الإغماء المزعوم، إلا أنها بقيت متكررة في كتابات الأدب الشعبية. وفي سنة 1929م نسج دي. إتش. لورانس هذه الفكرة في قصة قصيرة ذكر فيها أن يسوع هرب إلى مصر، حيث وقع في حب الكاهنة إيزيس[3].

وفي سنة 1965م ألَف هيو شونفيلد كتابه الرائج”مؤامرة الفصح The Passover Plot” الذي إدعى أن طعنة الجندي الروماني الغير متوقعة ليسوع هي فقط التي أحبطت خطة نجاته من الصلب حياً، مع أن شونفيلد إعترف قائلاً”إننا لا ندعي في أي مكان… أن ذلك ]الكتاب[ يمثل ما حدث فعلاً”[4].

عادت فرضية الإغماء ثانية في كتاب دونوفان جويس”وثيقة يسوع” سنة 1972م، وهو يحتوي على سلسلة لا يمكن تصديقها من الأحداث الغير محتمل حدوثها والأكثر غرابة من كتاب شونفيلد، طبقاً لخبير القيامة جاري هابيرماس[5]. وفي سنة 1982م ظهر كتاب “الدم المقدس” و “الكأس المقدسة”، فأصاب تحريفاً بأن بيلاطس البنطي أُعطيت رشوة ليسمح ليسوع أن ينزل من على الصليب قبل موته. ومع ذلك إعترف المؤلفون “إننا لا نستطيع، وما زلنا لا نستطيع، أن نثبت دقة إستنتاجنا”[6].

ومؤخراً في سنة 1992م، نجد أكاديمية غير مشهورة من إستراليا، تدعى باربارا ذييرنخ، أحدثت ضجة بإحياء نظرية الإغماء في كتابها “يسوع ولغز وثائق البحر الميت” الذي كتبت مقدمته مصحوبة بضجة هائلة من قبل ناشر أمريكي محترم وبعد ذلك تم رفضه بسخرية بواسطة عالم من جامعة إموري يدعى لوك تيموثي جونسون فقال إنه “هراء خالص، ونتاج خيال محموم ومريض بلاً من أن يكون تحليلاً دقيقاً”[7].

وكأسطورة حضرية، تواصل نظرية الإغماء الإزدهار. وإني أسمعها طول الوقت في مناقشة القيامة مع الباحثين الروحيين. ولكن ما الذي يثبته هذا الدليل؟ ما الذي حدث فعلاً عن الصلب؟ ما الذي سبَب موت يسوع؟ هل كانت لديه أي إمكانية لكي ينجو حياً من هذه المحنة؟ تلك هي أنواع الأسئلة التي تمنيت أن تساعد الأدلة الطبية على حلها.

لذا سافرت بالطائرة إلى جنوب كاليفورنيا وقرعت باب طبيب بارز ومشهور، والذي درس بتوسع المعلومات التاريخية والآثارية والطبية المتعلقة بموت يسوع الناصري- مع أنه يبدو أن تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة لم يتم أبداً بسبب إختفاء الجثة بطريقة غامضة.

المقابلة العاشرة: إلكسندر ميثيريل، ماجستير في الطب، ودكتوراه في الفلسفة

لقد كان هذا المكان الفاخر شاذ على نحو كبير بالموضوع الذي كنا نناقشه. هناك كنا، جالسين في غرفة المعيشة في منزل ميثيريل المريح في كاليفورنيا، في مساء ربيعي معتدل، تهب نسمات المحيط الدافئة، تهمس خلال النوافذ، بينما كنا نتحدث عن موضوع الوحشية التي لا يمكن تصوّرها، الضرب الهمجي والذي يصدم الضمير، ونوعية عقوبة الإعدام المنحرفة والتي تُعدُ دليلاً رهيباً على وحشية ظلم الإنسان للإنسان.

لقد سعيت للقاء ميثيريل لأني سمعت أن لديه المعلومات الطبية والعلمية لتفسير حادثة الصلب. لكن كان لديَ حافز آخر أيضاً فقد بلغني أنه يستطيع أن يناقش الموضوع بشكل محايد إضافة للدقة. وذلك كان مهم لي، لأني أردت أن تتكلم الحقاق بنفسها، بدون المبالغة أو اللغة المشحونة بالعواطف والتي تثير المشاعر.

وكما تتوقع من شخص يحمل شهادة طبية (جامعة ميامي بفلوريدا) ودكتوراه في الهندسة (جامعة بريستول بإنجلترا)، يتحدّث ميثيريل بدقة علمية. ومشهود له في التشخيص بواسطة مجلس الأمريكي للمعالجة الأشعاعية، وكان مستشاراً للمعهد القومي، للقلب والرئة، والدم التابعين للمعاهد القومية للصحة في بيثيسدا، بولاية ماريلاند.

وكان ميثيريل عالم الأبحاث السابق والذي قام بالتدريس قي جامعة كاليفورنيا. وميثيريل رئيس تحرير لخمس كتب علمية وألف للنشر كتباً تتراوح من”الطب الفضائي” إلى”الأمريكي العلمي”. وتحليله البارع لتقلص العضلات ثم نشره في مجلة “علم وظائف الأعضاء والفيزياء الحيوية”. كما أن له دور كمرجع طبي متميز، كما أنه شخصية مهيبة ذاؤت شعر فضي، وسلوك مؤدب لكن رسمي.

وسأكون أميناً: ففي بعض الأحيان كنت أتساءل ما الذي يجري داخل ميثيريل. وبتحفظ علمي، كان يتحدث ببطء وبشكل منهجي، فلم يبدي إي تلميح يدل على أي إضطراب داخلي فيما وصف بهدوء التفاصيل الرهيبة لوفاة يسوع. وأيا كان شعوره الداخلي، ومهما كان الألم الذي أحس به كمسيحي بسبب حديثه عن المصير القاسي الذي أصاب يسوع، فقد كان قادراً على إخفائه بمهارة تولدت لديه عبر عقود من البحث المعملي.

فقد أعطاني فقط الحقائق ومهما كان الأمر، فإن هذا هو ما جعلني أسافر عبر الولايات المتحدة لأحصل عليه.

التعذيب قبل الصليب

مبدئياً- أردت أستنباط الوصف الأساس للأحداث التي إنتهت بوفاة يسوع من ميثيريل. لذا بعد فترة من الدردشة الإجتماعية، وضعت جانباً كوب الشاي المُثلج وتحركت في كرسييَ لمواجهته مباشرة، ثم سألته: “هل يمكنك رسم صورة لما حدث ليسوع؟

تنحنح ثم أجاب قائلاً “بدأت الأحداث بعد العشاء الأخير، ذهب يسوع مع تلاميذه إلى جبل الزيتون، تحديداً إلى بستان جيثسيماني. وهناك، إذا تتذكر، صلى طوال الليل. وفي أثناء هذه العملية كان يتوقع الأحداث الآتية والتي ستحدث في اليوم التالي. ولأنه كان يعرف مقدار الآلام التي سيضطر أن يتحملها، فقد كان من الطبيعي أن يشعر بضغوط نفسية هائلة”.

وهنا رفعت يدي لأستوقفه. ثم قلت له “هذه النقطة التي يجد فيها المتشككون مجالاً للجدال. فالأناجيل تخبرنا أنه بدأ يعرق دماً في هذه النقطة. أليس هذا مجرد نتاج بعض التخيلات النشطة أكثر من اللازم؟ أليس هذا يدعوا إلى الشك في دقة الكُتَاب الإنجيليين؟”

بدون أن ينزعج، هزَ ميثيريل رأسه وأجاب “أبداً مطلقاً. هذه حالة طبية معروفة تسمى العرق الدموي hematidrosis  وهي حالة شائعة جداً، لكنها مصحوبة بدرجة عالية من الضغط النفسي.

“ما يحدث هو أن القلق الشديد يُسبب إفراز مواد كيميائية تفتت الأوعية الشعرية في الغدد العرقية. ونتيجة لذلك، تحدث كمية صغيرة من النزيف في هذه الغدد، فيخرج العرق به قليل من الدم. فنحن لا نتحدث عن الكثير من الدم، لكن كمية صغيرة جداً”.

ومع أن الأسلوب كان مُبسطاً إلا أنني واصلت الإلحاح قائلاً “هل كان لهذا أي تاثير آخر على الجسم؟”

فأجاب “كل ما فعله أنه جعل الجلد هشاً جداً لدرجة أنه عندما جُلد من قبل الجندي الروماني في اليوم التالي، كان جلده حساس جداً”.

حسناً، ها نحن نتفهم الظروف. وأعددت نفسي للصور المروعة التي عرفت أنها على وشك أن تغمر أفكاري. لقد رأيت الكثير من الجثث بحكم عملي كصحفي، كوارث بسبب حوادث السيارات، والحرائق، أو عقوبة نقابات المجرمين (إنتقام العصابات)، ولكن كان هناك شيء يثير الأعصاب بصفة خاصة عندما أسمع عن شخص يُعامل بوحشية متعمدة من قبل جلادين مصممين أن يسببوا له أقصى أنواع العذاب.

فسألته “ماذا كان نوع هذا الجَلد؟”

فأجاب وعيناه لم تُفاقاني”طريقة الجلد الرومانية عُروفت بأنها وحشية جداً. وكانت عادة تتكون من تسع وثلاثون جلدة ولكن كثيراً ما كانت أكثر من ذلك بكثير، وهذا يتوقف على مزاج الجندي الذي ينفذ عملية الجلد.

“وكان يستخدم سوطاً مكون من سير جلدي مُضفّر ومثبت به كرات معدنية. وعندما كان السوط يضرب اللحم كانت هذه الكرات المعدنية تُسبب كدمات عميقة، والتي كانت تتقيح مع إستمرار الجلدات. وكان بالسوط قطع من عظام حادة أيضاً تجرح الجسد بشدة.

“وكان الظهر يتقطع لدرجة أن إجراء من العمود الفقري يصبح أحياناً مكشوفاً بسبب الجروح العميقة جداً. وكان يستمر الجلد من الأكتاف إلى أسفل الظهر، والأرداف، وخلف الساقين. لقد كان فظيعاً”.

وهنا سكت ميثيريل، لكني طلبت منه أن يستمر.

“أحد الأطباء الذي درس أسلوب الجَلد الروماني قال: “كلما إستمرَت عملية الجلد كانت تتمزق العضلات الهيكلية الدفينة وتسبب تمزق شرائط مرتعشة من اللحم النازف بالدم”. وهناك أيضاً مؤرخ من القرن الثالث يدعى يوسابيوس وصف عملية الجلد فقال “إن تُعرَى عروق الجلد، وكذا العضلات ذاتها، وأمعاء الضحية كانت مفتوحة وبادية للعيان”.

“ونعلم بأن كثيراً من الناس يموتون من جراء هذا النوع من الجلد حتى قبل أن يُصلبوا. وعلى الأقل، كان الضحية يقاس من آلام فظيعة قد تحدث صدمة بسبب فقده كمية كبيرة من الدم، صدمة نتيجة إنخفاض حجم الدم وقد إستخدم ميثيريل إصطلاح طبي لم أكن أعرف فسألته: “ما معنى هذه الكلمة فأخبرني بأن معناها أن الشخص كان يعاني من آثار فقده كمية كبيرة من الدم. وهذا يسبب أربع أشياء:

أولاً: تتسارع دقات القلب بكي يضخ دم غير موجود.

ثانياً: ينخفض ضغط الدم فيسبب الإغماء أو الإنهيار.

ثالثاً: يصبح الشخص عطشان جداً، لأن الجسم يحتاج بشدة إلى سوائل لتحل محل كمية الدم التي فُقدت”.

فسألته”هل ترى دليلاً على ذلك في وصف الإنجيل لهذه الأحداث”؟

فأجاب”نعم بالتأكيد. لقد كان يسوع يعاني من آثار فقده كمية كبيرة من الدم حين كان يمشي متمايلاً في الطريق إلى مكان الإعدام، عند الجلجثة أو الجمجمة، وهو الموضع الذي صلب فيه، وكان يمشي حاملاً الصليب.

وأخيراً إنهار يسوع وأمر الجندي الروماني، سمعان ليحمل الصليب بدلاً منه. وبعد ذلك نقرأ أن يسوع قال: “أنا عطشان” فقدمت له رشفة من الخل”.

“وبسبب التأثيرات الفظيعة لتلك الجلدات، ليس هناك من شك بأن يسوع كان في حالة حرجة وخطيرة حتى قبل أن تدق المسامير في يديه وقدميه”.

آلام وعذاب الصليب

وبالرغم من أن وصف عملية الجلد كان بغيضاً، إلا أنني كنت أعرف بأن هناك أدلة أشد بغضاً وما زالت آتية. ذلك لأن المؤرخين أجمعوا على أن يسوع كان ما زال حياً بعد الجلد في ذلك اليوم حتى ذهب إلى الصليب، حيث تكمن المحنة الحقيقية.

في هذه الأيام عندما يُدان المجرمين يُقيدون ويُحنقون بالسموم، أو يثبتون إلى كرسي خشبي ويُصعقون بموجة كهربائية، فالظروف تكون تحت السيطرة التامة وتحدث الوفاة بسرعة وبطريقة مؤكدة. وبعد الكشف الطبي الدقيق، يؤكد الأطباء موت الضحية. ومن مكان قريب جداً يدقق الشهود في رؤية كل شئ بدقة من البداية وحتى النهاية.

لكن كيف كان يمكن التأكد من مثل هكذا موت الذي يتم بعملية إعدام غير دقيقة وغير متقنة والبطيئة، والذي يُدعى الصلب؟ في الواقع، أن معظم الناس ليسوا متأكدين من كيف كان الصليب يقتل ضحاياه. وبدون طبيب شرعي متدرب رسمياً ليشهد بأن يسوع قد مات، فهل من المحتمل أن يكون قد نجا من هذه التجربة الوحشية والنزيف ورغم كل ذلك ما زال حياً؟ بدأت بفتح هذه القضايا، وسألت”ماذا حدث عندما وصل يسوع إلى موقع الصلب”؟

فأجابني قائلاً “كانوا قد وضعوه على الأرض، ثم سُمَرت يداه الممدودتان في العارضة الخشبية الأفقية من الصليب والتي كانت على الدوام مغروسة في الأرض”.

وهنا كنت ألاقي صعوبة في تصور هذا المنظر، لذلك إحتجت لمزيد من التفاصيل. فسألته: “بماذا سُمَّرت يداه؟ وفي أي موضع من الدين دُقَّت المسامير؟”

فأجابني قائلاً “إستخدم الرومان مسامير يبلغ طولها من خمسة إلى سبعة بوصات وكانت مدببة الطرف. وكانت هذه المسامير تدق من خلال الرسغ” وأشار ميثيريل إلى مكان تحت كف يده اليسرى بحوالي بوصة”.

فقاطعته قائلاً”كنت أظن أن المسامير كانت تخترق الكفين، هذا ما تصوّره كل الصور. وفي الواقع، أصبح هذا رمز قياسي لتمثيل عملية الصلب”.

فكرر ميثيريل “خلال الرسغ، فقد كان هذا موضع صلب يقفل اليد. فلو كانت المسامير قد دقت خلال الكفين لكان ثقل جسمه يجعل الجلد يتمزق، ولكان سقط هن الصليب. وهكذا دخلت المسامير من خلال الرسغ مع أن الرسغ كان يعتبر جزءاً من اليد في لغتهم في تلك الأيام.

“ومن المهم أن نفهم أن المسمار كان يخترق مكان العصب الأوسط، وهو العصب الأكبر متجه إلى اليد، وكان هذا العصب يسحق عند دق المسمار فيه”.

وحيث أنه لم يكن لديَ سوى معرفة بدائية عن علم التشريح الإنساني، فلم أكن متأكداً من معنى هذا الكلام. فسألته “ما نوع الألم الناتج عن دق المسامير بهذه الطريقة؟”

فأجابني قائلاً “دعني أشرح لك هذه النقطة، عل تعرف نوع الألم الذي تشعر به عندما تضرب كوعك في موضع عظمة الكوع حيث يوجد عصب آخر يسمى عصب الزند. وهو مؤلم للغاية لو ضربته عرضياً.

“حسناً، تصور أنك إستخدمت كماشة وعصرت وسحقت بها هذا العصب”قال هذا مع تأكيد كلمة”عصرت” فيما كان يُحرِّك يده وكأنه يلوي كماشة تخيلية. “إن تأثيرها سيكون مشابهاً لما شعر به يسوع”

جفلت عندما تخيلت هذه الصورة وتلويت في كرسييَّ.

إسترسل في كلامه “لقد كان الألم لا يُطاق إطلاقاً. في الحقيقة، كان الألم أصعب أن يوصف بكلمات، حتى أنهم إضطروا لإختراع كلمة جديدة: وهي “التعذيب النفس/ جسمي. ومعناها “خارج الصليب”. فكر في هذه النقطة، لقد إحتاجوا لخلق كلمة جديدة، لأنهم لم يجدوا كلمة أُخرى في اللغة تستطيع أن تصف الآلام الفظيعة التي تسببها عملية الصلب.

“عند هذه النقطة رُفع يسوع إلى العارضة الأفقية حيث تُثبّت في العارضة الرأسية، وبعد ذلك تُدقُّ المسامير على قدمي يسوع. ومرة أخرى، سحقت المسامير أعصاب القدمين، وسببت نوعاً مماثلاً من الألم”.

لقد كان سحق الأعصاب وتمزقها سيئاً جداً بالتأكيد، ولكني إحتجت لمعرفة مدى تأثير تعليق يسوع على خشبة الصليب.

“وما هي الضغوط التي سببها هذا التعليق على جسمه؟”

فأجاب ميثيريل “أولاً، ذراعيه تمددت في الحال، بطول ست بوصات تقريباً، وكلا الكتفين خُلعتا من موضعهما، ويمكنك أن تحدد ذلك بمعادلات رياضية بسيطة.

“هذا يحقق نبوة العهد القديم في المزامير وبالتحديد في مزمور 22، وهي النبوة التي تنبأت بالصلب قبل حدوثه بمئات السنين إذ يقول “انْفَصَلتْ كُلُّ عَظَامَي”.

سبب الموت

أثار ميثيريل نقطته بشكل تفصيلي بوصف حي نابض بالحياة- وهي نقطة الآلام التي تحملها يسوع عندما بدأت عملية الصلب. ولكني إحتجت لفهم ما الذي يسبب موت ضحية صلب في النهاية، لأن تلك هي المسألة المحورية لتحديد إن كان من الممكن للموت أن يزيف أو بالإمكان التملص منه. لذا وجهت سؤالي عن سبب الموت مباشرة إلى ميثيريل.

فأجابني قائلاً”بمجرد أن يُعلّق الشخص في وضع رأسي، فإن الصلب يسبب، وبشكل اساسي، موت بطيء جداً بالإختناق”.

“السبب هو ذلك الضغط على العضلات والحجاب الحاجز اللتين تضعان الصدر في موضع الشهيق. وأساساً، لكي يخرج هواء الزفير، لابد أن يضغط على قدميه لكي يخفف الضغط على العضلات للحظة. وبالقيام بذلك، فإن المسامير تُمزّق القدمين، وتظل المسامير تمزق القدمين من الداخل حتى تتوقف في النهاية عند عظم الكعب.

“وبعد أن يتمكن من إخراج هواء الزفير، يكون الشخص قادر على الإسترخاء إلى أسفل ليأخذ نفساً آخر. وبعد ذلك، يضطر أن يدفع نفسه للأعلى ليخرج هواء الزفير، فيسبب إحتكاك ظهره النازف مع خشب الصليب الخشن. وتستمر هذه العملية حتى يحل عليه الإنهاك التام والتعب الشديد ويصبح الشخص غير قادر على دفع نفسه لأعلى ليتنفس مرة أخرى.

“وعندما يبطئ الشخصْ من تنفسه- يصاب بحالة تسمى”أسيدوسز” ومعناها نقل قلوية الدم والأنسجة بسبب بطئ عملية التنفس، فيذوب ثاني أُكسيد الكربون في الدم مكوناً حامض الكربونيك مما يسبب إزدياد حموضة الدم. وهذا يؤدي في النهاية إلى عدم إنتظام ضربات القلب. وفي الواقع، عندما أصبحت ضربات قلبه مضطربة، كان يسوع مُدركاَ أنه قد أصبح عند لحظة الموت، وهي اللحظة التي إستطاع فيها أن يقول”يَا أَبَتَاةُ فَي يَديْكً أسْتَوْدَعُ رُوحَي” وبعد ذلك مات من السكتة القلبية”.

لقد كان أوضح شرح سمعته حتى الآن عن الموت بسبب الصلب، ولكن ميثيريل لم ينهي حديثه بعد.

فقال”حتى قبل أن يموت- وهذا مهم أيضاً- فإن الصدمة الناتجة عن تأثير فقد الجسم لكمية كبيرة من الدم مما نتج عنه زيادة في سرعة ضربات القلب، مما يؤدي إلى توقف القلب، ونتيجة لذلك يتجمع السائل في الغشاء المبطن للقلب، وهي حالة تسمى تدفق الدم حول القلب، وكذلك تدفق الدم حول الرئتين.

فسألته “لماذا يكون هذا مهماً؟”

فأجاب قائلاً “بسبب ما حدث عندما أتى الجندي الروماني، وحيث كان متأكداً أن يسوع قد مات، أراد أن يؤكد موته بان غرز الحربة في جانبه الأيمن. ويحتمل أن يكون جنبه الأيمن وإن كان هذا غير مؤكد، لكن من الوصف أنه كان جنبه الأيمن، بين الأضلاع”.

“ويبدو أن الحربة إخترقت الرئة اليمنى ثم الى القلب، فلما أُخرجت الحربة خرج معها سائل، وهو الدم المجتمع حول القلب وحول الرئتين. وكان مظهره كسائل صافي مثل الماء، ثم تبعه كمية كبيرة من الدم، كما وصفها شاهد العيان يوحنا في إنجيله”.

ومن المحتمل أن يوحنا لم تكن لديه فكرة، لماذا رأى كل من الدم والسائل الصافي يخرجان من جنب يسوع، وبالتأكيد لم يكن هذا ماكان يتوقعه شخص غير مُدرّب مثل يوحنا. ومع ذلك، فإن وصف يوحنا متسق مع ما يتوقعه الطب الحديق لأن يحدث. أولاً يبدو أن هذا يعطي مصداقية لكون يوحنا شاهد عيان، ومع ذلك، فيبدو أنه كان هناك خطأ كبير في كل هذا.

أخرجت كتابي المقدس وفتحته على إنجيل (يوحنا 19: 34) ثم قلت محتجاً: “إنتظر يا دكتور دقيقة، لما قرأت بعناية ما كتبه يوحنا حيث قال إنه رأى “دماً وماء” يخرجان، وهو وضع الكلمتين بهذا الترتيب عن عمد. ولكن حسب رأيك إن السائل الصافي خرج أولاً. إذن هناك تناقض هام هنا”.

فإبتسم ميثيريل قليلاً ثم قال “لست عالماً في اليونانية، ولكن وفقاً للناس الذين المتمكنين في اللغة اليونانية، قرروا بإن ترتين الكلمات في اللغة اليونانية القديمة فم بالضرورة بتسلسل الأحداث بل حسب أهميتها. وهذا يعني أنه طالما كانت كمية الدم أكثر من الماء من المنطقي أن يوحنا يذكر الدم أولاً”.

سلمت بهذه النقطة لكني سجلته ملحوظة في عقلي لكي أُؤكدها بنفسي فيما بعد. ثم قلت له “في هذه المرحلة الحاسمة ماذا كانت حالة يسوع؟”

فحملق ميثيريل والتقت عيناه مع عيني ثم أجاب مؤكداً”لم يكن هناك شك إطلاقاً أن يسوع كان ميتاً”.

الرد على المتشككين:

يبدو أن تأكيد الدكتور ميثيريل كان مدعماً بالأدلة. لكن ما زال هناك بعض التفاصيل التي أردت أن أحدثه عنها، بالإضافة إلى على الأقل نقطة واحدة غير مؤكدة في وصفه، التي من الممكن أن تقوّض من مصداقة الوصف الإنجيلي.

فقلت له”تقول الأناجيل أن الجنود كسروا أرجل المجرمين المصلوبين مع يسوع، فلماذا فعلوا ذلك؟”

“لو أرادوا التعجيل بوفاتهم قبل حلول السبت وعيد الفصح، فإن القادة اليهود أرادوا بالتأكيد أن ينتهون من ذلك قبل غروب الشمس، وكان الرومان يستخدمون قصبة الرمح المصنوعة من الصُلب من رمح روماني قصير ليكسروا العظام السلفي لأرجل الضحية. وكان هذا سيمنعه من دفع رجليه إلى أعلى لكي يستطيع التنفس، وهذا يؤدي للموت خنقاً خلال دقائق.

“وطبعاً، ذكر لنا العهد الجديد أن رجَلي يسوع لم تُكسر، لأن الجنود قرروا بأنه كان ميتاً، وإستخدموا الحربة فقط لتأكيده. وكان هذا تحقيقاً لنبوءة أخرى عن المسيا، بأن عظم من عظامه لن تُكسر”.

وهنا قفزت مرة أخرى وقلت له”بعض الناس حاولوا إثارة الشك حول الروايات الإنجيلية بمهاجمة قصة الصلب. فمثلاً، هناك مقالة في جريدة “مراجعة هارفارد اللاهوتية” إستنتجت قبل عدة سنوات بأنه كان هناك “أدلة قليلة بشكل مدهش أن أقدام الشخص المصلوب كانت تُدق بالمسامير” وبدلاً من ذلك- حسب ما جاء في المقالة- كانت أيدي الضحية وأقدامه تربط في الصليب بالحبال [8]ألن تسلم بأن هذا يثير مشاكل المصداقية بالنسبة للوصف الذي ذُكر في العهد الجديد؟”

وهنا تحرك ميثيريل للأمام حتى أصبح جالساً على طرف الكرسي ثم قال”كلا، لعلم الآثار قد أثبت الآن على طرف الكرسي ثم قال “كلا، لأن علم الآثار قد أثبت الآن إن إستخدام المسامير كان تاريخياً، مع أني سأسلم بالتأكيد أن الحبال كانت فعلاً تستخدم أحياناً”.

فسألته “ما الدليل على ذلك؟”

فأجابني “في سنة 1968م وجد علماء الآثار في أورشليم بقايا حوالي ثلاث دزينات من اليهود الذين ماتوا أثناء الثورة ضد روما حوالي سنة 70م. وأحد الضحايا الذي يبدو أن اسمه كان يوحنان، كان قد صلب. وكما هو متوقع، وجدوا مسمار طوله سبع بوصات ما زال مغروزاً في قدميه، وقطع صغيرة من خشب الزيتون من الصليب ما زالت عالقة بهما. وكان هذا تأكيد آثاري ممتاز لتفاصيل جوهرية في وصف الإنحيل لعملية الصلب”.

إقتنعت، ثم فكرت “ولكن هناك نقطة واحدة أخرى مثيرة للجدال تتعلق بخبرة الرومان لأن يحددوا إن كان يسوع قد مات”. فأشرت “هؤلاء الناس كانوا بدائيين جداً من ناحية فهمهم للطب وعلم التشريح وغيرها- فكيف نعرف بأنهم لم يخطئوا حين أعلنوا أن يسوع لم يعد حياً؟”

فأجابني قائلاً”سأسلم لك بأن هؤلاء الجنود لم يذهبوا إلى كلية الطب. لكن تذكر أنهم كانوا خبراء في قتل الناس، فهذه كانت وظيفتهم، وكانوا يؤدونها بإتقان. وكانوا يعرفون بلا شك متى يكون الشخص ميتاً. وفي الواقع إن هذا ليس من الصعب جداً إكتشافه.

“وبالإضافة إلى ذلك، إذا هرب سجين بطريقة ما، فإن الجنود المسؤولين أنفسهم سيموتون، ولذلك كان لديهم حافز ضخم لأن يتأكدوا تماماً بأن كل ضحية كان ميتاً عند إنزاله عن الصليب”.

المجادلة الأخيرة:

بالإحتكام إلى التاريخ والطب، وإلى علمَ الآثار وحتى القوانين العسكرية الرومانية، إستطاع ميثيريل أن يسد كل منفذ للغموض، يسوع لم يكن ممكناً أن ينزل حياً عن الصليب. ولكن مع ذلك ضغطت عليه بتوجيه هذا السؤال”هل هناك أي طريقة ممكنة- أي طريقة ممكنة- يمكن من خلالها أن ينجو من الموت؟”

هز ميثيريل رأسه وأشار إليَّ بأصبعه مؤكداً “كلا، إطلاقاً، تذكر أنه كان قبل الصلب متأثراً يفقد كمية كبيرة من الدم حتى قبل أن تبدأ عملية الصلب. لم يكن بإمكانه أن ينزف موته لأنه لا يمكنك أن تزيف عدم قدرتك على النتفس لمدة طويلة. بالإضافة إلى ذلك فإن الحربة التي غُرزت في قلبه لابد أنها حسمت المسألة نهائياً وبشكل حاسم. ولم يكن الرومان مستعدين أن يخاطروا بموتهم بالسماح له بالهروب حياً”.

فقلت له”إذن فعندما يأتي إليك شخص ويزعم أن يسوع أغميَ عليه فقط على الصليب …”.

“سأقول لهم إن هذا مستحيل. فتلك نظرية خيالية ليس لها أي أساس ممكن في الواقع”.

ومع ذلك فإني لم أكن مستعداً تماماً للتخلي عن هذه المسألة. فقلت له “دعنا نفترض بأن المستحيل قد حدث وأن يسوع بطريقة ما تمكن من البقاء حياً بعد الصلب. دعنا نقول أنه إستطاع أن يهرب من أربطته الكتانية، ويدحرج الصخرة الضخمة بعيداً عن باب القبر، ويجتاز الجنود الرومان الواقفين للحراسة. فمن الناحية الطبية، في أي حالة صحية كان بعد أن تعقب تلاميذه؟”

ميثيريل لم يكن راغباً أو مستعداً للإشتراك في هذه اللعبة فقال مؤكداً وقد أصبح أكثر نشاطاً وحيوية. “مرة أخرى، أؤكد لك أنه لم تكن هناك أي طريقة تمكنه من البقاء حياً بعد الصلب.

ثم أضاف قائلاً “ولكن إذا كان قد نجا، كيف كان سيمشي بعدما غُرزت المسامير في رجليه؟ كيف كان سيستطيع أن يظهر في الطريق إلى عمواس بعد فترة قصيرة، ثم يمشي مسافات طويلة؟ وكيف كان سيستطيع أن يستخدم ذراعيه بعدما شدت وخلعت من مفاصلها؟ تذكر أنه كان مصاباً بجروح ضخمة في ظهره، وجرح من الحربة في صدره”.

وهنا سكت قليلاً. فهناك شيء يشغل باله، والآن كان مستعداً لإثارة نقطة أخيرة ستوجه طعنة أخيرة إلى قلب نظرية الإغماء بشكل نهائي. إنها مجادلة لم يستطيع أحد أن يفندها منذ أن قدمت لأول مرة قبل عالم اللاهوت الألماني دافيد شتراوس سنة 1835.

وقال لي ميثيريل “إسمع، إن شخصاً في هذه الحالة المحزنة لم يكن أبداً سيحث تلاميذه لأن يخرجوا ويعلنوا بأنه هو رب الحياة الذي إنتصر على القبر.

“هل فهمت ما أقوله. بعدما تكبّد تلك الإساءة المروعة، مع كل فقدان الدم الكارثي والجراح المفجعة، كان سيبدو وفي حالة يرثى لها لدرجة أن أتباعه وتلاميذه لم يكونوا سيرحبون به أبداً كقاهر الموت المنتصر، بل كانوا سيشعرون بالأسى عليه ويحاولون رعايته حتى تعود إليه صحته.

“لذا من غير المعقول أن نظن أنه لو كان قد ظهر لهم في هذه الحالة الفظيعة، كان يمكن أن يحث أتباعه لبدء حركة عالمية مبنية على أمل أنهم في يوم من الأيام سيكون لهم جسد قيامة مثل جسده. إن الحقيقة أنه فقط لا توجد طريقة”.

سؤال القلب

بإقناع، وبمهارة، أسس ميثيريل قضيته بدون مجال لأي شك. وقد فعل هذا بالتركيز وبشكل خاص على سؤال”كيف”: كيف أُعدم بسوع بطريقة تتضمن موته تماماً؟ ولكن عندما إنتهى حديثنا، أحسست بأن هناك شئ مفقود. لقد وصلت إلى معلوماته، ولكني لم ألمس قلبه. لذلك لما وقفنا لنتصافح، شعرت أني مضطر أن أسأله سؤال الـ “لماذا” الذي كان يلح عليَّ ويتوسل إليَّ أن أوجهه فقل له.

“أليكس، قبل أن أذهب، دعني أسألك عن رأيك عن شئ، ليس رأيك الطبي ولا تقييمك العلمي لكن مجرد شئ من قلبك”.

وهنا أحسست أنه قد تخلى قليلاً عن يقظته وقال لي “سأحاول”

فسألته “إن يسوع إحتضن الشخص الذي خانه عمداً، ولم يقاوم عملية القبض عليه، ولم يدافع عن نفسه عند محاكمته، فقد كان من الواضح أنه كان مستعداً لأن يخضع برغبته لما وصفته- بالعذاب المحزن المذل- فإني أريد أن أعرف لماذا. ما الذي كان من الممكن أن يُحفّز شخصاَ أن يوافق على تحمل هذا النوع من العقاب؟”

الكسندر ميثيريل- الإنسان هذه المرة وليس الطبيب- بحث عن الكلمات المناسبة.

ثم قال”بصراحة إني لا أظن أن شخصاً عادياً كان بإمكانه أن يفعل ذلك. ولكن يسوع كان يعرف ما سوف يحدث وكان مستعداً لتحمله، لأن هذه كانت الطريقة الوحيدة لكي يخلصنا، بأن يكون بديلاً عنا، ويتحمل عقوبة الموت الذي نستحقه بسبب تمردنا على الله. فهذه كانت رسالته كلها التي من أجلها أتى إلى الأرض”.

وبعد أن قال هذا، كنت ما أزل أشعر أن عقل ميثيريل العقلاني والمنطقي والمنظم بإستمرار كان يوآصل سحق سؤالي إلى إجابة لا يمكن إختصارها.

ثم إختتم كلامه قائلاً “لذلك عندما تسأل ما الحافز الذي حثه لأن يتحمل هذا العذاب، أفترض أن الإجابة يمكن أن تُختصر في كلمة واحدة ألا وهي “المحبة”.

عندما سافرت بسيارتي في تلك الليلة، كانت هذه الإجابة تتردد ممراراً وتكراراً في ذهني.

ومن كل النواحي، كانت رحلتي إلى كاليفورنيا مفيدة للغاية. فإن ميثيريل قد أثبت بطريقة مقنعة أن يسوع لم يكن بإمكانه أن يبقى حياً بعد تحمله عذاب الصليب. وهو نوع من القسوة التي كانت فظيعة لدرجة أن الرومان إستثنوا مواطنيهم منها، فيما عدآ حالات الخيانة العظمى.

وكانت إستنتاجات ميثيريل متسقة مع نتائج الأطباء الأخرين الذين درسوا القضية بعناية. ومن بينهم دكتور وليم دي. إدواردز الذي كتب مقالة سنة 1986م في مجلة”الرابطة الطبية الأمريكية” والتي آستنتج فيها”بشكل وآضح، يُشير ثقل الدليل التاريخي والطبي بأن يسوع كان ميتاً وقبل يُجرح جنبه… وتبعاً بذلك، فإن التفسيرات المبنية على أن يسوع لم يمت على الصليب تبدو متناقضة مع العلوم الطبية الحديثة”[9].

فأولئك الذين يحاولون أن يكذبوا قيامة يسوع بإدعائهم أنه نجا بطريقة ما من قبضة الموت في الجلجثة، يحتاجون أن يقدموا نظرية أكثر معقولية تتوافق مع الحقائق.

وعندئذ فإنهم يجب أن ينتهوا بتأمل السؤال المحزن الذي نحتاج كلنا لدراسته ما الذي قد يكون دافعاً لأن يسمح يسوع بنفسه وبرغبته أن يُهان، ويُعامل بوحشية بالطريقة التي حدثت له؟

مشاورات:

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. بعد دراسة وصف ميثيريل، هل ترى أي صلاحية لنظرية الإغماء؟ لماذا نعم ولماذا لا؟
  2. لمدة ألفين عام تقريباً ظل الصليب رمزاً للمسيحية. فالآن وبعد أن قرأت أدلة ميثيريل، كيف ستكون نظراتك إلى هذا الرمز في المستقبل مختلفة؟
  3. هل أنت مستعد أن تتألم من أجل شخص أخر؟ من أجل من ولماذا؟ ما الذي يمكن أن يدفعك لتتحمل التعذيب من أجل شخص أخر؟
  4. كيف كان سيكون رد فعلك على الجنود لو كانوا يسيئون معاملتك ويذلوك ويعذبونك كما فعلوا مع يسوع؟ الذي جعله ينطق في وسط محنته ويقول “يا أبتاه إغفر لهم”؟

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 

Edwards, William D., et al. <<On the Physical Death of Jesus Christ.>> Journal of the American Medical Association (March 21, 1986), 1455-63.

Foreman, Dale. Crucify Him. Grand Rapids: Zondervan, 1990. Hengel, M. Crucifixion in the Ancient World.

Philadelphia: Fortress, McDowell, Josh. The Resurrection Factor. San Bernardino, Calif.: Here’s Life, 1981.

[1]

[2]

[3]

[4]

[5]

[6]

[7]

[8]

[9]

الدليل الطبي للقيامة – هل كان موت يسوع افتعال وقيامته خدعة؟ – لي ستروبل

الأدلة المؤيدة، هل هناك دليل موثوق به عن يسوع من خارج سيرة حياته بالأناجيل؟ – لي ستروبل

الأدلة المؤيدة، هل هناك دليل موثوق به عن يسوع من خارج سيرة حياته بالأناجيل؟

يسوع

الأدلة المؤيدة، هل هناك دليل موثوق به عن يسوع من خارج سيرة حياته بالأناجيل؟

يسوع

إلتفت إلىَّ هاري أليمان ووجه إصبعه نحوي مهدداً وقال وهو يبصق الكلمات باشمئزاز “لماا تستمر بكتابة تلك الأشياء عمب؟” ثم استدار زاختفى في بئر سلم خلفي لتجنُّب المراسلين الذين كانوا يطاردونه في قاعة المحكمة.

في الحقيقة، لقد كان أمراً صعباً أن تكون مخبراً صحفياً للجرائم قفي شيكاغو أثناء فترة السبعينات، دون أن تكتب عن هاري أليمان. فقد كان، في النهاية، قاتل نقابة الجريمة المحترف المثالي. وسكان شيكاغو، كانوا على نحو منحرف، يحبون القراءة عن الغوغاء.

وقد اراد المدّعون وضع أليمان في السجن عن إحدى جرائم القتل العمد التي يشكون أنه إرتكبها نيابة عن رؤساء نقابته. وبالطبع، كانت المشكلة هي صعوبة وجود أي شخص يرغب في الشهادة ضد عضو في عصابة لها سمعة أليمان المرعبة.

إلى أن حدث تغير كبير. أحد أتباع أليمان السابقون، لويس ألميدا، والذي أُلقي القبض عليه وهوفي طريقه لقتل مسؤول عمل في بنسلفانيا. فلما أدين بتهمة إحراز أسلحة وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، وافق ألميدا على الشهادة ضد أليمان لقتله وكيل إتحاد السائقين في شيكاغو إذا وافق المدّعين على إظهار بعض التساهل نحو ألميدا.

وهذا يعني أن ألميدا كان لديه حافز للتعاون، وهو ما يلوث مصداقيته، بلا شك، إلى حد ما. أدرك المدّعون بأنهم يحتاجون لتعزيز شهادته لضمان الإدانة، لذا بدأوا البحث عن شخص يؤيد رواية ألميدا.

يُرّف قاموس وبستر الكلمة “يؤيد/يعزز” على هذا النحو: “أن يجعل الموضوع مؤكداً؛ يؤكّد: أيَّد روايتي عن حادث” [1] دعم الدليل الإثباتي بشهادة أخرى؛ يدعم أو يؤكد العناصر الأساسية لرواية شاهد عيان. ومن الممكن أن تكون سجلاً عاماً، أو صورة، أو شهادة إضافية من شخص ثاني أو ثالث وتستطيع أن تؤكد صحة كامل شهادة شخص، أو مجرد الأجزاء الرئيسية منها.

في الواقع، إن الدليل الإثباتي يعمل كأسلاك التدعيم التي تحفظ الهوائي الشاهق الإرتفاع ليبقي مستقيماً وثابتاً. وكلما زادت الأدلة المؤيدة كلما أصبحت القضية أضمن وأقوى.

ولكن أين يجد المدّعون تعزيز لرواية ألميدا؟ لقد أتى من مصدر مفاجئ: من مواطن هادئ ملتزم بالقانون يدعى بوبي لوي، فأخبر المحققين أنه كان قد أخذ كلبه ليتمشى عندما رأى أليمان يقتل وكيل الإتحاد. وبالرغم من سُمعة أليمان السيئة والمرعبة جداً، وافق لوي على تأييد قصة ألميدا بأن يشهد ضد عضو العصابة الإجرامية.

قوة التأييد والتعزيز

في محاكمة أليمان، أذهل لوي وألميدا المحلفين بروايتهم. فرواية ألميدا بأنه يقود سيارة مندفعة انسجمت مع وصف لوي الواضح لرؤيته أليمان يقتل ضحيته فوق رصيف مشاة عمومي، في مساء يوم 27 سبتمبر سنة 1972.

إعتقد المدّعون بأنهم قد نسجوا قضية مُحكمة ضد القاتل المحترف المخيف، إلا أنهم رغم ذلك قد أحسّوا طول المحاكمة بشئ ما ناقص. وقد ظهرت شكوكهم أولاً عندما قرر أليمان إعتراضه على محاكمته بواسطة محلفين مفضلاً أن تُسمع قضيته بواسطة قاضي بدلاً من ذلك.

وفي نهاية المحاكمة تحققت أسوأ شكوك المدّعين. فبالرغم من الشهادة الدامغة من قبل لوي وألميدا، إلا أن القاضي أنهى القضية معلناً براءة أليمان والسماح بإطلاق سراحه.

فما الذى حدث؟ تذكّر، بأن هذا قد حدث في مقاطعة كوك، بولاية إلينويز، حيث يكمن الفساد في أغلب الأحيان. فيعد سنوات إتضح أن القاضي قد أعطيَّ خلسة عشرة آلاف دولار مُقابل الحكم بالبراءة. وعندما اكتشف أمر الرشوة مُخبر مكتب التحقيقات الفيدرالي، إنتحر القاضي المتقاعد آنذاك وأعاد المدّعين تهمة القتل ثانية ضد أليمان.

وعندما عقدت المحاكمة الثانية، تغيّر القانون وهو ما مكَّن المدعون بالمطالبة بهيئة محلفين لسماع القضية، وهذا ما تمَّ. وأخيراً، وبعد خمسة وعشرون سنة على جريمة القتل، أُدين أليمان وحُكِمَ عليه بالسجن من مائة إلى ثلاثمائة سنة[2].

وبالرغم من التأخير، فإن قصة أليمان تُرينا كيف يمكن أن تكون أهمية الأدلة المؤيدة ونفس هذا الوضع صحيح في التعامل مع القضايا التاريخية. وقد سبق وسمعنا من خلال شهادة دكتور كريج بلومبيرج، أنه يوجد في الأناجيل أدلة شهود عيان ممتازة عن حياة، وتعاليم، وموت، وقيامة يسوع. ولكن هناك أي أدلة أخرى لتأييد ذلك؟ وهل هناك كتابات من خارج الأناجيل تؤكد أو تدعم أي من الأساسيات عن يسوع أو المسيحية المُبكرة؟

وبعبارة أخرى، هل توجد أي وثائق إضافية تستطيع المساعدة على ختم قضية المسيح، كما ختمت شهادة بوبي لوي القضية ضد هاري ألمان؟ إن الجواب، طبقاً لشاهدنا التالي، نعم، وكمية ونوعية هذه الأدلة قد تدهشك كثيراً جداً.

المقابلة الثالثة: إدوين إم. ياموكهي، دكتوراة فلسفة

عندما دخلت البناية التي من الطابوق البارز الكائن بها مكتب إدوين ياموكهي في جامعة ميامي في إكسفورد الرائعة، بولاية أوهايو، مشيت تحت قوس حجري يحمل هذا النقش: “سوف تعرف الحقيقة، والحقيقة ستجعلك تُحرُّر”. ولكونه من كبار خبراء البلاد البارزين في التاريخ القديم، فإن ياموكهي قد صرف معظم حياته ساعياً وراء الحقيقة التاريخية.

ولد في هاواي سنة 1937، إبن لأحد المهاجرين من أوكيناوا، بدأ موتشي حياته بداية متواضعة. وقد مات ابوه قبل الهجوم الياباني على بيرل هاربر مباشرة، تاركاً أمه لتتكسّب قوتها الضئيل بالعمل كخادمة للعوائل الثرية. وبينما كانت لم تتعلم تعليماً رسمياً، إلا أنها شجعن إبنها على القراءة والدرس، بإعطائه كتباً بها صور جميلة لتغرس فيه محبة دائمة للتعلّم.

إن إنجازاته الأكاديمية، بالتأكيد، كانت رائعة. فبعد حصوله على البكالوريوس في اللغة العبرية والتاريخ اليوناني القديم، حاز ياموكهي على دجات الماجستير والدكتوراة في دراسات حوض البحر الأبيض من جامعة برانديز.

مُنِحَ ثمان درجات زمالة، من مجلس أبحاث روتجيرز، والمنحة القومية في العلوم الإنسانية، والجمعية الفلسفية الأمريكية، وغيرها. ولقد درس 22 لغة، من بينها اللغة العربية، والصينية، والمصرية، والروسية، والسيريانية، واليوجارتية، وحتى الكومانشية.

قدم 71 ورقة أمام الجمعيات الثقافية؛ حوضرت في أكثر من مائة من المعاهد، والجامعات، والكليات، بما فيها جامعة يايل، وبرينستون، وكورنيل. وعمل كرئيس ثم مدير لمعهد أبحاث الكتاب المقدس ومديراً لمؤتمر عن الإيمان والتاريخ، كما نشر 80 مقالة في 37 مجلة علمية.

وفي سنة 1968 شارك في التنقيب الأولي للكشف عن هيكل هيرودس في أورشليم (القدس)، وكشف عن أدلة دمار الهيكل سنة 70 م. كان علم الآثار موضوعاً للعديد من كتبه بما فيها “الأحجار والكتاب المقدس”؛ “الكتاب المقدس وعلم الآثار”؛ و “عالم المسيحيين الأوائل”.

ومع أنه ولد في خلفية بوذية، إلا أن ياموكهي يتبع يسوع منذ 1952، وهي السنة التى ولدت أنا فيها. وقد كنت تواقاً ومشتاقاً بنوع خاص لأن أعرف إذا كان إلتزامه الطويل الأمد بالمسيح يلوّن تقييمه للأدلة التاريخية. وبعبارة أخرى، هل سيتمسك بالحقائق بدقة المتشكك أم سيُغري بالاستنتاجات التي تتجاوز الحدود التي تبررها الأدلة؟

وجدت لدى ياموكهي سلوك لطيف ومتواضع. ومع أن حديثه رقيق وناعم، إلا أنه شديد التركيز. فهو يعطيك إجابات كاملة وبالتفصيل لأسئلتك، ويتوقف في أغلب الأحيان ليستكمل إجابته الشفوية بعرض نُسخ لمقالات علمية كُتبت عن الموضوع. وهو عالم جيد يعرف بأنه لا يمكنك أبداً إمتلاك البيانات الأكثر من اللازم.

وفي مكتبه المملوء بالكتب المتناثرة، في قلب حرم جامعي كثيف الأشجار والمتوهج بالألوان الخريفية، جلسنا للتحدث عن الموضوع الذي مازال يجلب لمعان لعينيه، حتى بعد هذه السنين الطويلة من الأبحاث والتعليم.

تأكيد الإنجيل

بسبب مقابلتى لبلومبيرج، لم أُرد أقترح أننا كنا محتاجين لتاوز الأناجيل لكي نجد أدلة موثقة فيما يتعلّق بيسوع. لذا بدأت بسؤال ياموكهي هذا السؤال “بوصفك مؤرخ، هل يمكنك أن تعطيني تقييمك إمكان الوثوق بالأناجيل نفسها من الناحية التاريخية؟”.

فأجاب قائلاً: “إجمالاً، تعتبر الأناجيل مصادر ممتازة. وفي الحقيقة، أنها تامّة وجديرة بأكبر ثقة، ومصادر يمكن الإعتماد عليها عن يسوع. أما المصادر الثانوية فهي لا تضيف معلومات مُفصّلة كثيرة؛ ومع ذلك، فهي ذات قيمة كأدلة مؤيدة ومعززة”. فقلت: “حسناً، هذا ما أريد مناقشته ـــــــ الدليل الإثباتي.

“لنكن أمناء: بعض الناس يسخروا من كمية هذه الأدلة. فمثلاً في سنة 1979 كتب تشارلس تيمبلتون رواية بعنوان “أعمال الله” وفيها نجد عالم آثار خيالي ذكر مقولة تعكس معتقدات الكثير من الناس”.

سحبت الكتاب وقرأت الفقرة المتعلقة بهذه النقطة:

إن الكنيسة [المسيحية] تبني معظم إدعاءاتها على تعاليم شاب يهودي مغرور تظاهر بأنه المسيح الذي لم يحدث تأثيراً كبيراً في حياته. ولا توجد كلمة واحدة عنه في التاريخ العلماني: ولا كلمة. ولم يذكره الرومان ولم يذكر أو يشير إليه يوسيفوس”[3].

فقلت له بحدة: “الآن، من هذا يبدو بأنه ليس هناك أدلة مؤيدة لحياة يسوع من خارج الأناجيل”.

فابتسم ياموكهي وهز رأسه “إن عالم الآثار في رواية تيمبلتون يُخطئ ببساطة، وأضاف بنغمة رافضة “لأننا فعلاً نملك إشارات مهمة جداً ليسوع في أعمال يوسيفوس وتاسيتوس.

“والأناجيل نفسها تقول أن الكثيرين الذين سمعوه – حتى أفراد أسرته الذين لم يؤمنوا بيسوع أثناء فتة حياته – وبرغم ذلك، فقد كان له تأثير قوي لدرجة أن الناس وحتى يومنا هذا يتذكرونه في كل مكان، بينما هيرودس الكبير، وبيلاطس البنطي، وحكام قدماء آخرون ليسوا معروفين بنفس الدرجة وعلى نفس النطاق الواسع. لذلك فإنه بالتأكيد أثر تأثيراً قوياً على الذين آمنوا به”.

ثم سكت قليلاً ثم أضاف قائلاً: “بالطبع، لم يؤثر على أولئك الذين لم يؤمنوا به”.

الشهادة من قبل خائن

ذكر كلّ من تيمبلتون وياموكهي يوسيفوس، مؤرخ القرن الأول المشهور بين العلماء إلا أن إسمه غير مألوف لدى معظم الناس اليوم، فقلت ليومكهي “زودني ببعض المعلومات كخلفية عنه، وقل لي كيف أن شهادته تعطي تعزيزاً فيما يتعلق بيسوع”.

فأجاب ياموكهي بعد أن وضع ساقاً على ساق وجلس مستريحاً على كرسيه. “نعم، بالطبع، كان يوسيفوس مؤرخ يهودي مهم جداً من القرن الأول. ولد سنة 37م. وكتب أغلب أعماله الأربعة نحو نهاية القرن الأول.

“في سيرته الذاتية دافع عن تصرفاته في الحرب اليهودية الرومانية، التي نشبت من سنة 66 – 74م. فكما ترى أنه استسلم للقائد الروماني فيسباسيان أثناء حصار جوتاباتا، بالرغم من أن العديد من زملائه إنتحروا مفضلينه على الإستسلام”.

ضحك البروفيسور ضحكة مكتومة ثم قال “قر يوسيفوس بأن إرادة الله له أ ينتحر. ثم أصبح فيما بعد ذلك مُدافعاً عن الرومان”.

وهذا ما يجعل صوة يوسيفوس كشخصيته متلونة؛ أردت تفاصيل أكثر عنه حتى يزداد فهمي عن دوافعه وتحيزاته فقلت له: “إرسم لي صورة عنه”.

فقال لي “كان كاهناً، فريسياً، وكان مغرورا جداً. وأكثر أعماله طموحاً كتاب يدعى “العصور القديمة”، وهو عبارة عن تاريخ الشعب اليهودي منذ الخليقة وحتى عصره. ومن المحتمل أنه قد أكمله حوالي سنة 93م.

“وكما يمكنك أن تتخيل من تعاونه مع الرومان المكروهين، جعله هذا مكروهاً من زملائه اليهود. إلا أن لديه شعبية كبيرة بين المسيحيين، لأنه في كتاباته أشار إلى يعقوب، أخو يسوع، وإلى يسوع نفسه”

هنا يكمن مثالنا الأول من الأدلة المؤيدة ليسوع من خارج الأناجيل فقلت له “أخبرني عن هذه الإشارات”.

فأجاب ياموكهي “في كتاب “الصور القديمة” يصف كيف أن رئيس كهنة يدعى حنانيا إنتهز فرصة موت الحاكم الروماني فيستوس – الذى ذكر أيضاً في العهد الجديد – لكي يقتل يعقوب”.

ثم إتكأ على رف كتبه، وسحب مجلداً سميكاً، وقلَّب صفحاته حتى وصل إلى صفحة يبدو أنه يعرف مكانها عن ظهر قلب “آه، ها هي الفقرة”

دعا لعقد اجتماع السنهدرين وأحضر أمامهم رجلاً يدعى يعقوب، أخو يسوع، الذي يدعى المسيح، ومعه آخرون. واتهمهم بأنهم إنتهكوا القانون وسلمهم لكي يرجموهم”[4].

ثم أكد ياموكهي بثقة قائلاً: “لا أعرف أي عالم، إنتقدهذه الفقرة بنجاح. ولقد علّق إل. إتش. فيلدمان قائلاً: لو كانت هذه الفقرة كانت إضافةمسيحية فيما بعد للنص، لكان من المحتمل أن تكون مدحاً وتمجيداً ليعقوب.

“فأنت هنا تجد إشارة إلى أخو يسوع – الذي يبدو أنه قدتحول إلى الإيمان بظهور المسيح بعد قيامته. فلو قارنت إنجيل يوحنا5:7 و1كورنثوس7:1، والأدلة المؤيدة لحقيةأن بعض الناس كانوا يعتبرون يسوع هو المسيح، التي معناها: “الممسوح بالزيت” أو “المكرس” أو “المسيا”.

“هناك عاش يسوع…”

عفت بأن يوسيفوس قد كتب فقرة أطول عن يسوع وهذه الفقرة تسمى “الشهادة الفلافيانيونية Testimonium Flavianum”. وعرفت أيضاً أن هذه الفقرة كانت من أكثر الكتابات القديمة التي عُورضت بحارة لأنه بظهورها إلى السطح تزودنا بدليل مؤيد ومعززاً كاسحاً لحياة يسوع، ومعجزاته، وموته، وقيامته. لكن هل هذه الشهادة أصيلة وموثوق بها؟ أم أنه تلاعب بها من قبل الناس المحبين ليسوع.

فسألت ياموكهي عن رأيه، وكان من الواضح بأنني قد دخلت تواً منطقة ذات أهمية كبرى لديه. فانتصب معتدلاً على الكرسي ثم قال بحماس منحنياً للأمام والكتاب في يده “هه فقرة ساحرة لكن نعم، إنها مثيرة للجدل” ثم قرأها لي:

في ذلك الزمان عاش يسوع، إنسان حكيم، لو كنا فعلاً ينبغي أن نسميه إنسان. لأنه كان الشخص الذي صنع أعمالاً فذة مدهشة وكان معلماً للناس الذين يقبلون الحق بسرور. وقد كسب أتباعاً عديدين من اليهود ومن اليونانيين. لقد كان هو المسيح. وعندما سمع بيلاطس أن رجالاً من أعلى المراكز بيننا يتهمونه حكم عليه بأن يصلب، فأولئك الذين كانوا يحبونه في المقام الأول لم يتخلوا عن محبتهم له، وفي اليوم الثالث ظهر لهم وقد عاد إلى الحياة لأن أنبياء الله كانوا قد تنبأوا بهذه الأمور وبأشياء أخرى عجية وعديدة عن يسوع وجماعة المسيحيين الذين دُعيوا بإسمه مازالوا موجودين حتى يومنا هذا ولم يختفوا[5].

إن كثرة الأدلة المؤيدة ليسوع كانتواضحة بسهولة.

فسألته: “هل توافق أن هذه الفقرة كانت مثيرة للجدل، وما الذي استنتجه العلماء من هذه الفقرة؟”.

فقال: “إن العلماء إتجهوا إلى ثلاث إتجاهات عن هذه الفقرة. فقد ظن المسيحيون الأول – لأسباب واضحة – أنها تعتبر دليل رائع وصادق جداً ودقيق عن يسوع وقيامته. لذلك أحبوا هذه الفقرة – لكن القطعة كلها تعرضت للأسئلة من بعض العلماء على الأقل أثناء حركة التنوير الفلسفية (في القرن 18)”.

“لكن اليوم هناك إجماع رائع بين كلّ من العلماء اليهود والمسيحيين بأن الفقرة ككل أصيلة، ولو أنه لربما قديكون بها بعض الزيادات”.

ففعت حاجبي دهشةّ وسألته: “زيادات، هل يمكنك أن تُعرّف ماذا تقصد بهذه الكلمة؟”.

فقال ياموكهي: “هذا معناه أن بعض النُسّاخ المسيحيين قد أدخلوا بعض العبارات التي لم يكن قد كتبها كاتب يهودي مثل يوسيفوس”.

ثم أشار إلى جملة في الكتاب “فمثلاً يقول السطر الأول “في ذلك الزمان عاش يسوع، إنسان حكيم”. هذه العبارة لم يستخدمها المسيحيين عادة عن يسوع، لذلك تبدو أصيلة وتُنسب ليوسيفوس. لكن العبارة التالية تقول: “لوكان فعلاً ينبغي أن يسمى رجلاً” فهذا يدل على أن يسوع كان أثر من إنسان، لذا تبدو العبارة زيادة”.

فاومأت برأسي لأعرفه أنني قد تتبعته حتى الآن.

ثم إستمر بالقول “لأنه كان واحدا صنع أعمالاً فذة مدهشة وكان معلماً لأناس يتقبلون الحق بسرور. وقد كسب أتباعاً عديدين من اليهود ومن اليونانيين” ويبدو أن هذا متفقا مع مفردات يوسيفوس الأسلوبية والتي استخدمها في أماكن أخرى، ويعتبر على العموم أصيل وموثوق به.

“ولكن هناك بعد ذلك العبارة الواضحة والخالية من الغموض: “إنه كان المسيح” فتلك تبدو زيادة…”.

فقاطعته قائلاً: “لأن يوسيفوس يول في إشارته إلى يعقوب أنه كان “يدعى المسيح”.

فقال ياموكهي: “هذا صحيح، إذ أنه من غير المحتمل أن يول يوسيفوس هنا وبشكل قاطع أن يسوع هو “المسيا المنتظر”، في حين أنه في مكان آخر يقول فقط أنه كان “يُعلّم بأنه المسيا المنتظر من قبل أتباعه”.

“والجزء التالي من القطعة – التي تتحدث عن محاكمة يسوع وصلبه وحقيقة أن أتباعه مازالوا يحبونه – ليست بإستثنائية وتعتبر أصيلة. ثم هناك العبارة: “وفي اليوم الثالث ظهر لهم وقد عاد إلى الحياة” أيضاً، تعتبر إعلان واضح عن الإيمان بالقيامة، ولذلك فمن غير المحتمل أن يوسيفوس هو كاتبها. وبذا فهذه العناصر الثلاثة تبدو أنها الزيادات”.

فسألته: ما هو الاستنتاج النهائي؟”.

فأجاب قائلاً: “أن هذه الفقرة عند يوسيفوس من المرجّح أنها كُتبت عن يسوع أصلا، مع كونها بدون هذه النقاط الثلاث التي ذكرت. ومع ذلك، فإن يوسيفوس يعطينا أدلة مؤيدة بمعلومات هامة عن يسوع: أنه كان القائد الشهيد للكنيسة في أورشليم (القدس) وأنه كان معلماً حكيماً صنع له أتباعاً كثيرين ودائمين، بالرغم من حقيقة أنه صلب تحت حكم بيلاطس بتحريض من بعض زعماء اليهود”.

أهمية يوسيفوس

فيما عرضت هذه الإشارات بعض التأكيد الهام والمستقل عن يسوع، إلا أني تساءلت لماذا مؤرخ مثل يوسيفوس لم يقل المزيد عن مثل هذه الشخصية الهامة في القرن الأول. وقد عرفت بأن بعض المتشككين مثل فيلسوف جامعة بوسطن مايكل مارتن، كتب هه المقالة النقدية.

لذا سألت عن رد فعل ياموكهي تجاه هذا البيان من قبل مارتن، الى لا يؤمن أن يسوع كان قد عاش في أي زمن: “لو كان يسوع عاش فعلاً، لكنا نتوقع أن يوسيفوس قد ذكره… عند مروره عندما ذكر أشخاصاً آخرين ينتموا إلى المسيا ويوحنا المعمدان بتفاصيل أكثر”[6].

بدا ردُّ ياموكهي قوياً على نحو غير معهود. “ومن وقت لآخر حاول بعض الناس إنكار وجود يسوع، إلا أن ذلك في الحقيقة قضية خاسرة”. قال ذلك بنغمة غاضبة. “فهناك أدلة ساحقة بأن يسوع كان فعلاً موجوداً، وهذه المسائل الإفتراضية بلا معنى وباطلة جداً جداً”.

“ولكني أجيب بالقول: إن يوسيفوس قد كان مهتماً بالأمور السياسية والكفاح ضد روما، لذا كان يوحنا المعمدان أكثر أهمية بالنسبة له لأنه كان يُشكِّل تهديداً سياسياً أعظم مما كان يسوع يشكله”.

فقفزت قائلاً: “توقف لحظة. أليس هناك بعض العلماء الذين صوروا يسوع كمتطرّف من طائفة الغيورين اليهودية أو على الأقل كان متعاطفاً معهم؟ وقد أشرت بهذا السؤال إلى طائفة ثورية في القرن الأول كانت تعارض روما سياسياً.

رفض ياموكهي الإعتراض بإشارة من يدهوأجاب “هذا موقف لم تؤيده الأناجيل نفسها، لأنك وكما تذكر، لم يعترض يسوع على دفع الضرائب للرومان. ومن ثمّ فإن يسوع وأتباعه لم يشكلوا تهديداً سياسياً مباشراً، ومن المفهوم بالتأكيد أن يوسيفوس لم يكن أكثر إهتماماً بهذه الطائفة، مع أنه قد أدرك متأخراً لأهميتها”.

“وهكذا ففي تقييمك، إلى أي مقدار أهمية هاتين الإشارتين عند يوسيفوس؟”.

فأجاب ياموكهي “مهمة جداً، لأن وصفه للحرب اليهودية ثبت أنها كانت دقيقة جداً؛ فمثلاً إنها قد تم تأييدها بأدلة من خلال حفريات أثرية في ماسادا وكذلك بواسطة مؤرخين مثل تاسيتوس. والذي يُعدُّ مؤرخ موثوق جداً، وذكره ليسوع يعتبر عظيم الأهمية”.

“خرافة مؤذية جداً

لقد ذكر ياموكهي للتو المؤرخ الروماني الأثر أهمية في القرن الأول، وكنت أريد أن أناقشه فيما كان تاسيتوس لديه ما يقوله عن يسوع وعن المسيحية. فسألته “هل يمكنك أن تفسر لي ما الأدلة التأييدية التي قدمها؟

أومأ ياموكهي برأسه موافقاً ثم قال: “إن تاسيتوس قد سجل ما قد يعتبر المصدر الأكثر أهمية عن يسوع من خارج العهد الجديد، في سنة115م. يذكر بوضوح أن نيرون إضطهد المسيحيين واستخدمهم كأكباش فداء ليبعد الشك عن نفسه بأنهم من أشعل النيران العظيمة التي دمرت روما سنة 64م”.

فوقف ياموكهي وسار نحو عن كتاب معين ثم قال: “آه نعم، ها هو” وسحب مجلداً سميكاً وتصفحه حتى وجد الفقرة المطلوبة والتي قرأها لي:

نيرون ألصق الذنب وأنزل أشد أنواع العذاب على طائفة مكروهة لبغضهم الشديد، والذين كانوا يثدعون من قبل العامة المسيحيين. وكان المسيح، الذي إشتق إسمهم من أصل إسمه، نال عقوبة شديدة في عهد طيباريوس على يدي أحد وكلائنا، بيلاطس البنطي. وكانت خرافة مؤذية جداً، تم إيقافها مؤقتاً، ولكنها ظهرت مرة أخرى ولكن ليس فقط في اليهودية، المصدر الأول لهذا الشر، بل حتى في روما… وتبعاً لذلك ألقي القبض أولاً على كل من إعترف بهذه التهمة. ثم، بناء على معلوماتهم، أدين عدد هائل منهم، ليس فقط لإحراقهم المدينة، بل أيضاً لكراهيتهم للبشرية”[7].

لقد كنت مُلماً بهذه الفقرة، وتساءلت كيف سيرد ياموكهي على ملاحظة قالها عالم بارز يدعى جي. إن. دي. أندرسن “يُظن بأنه عندما يقول تاسيتوس “هذه الخرافة المؤذية والمزعجة قد أوقفت مؤقتاً، لكنها ظهرت مرة أخرى”، إنه دون أن يدري، قدم دليلاً على إيمان المسيحيين الأوائل بأن يسوع قد صلب لكنه بعد ذلك قام وخرج من القبر. فهل توافق على كلامه؟”.

ففكر ياموكهي لحظة ثم أجاب: “لقد كان هذا بالتأكيد تفسير بعض العلماء” وكان يبدو أنه يتفادى طلبي بمعرفة رأيه.

لكنه عند ذلك ذكر نقطة حاسمة فقال: “بصرف النظر عما إذا كانت الفقرة كانت تقصد هذا بالتحديد، إلا أنها تقدم لنا فعلاً حقيقة جديرة بالإنتباه، وهي أن الصلب كان أبغض مصير يمكن أن يمر به أي شخص، وأنه كانت هناك حركة مبنية على رجل مصلوب ولابد من تفسيرها.

“كيف تفسر إنتشار ديانة مبنية على عبادة إنسان تحمل أذل طريقة موت ممكنة؟. طبعاً الإجابة الميحية هي أنه قام من الموت. أما الآخرون فقد جاءوا بنظرية بديلة إذا أنهم لا يؤمنون بذلك. ولكن في رأيي، أن كلا من الرأيين ليسا مقنعين”.

فسألته أن يصف مدى أهمية ما كتبه تاسيتوس عن يسوع.

فقال لي “هذه شهادة هامة قدمها شاهد غير متعاطف مع نجاح وانتشار المسيحية، المبنية على شخصية تاريخية، يسوع، الذي صُلب تحت ولاية بيلاطس البنطي. ومن المهم أن تاسيتوس ذكر أن “عدداً هائلاً” تمسكوا بشدة بإيمانهم لدرجة أنهم فضلوا الموت عن الإرتداد عن هذا الدين”.

الترتيل “كما لو كان لإله”

عرفت الروماني الآخر، يدعى بليني الأصغر، قد أشار أيضاً إلى المسيحية في كتاباته. فسألته “أيَّد بعض الأمور المهمة، أليس كذلك؟”.

فأجاب قائلاً: “نعم، وهو إبن أخ بليني الشيخ، الموسوعي المشهور والذي مات في ثورة بركان زيفوفيوس سنة 79م. وقد أبح بليني الأصغر حاكماً لبيثينيه في شمال غرب تركيا. وقد حفظت معظم مراسلاته مع صديقه، الإمبراطور تراجان، حتى وقتنا هذا”.

وهنا سحب ياموكهي نسخة مصورة من صفحة تقول، “في الكتاب العاشر من هذه الرسائل يُشار إلى المسيحيين بشكل خاص على أنهم الذين ألقي القبض عليهم”.

لقد سألتهم إذا كانوا مسيحيين، فإذا اعترفوا بذلك، أُكرر السؤال مرة ثانية وثالثة، مع تحذير بالعقوبة التي تنتظرهم. فلو أصروا، أمرت باقتيادهم للإعدام؛ لأنه مهما كانت طبيعة إعترافهم فإني مقتنع أن عنادهم وإصرارهم الذي لا يهتز يجب ألا يفلت بدون عقاب…

كما أنهم أعلنوا أن المجموع الكلي لما ارتكبوه من ذنب أو خطأ لم يتعدى أكثر من هذا: إجتماعهم بانتظام قبل الفجر في يوم محدد ليرتلوا أشعار بالتناوب فيما بينهم تكريماً للمسيح كما لو كان لإله. كما أنهم يلتزمون بقسم، ليس لأي غرض إجلاامي، بل للإمتناع عن السرقة، والسلب، والزنا…

وقد جعلني هذا أقرر بأنه أصبح من الضروري جداً أن أنتزع الحقيقة بتعذيب جاريتين كانتا، تُدعيان شمَّاسات. فلم أجد شيئاً إلا نوعاً منحطاً من العبادة يمارسانه بطريقة متطرقة مبالغ فيها[8].

فسألته: “ما أهمية هذه الإشارة؟”.

فأجاب: “مهمة جداً. فمن المحتمل أنها كُتبت سنة 111م. تقريباً وتشهد بالانتشار السريع للمسيحية، في كل المدن والمناطق الريفية النائية، بين كل طبقات الناس، من جواري إلى المواطنين الرومان، لأنه يقول أيضاً بأنه أرسل المسيحيين من المواطنين الرومان إلى روما لمحاكمتهم.

“كما تتحدث عن عبادة يسوع كإله، وأن المسيحيين كانوا يحافظون على مستويات أخلاقية عالية، وأنهم لم يمكن أن يتخلوا عن معتقداتهم وإيمانهم بسهولة”.

اليوم الذي أظلمت فيه الأرض

أحد أكثر الإشارات الصعبة التي تقابلني في العهد الجديد هي حين يدعي كُتَّاب الأناجيل بأن الأرض قد أظلمت أثناء فترة من الوقت الذي كان فيه يسوع معلقاً على الصليب. ألم تكن هذه مجرد حيلة أدبية لتؤكد أهمية عملية الصل، أليس هناك من مصدر يشير إلى حدوثه تاريخياً فعلياً؟ ومهما يكن، فلو كان الظلام قد حل على الأرض، ألم يكن هناك على الأقل أدنى إشارة لهذا الحدث الغير عادي من خارج الأناجيل؟

ومع ذلك فالدكتور جاري هابيرماس قد تب عن مؤرخ يدعى ثالوس الذي سنة 52م. كتب تاريخ عالم شرقي البحر الأبيض المتوسط منذ حرب طروادة. ومع أن كتاب ثالوس قد فقد، إلا أن موجود في إقتباسات لدى كل من يوليوس الأفريقي سنة 221م. تقريباً، أشار إلى الظلام الذي كُتَبَ عنه في الأناجيل[9].

فسألته: “هل يمكن أن يكون هذا دليلاً تعزيزياً مستقلاً لهذا الإدعاء الإنجيلي؟”.

وضّح ياموكهي قائلاُ: “في هذه الفقرة يقول يوليوس الأفريقي “ثالوس، في الكتاب الثالث من تواريخه، يفسّر بأن هذا الإظلام ككسوف للشمس، بطريقةغير معقولة، كما تبدو لي”.

“وهكذا قال ثالوس كما يبدو “نعم”، بأنه كان هناك ظلام في وقت الصلب،وخمّن بأن سببه كسوف الشمس. وبعد ذلك يجادل الأفريقي أنها لم يكن من الممكن أن يكون هناك كسوف للشمس، قد حدث وقت عملية الصلب”.

فمد ياموكهي يده إلى مكتبه ليسترد قصاصة من الورق وهو يقول: “دعني أقتبس ما قاله العالم بول ميير في حاشية على هامش كتابه سنة 1968 بعنوان “بيلاطس البنطي”، ثم قرأ هذه الكلمات:

من الواضح أن هذه الظاهرة، كانت مرئية في روما، وأثينا، ومدن أخرى على البحر الأبيض. وطبقاً لترتوليان… إنها كانت حدثاً “كونياً” أو “عالمياً”. والمؤلف اليوناني، فليجون، من كاريا كتب تفسيراً كرونولوجيا [أي ترتيب الأحداث بحسب تسلسلها الزمني] بعد سنة 137م. بقليل ذكر أنه في العام الرابع من الدورة الأولمبية الـ 202 (أي سنة 33م.) حدث “أعظم كسوف للشمس” و”أنه قدحل الليل في الساعة السادسة من النهار (أي؛ عند الظهر) حتى أن النجوم ظهرت في السماء. وحدث زلزال عظيم في بيثينيه وانقلبت أشياء كثيرة في نيقية”[10].

استنتج ياموكهي قائلاً “إذن هناك، كما أوضح بول ميير، شهادة من خارج الإنجيل أن الظلام قدحدث وقت صلب يسوع. ويبدو أن بعضهم شعروا بالحاجة إلى محاولة إعطاء هذا الظلام تفسيراً من الطبيعة بقولهم أنه كان كسوف للمس.

صورة لبيلاطس

إن ذكر ياموكهي لبيلاطسذكرني أن بعض النقّاد شككوا فيدقة الأناجيل بسبب الطريقة التي صوّر بها هذا القائد الروماني.

فبينما العهد الجديد يصوره بأنه متردد وراغب للخضوع لضغوط عامة اليهود بإعدام يسوع، فهناك روايات تاريخية أخرى تصوره بأنه عنيد ومُتصلّب.

فسألته: “أليس هذا يمثل تناقضاً بين الإنجيل والمؤرخين العلمانيين؟”.

فقال ياموكه: “كلا، إنها لا تمثل أي تناقض، فدراسة ميير لبيلاطس تظهر حاميه أو راعيه كان سيجانوس، وأن سيجانوس سقط عن السلطة سنة 31م، لأنه كان يتآمر ضد الإمبراطور”. فسألته متحيراً: “ما علاقة هذا الموضوع بأي شئ؟.

فأجاب قائلاً: “هذه الخسارة أضعفت مركز بيلاطس جداً في سنة 33م.، وعلى الأغلب بأنها السنة التي صلب فيها يسوع. لذا يمكننا أن نفهم لماذا كان بيلاطس غير راغب في إغضاب اليهود في ذلك الوقت فيتعرض لمتاعب أخرى مع الإمبراطور. وهذا يعني أن الوصف الإنجيلي لهذه الواقعة محتمل جداً أنه صحيح”[11].

روايات يهودية أُخرى

بعد أن تحدثنا مبدئياً عن أدلة التأييد الرومانية ليسوع، أردت أن أخرج عن الموضوع في هذه النقطة وأناقشه فيما إذا كانت هناك أي روايات يهودية أخرى بالإضافة إلى رواية يوسيفوس لتؤكد صحة أي شئ عن يسوع. فسألت ياموكهي عن أي إشارات إلى يسوع في التلمود، وهو كتاب يهودي هام تمت كتابته سنة 500م. والذي يجمع المشنا وهي مجموعة قوانين جمعت في التلمود سنة 200م.

أجاب “إن اليهود ككل، لم يذكروا تفاصيل كثيرة عن الهراطقة أي المنشقين عن العقيدة. فهناك بضعة فقرات في التلمود التي تشير إلى يسوع على أنه المسيا المزيف الذي مارس السحر والذي حكم عليه بالموت بعدل. كما يكرروا أيضاً الإشاعة بأن يسوع ولد من جندي روماني ومريم، للإيحاء بأنه كان هناك شئ غير عادي حول ولادته”

فقلت له: “وهكذا، فبهذه الإشارات اليهودية السلبية تؤيد بعض الأشياء حول يسوع”.

فقال “نعم، هذا صحيح، فالبروفسور إم. ويلكوكس ذكرها بهذه الطريقة في مقال ظهر في مرجع علمي:

مع أن الأدب اليهودي التقليدي، يذكر يسوع باختصار فقط (ويجب على أي حال أن يستخدم بحذر)، فإنه يدعم الإدعاء الإنجيلي بأنه كان يشفي المرضى ويصنع معجزات، بالرغم من أنهم ينسبون هذه الفعاليات للسحر والشعوذة. بالإضافة إلى أنها تحتفظ بذكر أنه كان معلماً، وكان له تلاميذ (خمسة منهم)، وأنه على الأقل في الفترة الرابانية الأولى لم يكن كل الحكماء قد إتخذوا قرارهم بأنه كان “هرطوقي” أو “مخادع”[12].

أدلة بخلاف الإنجيل

مع أننا وجدنا إشارات قليلة جداً إلى يسوع خارج الأناجيل، تساءلت لماذا لم يوجد مزيد منها. ومع إني علمت بأن بعض الوثائق التاريخية من القرن الأول بقيت سليمة، لذا سألت: “عموماً، يجب أن لا نتوقع إيجاد المزيد عن يسوع في الكتابات القديمة من خارج الإنجيل؟”.

قال ياموكهي “فعندما يبدأ الناس حركات دينية، ففي الغالب لا يحدث حتى أجيال كثيرة بعدهم، أن يسجّل الناس أشياء عنهم. لكن في الواقع، أنه لدينا وثائق تاريخية عن يسوع، أفضل من أي مؤسس لأي ديانة قديمة أخرى”.

فجأني هذا الكلام “حقاً؟ هل بالإمكان أن تتوسع في ذلك؟”.

فقال “على سبيل المثال، مع أن الجاثات من زرادشت، حوالي سنة 1000ق. م. يعتقد بأنها أصلية، إلا أن أغلب الكتب الدرادشتية المقدسة لم تكتب حتى بعد القرن الثالث الميلادي وأشهر سيرة ذاتية في الفارسية الشعبية عن زرادشت كتب في سنة 1278م.

“والكتب المقدسة لبوذا، الذي عاش في القرن السادس ق. م. لم تكتب حتى بعد العصر المسيحي. وأول سيرة ذاتية لبوذا كُتبت في القرن الأول الميلادي.ومع أن لدينا أحاديث لمحمد الذي عاش من سنة 570م حتى سنة 632م، فإن سيرته لم تكتب حتى سنة 767م. أي أكثر من قرن كامل بعد وفاته.

لذا فالوضع بالنسبة ليسوع فريد ومثير للإعجاب من ناحية كمية ما يمكنا تعلّمه عن يسوع من خارج العهد الجديد”

أردت الإتمرار في هذا الموضوع وأوجز ما جمعناه من معلومات عن يسوع حتى الآن من مصادر غير إنجيلية، فقلت له: “دعنا نتظاهر باننا لا نملك أي من العهد الجديد أو الكتابات المسيحية الأخرى، فحتى بدونهم، ماذا كنا سنستطيع أن نستنتج عن يسوع من المصادر القديمة الغير مسيحية مثل يوسيفوس والتلمود وتاسيتوس وبليني الأصغر، وغيرهم؟”.

فابتسم ياموكهي وقال “ما زال لدينا كمية كبيرة من الأدلة التاريخية الهامة؛ وفي الواقع، ستوفر لنا نوعاً موجزاً عن حياة يسوع”.

ثم استمر قائلاً وقد رفع إصبعه للتأكيد على كل نقطة: “سنعرف أولاً، أن يسوع كان معلماً يهودياً، ثانياً، أن كثير من الناس اعتقدوا بأنه مارس شفاء الأمراض وطرد الأرواح الشريرة؛ ثالثاً، بعض الناس إعتقدوا بأنه المسيا؛ رابعاً، أنه رُفض من القادة اليهود؛ خامساً، أنه صلب في ولاية بيلاطس البنطي في عهد طيباريوس؛ سادساً، بالرغم من موته المخزي، إلا أن أتباعه اعتقدوا أنه ما زال حياً، وإنتشروا خاج نطاق فلسطين، بحيث كان هناك عدد كبير منهم في روما سنة 64م؛ سابعاً، كل أصناف الناس من المدن والريف رجالاً ونساء عبيداً وأحرار، عبدوه كإله”.

لقد كان هذا حقاً كمية مؤثرة من الأدلة المؤيدة المستقلة. وليس فقط بإماننا إعادة رسم ونظيم الخطوط الرئيسية لحياة يسوع من مصادر خارج الإنجيل، بل أيضاً هناك معلومات أكثر يمكنا أن نجمعها عنه من مصادر قديمة لدرجة أنها تسبق تاريخ الأناجيل نفسها.

تأييد التفاصيل المُبكّرة

غن بولس الرسول لم يقابل يسوع أبداً قبل موته، لكنه قال أنه قابل المسيح المُقام وإستشار بعض شهود العيان، فيما بعد، لتأكيد أنه كان يعظ ويبشر بنفس الرسالة التي كانوا يبشرون بها. ولأنه بدأ كتابة رسائل العهد الجديد قبل أن تُكتب الأناجيل بسنوات، لذا فإن هذه الرسائل تحتوي على تقارير وأخبار مبكرة جداً عن يسوع، وهي قديمة لدرجة أن لا أحد يستطيع أن الإدعاء بأنها قد شوهت تشويهاً خطيراً أو تلوّنت بالأساطير”.

ويؤكد لوقا تيموثي جونسون، وهو عالم من جامعة إموري، يؤكد بأن رسائل بولس تُمثّل “إثبات خارجي ثمين” من “عصر قديم ووجود مطلق” للتعاليم والروايات القديمة عن يسوع[13]، فقالت لياموكهي: “هل تتفق معه في هذا الرأي؟”.

كنا قد تحدثنا لفترة طويلة. فوقف ياموكهي ليمد رجليه قبل أن يجلس مرة أخرى، ثم قال “ليس من شك في أن كتابات بولس الرسول هي الأقدم في العهد الجديد، وأنها تشير بعض الإشارات الهامة جداً لحياة يسوع”.

فسألته: “هل يمكن أن تشرحها بالتفصيل؟”.

فأجاب قائلاً “حسناً، إنها تُشير إلى حقيقة أن يسوع من نسل داود، وأنه المسيا، وأنه تعرض للخيانة، وأنه حوكم، ثم صلب من أجل خطايانا، ودُفن، وبأنه قام ثانياً من الموت في اليوم الثالث وشوهد من قبل العديد من الأشخاص بما فيهم يعقوب، أخو يسوع الذي لم يكن آمن به قبل صلبه.

“ومن المهم والمشوق أيضاً أن بولس لا يذكر بعض الأشياء التي هي مهمة جداً في الأناجيل، على سبيل المثال، أمثال يسوع ومعجزاته، لكنه يركز على موته تكفيراً عن خطايا البشر وعلى قيامته من الموت. فهذه كانت، بالنسبة لبولس، هي الأشياء الأكثر أهمية عن يسوع، وفي الواقع هي التي حولت بولس من كونه مُضطهد المسيحيين ليصبح أول مبشر بالمسيحية في التاريخ، والذي كان مستعداً لإجتياز جميع أنواع الصعوبات والحرمان بسبب إيمانه.

“كما أن بولس يقدم الدليل المؤيد لبعض السمات الهامة لشخصية يسوع، تواضعه، وطاعته، ومحبته للخطاة،… الخ. وهو يدعو المسيحيين أن يكون لديهم فكر المسيح في الأصحاح الثاني من رسالة فيلبي. وهذه قطعة مشهورة التي فيها بولس ربما يقتبس من ترتيلة مسيحية قديمة عن تنازل المسيح، الذي هو مساويِّ لله ومع ذلك إتخذ شكل إنسان، وعبد، وتحمل أقصى وأشد عقوبة، وهي الصلب. من ثمَّ، رسائل بولس شاهد هام على ألوهية المسيح، حيث يدعو يسوع “إبن الله” و”صورة الله”.

فقاطعته بقولي “الحقيقة بأن بولس الذي أتى من خلفية يهودية مؤمنة بإله واحد، عبد يسوع كإله، وتلك حقيقة هامة جداً. أليس كذلك؟”

فقال: “نعم، وهو يُقوّض النظرية الشائعة التي تقول بأن ألوهية المسيح قد أُدخلت إلى المسيحية فيما بعد من معتقدات غير يهودية. فهي غير ذلك تماماً. حتى بولس في هذا التاريخ المُبكّر كان يعبد المسيح كإله”.

“ولابد أن أقول بأن كل هذا التأييد من بولس ذو أهمية قصوى.

ولدينا رسائل أخرى مُبكّرة من شهود عيان أيضاً مثلاً، يعقوب، وبطرس، اللتين بهما ذكريات موعظة يسوع على الجبل”

قام حقاً من الموت

لدينا أيضاً مجلدات من كتابات “الآباء الرسوليين”، الذين كانوا أول كُتَّاب مسيحيين بعد العهد الجديد. فقد كتبوا “رسائل كليمنت الروماني” و”رسائل أغناطيوس” و”رسالة بوليكاربوس” و”رسالة برنابا” وآخرون. وفي العديد من الأماكن في هذه الكتابات تشهد عن الحقائق الأساسية عن يسوع، وبشكل خاص تعاليمه، وصلبه، وقيامته، وطبيعته الإلهية.

فسألته: “أي هذه الكتابات تعتبرها الأهم؟”.

تأمل ياموكهي في هذا السؤال. ففي حين أنه لم يُسمّي أحد كالأهم بينهم، إلا أنه إستشهد بالسبعة رسائل التي كتبها أغناطيوس بأنها الأكثر أهمية بين كتابات الآباء الرسوليين. كان أغناطيوس، أسقف أنطاكية في سوريا، قد استشهد أثناء عهد تراجان قبل سنة 117م.

ثم قال ياموكهي: الشئ المهم عن أغناطيوس، أنه أكد كلّ من ألوهية يسوع وكذا ناسوت يسوع، ضد بدعة الهرطقة الدوسيتية، التي أنكرت أن يسوع كان فعلاً إنسان. كما أكدت الأساسات التاريخية للمسيحية، فقد كتب في إحدى رسائله، وهو في طريقه إلى الإستشهاد، أن يسوع الذي إضطهد حقاً في ولاية بيلاطس، صلب حقاً، وقام حقاً من الموت، وبأن أولئك الذين يؤمنون به سيقومون أيضاً من الموت”[14].

فعندما تضع كل هذا معاً، بالإضافة إلى يوسيفوس، والمؤرخين الرومان، والمسؤلين الرومان، والكتابات اليهودية، ورسائل بولس والآباء الرسوليون، ولديك أدلة مقنعة تؤيد كل الأساسيات الموجودة في سير حياة يسوع. فلو أنك حتى ضيعت كل نسخة من الأناجيل، فما زال لديك صورة ليسوع ملزمة جداً، في الواقع إنها صورة إبن الله الفريد.

وقفت وشكرت ياموكهي على مشاركته لي بوقته وخبرته. وقلت له: “إنني أعرف بأن هناك المزيد والمزيد الذي بأمكاننا أن نتحدث عنه، لأن هناك كتب كاملة قد كتبت حول هذا الموضوع، ولكن قبل أن ننهي، حديثنا أود أن أسألك سؤال أخير، وهو سؤال شخصي إذا لم يكن لديك مانع.

فهب البروفيسور واقفاً على قدميه، ثم قال: “نعم، هذا شئ جميل”

فنظرت حول مكتبه المتواضع البسيط، الذي كان مملوءاً حتى حوافه بالكتب والمخطوطات والسجلات والمجلات واقراص الكمبيوتر والصحف، وكلها نتاج حياة حافلة بالبحث العلمي في عالم مضى منذ زمن بعيد.

ثم قلت له: “لقد قضيت أربعون عاماً في دراسة التاريخ القديم وعلم الآثار، فماذا كانت نتيجة حياتك الروحية؟ هل عززت دراساتك أم أضعفت إيمانك بيسوع المسيح؟”.

نظر إلى الأرض لحظة خاطفة، ثم رفع عينيه ونظر مباشرة في عيني، ثم قال بصوت حازم قوي لكن مخلص “ليس هناك من شك في أن دراساتي قد قوت وأثرت حياتي الروحية. وقد منحتني فهماً أفضل لثقافة والبيئة التاريخية للأحداث.

“هذا لا يعني أنني أدرك أن هناك بعض المسائل التي ستظل أثناء حياتنا هذه، سبظل لا نعرفها معرفة كاملة. ولكن حتى هذه المسائل لا يمكنها تقويض إيماني بالأمانة الضرورية للأناجيل وكذا باقي العهد الجديد”.

“أظن أن التفسيرات البديلة، التي تعلل وتحاول أن تفسر سبب إنتشار المسيحية عن طريق أسباب إجتماعية أو نفسية، تعتبر ضعيفة وضعيفة جداً” ثم هز رأسه مؤكداً ذلك”.

ثم أضاف “بالنسبة لي، فإن الأدلة التاريخية قد عززت ودعمت تعهدي وإلتزامي بيسوع المسيح كإبن الله الذي يحبنا والذي مات من أجلنا ثم قام من الأموات. إنه بهذه البساطة”.

الحقيقة التي تُحررنا

عندما خرجت من مبنى ياموكهي إلى بحر من طلبة الكلية ينطلقون بسرعة من مكان لآخر ليحضروا محاضرتهم التالية، أدركت إلى أي حد كانت رحلتي بالسيارة إلى مدينة أكسفورد الصغيرة جداً، بولاية أوهايو، كانت رحلة ناجحة ومرضية.. فقد جئت طالباً أدلة مدعمة ليسوع، وخرجت حاملاً خزاناً مليئاً بالمواد التي تؤكد كل سمة كبرى من حياة يسوع، ومعجزاته، وألوهيته، وانتصاره على الموت.

وقد علمت أن محادثتنا القصرة قد خدشت القشرة فقط. فتحت ذراعي كنت أحمل “حكم التاريخ The Verdict of History” وهو الكتاب الذي أعدت قراءاته في التحضير لمقابلتي. ففي هذا الكتاب يُفصّل المؤرخ جاري هابيرماس تفاصيل ما يربو مجموعه 39 من المصادر القديمة التي تُوثّق حياة يسوع، والتي يُعدّد منها أكثر من مائة حقيقة عن حياة يسوع، وتعاليمه، وصلبه، وقيامته[15].

والأكثر من ذلك أن 24 من المصادر التي إستشهد بها هابيرماس، ومن ضمنها سبع مصادر علمانية والعديد من عقائد الكنيسة الأولى، التي تتعلق بالتحديد بطبيعة يسوع الإلهية. “تكشف هذه المذاهب بأن الكنيسة لم تعلّم ببساطة ألوهية المسيح إلا بعد ذلك بجيل كامل، كما يتكرر كثيراً في علم اللاهوت المعاصر، لأن هذه العقيدة كانت موجودة بالتأكيد في الكنيسة الأولى” هذا ماكتبههابيرماس. وكان استنتاجه الأخير: “إن أفضل تفسر لهذه المعتقدات هوأنها تمثل تعاليم يسوع بالطريقة الصحيحة”[16] وإن هذا دليل مدعم ومعزز مدهش لأهم توكيد بواسطة أهم شخصية مؤثرة عاشت حتى الآن.

أغلقت سوستة معطفي فيما توجّهت إلى سيارتي. فلما نظرت خلفي مرة أخرى رأيت شمس أكتوبر ساطعة تضئ النقش الحجري الذي لاحظته عند دخولي إلى ممشى الحرم الجامعي لهذه الجامعة العلمانية جداً: “سوف تعرف الحقيقة، والحقيقة ستمنحك الحرية”.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. هل في حياتك أي حدث جعلك تشك في قصة رواها شخص ما حتى قدم لك دليلاً مدعماً ومعززاً لروايته؟ كيف كانت هذه التجربة مماثلة لدراستك عن نوع الأدلة المدعمة والمعززة التي قدمها ياموكهي؟
  2. ما الذي تعتبر دليل التعزيز والدعم الأكثر إقناعاً الذي تحدث عنه ياموكهي؟ ولماذا؟
  3. تقول المصادر القديمة بأن المسيحيين الأوائل تمسكوا بمعتقداتهم بدلاً من إنكارها في مواجهة التعذيب. بحسب ظنط، لماذا تمسكوا بمثل هذه الشدة بإيمانهم الذي اقتنعوا به؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Bruce, F.F. Jesus and Christian Origins outside the New Testament. Grand Rapids: Eerdmans, 1974.

Habermas, Gary. The Historical Jesus. Joplin, Mo.: College Press, 1996.

McDowell, Josh, and Bill Wilson. He Walked among Us. Nashville: Nelson, 1994.

[1]

[2]

[3]

[4]

[5]

[6]

[7]

[8]

[9]

[10]

[11]

[12]

[13]

[14]

[15]

[16]

الأدلة المؤيدة، هل هناك دليل موثوق به عن يسوع من خارج سيرة حياته بالأناجيل؟

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع هوية المسيا؟ – لي ستروبل

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع هوية المسيا؟ – لي ستروبل

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع هوية المسيا؟ – لي ستروبل

كان ذلك في أحد أيام السبت الهادئة الخالية من الإحداث فيبيت هيلر في شيكاغو. وكان كلارنس هيلر قد قضى فترة ما بعد الظهر في طلاء الزخارف الخشبية خارج منزلة ذو الطابقين والواقع غرب شارع 104 وفي أوائل المساء آوى هو وعائلته إلى الفراش. على أية حال، ما حدث لاحقا سيغير الفانون الجنائي في أمريكا إلى الأبد.

استيقظت عائلة هيلر في ساعات الصباح الباكر من يوم 19 سبتمبر سنة 1910 وساورهم الشك بأن مصباح الغاز القريب من حجرة نوم ابنتهم قد انطفأ. فذهب كلارنس هيلر ليتحقق الأمر. وسمعت زوجته سلسلة متتالية من الأصوات: شجار، سقوط رجلين على السلم، طلقتين ناريتين، اغلاق الباب الأمامي بعنف. وحينما ذهب، حيث مصدر الصوت، وجدت كلارنس هيلر ميتا عند أسفل السلالم.

ألقت الشرطة القبض على توماس جننجز، وهو لص منازل سبق أدانته، على بُعد أقل من ميل. وكان هناك دم على ملابسة وذراعه الأيسر المصاب، وقال، أن كل من الدم والإصابة حدثتا من جراء سقوطه على سيارة في الشارع ووجدوا في جيبه نفس نوع المسدس المستخدم في قتل كلارنس هيلر، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحددوا إن كان هل هو ذات السلاح المستخدم في القتل.

ولما كانوا يعرفون بأنهم محتاجين لمزيد من الأدلة لإدانة جننجز، قام المخبرون بمسح بيت القاتل بحثا عن أدلة إضافية.

أصبحت هناك حقيقة واحدة واضحة سريعا: إن القاتل دخل المنزل من خلال نافذة مطبخ خلفية. فخرج المخبرون إلى خارج المنزل، وهنا بجوار النافذة، وجدوا آثار مطبوعة، أربع بصمات أصابع من اليد اليسـرى لشخص، ولن تزول هذه الآثار، حيث طبعت على الطلاء التي قام به القتيل قبيل موته بساعات قليلة.

لقد كان دليل بصمات الأصابع فكرة جديدة في ذلك الوقت، بعد ان عرض حديثا في معرض شرطة دولي في مدينة سان لويس.

وحتى ذلك الوقت لم تكن بصمات الأصابع قد استخدمت كدليل لإدانة أي شخص بجريمة قتل في الولايات المتحدة.

وبالرغم من الاعتراضات القوية من محامي الدفاع الذين اعتبروا مثل هذا الدليل غير علمي وغير مقبول فإن أربعة من الضباط اثبتوا أن بصمات الأصابع الموجودة على الطلاء مطابقة تماما لبصمات جننجز ـ وهو وحده. وبعدها وجدت هيئة المحلفين أن جننجز مذنب وأيدت محكمة إلينوي العليا إدانته في حكم تاريخي وشنق فيما بعد(1).

إن الفرضية وراء دليل بصمة الإصبع بسيطة: فكل فرد لدية على أصابعه او اصبعها خطوط متقاطعة فريدة من نوعها. فعندما ‘تطبع بصمة على شيء ما فهي تتطابق مع نفس نمط الخطوط المتقاطعة على إصبع الشخص، وبذا يستطيع المحققين الانتهاء بيقين علمي بأن هذا الفرد بالذات قد لمس هذا الشئ.

في كثير من القضايا الجنائية، يعتبر تطابق بصمات الأصابع دليل محوري. أتذكر تغطيتي الصحفية لمحاكمة كانت بصمة واحدة لإصبع إبهام وجدت على غلاف سيلوفان لعلبة سجائر كانت العامل الحاسم في ادانة لص منازل عمرة عشرون عاما، بقتل طالبة في إحدى الكليات(2). وهذا ‘يبيّن كيف يمكن لدليل بصمات الأصابع أن يكون حاسماً وقاطعا.

حسناً، لكن ما علاقة هذا الأمر بيسوع المسيح؟

هو ببساطة ما يلي: هناك نوع آخر من الأدلة مماثل لبصمات الأصابع ويثبت بدرجة مذهلة من التأكيد أن يسوع هو حقا المسيا، المنظر لإسرائيل والعالم كله.

في الكتب المقدسة اليهودية، التي يدعوها المسيحيين “العهد القديم” هناك عشرات من النبوءات الكبرى حول مجئ المسيا، الذي سيرسله الله لخلاص شعبه. في الواقع، ‘تشكل هذه النبوءات بصمة الإصبع الرمزية التي يمكن للمسوح من الله وحده أن يتطابق معها. فبهذه الطريقة، يمكن للإسرائيليين أن يستبعدوا أي منحون و‘يصدّقون أوراق اعتماد المسيا الحقيقى.

والكلمة اليونانية للمسيا معناها المسيح. لكن هل كان يسوع حقاً هو المسيح؟ هل حقق هذه النبوءات التي كتبت قبل مولده بمئات السنين بشكل إعجابي؟ وكيف نعرف بأنه الشخص الوحيد على مدى التاريخ الذي تطابق مع بصمة الإصبع النبوية؟

هناك كثير من العلماء الذين نجد صفا طويلاً من الأحرف الأولى بعد أسمائهم، والذين كان بإمكاني أن أسألهم عن هذا الموضوع.

ومع ذلك فكنت أريد إجراء ‘مقابلة مع شخص أكاديمي نظري، وهذا ما قادني إلى مكان غير متوقع جداًّ في جنوب كاليفورنيا.

المقابلة التاسعة: لويس إس. لابيدس، ماجستير في عِلم لاهوت العهد القديم والساميات؛ ماجستير في اللاهوت

عادة ما تكون الكنيسة الموقع الطبيعي لاستجواب شخص ما حول مسألة تتعلق بالكتاب المقدس. لكن كان هناك شيء مختلف في الجلوس مع القس لويس لابيدس في قاعة المصلين في الصباح بعد اجتماع العبادة ليوم الأحد. فهذا الوضع من المقاعد والزجاج الملون ما يمكن توقع أن يوجد فيه ولد يهودي لطيف من نيويورك، نيوجيرسي.

ومع ذلك فهذه هي خلفية لابيدس. وبالنسبة لشخص له ميراثه، فإن السؤال عما إذا كان يسوع هو المسيا الذي طال توقعه، يعتبر أبعد من أي نظرية أو رأي. فهو سؤال شخصي جداً، وقد بحثت عن لابيدس لكي أستطيع أن أسمع قصة بحثه الخاصة لهذه المسألة الخطيرة والحساسة.

نال لابيدس شهادة البكالوريوس في علم اللاهوت من جامعة دالاس المعمدانية، بالإضافة إلى ماجستير في اللاهوت، وماجستير في علم لاهوت العهد القديم واللغات السامية من معهد تالبوت اللاهوتي. وعمل لمدة سبع سنوات كمعلم للحلقات الدراسية ” السير على هدي الكتاب المقدس “. كما كان أيضا الرئيس السابق لشبكة وطنية مكونة من خمس عشرة طوائف مسيائية (نسبة إلى المسيا).

كان لابيدس نحيفاً، يرتدي نظارة، وله صوت ناعم لرقيق، وابتسامة سريعة وضحكة حاضرة. وكان متفائلاً وموديا عندما أرشدني إلى كرسي بالقرب من واجهة مؤسسة بيث إربيل في مدينة شيرمان أوكس، بولاية كاليفورنيا. لم أرد البدء بمناقشة الفروق الكتابية الدقيقة؛ وبدلاً من ذلك بدأت بدعوة لابيدس بمشاركتي بقصة رحلته الروحية.

طوى يديه في حضنه، ونظر إلى الحوائط الخشبية الداكنة للحظة عندما قرر من أين يبدأ، ثم بدأ يحكي بوضوح حكاية غير عادية أخذتنا من نيويورك إلى قرية جرينتش إلى فيتنام إلى لوس انجيلوس، من الشك إلى الايمان، زمن اليهودية إلى المسيحية، ومن يسوع كعديم الأهمية إلى يسوع كالمسيا.

ثم بدأ حديثة قائلاً ” كما تعرف، جئت من عائلة يهودية، وحضرت في معهد يهودي محافظ لمدة سبع سنوات استعدادا لعيد البلوغ.

ومع إننا كنا نعتبر هذه الدراسات مهمة جداً، فإن إيمان عائلتي لم يؤثر كثيراً على حياتنا اليومية. فلم نكن نتوقف عن العمل في يوم السبت؛ ولم يهتم بيتنا ” بالكوشر1  Kosher “.

ثم ابتسم ” على اية حال، في الأيام المقدسة الكبرى كنا نذهب إلى المعبد اليهودي الأرثوذكسي الأكثر صرامةً، لأن والدي كانٍ يشعر أن هذا هو المكان الذي تذهب إليه إذا أردت أن تكون تقياً وجاداً مع الله!”.

وعندما قاطعته لكي أسأله عما علمهُ أبويه عن المسيا، كانت إجابة لابيدس واضحة ” لم يحدث هذا أبداً، لقد كنت ميالاً إلى الشك. وفي الوقع ظننت أني فهمة فسألته ” هل تقول إن موضوع المسيا لم يكن حتى يناقش مع عائلتك؟ “.

فكرر إجابته قائلاً ” ابداً، أنا حتى لا أتذكر بأن هذا الموضوع قد سمعت عنه في المدرسة العبرية “.

لقد كان مدهشاً لي، فسألته ” وماذا عن يسوع؟ هل كان في أي وقت لحديثكم؟ هل استخدم أسمه؟ “.

فقال مازحاً ” الطريقة الوحيدة التي ذكر بها أسم يسوع كانت بشكل انتقاصي! أساسا، لم نناقشه أبداً. أما انطباعاتي عن يسوع فقد نشأت من رؤية الكنائس الكاثوليكية: كان هناك الصليب، وإكليل الشوك، والجنب المطعون، والدم النازل منٍ رأسه.  ولم يكن لهذا أي معني عندي. لماذا تعبدون رجلاً مصلوباً على الصليب والمسامير في يديه وفي قدميه؟ لم أفكر أباً، ولو مرة واحدة، بان يسوع كان له أي صلة بالشعب اليهودي. لكنني اعتقدت فقط أنه كان إلها للأمم (غير اليهود).

  • قد يكون اللحم المذبوح بحسب القواعد الصارمة بالشريعة اليهودية، حيث تنزع منه كل الأشياء غير النظيفة، وحين يذبح يجب أن ُيصفّى دمه كلياً، قاموس أدبيات ومعتقدات شعوب العالم، مكتبة دار الكلمة، مصر القاهرة، 2004.

“إن الشعوب الني لم تكن يهودية (الأمم)، كان يُنظر إليهم كمرادفين للمسيحيين، وعلمونا أن نحترز لأنة من الممكن أن هناك معاداة للسامية بين الأممين” قال ذلك بطريقة دبلوماسية نوعاً ما.

واصلت تتبع الموضوع ” هل تقول أنك كونت مواقف سلبية نحو المسيحيين؟ “

في هذه المرة لم يفتت الكلمات، فقال ” نعم، في الحقيقة فعلت ذلك. فيما بعد، عندما ُقدم لى العهد الجديد لأول مرة، بصدق اعتقدت بأنه سيكون أساسا كتيباً عن معاداة السامية: كيفية كراهية اليهود، كيفية قتل اليهود، وكيفية ذبحهم. واعتقدت أن الحزب النازي الأمريكي سيستريح لاستخدامه كمرشد “.

هززت راسي، وحزنت وشعرت بالأسى حين فكرت في كم عدد الأطفال اليهود الآخرين الذين نشأوا وهم يعتقدون أن المسيحيين أعدائهم.

مسعى روحي يبدأ

لابيدس ذكر عدة أحداث أضعفت ولأنه لليهودية فيما كان يكبر.

ولما كنت متشوقاً لمعرفة التفاصيل، طلبت منه التوسع، فاتجه مباشرة وبشكل واضح إلى الحادثة الأكثر فاجعة في حياته.

فقال:”أنفصل والدي عن والدتي حين كان عمري سبعة عشر عاما ” ولدهشتي أنه بعد كل هذه السنين مازلت أستطيع تبين جرح في صوته “.  في الواقع أن هذا الحدث أحدث طعنة في أي قلب متديَن التي لربما كانت لديّ. وتساءلت: من أين يأتي الله؟ لمَ لم يذهبا إلى الحاخام للاستشارة؟ أي صلاح للدين إذا لم يستطيع مساعدة الناس على نحو عملي؟ لقد كان من المؤكد بأن أبوأي لن يستطيعا الاستمرار معاً. وعندما انفصلا، أنفصل جزء مني أيضاً.

” وفوق كل ذلك في اليهودية لم اشعر كأن كان لديَ علاقة شخصية مع الله. كانت لديَ شعائر وتقليد جميلة، ولكنه كان إله جبل سيناء البعيد

والمُنفصل الذي قال ” ها هي القوانين (الوصايا العشر)، ستعيشون بها وستكونون على ما يرام، وسأراكم فيما بعد “. وهناك كنت أنا، مراهق بهرمونات مهتاجة، يتساءل: ” هل الله على علم بكفاحي وصراعاتي؟ هل يهتم بي كفرد؟ حسناً، لم أرى شيئاً مُطلقاً من هذا “.

دفع الطلاق ببدء مرحلة من التمرد. أولع بالموسيقى وتأثر بكتابات جاك كيروواك وتيموثي ليري، وقضي وقتاً أكثر من اللازم في مقاهي قرية جرينتش فلم يستطع الالتحاق بالكلية، مما جعله ُعرضة للخدمة العسكرية. وفي سنة 1967 وجد نفسه في الجانب الآخر من العالم في سفينة شحن عليه حمولة متفجرة، ذخيرة، وقنابل، وصواريخ، ومتفجرات قوية أخرى ـ مما جعلها هدفاً مغرياً للمحاربين الفيتناميين.

” أتذكر ما قيل لنا من توجيهات في فيتنام، عشرون بالمائة منكم يحتمل أن يقتلوا، والثمانون بالمائة سُيصابون بأمراض تناسلية أو مدمني خمور أو مدمني للمخدرات “. اعتقدت، انه ليس لي فرصة حتى واحد بالمائة من العودة بحالة طبيعية!

” لقد كانت فترة مظلمة جداً. شاهدت فيها صنوف العذاب، ورأيت جثثاً في أكياس، وشاهدت دمار الحرب. وصادفت معاداة السامية بين بعض الناس. قليل منهم من الجنوب حرقوا صليباً في إحدى الليالي. لربما رغبت في إبعاد نفسي عن هويتي اليهودية لربما، لهذا بات بالتنقيب في الديانات الشرقية “.

قرأ لابيدس كتباً عن الفلسفات الشرقية وزار المعابد البوذية حينما كان في اليابان. ” لقد تضايقت جداً للشرور التي رأيتها وكنت أحاول أن اكتشف كيف يستطيع الإيمان أن يتعامل معها. لقد اعتدت القول: لو كان هناك إله فلا يهمني إن كنت سأجده على جبل سيناء أو جبال فوجي. فسأقبله بأي طريقة”.

خرج حياً من فيتنام، وعاد إلى الوطن مولعاً بطعم جديد اكتشفه في المار جوانا وخططا ليصبح كاهناً بوذيا. حاول أن يعيش حياة الزهد وإنكار الذات في محاولة جاهدة للتخلص من الكارما)2( السيئة لآثام ماضية، ولكن سرعان ما أدرك بأنه لن يستطيع أبداً التعويض عن كل أخطائه.

سكت لابيدس لحظة ثم قال ” أصبحت مُكتئباً، وأتذكر أني ركبت مترو الأنفاق وبدأـ بالتفكير، لربما كان الحل هو القفز فوق الأحداث. يمكنني من أن أتحرر من هذا الجسد وأتحد بالله.  ولقد كنت مرتبكاً جداً. ومما زاد سوءاً إني بدأت أجري تجارب بتعاطي مخدر اسمه LSD “.

وبحثا عن بداية جديدة، قرر الانتقال إلى كاليفورنيا، حيث استمر في مسعاه الروحي ” ذهبت إلى الاجتماعات البوذية، ولكنها كانت فارغة. فالبوذية الصينية كانت إلحادية، والبوذية اليابانية تتعبّد لتماثيل بوذا، وبوذية الزن مراوغة جداً. وذهبت إلى اجتماعات العلموية (حركة دينية علمية)، ولكنهم كانوا متلاعبين ومسيطرين.

وكان الهندوس يؤمنون بكل هذه الطقوس العربيدة التي كانت لدى الآلهة وفي الآلهة التي كانت عبارة عن أفيال زرقاء. لا شيء من كل هذا بدأ معقولاً؛ لا شيء يمكنه أن يُرضي، ويُشبع النفس “.

وزادت أحواله سوءاً حتى كان يصطحب أصدقاء إلى اجتماعات لها اتجاهات شيطانية خفية. ” كنت أراقب وأشاهد وأفكر. إن شيئاً ما يحدث هنا، لكنه ليس جيداً، وفي وسط عالمي المجنون بالمخدرات، أخبرت أصدقائي أن هناك قوة شريرة تفوق طاقتي، وتستطيع أن تعمل في داخلي، ومتواجدة في كياني.لقد رأيت في حياتي شروراً كافية لأعتقد ذلك”. وبابتسامة ساخرة قال ” أظن أني قبلت وجود الشيطان، قبل قبلت الله”.

____________

(2) هي كلمة سنسكريتية تعني “الفعل”و”المصير”، وتعد مصطلحاً هاماً في التراث الديني الهندي حيث تشير إلى مجمل أفعال الشخص في واحد من حالات الوجود المتعاقبة، وهي تفرر ما سيكون وضعه في الحالة التي تعقب وجودة الحالي، وهي التي تحددت بالحالة السابقة.] قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم، مكتبة دار الكلمة، مصر القاهرة،2004 [

“لا يمكنني” الإيمان بيسوع

      في سنة 1969 دفع فضول لابيدس لزيارة قطاع “سنست ستريب” للتحديق في داعية إنجيلي كان قد قيًد نفسه بسلسلة في صليب طوله 8 أقدام للاحتجاج، على ألطريقه التي تمكن بها أصحاب حانة محلية التي تسببت في طردة من الدير. وكان هناك على الرصيف صادف لابيدس بعض المسيحيين الذين شاغلوه في نقاش روحي مرتجل.

ولكونه كان مغروراً. بدأ يقذفهم بأفكار الفلسفة الشرقية، وقال لهم وهو يشير إلى السماء “ليس هناك إله. نحن الله. أنا الله. وأنتم الله. فقط عليكم أن تدركوا ذلك”.

فأجابه أحد الأشخاص “حسناً، إذا كنت أنت الله، فلماذا لا تخلق صخرة؟ فقط أظهر أي شيء: أي شيء مما يفعله الله”.

وبعقله المشوش بسبب المخدرات، تخيل أنه ماسكاً بيده صخرة فقد مد يده الفارغة قائلاً ” حسناً، ها هي الصخرة”.

فضحك المسيحي ساخراً “هذا هو الفرق بينك وبين الله الحقيقي. عندما يخلق الله شيئاً، يستطيع كل فرد أن يراه. فهو شيء ملموس وليس شيء وهمي”. وهنا تسجلت هذه الفكرة مع لابيدس. وبعدما فكّر فيها قليلاً، قال لنفسه، لو وجدت الله فلابد أن يكون ملموساً. لقد انتهيت من هذه الفلسفة الشرقية ومللتها وهي التي تقول إن كل شيء موجود في عقلي وأنني أستطيع خلق حقيقي. إن الله لابد أن يكون حقيقة ملموسة إذا كانت سيكون له معنى يفوق مستوى خيالي.

وعندما ذكر أحد المسيحيين إسم يسوع، حاول لابيدس التخلص منه بالجواب الذي طال اختزانه “أنا يهودي، لا أؤمن بيسوع”.

وهنا تكلم القس وسأله ” هل تعرف بالنبوءات حول المسيا؟

لكن لابيدس فوجئ بهذا السؤال فقال له”نبوءات؟ أنا لم اسمع عنها أبداً”.

وفاجأ الداعية لابيدس بالإشارة إلى بعض نبوءات العهد القديم.

تفكر لابيدس ثم قال له “إنتظر دقيقة! تلك كتبي اليهودية المقدسة التي اقتبس منها! كيف يمكن ليسوع أن يكون هناك”.

فلما قدم له الداعية الكتاب المقدس، كان لابيدس مرتاباً، فسأله “هل به العهد الجديد؟ فأومأ الداعية برأسه موافقاً فقال لابيدس “حسناً، سأقرأ العهد القديم، لكن لن افتح الأخر”.

وإندهش من رد الداعية الذي قال له حسناً، اقرأ العهد القديم فقط وإسأل إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، إله إسرائيل ليريك إن كان يسوع هو المسيا. لأنه مسيحك المنتظر. جاء إلى الشعب اليهودي أولاً ثم كان أيضاً مخلص العالم”.

بالنسبة للابيدس، كانت هذه معلومات جديدة. معلومات مثيرة، معلومات مدهشة. لذا عاد إلى شقته، وفتح العهد القديم من أول سفر، سفر التكوين، وراح يبحث عن يسوع بين الكلمات التي كانت قد كتبت من مئات السنين قبل أن يولد نجار الناصرة.

 ” مَجْرُوحٌ لأجْلِ مَعَاصِينَا

 ثم قال لابيدس “سرعان ما بدأت بقراءة العهد القديم كل يوم وأرى نبوءة بعد أخرى. فمثلاً، تحدث سفر التثنية عن نبي أعظم من موسى سوف يأتي ويجب أن نستمع إليه. أنه المسيا، شخص عظيم ومحترم مثل موسى، ولكنه معلم أعظم وذو سلطان أعظم. فأمسكت بهذه النبوءة ورحت ابحث عنه”.

وكلما تقدّم لابيدس في قراءة الكتاب المقدس. توقف مذهولاً عند سفر أشعياء الإصحاح 53. بوضوح ودقة، وفي نبوءة متكررة ومغلفة بشعر متقن، كانت هذه صورة المسيا الذي سيتألم ويموت من أجل خطايا إسرائيل والعالم، كلها كتبت قبل حضور يسوع إلى الأرض بأكثر من سبعمائة عام.

3 مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. 4 لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. 5وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. 6 كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. 7 ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. 8 مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ 9 وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ.

12 لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. أشعياء (53: 3- 9  ،12)

وفي الحال تعرّف لابيدس على الصورة: هذا هو يسوع الناصر]! الآن بدأ يفهم الصور التي رآها في الكنائس الكاثوليكية التي مر بها وهو طفل: يسوع المتألم، يسوع المصلوب، يسوع الذي أدرك الآن أنه ” مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا ” كما أنه ” وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا “.

ومثلما سعى اليهود في العهد القديم للتكفير عن خطاياهم من خلال نظام الذبائح الحيوانية، فهنا يسوع، الحمل الذبيحة النهائية من الله، الذي دفع ثمن خطايانا مرة والى الأبد. وهنا كان تجسيد خطة الله للخلاص.

لقد كان هذا الاكتشاف مدهشاً جداً لدرجة أن لابيدس إستطاع أن يتوصل إلى استنتاج واحد فقط: إنها كانت خدعة! فقد أعتقد بأن المسيحيين أعادوا كتابة العهد القديم وحرفوا كلمات أشعياء ليجعلوها تبدو كأن النبي كان يتنبأ عن يسوع.

وشرع لابيدس ليكشف عن هذه الخدعة”سألت زوجة أبي أ، ترسل إلى نسخة من الكتاب المقدس اليهودي وبذا يمكنني أن أتأكد بنفسي. وفعلاً أرسلت الكتاب المقدس، فهل يمكنك أن تخمن؟ وجدته يقول نفس الشيء! الآن أنا مضطر أن أتعامل معه”.

يهودية يسوع

مرة بعد أخرى يصادف نبوءات في العهد القديم، أكثر من أربع دزينات (48) من النبوءات الكبرى إجمالاً. وقد كشف أشعياء طريقة ميلاد المسيا (من عذراء)؛ وحدد ميخا مكان ميلاده(بيت لحم)وحدد سفري التكوين و أرميا سلسلة النسب (من إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبط يهوذا، من بيت داود)؛ وتنبأت المزامير بمن سيخونه، واتهامه من قبل شهود زور، وطريقة موته (مثقوب في يديه وقدميه، مع أن الصلب لم يكن قد إخترع وقتئذ)، وقيامته (لن يفسد حسده بل سيصعد إلى السموات) وهكذا وبدون توقف(3) كانت كل نبوءة تُكسّر شكوكية لابيدس حتى أصبح أخيراً مستعداً لان يتخذ الخطوة الحاسمة.

“قررت فتح العهد الجديد وأقرأ الصفحة الأولى فقط”.

وبارتعاش انتقلت ببطئ إلى إنجيل متى وأنا ناظر إلى السماء منظراً صاعقة البرق أن تهبط علىَّ!”.

وقفزت كلمات متى الأولى من صفحة الإنجيل حيث يقول “كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ….”. فاتسعت عينا لابيدس حين تذكر لحظة قراءته لهذه الجملة لأول مرة”فكرت ـ واو! إبن إبراهيم وإبن داود، كل الأشياء متوافقة معاً! وعدت إلى قصص الميلاد وفكرت. أنظر إلى هذه الجملة.إن متى يقتبس من النبي أشعياء14:7 “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» وبعد ذلك يقتبس من النبي أرميا، وجلست هناك أفكر. أنت تعرف أن هذه عن الشعب اليهودي. فأين يبدأ الكلام عن الأمم (غير اليهود)؟ ماذا يحدث هنا؟

“وهنا لم أستطع أن أترك الكتاب. بل قرأت باقي الأناجيل كلها، وأدركت بأنها ليست كتيب للحزب النازي الأمريكي، بل كانت تفاعلاً بين يسوع والمجتمع اليهودي. ثم وصلت إلى سفر الأعمال، وهذا شيء لا يمكن تصديقه! لقد حاولوا أن يبينوا بوضوح كيف استطاع اليهود أن يوصلوا قصة يسوع إلى الأمم (غير اليهود).

حديث عن تبادل الأدوار!

لقد كانت النبوءات التي تحققت مقنعة لدرجة أن لابيدس بدأ يخبر الناس أنه آمن بأن يسوع هو المسيا. وفي ذلك الوقت، كان هذا مجرد احتمال عقلاني بالنسبة إليه، ومع ذلك فما تضمنه من معاني كانت مقلقة للغاية.

“أدركت أنني لو قبلت يسوع في حياتي، فلابد أن تحدث بعض التغيرات في طريقة معيشتي”. ثم أوضح قائلاً “لابد أن أعالج مشاكل المخدرات، والجنس، وغيرها. ولم أفهم أن الله سيساعدني في إتمام هذه التغيرات؛ واعتقدت بأني يجب أن أنظف حياتي بنفسي، بمفردي”.

الغطاس في الصحراء

  توجّه لابيدس وبعض أصدقاؤه إلى صحراء موجاف للنزهة. وقد كان روحياً يشعر بصراع نفسي. فقد انتابته كوابيس التي رأى فيها الكلاب تمزقه وتنهشه من اتجاهات متقابلة. وبينما كان جالساً بين الأشجار الصحراوية، تذكر كلمات قالها له شخص يوم ذهب إلى سنست ستريب” إما أن تكون مع الله أو مع الشيطان”.

لقد أمن بالشر ومتضمنا ته، ولم يكن هذا هو الجانب الذي أراد أن يكون معه. لذا صلى لابيدس ” يارب، يجب أن أضع حداً لهذا الصراع. يجب أن اعرف دون أي ظل من الشك أن يسوع هو المسيا. أحتاج أن أعرف، أنك كإله إسرائيل، تريدني أن أؤمن بهذا”.

وبينما حكي لي هذه القصة، تردد لابيدس حيث كان غير متأكد كيف يعبر بالكلمات عما حدث بعد ذلك. ومرت لحظات قليلة. ثم قال لي “أفضل ما استجمعه من تلك التجربة هو أن الله تكلم إلى قلبي، بطريقة ملموسة. وأقنعني، بشكل اختباري أنه موجود. وعند تلك النقطة، وأنا في الصحراء، قلت في قلبي “يارب، أنا أقبل يسوع في حياتي. لكني لا أفهم ما هو مفروضاً أن أفعلة معه، ومع ذلك فإني أريده. لقد أفسدت حياتي كثيراً جداً، واحتاجك يارب لأن تغيرني”.

وفعلاً بدأ الله بالقيام بتلك العملية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.        ” عرف أصدقائي أن حياتي قد تغيرت، ولم يستطيعوا أ، يفهموا ذلك. فهم يقولون لي أن شيئاً ما قد حدث لك في الصحراء. فأنت لا تعد راغباً في تعاطي المخدرات. هناك شيء مختلف فيك؟”

“فأقول لهم، حسناً، أنا لا أستطيع تفسير ما حدث. فكل ما أعرفه أن هناك شخص في حياتي، وهذا الشخص قدوس، وبار، وهو مصدر الأفكار الإيجابية عن الحياة، وأنا اشعر فقط بكل هذا”.

هذه الكلمة الأخيرة، بدا وكأنه كل شيء. “بكل هذا” أما هو فأكد لي “كل هذا بطريقة لم أشعر بها أبدا من قبل”.

وبالرغم من التغيرات الإيجابية، فقد كان مهتماً بتبليغ هذا الخبر لوالديه. وعندما أبلغهما أخيراً، كان رد فعلهما متفاوتا. “في بادئ الأمر كانا فرحين لأنهما عرفا أنني لم أعد معتمداً على المخدرات، وأنني بدوت أفضل بكثير نفسيا” وبعد ذلك تذكر ما حدث “لكن هذا الابتهاج بدأ بالتحلل عندما فهما مصدر كل هذه التغيرات. فجفلوا، كما لو كانوا يقولون: ولماذا يجب أن يكون يسوع؟ ولماذا لا يمكن أن يكون شئ آخر؟ ولم يعرفوا ماذا يمكنهم أن يفعلوا”.

ثم أضاف بصوت فيه نبرة من الحزن” مازلت غير متأكد بأنهم يفعلون شيئاً”.

ومن خلال سلسلة من الظروف الغير عادية، حصل لابيدس على استجابة للصلاة من أجل الحصول على زوجة حين قابل ديبورا، التي كانت يهودية أيضا ومن أتباع يسوع.فأخذته إلى كنيستها، التي أتضح إنها نفس الكنيسة التي يرعاها الداعية الذي كان قد قابله قبل ذلك بشهور كثيرة في سنست ستريب الذي حفز لابيدس لقراءة العهد القديم. وهنا ضحك لابيدس”يمكنني أخبارك، لأنه شُدهّ عندما رآني أدخل الكنيسة!”

وكان جماهير المصلين كثيرين وكان من بينهم راكبو الدراجات البخارية فيما قبل، ومن مجموعات الهيبز السابقين، ومدمنين سابقين للمخدرات من هذا القطاع، وكان بيتهم عدد من أهالي الجنوب سيئ السمعة جاءوا واستقروا. وبالنسبة للشاب اليهودي من نيو أرك الذي كان منطقياً خجولاً جداً من الذين مختلفون عنه، بسبب معاداة السامية التي كان يخشى أن يصادف، قد إستراح عندما تعلم أن يسمي مثل هذه المجموعة المتباينة”إخوة وأخوات”.

تزوج لابيدس من ديبورا بعد عام من لقائهما. ومنذ ذلك الحين أنجبا ولدين. ثم أنجبا معا مؤسسة بيث أريل، وهي عبارة عن مأوى لليهود وغير اليهود(الأمم) الذين وجدوا الكمال في المسيح.

الرد على الاعتراضات

أنهى لابيدس قصته في كرسيه. أما أنا فتركت الزمن يتباطأ. وكانت قاعة الكنيسة هادئة تبث السلام في النفس؛ وكان الزجاج الملون يتوهج باللون الأحمر والأصفر والأزرق بشمس كاليفورنيا. جلست أتأمل في قوة قصة شخص واحد عن إيمان وجدة. وعجبت لهذه القصة المليئة بالصراع والمخدرات، وقرية جرينتش وقطاع سنست ستريب والصحراء القاحلة، التي لا يمكني ربطها بالقس اللطيف المنضبط الجالس أمامي.

ولكني لم أرد تجاهل الأسئلة الواضحة التي أثارتها قصته. وبعد استئذان لابيدس بدأت أساله السؤال الرئيسي الذي خطر ببالي “إذا كانت النبوءات واضحة جداً أمامك وأشارت بطريقة لم تدع مجالاً للشك ـ إلى يسوع ـ فلما لا نجد مزيداً من اليهود يقبلون يسوع كالمسيا لهم؟”.

لقد سأل لابيدس نفس السؤال طوال الثلاثين عاماً منذ أن تحداه رجل مسيحي للتحقق في الكتب اليهودية المقدس. فقال لي “في حالتي، فقد تأنيت في قراءتهم. ومن الغريب، أنه مع أن اليهودي معروف عنهم الذكاء الفائق، إلا أنهم في هذه المسألة لديهم الكثير من الجهل.

“علاوة على ذلك، هناك مؤسسات للتبشير المضاد والتي تعقد حلقات دراسية في الجامع والمعابد اليهودية لمحاولة تفنيد النبوءات المسيائية. فاليهود يسمعوها ويتخذوها حجة لعدم استكشاف النبوءات بأنفسهم. ويقولون “إن الحاخام قال لي ليس هناك شئ من هذا القبيل” وحين أسألهم” هل تظنون أن الحاخام قدم اعتراضا لم تسمع به المسيحية من قبل؟ أعني أن العلماء قد ظلوا يبحثون في هذا الموضوع لمدة مئات السنين! هناك أدب كثير وكتب عظيمة وإجابات مسيحية قوية على هذه التحديات، فلو كانوا بهذا الموضوع فسأساعدهم على مزيد من البحث”.

ولقد تعجبت من نبذ المجتمع الذي يواجهه شخص يهودي إذا أصبح هو أو هي مسيحيا. فقال لابيدس “إن هذا بالتأكيد أحد العوامل، فإن بعض الناس لا يسمحون للنبوءات المسيائية أن تلفت نظرهم لأنهم خائفون من الارتداد الذي يؤدي إلى النبذ عن عائلاتهم والمجتمع اليهودي. وهذا ليس من السهل مواجهته صدقني، أما أعرف ذلك”.

ورغم ذلك، فإن بعض التحيات للنبوءات تبدو مقنعة جداً عندما يسمها شخص لأول مرة. ولذلك فقد وجهت أكثر التحديات شيوعاً إلى لابيدس واحدة بعد الأخرى لأرى كيف سيرد عليها.

  1. مجادة الصدفة

  أولاً، سألت لابيدس إن كان من الممكن أن تحقيق يسوع للنبوءات قد يكون مجرد صدفة. لربما يكون أحد الكثيرين على مدى التاريخ الذين توافقوا بالصدفة مع بصمة إصبع النبوءات.

جاء رَدَّة “إنها ليست صدفة، فإن الإحتمالات كثيرة العدد لدرجة أنها تحسم هذه النقطة. وقد حسبها شخص فوجد أن احتمال مجرد تحقق ثمانية نبوءات هي صدفة أو فرصة واحدة في مائة مليون بليون. وهذا العدد أكبر بملايين المرات من عدد جميع الناس الذين عاشوا على هذا الكوكب حتى الآن!

“وحسب هذا العدد أنك إذا أخذت هذا العدد بالدولارات الفضية، فستغطي ولاية تكساس إلى عمق قدمين. فلو وضعت علامة على واحد من هذه الدولارات الفضية ثم أحضرت شخصاً مغمض العينين وطلبت منه التجول في كل أنحاء الولاية ويلتقط هذه العملة المحددة، ماذا تكون الإحتمالات لوصله للعملة التي وضعت عليها العلامة؟”.

وبهذا فإنه يعتبر أجاب على سؤاله بنفسه: “إنه نفس عدد الإحتمالات التي يمكن لأي شخص في التاريخ لأن يحقق ثمانية فقط من هذه النبوءات”.

لقد درست هذا التحليل الإحصائي نفسه من قبل عالم الرياضيات بيتر دبليو ستونر عندما كنت أبحث في النبوءات المسيائية لنفسي. وإن ستونر قد حسب أيضا أن أحتمال تحقق ثمان وأربعون نبوءة كان فرصه واحدة في تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون!(4)

 إن عقولنا لا تستطيع أن تستوعب عدداً بهذا الحجم. وهذه إحصائية مذهلة لدرجة أنها مساوية لعدد الذرات الدقيقة جداً في تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، بليون من الأكوان ضعف حجم الكون الذي نعيش فيه!

واختتم لابيدس الكلام قائلاً” إن الإحتمالات وحدها تقول إنه من المستحيل لأي شخص أن يحقق نبوءات العهد القديم. ومع ذلك فإن يسوع، ويسوع وحدة، عبر كل قرون التاريخ، إستطاع أن يحققها”.

وهذا قفزت إلى رأسي كلمات بطرس الرسول ” وَأَمَّا اللهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ، قَدْ تَمَّمَهُ هكَذَا” (أعمال 18:3).

2.مناقشة مسألة الإنجيل المحرف

رسمت سيناريو آخر للابيدس، فسألته” أليس من الممكن أن كُتّاب الأناجيل اختلقوا تفاصيل لُظهروا أن يسوع حقق النبوءات؟”

“فمثلاً تقول النبوءات أن عظام المسيا ستبقى سليمة ولن تُكسر، لذلك فربما يوحنا أخترع قصة أن الرومان كسروا سيقان اللصين اللذين صلبا مع يسوع ولم يكسروا سيقانه. والنبوءة التي تتحدث عن الخيانة مقابل ثلاثين قطعة من الفضة، لربما تلاعب متى بالحقائق بطريقة ماكرة وقال: نعم، باع يهوذا يسوع بهذا المبلغ نفسه”.

لكن هذا الاعتراض لم ينجح أكثر من الاعتراض السابق.فأوضح لابيدس “الله بحكمته قد خلق وسائل المراجعة والرقابة من داخل المجتمع المسيحي وخارجه. فعندما انتشرت الأناجيل وأصبحت متداولة، كان هناك أناس يعيشون في ذلك الوقت وفي تلك المناطق عندما حدثت هذه الأمور. وكان من الممكن أن يأتي شخص ويقول ل متى ” أنك تعلم أن هذه الأحداث لم تحدث بهذه الطريقة. إننا نحاول أن نحيا حياة التقوى والصدق فلا تشوهها بكذبة”.

علاوة على ذلك، لماذا يختلق متى نبوءات تحققت ثم يسمح لنفسه، وبرغبته أن يحكم عليه بالإعدام لكونه تابع لشخص يعرف سراً أنه لم يكن فعلاً المسيا؟ هذا شيء لا معنى له؟

وما هو أكثر من ذلك، أن المجتمع اليهودي كان سينتهز أي فرصة ليكذبوا الأناجيل بلفت الأنظار إلى هذه الأكاذيب. وكانوا سيقولون ” لقد كنت هناك، وقد كسر الرومان عظام يسوع أثناء عملية الصلب. ولكن مع أن التلمود اليهودي يشير إلى يسوع بطريقة تحط من قدره، فأنه لم يدعي أبداً، ولا مرة واحدة، أن تحقيق هذه النبوءات قد تم تزيفه”.

  1. مناقشة تدبير عملية تحقيق النبوءات عمداً

صَرح بعض المشككين بأن يسوع خطط حياته بطريقة تحقق النبوءات.  ” ألم يكن يستطيع أن يقرأ في سفر زكريا أن المسيا سيدخل أورشليم راكباً على حمار، ثم يتخذ الترتيبات اللازمة لتمكنه فعل ذلك بالضبط؟”

وهنا تنازل لابيدس تنازلاً صغيراً فقال رداً على سؤالي ” نعم، بالنسبة لنبوءات قليلة، فإن هذا الأمر يمكن تخيله بالتأكيد. ولكن هناك نبوءات أخرى كثيرة لم يكن من الممكن أن يحدث فيها هذا.

“فمثلاً، كيف سيتحكم في حقيقة أن مجلس السنهدريم اليهودي أعطوا ليهوذا ثلاثين من الفضة لكي يخونه؟ وكيف سيتمكن من ترتيب سلسلة النسب، والمكان الذي ولد فيه، وطريقة إعدامه، أو مُراهنة الجنود على ثيابه، أو بقاء رجليه سليمة ودون أن تكسر على الصليب؟ وكيف كان سيرتب عملية قيامته من الأموات؟ وكيف كان سيرتب أن يولد في الموعد الذي ولد فيه؟”

هذه الجملة الأخيرة أثارت فضولي فسألته ” ماذا تقصد بعبارة في الموعد الذي ولد فيه؟”

عندما تفسر دانيال 9: 24-26، الذي يتنبأ بأن المسيا سيظهر بعد فترة زمنية محددة بعد أن ملك أرْتَحْشَسْتَا الأول أصدر مرسوماً للشعب اليهودي بالذهاب من فارس إلى أورشليم ليعيدوا بناء أسوار أورشليم.

ثم مال للأمام لقول الجملة الحاسمة “إن هذا يجعل الظهور المتوقع للمسيا في اللحظة المحددة من التاريخ التي ظهر فيها يسوع. وبالتأكيد لم يكن بإمكانه أن يرتب هذه المسألة مقدماً”(5)

  1. مجادلة السياق

هناك اعتراض واحد آخر لابد من مناقشته: هل كانت الفقرات التي عينها المسيحيون كنبوءات عن المسيا مقصودة فعلاً لتشير إلى مجئ المسيا الوحيد الممسوك بالزيت، أم أن المسيحيين انتزعوها وفصلوها عن سياق الجملة وأساءوا تفسيرها؟

تنهد لابيدس قائلاً “أنت تعرف، أنني أفحص الكتب التي يؤلفها الناس ليحاولوا تشويه ما نؤمن به. وأن هذا ليس من السهل عملة وكنني أقضي الوقت الكافي لفحص كل اعتراض على حدة، أبحث في سياق الجملة وأستخدم الكلمات في اللغة الأصلية. وفي كل مرة ثبتت النبوءات صدقها.

“لذا فإني هنا أوجه تحدياً إلى المشككين: لا تقبلوا كلامي كما هو، ولكن لا تقبلوا كلام الحاخام أيضاً. بل خصصوا الوقت الكافي لبحثها بأنفسكم. لا يستطيع أحد اليوم أن يقول “ليس عندي معلومات” فهناك كتب كثيرة يمكنها مساعدتكم.

“وهناك شئ آخر: اطلبوا من الله بإخلاص أن يعلن لكم هل يسوع هو المسيا أم لا. وهذا هو ما فعلته بنفسي، وبدون أي تعليم أصبح من الواضح أمامي من الذي تنطبق عليه بصمة المسيا”.

“لآ بُد أَنْ يَتِمَّ جمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنَّي……”

لقد أعجبت بالطريقة التي أجاب بها لابيدس على الاعتراضات، ولكن في النهاية لقد كانت قصة رحلته الروحية هي التي ظلت تتكرر في تلك الليلة. وتأملت في عدد المرات التي صادفت فيها قصصا مماثلة، خصوصاً بين الناس اليهود الناجحين والذين يفكرون بعمق، والذين شرعوا بدقة من خلال قراءته لما كتبه من قبل الذين يحاولون أن يحطوا من قدر إدعاءات يسوع المسيا نية.

فكّرت في “ستان تيلتشين”، رجل الأعمال بالساحل الشرقي الذي بدأ مسعاه للكشف عن “العبادة” المسيحية بعد سفر أبنته إلى الكلية، حيث قبلت يسوع كالمسيا. لقد اندهش من أن تحقيقه قاده هو وزوجته وأبنته الثانية إلى نفس المسيا. لقد أصبح فيما بعد خادما للمسيح، وكتابه الذي يعيد رواية قصته “المغدور به Betrayed “، والذي تُرجم إلى أكثر من عشرون لغة.(6)

وهناك أيضا جاك سترنبيرج، طبيب السرطان البارز في لتل روك، آركانساس، الذي قاده قلقة مما وجدة في العهد القديم عن المسيا، وتحي ثلاثة حاخامات لتفنيد تحقق هذه النبوءات في يسوع المسيا. ولم يستطيعوا، وهو يدعي بأنه وجد تحقيقها كلها في المسيح(7).

وهناك أيضاً، بيتر جرينسبان، أخصائي الولادة، وطبيب أمراض النساء الممارس في مدينة كانساس وأستاذ مساعد سريري في كلية الطب مدينة ميسوري كانساس. ومثل لابيدس، كان قد تحديّ للبحث عن يسوع في اليهودية. وهو ما اضطره لبحث في التوراة والتلمود، ساعياً إلى إثبات عدم أحقية يسوع كالمسيا. وبلاً من ذلك وصل إلى النتيجة بأن يسوع قد حقق في شخصه، وبشكل أعجوبي، كل النبوءات.

بالنسبة له، قرأ الكتب التي حاول مؤلفوها تقويض الدليل القائل بأن يسوع هو المسيا. إلا أنه وصل إلى نتيجة فحواها ” لقد قدتني هذه الكتب الهجومية على يسوع للإيمان به”(8)

وقد وجد مثل لابيدس وآخرين ـ أن كلمات يسوع في إنجيل لوقا قد ثبت صدقها “أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لوقا 24:44). لقد تحققت في يسوع وحده، الشخص الوحيد في التاريخ الذي ضاهى بصمة الإصبع النبوية لمسيح الله الواحد.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

1.حتى لو تكن يهودياً، هل هناك أي سمة لرحلة لابيدس الروحية مشابهه لرحلتك الخاصة؟ هل كان هناك أي دروس تعلمتها من لابيدس عن كيف يجب أن تبدأ؟

2.درس لابيدس تراثه اليهودي وأسلوب حياته المخالف للكتاب المقدس، التي شكّلت عوائق تمنعه من أن يصبح من أتباع يسوع؟ هل هناك شئ في حياتك يجعل من الصعب أن تصبح مسيحياً وهل تري أي تكاليف قد تتكبدها لو أصبحت مسيحياً؟ وما قيمتها لو قورنت بالفوائد؟

3.كان لابيدس يعتقد أن المسيحيين معادين للسامية. في تدريب حديث على ترابط الكلمات في جامعة الساحل الشرقي، كانت الكلمة الأكثر ترابطاً مع كلمة “مسيحي” هي كلمة “عديم التسامح”، هل لديك تصورات سلبية عن المسيحيين؟ من أي مصدر نشأت؟ وكيف يمكن لذلك أن يؤثر على تقبلك للأدلة الخاصة بيسوع؟

 

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 

Fruchtenbaum, Arnold. Jesus Was a Jew. Tustin, Calif.: Ariel Ministries,1981.

Frydland, Rachmiel. What the Rabbis Know about the Messiah. Cincinnati:  Messianic, 1993.

Kaiser,  Walter  C., Jr. The messiah in old testament. Grand Rapid Rapids: Zondervan, 1995.

Rosen,  Moishe. Y`shua, the Jewish Way to Say Jesus. Chicago: Moody Press,1982.

Rosen, Ruth, ed. Jewish Doctors Meet the Great Physican. San Francisco: Purple Pomegranate, 1997.

Telchin, Stan. Betrayed! Grand Rapids: Chosen, 1982.

دليل بصمة الإصبع – هل ضاهى يسوع -ويسوع وحده -هوية المسيا؟ – لي ستروبل

الدليل النفسي – هل كان يسوع مجنوناً عندما إدعى بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل

الدليل النفسي – هل كان يسوع مجنوناً عندما إدعى بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل

الدليل النفسي – هل كان يسوع مجنوناً عندما إدعى بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل (شبهة والرد عليها)

عندما يقوم العالم النفساني أو الطبيب النفساني بإجراء إختباراته، فسوف يرتدي قبعة مخروطية الشكل لا يقل طولها عن قدمين. وسطحها الخارجي مطبوع عليه نجوم و صواعق البرق. وبالإضافة إلى ذلك، فلابد أن تكون له لحية بيضاء لا يقل طولها عن 18 بوصة، وسيؤكد نقاط حاسمة من شهادته بطعن الهواء بعصا تشبه الصولجان. وكلما قام العالم النفساني أو الطبيب النفساني بإعطاء شهادة فإن حاجب المحكمة سيقوم في نفس الوقت بإطفاء أنوار قاعة المحكمة وبقرع مرتين على جرس صيني.

باقتراح هذا التعديل في قوانين الأمة في سنة 1997 كان عضو مجلس الشيوخ عن ولاية نيو مكسيكو دنكان سكوت لم يترك مجالاً للشك عن موقفه من الخبراء الذين يشهدوا بأن المتهمين مجانين و لذا فهم غير مسئولون قانونياً عن جرائمهم. ويبدو أن أغلبية زملاء سكوت كانوا يشاركونه سخريته – وصوتوا بالموافقة على إقتراحه الساخر! إنتشرت النكته حتى وصلت إلى مجلس النواب الذي في النهاية منعه من أن يصير قانوناً (1).

في الحقيقة، هناك شكوك خفية في قاعات المحاكم بخصوص الأطباء و العلماء النفسانيين الذين يشهدون بما يتعلق بالحالة العقلية للمتهمين، وقدرتهم في التعاون مع محاميهم في تحضير دفاعهم، وبيان إن كانوا مجانيين قانونياً وقت إرتكابهم للجريمة. ومع ذلك ، يعترف معظم المحامين بأن خبراء الصحة النفسية يقدمون مساعدات هامة في تبصير نظام القضاء الجنائي.

وإني أتذكر قضية كانت فيها ربة منزل هادئة الطباع، أصبحت موضعاً للإتهام بقتل زوجها. ومن النظرة الأولى لم يبدو أنها مختلفة عن أي شخص، فهي حسنة المظهر، أم، لطيفة، وكانت تبدو وكأنها قد إنتهت تواً من خبز كمية جديدة من الكعك بالشيكولاتة لأطفال الجيران. لقد سخرت عندما شهد عالم نفساني بأنها غير مؤهلة عقلياً لمواجهة المحاكمة.

وحينما وضعها محاميها على منصة الشهود. كانت في أول الأمر شهادتها واضحة و منطقية و صافية. ومع ذلك، فقد أصبحت ببطء أكثر فأكثر غرابة و شذوذاً حين وصفت، بهدوء و بجدية شديدة، كيف هوجمت بواسطة سلسلة متعاقبة من أشخاص مشهورين، من بينهم دويت اّيزنهاور و شبح نابليون. وعندما انتهت من شهادتها لم يعد هناك أحد في قاعة المحكمة يشك بأنها بعيدة الإتصال تماماً عن حياة الواقع. فحولها القاضي إلى مؤسسة نفسية حتى تصبح صحتها قادرة على مواجهة الإتهامات الموجهة إليها.

فالمظاهر قد تكون خادعة. ووظيفة العالم النفساني هي أن ينعم النظر فيما وراء المظهر المخادع للمتهم ويقدم إستنتاجات فيما يتعلق بحالته أو حالتها النفسية. فهو علم غير دقيق، بمعنى أن الأخطاء و حتى إساءة الإستعمال يمكن حدوثها، لكن، عموماً، فإن شهادة العالم النفساني توفر الحماية الهامة للمتهمين.

ما علاقة كل هذا بيسوع؟ في الفصل السابق قدم الدكتور بن وذرنجتون الثالث أدلة كافية بأنه حتى أقدم المعلومات عن يسوع أثبتت أنه كان يدعي أنه الله المتجسد. ومن الطبيعي أن هذا يثير مسألة هل كان يسوع مجنوناً عندما إدعى هذه الإدعاءات. وللبحث عن تقييم خبير في حالة يسوع العقلية، ذهبت بالسيارة إلى مبنى مكاتب في ضاحية مدينة شيكاغو لكي أحصل على شهادة من واحد من أعظم خبراء البلاد في القضايا النفسية.

المقابلة السابعة: جاري أر كولنز، دكتوراه في علم النفس

مع حصوله على درجة الماجستير في علم النفس من جامعة تورنتو، والدكتوراه في علم النفس السريري من جامعة بوردو، فقد كان كولنز يدرس، وتدريس، وكتابة، عن السلوك البشري لمدة خمسة و ثلاثون سنة. كان أستاذاً لعلم النفس في مدرسة الثالوث الإنجيلية اللاهوتية لمدة عشرين عاماً، ومعظم هذه المدة كان رئيساً لقسم علم النفس.

وكسلك الكهرباء الملئ بالطاقة و الحماس الغير محدود، كان كولتنز مؤلفاً غزير الإنتاج. فقد كتب حوالي 150 مقالة للمجلات والنشرات الدورية الأخرى وهو حالياً رئيس تحرير “المشورة المسيحية اليوم”، ومحرر مساهم في مجلة “علم النفس واللاهوت”.

كما ألف 45 كتاباً مدهشاً عن موضوعات مرتبطة بعلم النفس، من بينها “العقل الرائع”؛ و “الصدمة العائلية، هل بالإمكان الثقة بعلم النفس؟” والكتاب الكلاسيكي الممتاز “المشورة المسيحية: مرشد شامل” وبالظغضافة الى ذلك كان مديراً للتحرير للثلاثين مجلد “مصادر للمشورة المسيحية”، وهي سلسلة من الكتب لخبراء الصحة النفسية.

وجدت كولنز في مكتبه المشرق ذو الهواء الطلق في الرابطة الأمريكية للمستشارين المسيحيين، وهي جمعية مكونة من خمسة عشر ألف عضو يرأسها كولنز. وبشعره الذي يشبه بلونه الملح والفلفل ونظارته ذات الإطار الفضي، كان أنيقاً في سترته الكستنائية ذات الياقة المدورة، وجاكت سبور بلون الرنجة، وبنطلون رمادي (لكن للأسف، بدون قبعة أو لحية بيضاء مسترسلة).

بدأت مقابلتي بالإشارة إلى النافذة، حيث كان الجليد يتساقط بلطف على الأشجار الدائمة الخضرة. ثم قلت له: “على بعد بضعة أميال في هذا الإتجاه توجد مؤسسة عقلية حكومية، فلو ذهبنا إلى هناك، أنا متأكد أننا سنجد بعض الناس يدعون بأنهم الله. فنقول أنهم مجانين. ويسوع قال بأنه الله، فهل كان مجنوناً أيضاً؟”.

فقال كولنز بضحكة خافتة “إذا كنت تريد الإجابة القصيرة، فهي لا”.

ولكنني ألححت، هذا الموضوع منطقي يستحق مزيداً من التحليل. فالخبراء يقولون أن الأشخاص الذين يعانون من الإختلال العقلي التضليلي قد يبدون عقلاء معظم الوقت، ومع ذلك فمن الممكن أن يكون لديهم معتقدات تتسم بالمبالغة بأنهم أشخاص أفضل من كل الناس وقد يستطيع بعضهم إستقطاب أتباع يؤمنون بأنهم عباقرة. فلمحت، لربما يكون ذلك ما حصل مع يسوع.

فأجاب كولنز فيما شبك يديه وراء رأسه “حسناً، صحيح أن الأشخاص ذوي المشاكل النفسية غالباً ما يدعون بأنهم شخص ما نخالف للحقيقة. وأحياناً يزعمون بأنهم يسوع نفسه أو رئيس الولايات المتحدة أو شخصاً أخر مشهور مثل لي ستروبل (قالها مازحاً).

ثم أضاف قائلاً “على أية حال، فإن علماء النفس لا يكتفون بمجرد النظر إلى ما يقوله الشخص. فإنهم يتعموقون أكثر من ذلك بكثير. ويفحصون مشاعر الشخص، لأن الأشخاص المضطربين كثيراً ما يبدون إكتئاب غير ملائم، أو قد يكونون غاضبين بشدة، أو ربما يكونون مصابون بالقلق. لكن أنظر إلى يسوع: لم يظهر أبداً أي مشاعر غير ملائمة. فمثلاً، بكى عند موت صديقه لعازر، وذلك طبيعي بالنسبة لشخص سليم من الناحية العاطفية.

فقلت مؤكداً “بالتأكيد أنه كان يغضب، أحياناً”.

فأجاب كولنز :نعم، كان فعلاً يغضب، لكنه كان نوع من الغضب الصحي من الأشخاص الذين يستغلون المظلومين بملء جيوبهم في الهيكل. ولم يكن يوبخ بشكل لا عقلاني لأن شخصاً ما يزعجه؛ هذا كان رد فعل له ما يبرره ضد الظلم و سوء المعاملة الصارخ للناس.

ثم أضاف “وهناك أشخاص اّخرون مخدوعون يعانون من عدم القدرة على الفهم. فيظنون أن الناس يراقبونهم أو يحاولون إثارتهم و مضايقتهم، ويفقدوم الصلة بالواقع. ويسيئون فهم تصرفات الأخرين و يتهمونهم بأشياء لم يكن في نيتهم أبداً فعلها. وهنا، مرة أخرى، لا نرى هذا في تصرفات يسوع. فمن الواضح انه كان على صلة بالواقع. ولم يكن مذعوراً، مع أنه كان يفهم ويدرك بحق أن هناك بعض الأخطار الحقيقية جداً حوله.

“أو أن الناس ذوي إضطرابات نفسية قد يعانوا من إضطرابات في التفكير، فلا يستطيعون القيام بمحادثة منطقية، ويقفزون إلى نتائج خاطئة، ففهم غير عقلانيون. ونحن لا نرى هذا في يسوع. فقد تكلم بوضوح، وبقوة، وبشكل بليغ. وكان لامع الذكاء وكانت لديه بصيرة مذهلة جداً في الطبيعة البشرية.

“وهناك علامة أخرى على الإضطرابات النفسية في السلوك الغير ملائم، مثل إرتداء الملبس الشاذ، أو عدم القدرة على الإرتباط الإجتماعي بالاّخرين. أما سلوك يسوع فكان متوافقاً تماماً لما كان متوقع، وكانت لديه علاقات عميقة ومتواصلة مع فئات متنوعة جداً من الناس في مختلف مجالات الحياة”.

ثم توقف، مع إني شعرت بأنه لم ينتهي من حديثه بعد. فدفعته للإستمرار بسؤال، “هل تلاحظ أي شيئ اّخر عن يسوع؟”

حدق كولنز إلى النافذة حيث المنظر الطبيعي الجميل الهادئ للأرض المغطاة بالجليد. وعندما إستأنف حديثه، كان وكأنه كان مستغرقاً في الذكريات عن صديق قديم.

“لقد كان يسوع محباً للناس لكنه لم يسمح لهاطفته أن تشل حركته؛ ولم يكن أنانياً مغروراً، مع أنه كان غالباً محاطاً بحشود معجبة به؛ وقد كان محافظاً على توازنه رغم أسلوب الحياة الكثير المطالب؛ وكان يعرف دائماً ما كان يعمله و إلى أين ذاهب؛ وكان مهتماً بعمق بأمور الناس، بما فيهم النساء والأطفال، الذين لم يكن يعتبرهم الناس وقتئذ بذات أهمية. وكان قادراً على قبول الناس بينما لم تطرف عينه لحظة عن خطاياهم؛ وكان يستجيب للأفراد بناء على ما يرغبونه أو ما يحتاجونه بشكل فريد”.

فسألته “إذن يا دكتور، ما هو تشخيصك؟”.

فاستنتج قائلاً “كله تمام، فأنا لا أرى أي دلائل تشير إلى أن يسوع كان يعاني من أي مرض عقلي معروف. ثم أضاف مبتسماً “لقد كانت صحته أحسن من أي شخص اّخر، بمن فيهم أنا!”.

“يهتاج مجنوناً”

من المسلم به، عندما نعيد النظر عبر التاريخ، فإننا لا نرى دلائل واضحة تدل على التوهم في يسوع. ولكن ماذا عن الأشخاص الذين كانوا يتفاعلون معه مباشرة؟ ماذا رأوا من موقعهم الأقرب و الممتاز؟

فقلت لكولنز موضحاً “بعض الناس الذين كانوا موقع الأحداث في القرن الأول سيختلفون معك في الرأي بشدة، فقد إستنتجوا بأن يسوع كان مجنوناً. ويخبرنا إنجيل يوحنا 20:10 فقال كثيرون منهم (اليهود): «بِهِ شَيْطَانٌ وَهُوَ يَهْذِي. لِمَاذَا تَسْتَمِعُونَ لَهُ؟»، فتلك كلمات شديدة وعنيفة!.

فإحتج كولنز “نعم، لكن هذا لا يعدو تشخيصاً من قبل أخصائي محترف ومدرب في الصحة النفسية. أنظر إلى الدافع لتلك الكلمات، لقد كان تعليم يسوع المؤثر والعميق بكونه الراعي الصالح. فكان ردهم بأن مزاعمه حول نفسه كانت، وما زالت حتى الاّن، فوق مستوى فهمهم لهذه الحكمة المأثورة، وليس لأن يسوع كان فعلاً مضطرباً نفسياً.

“ولاحظ أن تعليقاتهم قد تحديث من قبل الاّخرين فوراً، إذ قالوا في الاّية (21) “لَيْسَ هَذَا كلاَمَ مَنْ بِهِ شَيْطَانٌ. أَلَعَلَّ شَيْطَاناً يَقْدِرُ أَنْ يَفْتَحَ أَعْيُنَ الْعُمْيَانِ؟”

فسألته “لماذا هذه النقطة مهمة؟”

فأجاب “لأن يسوع لم يكن مجرد شخص يدعي إدعاءات خيالية عن نفسه، بل كان يؤديها بمعجزات رحمة، كشفاء العميان.

“فكما ترى، إذا إدعيت بأني رئيس الولايات المتحدة، لكان هذا جنون. فإنك ستنظر إلي فلا تجد أي بهارج تدل على مكتب الرئيس. ولا أبدو مثل الرئيس. ولن يقبل الناس سلطتي كرئيس. ولا يوجد وكلاء جهاز مخابرات سري سيحرسونني. لكن لو أن الرئيس الحقيقي إدعى أنه الرئيس، فلن يعد هذا جنوناً، لأنه فعلاً الرئيس وسيكون هناك الكثير من الأدلة لتأكيد ذلك.

“على نحو مماثل، فإن يسوع لم يدعي فقط بأنه الله، بل دعم هذا الإدعاء بحقائق مذهلة وبأعمال شفاء مذهلة، وبإظهار قوة سلطة مدهشة على الطبيعة، وبتعليم فائق وغير مسبوق، وببصيرة إلهية بمعرفة قلوب الناس، وأخيراً بقيامته من الموت، التي لم يستطع أحد أن يقلدها مطلقاً. ولذلك فحين إدعى يسوع أنه الله، لم يكن مجنوناً، فتلك كانت الحقيقة”.

على أية حال، فلجوء كولنز لمعجزات يسوع فتح الباب أمام إعتراضات أخرى، “بعض الناس حاولوا أن يقللوا من أهمية هذه المعجزات التي من المفترض أنها تساعد على إثبات صحة إدعاء يسوع بأنه إبن الله. وبعد أن قلت له هذا أخرجت كتاباً من حقيبة أوراقي، ثم قرأت له كلمات المتشكك تشارلز تمبلتون.

“العديد من الأمراض، كانت في ذلك الوقت مثلما هي الاّن، تدل على النفاعل بين الظواهر الجسدية و الظواهر النفسية، ويمكن أن “تعالج” متى تغيرت قدرة المريض على الفهم. مثلما يحدث اليوم عندما يصف الطبيب دواء لمجرد إرضائه وكان المريض يؤمن بهذا الطبيب، أحدث هذا الدواء شفاءً واضحاً، وهكذا في الزمن القديم، كان الإيمان بالشخص المداوي يستطيع القضاء على الأعراض المرضية. ومع كل نجاح، كانت سمعة المعالج تنمو و تزداد، ونتيجة لذلك فإن قدرته تصبح أكثر فعالية(2).

فسألته “هل هذا يسبعد المعجزات التي مفروض أنها تدعم إدعاء يسوع بأنه ابن الله؟”.

وهنا أدهشني رد فعل كولنز حين أجاب قائلاً “لا أريد إبداء قدر كبير من عدم الموافقة على ما كتبه تمبلتون”.

فقلت له “لا تريد؟”.

فقال “فعلاً لا أريد. هل كان يسوع يمكنه أحياناً شفاء الناس بالإيحاء؟. ليس لدي مشكلة في ذلك. فأحياناً ما يكون مرض الناس أحدثته حالة نفسية، وإذا حصلوا على هدف جديد للحياة، أو إتجاه جديد، فلن يحتاجوا للمرض بعد ذلك”.

فقلت له “تأثير الدواء الذي يرضي المريض؟ فإنك إذا اعتقدت أنك ستتحسن، فأنت في أغلب الأحيان ستتحسن، فأنت في أغلب الأحيان ستتحسن. وهذه حقيقة طبية راسخة. وعندما أتى الناس إلى يسوع، كانوا يؤمنون أنه يستطيع أن يشفيهم، وفعلاً شفاهم. ولكن تبقى الحقيقة: بغض النظر عن كيف قام بذلك، فقد شفاهم يسوع.

ثم أضاف بسرعة “لكن طبعاً هذا لا يفسر كل شيئ عن شفاءات يسوع. لأن شفاء الأمراض النفس/جسيمة في أغلب الأحيان ما يستغرق بعض الوقت؛ أما شفاء يسوع للأمراض فكان بطريثة تلقائياً. ففي مرات كثيرة كان الناس الذين يتم شفاؤهم نفسياً ترجع نفس الأعراض إليهم بعد أيام قليلة، ولكننا لا نرى أي دليل على هذا في معجزات يسوع المتعلقة بالشفاء. كما أن يسوع قام بشفاء حالات مزمنة كالعمى والبرص، التي كانت تلازم المرضى المصابين بهم طول حياتهم، وهذه الحالات لا تقبل تفسير نفسي/جسماني بأي شكل من الأشكال.

“وفوق كل هذا، أقام أشخاص من الموت، والموت ليس حالة مستحثة نفسياً! هذا بالإضافة إلى كل معجزاته المرتبطة بالطبيعة، تهدئة البحر، وتحويل الماء إلى خمر. وهي تتحدى تفسيرات الطبيعتين”.

حسناً … لربما. على أية حال، فإن ذكر كولنز لمعجزة تحويل الماء إلى خمر قدمت تفسيراً ممكناً اّخر لأعمال يسوع المذهلة.

يسوع، المنوم المغناطيسي

هل سبق أن رأيت منوم مغناطيسي على المسرح يعطي ماء لشخص في حالة غيبوبة ثم يوحي إليه بأنه كان يشرب خمر؟ إنه يمص شفاهه، ويشعر بالدوار، وتبدأ بالظهور عليه علامات السكر، تماماً وكأنه قد شرب جرعة كبيرة من خمرة البوردو الرخيصة.

المؤلف البريطاني أيان ويلسون أثار سؤال عما إذا كان يسوع قد أقنع الناس في عرس قانا، بنفس هذه الطريقة، بأنه حول أباريق الماء إلى أجود مشروب متخمر.

في الحقيقة، أن ويلسون يناقش الإحتمال بأن يسوع لربما كان منوم مغناطيسي بارع، الذي يمكن أن يفسر السمات المفروض أنها خارقة للطبيعة في حياته. على سبيل المثال، التنويم المغناطيسي يمكن أن يعلل قدرته على طرد الأرواح الشريرة؛ واهرة تبدل هيئته، الذي أثناء حدوثه، رأى ثلاثة من أتباعه رأوا وجهاً متوهجاً وملابسه تشرق بياضاً كالنور؛ وحتى عمليات شفائه للمرضى.

وكدليل يستشهد ويلسون بالمثال الحديث لولد عمره 16 سنة كان مصاباً بمرض جلدي خطير ثم شفي بطريقة يتعذر تفسيرها عن طريق إيحاء التنويم المغناطيسي.

ربما لعازر لم يقم فعلاً من الموت. ألم يكن من الممكن أنه كان في حالة غيبوبة كالموت، تم إحداثها بالتنويم المغناطيسي؟ أما مسألة القيامة من الموت، “هل استطاع يسوع أن يشترطع على (تلاميذه) أن يهذوا بحالات أو مرات ظهوره إستجابة لتلميحات معينة سبق إعدادها (كسر الخبز؟) لمدة سبق تحديدها قبل موته”، كان هذا من تخمين ويلسون(3).

ثم قال ويلسون: وهذا سيفسر حتى الإشارة المبهمة التي وردت في الأناجيل إلى عدم استطاعة يسوع أن يصنع معجزات كثيرة في بلدته الأصلية الناصرة.

لقد فشل يسوع، كمنوم مغناطيسي، حيث كنا نتوقع أنه سيفشل، بين أولئك الذين عرفوه بشكل أفضل، أولئك الذين رأوه ينمو ويكبر كطفل عادي. والمسئول بشكل كبير عن أي نسبة نجاح المنوم المغناطيسي هو الرهبة والغموض الذي كان يحيطبهما نفسه، وهذه العوامل الضرورية كان يمكن أن تغيب كلياَ في بلدة يسوع الأصلية(4).

فقلت لكولنز “يجب أن تعترف بأن هذه طريقة مثيرة جداً لمحاولة إستبعاد معجزات يسوع”.

فظهرت نظرة شكوكية على وجهه، وقال “لدي هذا الرجل إيمان بالتنويم المغناطيسي أكثر مما أفعل! لكن بينما تعتبر هذه مجادلة ذكية، إلا أنها لا تحتمل التحليل. فهي مليئة بالثغرات”.

وبدأ كولنز بتعديدهم، الواحد تلو الأخر “أولاً، هناك مشكلة تنويم مجموعة كاملة من الناس تنويم مغناطيسياً، فليس كل الناس سريعي التأثر بالتنويم المغناطيسي بنفس الدرجة.

“وإن خبراء التنويم المغناطيسي على المسرح سيتحدثون إلى الجمهور في نغمة مهدئة ناعمة ويترقبون الأشخاص الذين يبدو عليهم أنهم يستجيبون، ثم سيختارون هؤلاء الناس كمتطوعين، لأنهم سريعي التأثر بالتنويم المغناطيسي. ففي حالة وجود مجموعة كبيرة سيكون هناك كثير من الناس لديهم القدرة على المقاومة. وعندما ضاعف يسوع كمية الخبز والسمك، كان هناك خمسة اّلاف شاهد. فكيف ينيمهم جميعاً؟

“ثانياً، لا يفلح التنويم المغناطيسي، عموماً، على الناس المتشككين والمرتابين. إذن فكيف إستطاع يسوع أن ينوم أخاه يعقوب، من شك فيه لكنه بعد ذلك رأى  يسوع الذي قام من الموت؟ وكيف نوم شاول الطرسوسي، الذي كان معادياً للمسيحية والذي لم يقابل يسوع أبداَ حتى رأه بعد القيامة؟ وكيف نوم توما، الذي كان متشككاً حتى وضع أصابعة في الثقوب التي أحدثتها المسامير في يدي يسوع؟

“ثالثاً، بخصوص القيامة، فإن التنويم المغناطيسي لا يفسر القبر الفارغ”.

وهنا قفزت قائلاَ”أفترض أن شخص ما يمكن أن يدعي أن التلاميذ قد نوموا مغناطيسياً لتخيل أن القبر كان فارغاً”.

فأجاب كولنز “حتى لو كان هذا ممكناً، فإن يسوع بالتأكيد لم يكن بإمكانه أن ينوم الفريسيين والسلطات الرومانية مغناطيسياً، وكانوا سيخرجون جثته بسرور لو كانت مازالت باقية في القبر. والحقيقة التي لم يخبر بها هي أن القبر كان فارغاً فعلاً.

“رابعاً، أنظر إلى معجزة تحويل الماء إلى خمر. لم يخاطب يسوع ضيوف العرس أبداً. ولم يوحي حتى للخدم أن الماء قد تحول إلى خمر، إنه فقط أخبرهم أن يأخذوا بعض الماء إلى سيد الوليمة. وهو الذي ذاقه وقال بإنه خمر، دون أن يستحثه أحد على قول ذلك.

“خامساً، إن شفاء المرض الجلدي الذي ذكره ويلسون لم يكن عفوياً أو فورياً. أليس كذلك؟

فقلت “في الواقع، تقول المجلة الطبية البريطانية أنها إستغرقت خمسة أيام بعد التنويم المغناطيسي لمرض السماك الجلدي، الذي يسبب تقشر الجلد حتى زال عن ذراع المراهق الأيسر، ثم استغرق عدة أيام أخرى حتى أصبح الجلد سليماً طبيعياً. ونسبة نجاح التنويم المغناطيسي في علاج أجزاء أخرى من جسمه على فترات في عدة أسابيع كان من 50 إلى 95% (5).

فقال كولنز” قارن هذه الحالة بشفاء يسوع لعشر رجال مصابون بداء الجذام في إنجيل لوقا 17. فقد تم شفاؤهم في الحال، وبنسبة 100%. وهو ما لا يقبل التفسير على أنه تنويم مغناطيسي. ولا في حالة شفاء الرجل ذو اليد اليابسة في إنجيل مرقس 3. وحتى لو كان الناس في حالة غيبوية و إعتقدوا أن يده المتيبسة قد شفيت، ففي النهاية كانوا سيكتشفون الحقيقة. فالتنويم المغناطيسي لا يدوم فعلاً مدة طويلة.

“وأخيراً، لقد سجلت الأناجيل كل أنواع التفاصيل عما قاله وما فعله يسوع، ولكنها لم تصوره أبداً قائلاً أو فاعلاً أي شيئ قد يوحى بأنه كان ينوم الناس تنويماً مغناطيسياً. ويمكنني الإستمرار في هذه الأمثلة”.

ضحكت قائلاً “لقد أخبرتك بأنه تفسير مثير؛ ولم اقل بأنه كان مقنعاً! ومع ذلك يجري تأليف الكتب لتقديم المزيد من الأفكار”.

فأجاب كولنز قائلاً “إنه أمر يذهلني، كيف يتمسك الناس بأي شيئ لكي يحاولوا أن يثبتوا عدم صحة معجزات يسوع”.

يسوع، المشعوذ

قبل أن ننهي مقابلتنا، أردت الإستزادة من خبرة كولنز وسعة إطلاعه في علم النفس في مجال اّخر يسبب القلق للمتشككين.

فقلت له ملاحظاً ومعلقاً “كان يسوع مشعوذ، يكلم الشياطين ويطردهم من الناس الذين يتلبسونهم ويسيطرون عليهم. لكن هل من المعقول فعلاً أن نعتقد أن تلك الأرواح الشريرة مسئولة عن بعض الأمراض و التصرفات الغريبة الشاذة؟”

لم ينزعج كولنز من هذا السؤال، فأجاب قائلاً: “بحسب معتقداتي اللاهوتية، أسلم بوجود الشياطين، فنحن نعيش في مجتمع يؤمن فيه الكثير من الناس بالملائكة. فهم يعرفون أن هناك قوى روحية خارج مجتمعنا، وليس من الصعب أن نستنتج أن بعضها قد تكون حقودة وشريرة. وحيثما تجد الله يعمل، غالباً ما تكون هذه الأرواح أكثر نشاطاً. وهذا هو ما كان من المحتمل حدوثه أيام يسوع.

وهنا لاحظت أن كولنز أشار إلى معتقداته اللاهوتية وليس خبرته العلاجية فسألته “هل سبق لك، كعالم نفساني، أن شاهدت أي دليل على وجود شخص به شيطان؟”.

فقال “لم أشاهد بنفسي، فأنا لم أقضي كل حياتي المهنية في الأماكن العلاجية. لكن أصدقائي في العمل العلاجي أخبروني بأنهم قد رأوا ذلك أحياناً، وهم ليسوا من الناس الميالين لرؤية شيطان وراء كل مشكلة. فهم ميالون ليكونوا متشككين. والطبيب النفساني إم سكوته بك كتب كثيراً عن هذا الموضوع في كتابه “الناس الذين يحبون الكذب”(6).

ثم لفت نظره إلى أن أيان ويلسون، في إيمانه أن يسوع ربما يكون قد إستخدم التنويم المغناطيسي لشفاء الناس الذين يعتقدوا فقط أن بهم أرواح شريرة، قال حاسمة أنه “لا يوجد” شخص في حياة الواقع “يفسر حالة الخضوع للأرواح الشريرة” بأنه من “عمل شياطين حقيقية”(7).

فقال كولنز رداً على ذلك “إلى حد ما، ستجد ما قد أتيت للبحث عنه، فالناس الذين ينكرون وجود القوى الخارقة للطبيعة، سيجدون طريقة، مهما كانت مكلفة، لشرح موقف بعيداً عن مس الشيطان. وسيستمروا في إعطاء الأدوية، وتخدير الشخص لكنه أو لكنها لن يتحسن حالتها. فهناك حالات لا تستجيب للعلاج العادي سواء العلاج الطبي أو العلاج النفسي”.

فسألته “هل عملية طرد يسوع للأرواح الشريرة قد كانت شفاء نفس/جسمي؟”.

فأجابني قائلاً “نعم، في بعض الحالات، ولكن مرة أخرى لابد أن تنظر للموضوع في سياقه الكامل. ففيما يتعلق بالرجل الذي كان به أرواح شريرة ثم أرسل يسوع الشياطين إلى الخنازير، والخنازير ذهبت تجري نحو الجرف؟ ما الذي يحدث لو كان هذا الموقف إن كان حالة نفس/جسمية؟ أعتقد أن يسوع فعلاً طرد الشياطين، وأعتقد أن بعض الناس يفعلون ذلك اليوم.

“وفي نفس الوقت، يجب ألا نتسرع بالإستباق إلى نتائج شيطانية عندما نواجه بمشكلة عنيدة. وكما قال سي. إس. لويس، يوجد نوعان من الخطأ متساويان ومضادان في الإتجاه، يمكن أن نقع فيهما بخصوص الشياطين: “الخطأ الأول هو ألا نؤمن بوجودها، والثاني أن نؤمن بها ونشعر باهتمام مفرط وغير صحي بها. فالأرواح أو الشياطين هم أنفسهم مسرورون بكلا الخطأين”(8).

سألت “أنت تعرف، جاري، أن هذه الفكرة قد تعجب الجمعية الأمريكية للإستشاريين المسيحيين، ولكن هل علماء النفس العلمانيين سيعتبروا الإيمان بالشياطين فكرة معقولة ومقبولة ومنطقية؟”.

وهنا شعرت أن كولنز قد يعتبر هذا السؤال إهانة، لأن هذا السؤال كان يبدو أنني قلته بطريقة تظهر شعوري بالتفوق أكثر مما كنت أقصد، إلا أنه لم يشعر بالإهانة أو الإستياء.

فقال متأملاً “من المشوق أن نرى كيف تتغير الأمور. لإإن مجتمعنا اليوم منغمس في “الروحانية” ذلك المصطلح الذي يمكنه أن يعني أي شيئ تقريباً، ولكنه يعترف بعالم ما وراء الطبيعة. وهو يثير جداً إهتمام علماء النفس الذين يؤمنون به في هذه الأيام. فبعضهم يؤمنون بالأفكار الصوفية الشرقية الغامضة، والبعض الأخر يتحدثون عن قوة “الشامان”* للتأثير على حياة الناس.

“وبينما كانت فكرة النشاط الشيطاني، قبل خمسة وعشرون سنة، ترفض فوراً، إلا أن العديد من علماء النفس بدأوا يعترفون بأنه لربما كان هناك في السماء والأرض أشياء أكثر من التي تستطيع فلسفتنا أو نظرياتنا الفلسفية أن تفسرها أو تعللها.

* الشامان إسم أطلق على العديد من أصناف الكهنة و العرافين و السحرة و المنجمين، لكنه فضل حصره في السيطرة على حالات الإنتشاء الديني. والشامان في معظم الثقافات شخص يجتاز خبرة روحية ونفسية معينة تؤهله من الإتصال بعالم الأسلاف، وكذا شفاء المرضى..(قاموس أديان ومعتقدات شعوب العالم، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، مصر، 2004).

“خيال غير معقول!”

إنجرفت أنا وكولنز قليلاً عن النقطة الأصلية لمقابلتنا. فبينما كنت أفكر في حديثنا فيما كنت عائداً بالسيارة إلى البيت، عدت بأفكاري إلى المسألة الأساسية التي جعلتني اّتي إليه: “زعم يسوع بأنه الله. لم يقترح احد بأنه كان مخادع عن قصد. والاّن نجد ان كولنز قد استنتج، إستناداً إلى خمس وثلاثون عاماً من الخبرة في المسائل النفسية، بأنه لم يكن مريضاً نفسياً.

على أية حال،، فإن هذا أثار عندي سؤال جديد “هل حقق يسوع الخصائص المميزة لله؟ فبالرغم من كل شيئ إن إدعاء الألوهية شيئ وتجسيد الخصائص التي تجعل الله إلهاً، فهذا شيئ اّخر.

فيما أضاءت إشارة التوقف الضوئية، أخرجت دفتر ملاحظاتي من حقيبتي وكتبت ملاحظة لنفسي: “تتبع دي. أي. كارسون” فقد عرفت بأنني أريد الحديث مع أحد علماء اللاهوت البارزين في البلاد حول هذه المألة التالية.

في هذه الأثناء دفعني حديثي مع جاري كزلنز لقضاء بعض الوقت في تلك الليلة لأعيد قراءة أحاديث يسوع بعناية. ولم أكتشف أي علامة على الخرف، أو الأوهام، أو الذعر. بل على العكس فقد تأثرت مرة أخرى بحكمته العميقة، وبصيرته الممتازة، وفصاحته الشاعرية، وحنانه العميق. وقد عبر المؤرخ فيليب شاف عن هذه النقطة بطريقة أفضل من مما أستطيعه أنا.

أمثل هذا الفكر الصافي كالسماء، المنعش كهواء الجبل، والحاد و الثاقب كالسيف، صحي و نشط بشكل كامل، واثق بنفسه مستعد دائماً لأخطر خداع متطرف فيما يتعلق بشخصيته و مهمته؟ خيال غير معقول!(11).

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

 

1) ما هي بعض الفروق بين مريض في مستشفى الأمراض العقلية يدعي أنه الله وبين يسوع الذي يدعي نفس الإدعاء عن نفسه؟

2) إقرأ تعاليم يسوع التي تسمى التطويبات في إنجيل متى1:5-12. ما هي ملاحظاتك عن عقليته، وفصاحته، وحنانه، ونفاذ بصيرته لأعماق الطبيعة الإنسانية، وقدرته على تعليم الحقائق العميقة، وصحته النفسية بشكل عام؟

3) بعد قرائتك رد كولنز على نظرية على أن التنويم المغناطيسي قد يفسر معجزات يسوع، هل تعتقد أن هذا الإفتراض فرضية ناجحة؟ لماذا نعم ولماذا لا؟

المزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

Collins, Garry R. Can You Trust Psychology? Downers Grove, 111. Inter-Varsity press, 1988.

_____. Christian Counseling: A Comprehensive Guide. Waco, Tex.: Word, 1988.

_____. The Soul Search. Nashville: Nelson, 1988.

Lewis, C. S. The Screwtape Letters. London: Collins-Fontana, 1942.

 

  1. Leland H. Gregory III, “Top Ten Government Bloop-ers,” George (Novem-ber 1997), 78.
  2. Charles Templeton, Farewell to God (Toronto: McCLeL-land & Stewart, 1996), 112.
  3. Wilson, Jesus: The Evidence, 141.
  4. 109, emphasis in original.
  5. “A Case of Congenital Ichthyosiform Erythordetmia of Brocq Treated by Hypnosis,” British Medical Journal 2 (1952), 996, cited in Wilson, Jesus: The Evidence, 103.
  6. Scott Peck, People of the Lie (New York: Touch-stone, 1997).
  7. Wilson, Jesus: The Evidence, 107.
  8. S. Lewis, The Screw tape Letters (London: Collins-Fontana, 1942), 9.
  9. Philip Schaff , The Person of Christ ( New York : Ameri-can Tract Society , 1918 ), cited in McDowell, Evidence That Demands a Verdict, 107 , empha-sis added .

الدليل النفسي – هل كان يسوع مجنوناً عندما إدعى بأنه إبن الله؟ – لي ستروبل

دليل الجسد المفقود هل إختفى حقا جسد يسوع من قبره؟ – لي ستروبل

دليل الجسد المفقود هل إختفى حقا جسد يسوع من قبره؟ – لي ستروبل

دليل الجسد المفقود هل إختفى حقا جسد يسوع من قبره؟ – لي ستروبل

دليل الجسد المفقود هل اختفى حقا جسد يسوع من قبره؟ – لي سرويل 
دليل الجسد المفقود – دليل الجسد المفقود 

الوريثة الحلوة هيلين فور هيز براتش طارت في أشد مطارات العالم إزدحاما بعد ظهر يوم منعش من أيام الخريف، وإندمجت في الزحام ثم إختفت على الفور بدون أثر. ولأكثر من عشرون سنة ظل سر ما حدث لهذه المرأة المحبة للخير، والمحبة للحيوانات، ذات الشعر الأحمر، يحير رجال الشرطة والصحفيين على حد سواء.

وفيما إقتنع المحقيين بأنها قتلت، إلا أنهم ما كانوا قادرين على تحديد الظروف الخاصة بهذه الجريمة، والسبب الرئيسى في ذلك أنهم لم يعثروا على جثتها. وإن رجال الشرطة قد روجوا بعض التخمينات وسربوا إحتمالات مترددة إلى الصحافة وحتى أنهم أقنعوا قاضيا أن يعلن أن محتالا هو مسئول عن إختفائها. ولكن نظراً لعدم وجود جثة فسيظل مصرعها رسميا بلا حل. ولم يتهم أحدا أبدا بقتلها.

إن قضية براتش هي إحدى الألغاز المثيرة للإحباط التي تجعلني أظل مستيقظا من وقت لأخر للتدقيق في الأدلة المتناثرة ولمحاولة تجميع الأحداث مع بعضها. وأخيراً فإنها تعتبر تمرين غير مرضي، أريد معرفة ما قد حدث، ولكن لا توجد حقائق كافية لكي أتخلى عن عملية التخمين.

ومن حين لأخر يتضح أن الجثث مفقودة في الأدب القصصي المثير وفي الحياة العملية، لكن نادرا ما تصادف قبرًا فارغا. فعلى خلاف قضية هيلين براتش، فإن فضية يسوع ليست أنه لم يراه أحد فى أى مكان. بل شوهد حيا؛ وشوهد ميتاً، ثم شوهد حياً مرة أخرى. فلو صدقنا الرويات الإنجيلية، لوجدنا أنها ليست مسألة جثة مفقودة. كلا، إنها مسألة أن يسوع مازال حياً حتى يومنا هذا، حتى بعد أن أسلم علناً لأهوال الصلب، التى صورت بشكل مُفصّل فى الفصل السابق.

القبر الفارغ، كرمز ثابت للقيامة، هو التمثيل الجوهري لإدعاء يسوع بإنه إله. وقد قال بولس الرسول في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 17 بأن القيامة هي الجوهر الأساسي للإيمان المسيحي “وَإنْ لم يكن المسيحُ قد قام فباطل إيمانكم. أنتم بعد في خطاياكمْ!”. والعالم اللاهوتي چيرالد أوكولينز عبر عنها بهذه العبارة “بالمعنى الأساسى العميق، المسيحية بدون قيامة ليست ببساطة مسيحية بدون فصلها الأخير. إنها ليست مسيحية إطلاقاً”(1).

فالقيامة هى أهم إثبات لهوية يسوع الإلهية وتعاليمه الملمهة. وهي برهان إنتصاره على الخطية والموت. وهي تؤذن بقيامة أتباعه. وهي أساس الأمل المسيحي. وهي معجزات المعجزات.

كلها إذن كانت حقيقة، فالمتشككين يدعون أن ما حدث لجثة يسوع ما زال لغزاً مُحيراً وقريب الشبة لإختفاء هيلين براتش، فهم يقولون: لاتوجد أدلة كافية للوصول إلى نتيجة حاسمة.

لكن يُصرح أخرون بأن القضية قد أُغلقت فعلاُ، لأن هناك برهان قاطع الذي هو أن القبر كان خالياً في أول صباح عيد الفصح. فإذا أردت مناقشة هذه القضية، فأفضل طريقة هى أن تزور وليم لين كريج، الذي يعتبره الجميع من بين أهم خبراء العالم فى القيامة.

المقابلة الحادية عشر: وليم لين كريج، دكتوراة في الفلسفة؛ دكتوراة في اللاهوت

كان لدىَ إنطباع غير عادي عندما رأيت بيل كريج لأول مرة وهو يمارس عمله. فقد كنت جالساً خلفه فيما يدافع هو عن المسيحية أمام حشد يربو عدده إلى حوالي ثمانية ألاف شخص، بالأضافة إلى أخرين غير معدودين يستمعون إليه عبر أكثر من مائة محطة إذاعية فى كافة أنحاء البلاد.

وكرئيس لمناظرة بين كريج وشخص ملخد ينكر وجود الله تم إختيارهما من قبل الناطق الرسمى لجمعية الملحدين الأمريكية المحدودة. ولقد تعجبت عندما رأيت كريج يبني قضية المسيحية بأدب لكن بقوة بينما في نفس الوقت يُفند ويكشف حُجج الإلحاد. ومن المكان الذي كنت جالساً فيه، إستطعت مراقبة وجوه الناس فيما يكتشفون الكثير-بعضهم لأول مرة-أن المسيحية يمكنها الصمود أمام التحليل المنطقي والتدقيق الصارم القاسي.

في النهاية لم يكن هناك خلاف، فمن بين أولئك الذين دخلوا القاعة فى ذلك المساء كما أقرَ المُلحدين، أو لا أدربين، أو متشككين، فإن عدد ضخم يناهز ال 82% قد خرجوا من القاعة بأن قضية تأييد المسيحية هى الأكثر إقناعا ً، وسبع وأربعون شخص دخلوا غير مؤمنين وخرجوا كمسيحيين. فإن حجج كريج من أجل الإيمان كانت مقنعة، خاصة لو قورنت بندرة الأدلة المؤيدة للإلحاد. وبالمصادفة، لم يصبح ولا واحد ملحداً(2).

وهكذا عندما سافرت بالطائرة إلى أتلانتا لمقابلته من أجل هذا الكتاب، كنت متلهفاً بشدة لرؤية كيف سيرد على التحديات المتعلقة بالقبر الفارغ.

لم يتغير منذ رأيته قبل سنوات قليلة. بلحيته السوداء القصيرة، وملامحه الحادة، ونظرته الثابتة والمُحملقة، فما زال كريج يبدوا قائما بدور العالم الجاد. يتكلم بجمل مقنعة ولا يتخلى أبداً عن تسلسل أفكاره، دائما يرتب الإجابة بطريقة منتظمة، نقطة بعد نقطة، وحققة بعد حقيقة.

ومع ذلك فهو ليس عالم لاهوتي جاف. فلدى كريج حماس متقد فى عمله. فعيناه الزرقاين الشاحبة تتراقص عندما ينسج إفراضاته ونظرياته المتقننة؛ ويؤيد جمله بإشارات من يديه تغريك بالفهم والموافقة؛ وصوته يتغير من الدوران السريع حول نقطة لاهوتية غامضة يعتبرها رائعة إلى الإخلاص الهادى. عندما يتأمل ويتساءل لماذا بعض العلماء يقامون الأدلة التى يعتبرها دامغة جدا ً.

بإختصار، فإن هقله مشغول تماماً، وكذلك قلبه. وعندما يتحدث عن متشككين جادلهم وتناظر معهم، لا يتحدث بنغمة متعجرفة أو معادية، ويخرج عن الموضوع ليخرج صفاتهم المحببة، كلما أمكنه ذلك، فقد كان متحدثاً رائعاً، وذاك كان ساحراً عند العشاء.

وفى محادثتنا المهذبة، شعرت بأنه لم يكن راغباً فى صد المناوئين له بحججه؛ بل يسعى بإخلاص لكي يكسب الناس الذين يعتقد أنهم يهمون الله. ويبدو متحيراً بصدق لماذا بعض الناس لا يستطيعون، أو لا يرغبون أن يدركون، حقيقة القبر الفارغ.

دفاع القبر الفارغ

كان كريج مرتدياً بنطلون چينز أزرق كالح، وجورب أبيض، وسويتر أزرق قاتم بياقة مدورة حمراء، يجلي غلى أريكة مطرزة بالورود فى حجرة المعيشة. ولعى الحائط خلفه منظر مدينة ميونخ في صورة ذات إطار كبير.

في ذلك المكان كان كريج الحاصل حديثا على درجة الماچستير فى الفنون من كلية الثالوث الاهوتية الإنجيلية، ودكتوراه فى الفلسفة من جامعة برمجهام، بإنجلترا، حيث درس القيامة لأول مرة، بيمنا حصل على دكتوراة أخرى فى اللاهوت من جامعة ميونخ. وفيما بعد قام بالتدريس فى كلية الثالوث اللاهوتية الإنجيلية، ثم كأستاذ زائر فى المعهد الأعلى للفلسفة فى جامعة لوفين بالقرب من بروكسل.

من بين كتبه “الإيمان المعقول ” إجابات ليست سهلة؛ معرفة الحقيقة عن القيامة؛ الإله الحكيم الوحيد؛ وجود الله وبداية الكون وبالاشتراك مع كويتين سميث “الإيمان والإلحاد وعلم الكونيات المدوي، الذي نشرته مطبعة جامعة أكسفورد.

كما ساهم فى كتاب “المفكرون يتحدثون عن الله”؛” يسوع تحت النار”؛ “دفاعاً عن المعجزات”؛ و”هل الله موجود؟”. وعلاوة على ذلك، ظهرت مقاولاته العلمية فى مجلات مثل “دراسات فى العهد الجديد”؛ “مجلة دراسة العهد الجديد”؛ “وجهات النظر الإنجيلية”؛ “مجلة المؤسسة العلمية الأمريكية” و “الفلسفة”. كما أنه عضو فى تسعة مجالات متخصصة، من بينها “الأكاديمية الأمريكية للدين” و “الرابطة الفلسفية الأمريكية”.

بينما يعتبر مشهوراً عالمياً لكتاباته حول تقاطع العلم، والفلسفة، واللاهوت، لم يكن محتاجاً لمن يحثه على مناقشة الموضوع الذي مازال يجعل نبض قلبه يتسارع: “قيامة المسيح”.

هل دفن يسوع فعلا فى القبر؟

قبل النظر فى الموضوع إن كان قبر يسوع مازال فارغاً، أردت أن أثبت هل كانت جثته موجودة هناك أولاً. فالتاريخ يخبرنا أنه كقاعدة متبعة، كان المجرمون المصلوبون يتركون على الصليب لكي تلتهمهم الطيور أو يلقون فى قبر جماعي. وهذه الحقيقة دفعت چون دومينيك كروزسان من نادى يسوع لإستنتاج أن جثة يسوع قد أخرجت بعد نبش القبر وإلتهامتها الكلاب البرية.

فقلت لكريج “بناءا على هذه الممارسات، ألا تعترف بأن هذا هو أحسن إحتمال حدث فعلاً؟”

فأجابني قائلاً “إذا كان كان كل ما رأيته كان مبيناً على ممارسة مألوفة، نعم، أوافق، لكن ذلك يتجاهل الأدلة المحددة فى هذه الحالة”.

فقلت له “حسناً، إذن دعنا نفحص الأدلة المحددة. وفى هذه أشرت إلأى مشكلة فورية: تقول الأناجيل أن جثة يسوع سُلمت ليوسف الرامي، الذي كان عضواً فى مجلس السنهدرين، والذي أعطى صوته لإدانة يسوع. وإن هذا يعتبر غير قابل للتصديق. أليس كذلك؟” قلت ذلك بنغمة أكثر حَدة مما قصدت.

فتحرك كريج على الأريكية كما لو كان يستعد للإنقضاض على سؤالي. ثم قال “كلا، ليس كذلك عندنا تنظر إلى كل أدلة الدفن، لذلك دعنى أراجعها معك. أولاً، الدفن مذكور فى رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس 15: 3-7، حيث يوصل عقيدة مبكرة جداً للكنيسة”.

فسلمت بهذا بإيماءة من رأسى لأن كريج بلومبيرج كان قد وصف هذه العقيدة من قبل بشئ من التفصيل فى مقابلتنا السابقة. وأتفق كريج على رأى بلومبيرج بأن هذه العقيدة يرجع تاريخيها إلى ما بعد الصلب بسنوات قليلة، بعد أن أعطى لبولس بعد إهتدائه إلى المسيحية فى دمشق أو فى زيارته اللاحقة لأورشليم عندما إلتقى الرسولوين يعقوب وبطرس.

وبما أن كريج كان ينوى الإشارة إلى هذه العقيدة، فتحت الكتاب المقدس فى حجرى وراجعت الفقرة بسرعة “فأنني سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب….” ثم يستمر بعد ذلك ليدرج مرات ظهور يسوع العديدة بعد القيامة.

ثم قال كريج “هذه العقيدة بلا شك قديمة، ولذلك فهى جديرة بالثقة. وهي أساساً، عبارة عن صيغة مكونة من أربع سطور. يُشير السطر الأول إلى الصلب، والثاني إلى الدفن، والثالث إلى القيامة، والرابع إلى ظهورات يسوع بعد القيامة. وكما ترى، يؤكد السطر الثاني بأن يسوع قد دفن”.

لقد كان هذا مبهماً جداً لى فقاطعته قائلاً “إنتظر دقيقة. لربما يكون قد دفن، لكن هلى دفن فى قبر؟ وهل تم دفنه من قبل يوسف الرامى، هذه الشخصية الغامضة الذي أتى فجأة ليطالب باالجثة؟”

ظل كريج صبوراً ثم شرح قائلاً “إن هذه العقيدة تعتبر فعلاً متطابق سطر بسطر مع ما تعلم به الأناجيل. وعندما نرجع للأناجيل نجد أدلة كثيرة مستقلة لقصة الدفن هذه، ويوسف الرامي ذكر أسمه تحديداً فى الأناجيل الأربعة. وفوق كل هذا، فقصة الدفن في إنجيل مرقس مبكرة جداً لدرجة أنه ببساطة لم يكن لم يكن من الممكن أن تتعرض للتشوية الإسطوري”.

فسألته “كيف يمكنك القول بأنه مبكراً جداً؟”

قال “لدىَّ سببان، أولاً، إنجيل مرقس عامة يعتبر أقدم إنجيل. ثانياً، إن إنجيله يتكون أساساً من حكايات قصيرة عن يسوع، تشبه الالىء فى خيط أو عقد أكثر من أن تشبه رواية هادئة مستمرة.

“ولكن عندما تصل إلى الأسبوع الأخير من حياة يسوع –الذي يدعى قصة الألآم-ستجد قصة مستفيضة لأحداث متتابعة. وقصة الألام هذه يبدو أن مرقس نقلها من مصدر أقدم، وهذا المصدر يشمل قصة دفن يسوع فى قبره”.

 

هل يوسف الرامي شخصية تاريخية؟

بينما كانت تلك حجج مقُنعة، لكني إكتشفت مشكلة برواية مرقس عما حدث. فقلت “يقول مرقس بأن مجلس السنهدرين كله صوّت بإدانة يسوع. فإذا كان هذا صحيح، فإنه يعنى أن يوسف الرامي أدلى بصوته لقتل يسوع. أليس مستبعداً جداً بأنه سيجئ بعد ذلك يطلب دفن يسوع دفناً جديراً بالأحترام”.

يبدو أن ملاحظتى تلك وضعتنى فى موقف جيدز وهنا قال كريج ” لربما أحسَّ لوقا بنفس عد الإرتياح هذا، الذي يفُسر لماذا أضاف تفصيلة هامة، بأن يوسف الرامي لم يكن موجوداً عندما تم التصويت رسمياً، ومن ثمَّ فهذا يفسر الموقف. ولكن النقطة الهامة عن يوسف الرامي هى أنه لم يكن شخصاً من النوع الذي إخترعته الأساطير المسيحية أو الكُتاب المسيحيين”.

إحتجت لما هو أكثر من مجرد إستنتاج عن تلك المسألة؛ أردت سبباً وجيهاً فسألته “لما لا؟”

فقال كريج “بناء على معرفتنا بغضب المسيحيين الأوائل وكراهيتهم للقادة والزعماء اليهود الذين حرضوا على صلب يسوع، فمن غير المحتمل أبدأً أنهم (أي المسيحيون الأائل) قد إخترعوا شخصاً يقوم بدفن يسوع دفناً جديراً بالأحترام، خاصاً وأن جميع التلاميذ هجروه وتخلوا عنه فى محنته! بالأضافة إلى ذلك لم تكن لديهم الرغبة في إختراع عضو معين من مجموعة معينة، الذي سيستطيع الناس أن يكتشفوه بأنفسهم ويسألون عن هذا الموضوع. لذلك فيوسف الرامى هو بلا شك شخصية تاريخية.

وقبل أن أتمكن من توجيه سؤال للمتابعة، إسترسل كريج قائلاً “سأضيف إلأى كلامى أنه لو كان هذا الدفن بواسطة يوسف أسطورة ظهرت فيما بعد، فقد تتوقع أن تجد قصص دفن أخرى منافسة لما حدث لجثة يسوع. ومع ذلك فلن تجد هذه القصص مطلقاً.

“ونتيجة لذلك، فمعظم علماء العهد الجديد اليوم متفقون على أن قصة دفن يسوع أساساً جديرة بالثقة. وقال چون إي. تي. روبنسون، عالم العهد الجديد، بجامعة كامبردچ (الراحل)، إن دفن يسوع المشرف لهو أقدم وأصدق الحقائق التي نملكها عن يسوع التاريخى”.

لقد أقنعتني تفسيرا كريج بأن جثة يسوع دفنت فعلاً فى قبر يوسف الرامي. لكن هذا الإعتقاد طرق نقطة غامضة: لربما، وحتى بعد القيامة، ظلت جثة مدفونة.

فقلت “بينما العقيدة لاتى تقول بأن يسوع صُلب، ودفن، وبعد ذلك قام، إلا أنها لا تقول بالقبر الفارغ. أليس هذا يترك مجالاً لإحتمال أن القيامة كانت مجرد قيامة روحية فى طبيعتها، وإن جثة يسوع كانت ومازالت فى القبر؟”

وهنا رد على كريج قائلاً “إن تضمنت هذه العقيدة القبر الفارغ. فلدى اليهود مفهوم مادي للقيامة. فجسد القيامة أساساً كان عظام الميت وليس اللحم، الذي يُعتقد بأنه كان عرضة للتلف. فبعدما يتعفن اللحم، كان اليهود يجمعون عظام الميت ويضعونها في صناديق لكي تُحفظ في القيامة في نهاية العالم، عندما يقيم الله الموتى الأتقياء من بنى إسرائيل، ثم يتجمعوا معاً فى ملكوت الله الأخير.

“وفى ضوء هذا، كان يمكن أن يكون هذا الأمر ببساطة تعارضأ مع الشروط اليهودية للقيامة، أن يأتى أحد اليهود الاوائل ويقول أن شخصاً قام من الأموات ولكن جثته ما زالت موجودة فى القبر. لذا فعندما يقول هذا المذهب المسيحى القديم بأن يسوع قد دُفن، ثم قام فى اليوم الثالث، فإنه يقول ضمناً لكن بوضوح تام: أنه ترك وراءه قبراً خالياً”.

إلى أي حد كان القبر مأموناً؟

بعد أن سمعت أدلة مقنعة بأن يسوع كان في القبر، فإنه يبدو من المهم معرفة إلى أي حد كان قبره مأموناً من أي مؤثرات خارجية.فكلما كان الأمان محكماً، كلما قل إحتمال العبث به. فسألته “إلى أي حد تم حماية قبر يسوع؟”

شرح كريج فى وصف كيف كان نوع هذا القبر؟ وبحسب ما قرره أفضل علماء الأثار من حفريات مواقع من القرن الأول.

“كان هناك أخدود مائل يؤدى إلى مدخل منخفض بأسفله، وكان هناك حجر كبير على شكل قرص يدحرج إلى أسفل هذا الأخدود ويثبت فى مكانه على الباب”.

وكان كريج يستخدم يديه لتصوير ما يقوله. “ثم توضع حجارة أصغر حجماً لضمان عدم تدحرج القرص. ومع أنه كان السهل دحرجة هذا الحجر القرص الضخم إلى أسفل الإخدود، إلا أن هذا الأمر يحتاج إلى عدة رجال ليدحرجوا الحجر ثانياً إلى أعلى لكي يعيدوا فتح القبر. وبهذه الطريقة كان القبر مأموناً جداً”.

ومع ذلك، هل حُرس قبر يسوع أيضاً؟ فقد عرفت بأن بعض المتشككيين حاولوا إثارة الشك حول الإعتقاد السائد بأن قبر يسوع رُقب بعناية على مدار الساعة من قبل الجنود الرومانيين المنضبطين جداً، والذين كانوا سيواجهون الموت لو فشلوا فى أداء واجبهم.

فسألته “هل أنت مقتنع بأنه كان هناك حراس رومان؟”

فأجاب “يذكر متى وحده بأن الحراس وضعوا حول القبر، ولكن على أي حال، فإني لا أظن أن حكاية الحراس تعتبر جزاءاً هاماً من أدلة القيامة. أولاً، إنه أيضا موضع نقاش من المؤسسات العلمية المعاصرة. لذلك أجد من الحكمة أن أبنى مناقشاتىي على أدلة مقبولة على نحو واسع بأغلبية العلماء، لذلك فحكاية الحراس يستحسن تركها جانباً”.

وهنا أندهشت من موقفه فسألته “ألا يضعف هذا من قضيتك؟”

فهز كريج رأسه ثم قال “بصراحة إن حكاية الحراس لربما كانت مهمة فى القرن الثامن عشر، حين قال النقاد يلوحون بسرقة تلاميذ المسيح لجثته، لكن لا يتبنى أحد اليوم هه القضية”.

ثم إستمر يقول “عندما تقرأ العهد الجديد لا شك أن التلاميذ أمنوا بإخلاص وبصدق حكاية القيامة التي ظلوا يعلنوها حتى موتهم. ففكرة القبر الفارغ كان نتيجة خدعة، أو مؤامرة، أو سرقة، تعتبر مرفوضة ببساطة فى يومنا هذا. ولذلك فإن قصة الحراس أصبحت ثانوية”.

 

هل كان أي حراس موجودين؟

مع ذلك، فقد كنت مهتماً بما إذا كان هناك أى دليل يؤيد تأكيد متى بخصوص الحراس. فمع أنى فهمت مبررات كريج لإهمال هذه المسألة، لكنى دوامت الإلحاح بسؤاله إن كان هناك أي دليل جيد لحكاية الحراس تاريخاً.

فأجاب قائلاً “نعم، هناك أدلة على ذلك. فكر فى الإدعاءات الإدعاءات المضادة بخصوص القيامة التي كانت متدولة بين اليهود والمسيحيين فى القرن الأول.

“فالأعلان المسيحى الأول هو “المسيح قام”. ورداً على إدعاء المسيحيين بأن يسوع قد قام فرد عليهم اليهود “التلاميذ سرقوا جثته”، فرد المسيحيون على هذا الإدعاء قائلين: “آه، لكن الحراس عند القبر كانوا سيمنعون مثل هذه السرقة” فرد عليهم اليهود “لكن الحراس عند القبر ناموا” فأجاب المسيحيين “كلا، إن اليهود دفعوا رشوة للحراس ليقولوا إنهم ناموا”.

“فالأن لو لم يكن هناك أي حراس لكان تبادل الإدعاءات كالأتى: رداً على إدعاء المسيحيون بأن يسوع قام كان اليهود سيقولون “كلا، إن التلاميذ سرقوا جثته”. وكان المسيحيون سيردون “لكن الحراس كانوا سيمنعون السرقة” ثم كان رد اليهود سيكون كالأتي: “أي حراس؟ إنكم مجانيين! لم يكن هناك أي حراس”. ومع ذلك فالتاريخ يخبرنا بأن اليهود لم يقولوا ذلك.

“وهذا يوحي بأن الحراس فعلاً كانوا تاريخيين، وأن اليهود كانوا يعرفون ذلك، ولهذا السبب إضطروا لأن يخترعوا القصة الغير معقولة بأن الحراس كانوا نائمين عندما سرق التلاميذ الجثة.”

مرة أخرى كان هناك سؤال مُلح دفعني للقفز وأقوله “يبدو أن هناك مشكلة أخرى هنا”. ثم سكت لأحاول صياغة إعتراضي بأحسن براعة وإيجاز ممكن.

“لماذا أرادت السلطات اليهودية وضع حراس عند القبر، ألاً؟ لو كانوا قد توقعوا قيامة يسوع، وأن التلاميذ سيزيفون خبر القيامة، فإن معنى هذا أنه كان لديهم إدراك وفهم للنبوءات التي قالها يسوع عن قيامته أحسن من التلاميذ. ورغم كل هذا فإن التلاميذ كانوا مندهشين من المسألة كلها”.

فقال كريج مسلماً “لقد إكتشفت شيئاً هناك. ومع ذلك، فلربما كانوا قد وضعوا الحراس هناك ليمنعوا أي نوع من سرقة القبور، أو أي إضطرابات بسبب حدوثه أثناء عيد الفصح. إننا لا نعرف. هذا برهان جيد. أنا أسلم بقوته تماماً ولكني لا أظن أه لا يمكن أن نتخطاه”.

نعم ولكنه يثير سؤالاً بخصوص حكاية الحراس. علاوة على إعتراض آخر خطر ببالى فقلت له “يقول متى أن الحراس الرومان بلغوا السلطات اليهودية. ولكن ألا يبدو هذا غير محتمل لأنهم كانوا مسئولين أمام بيلاطس؟”

وهنا ظهرت إبتسامة خفيفة على وجه كريج ثم قال “لو نظرت بعناية لوجدت أن “متى لم يقل أن الحراس كانوا رومانيين. فعندما يذهب اليهود إلى بيلاطس ويطلبوا حارس فيقول بيلاطس “لديكم حراس” فهل يقصد أن يقول: حسناً، إليكم كتيبة من الجنود الرومانيين أم أنه يقصد أن يقول: “عندكم حراس الهيكل، فإستخدموهم”.

“ولقد تناظر العلماء فيما إذا كان الحارس يهودى أم لا. أما أنا فكنت فى أول الأمر ميالاً –للسبب الذي ذكرته أنت-أن أعتقد أن الحارس كان يهودياً.ولكنى مع ذلك أعدت التفكير فى هذا الأمر لأن الكلمة التى إستخدمها متى للإشارة إلى الحراس عادة تستعمل فيما يتعلق بالحراس الرومان وليس مجرد حراس الهيكل.

“وتذكر، أن يوحنا يخبرنا أن قائد مائة هو الذي قاد الجنود الرومان للقبض على يسوع تحت إشراف قادة اليهود. إذن هناك موقف سابق مماثل بأن الحراس الرومان يبلغون قادة اليهود الدينيين”. ويبدو من المقبول أنهم أيضاً من الممكن إستخدامهم فى حراسة القبر.

فلما فكرت ملياً فى هذا الدليل، شعرت وعن إقتناع بأن الحراس كانوا موجودين، وقررت إسقاط هذه السلسة من الأسئلة لأن كريج لا يعتمد على حكاية الحراس، على أى حال، ولا يهتم بها. وفي هذه الأثناء كنت متلهفاً لأواجه كريج بما كان يبدو أنه أكثر الأدلة إقناعاً ضد فكرة أن قبر يسوع كان خالياً صباح يوم عيد الفصح.

 

ماذا عن التناقضات؟

على مر السنين، هاجم نقاد المسيحية قصة القبر الفارغ بالإشارة إلى تناقضات ظاهرة بين الروايات الإنجيلية. فمثلا، المتشكك تشارلس تمبلتون قال مؤخراً “إن الأربعة طرق لوصف الأحداث…. تختلف بدرجة كبيرة جداً فى العديد من النقاط… بالرغم من توافر النية الحسنة فى العالم، فلا يمكن التوفيق بينهما”(3).

فلو تأملنا فى المعنى الظاهري، لوجدنا أن هذا الإعتراض يتغلغل إلى قلب مصداقية روايات القبر الفارغ. إدرس هذا الملخص الذي أعده الدكتور مايكل مارتن من جامعة بوسطن، والذي قرأته لكريج في ذلك الصباح:

فى إنجيل متى، عندما وصلت مريم المجدلية ومريم الأخرى قبيل الفجر إلى القبر حيث كانت هناك صغرة أمامه، ثم حدثت زلزلة عنيفة، فينزل ملاك ويدحرج الحجر. وفي إنجيل مرقس، تصل لانساء إلى القبر عند شروق الشمس قيجدن الحجر قد دُحرج. وفي إنجيل لوقا، عندما تصل النساء في أول الفجر تجدن الحجر قد دُحرج.

في إنجيل متى، يذكر أن الملاك يجلس على الضخرة خارج القبر. وفي إنجيل مرقس، نجد أن شاباً جالساً داخل القبر، لكن في إنجيل لوقا، يوجد رجلان داخل القبر.

في إنجيل متى، كانت المرأتان الموجودتان عند القبر هن مريم المجدلية، ومريم الأخرى. أما إنجيل مرقس، نجد النسوة الحاضرات عند القبر هن المريمتان وسالومي. وفي إنجيل لوقا، نجد مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوحنا، ونسوة أخريات حضرن عند القبر.

وفي إنجيل متى، تندفع المريمات خارجتين من القبر فى خوف وفرح عظيم، ثم يركضن لإخبارالتلاميذ، ويقابلن يسوع في الطريق. وفي مرقس، يخرجن جارياً فى خوف ولا يقلن شيئاً لأي شخص. وفي إنجيل لوقا، نجد النسوة يبلغن القصة للتلاميذ الذين لا يصدقوهن ولا يوجد أي إيحاء بأنهن قابلن يسوع(4).

وقلت لكريج “يشير مارتن إلى أن إنجيل يوحنا يتناقض مع الثلاثة أناجيل الأخرى. ثم يستنتج قائلاً “بإختصار إن الرويات لما حدث عند القبر إما أنها متضاربة أو من الممكن جعلها متوافقة بمساعدة تفسيرات لا يمكن تصديقها”(5).

وهنا توقفت عن القرأة وتركت مذكراتي ثم نظرت إلى أعلى فألتفت عيناي مع عيني كريج وسألته مباشرة وبصراحة “فى ضوء كل هذا، كيف بأى حال تستطيع أن تعتبر حكاية القبر الفارغ قابلة للتصديق؟”

وفي الحال لاحظت شيئاً في تصرفات كريج. في المحادثة العادية أو عند مناقشة إعتراضات فاترة عن القبر الفارغ، يكون لطيفاً وليناً. لكن كلما كان السؤال قوياً وعسيراً وكلما كان التحدى أشد عنفاً، كلما أصبح نشطاً ومركزاً. وفي تلك الحالة حركات جسمه تدل على أنه لا يستطيع الإنتظار حتى يغوص فى تلك المياة التى تبدو خطرة.

وبعد أن تنحنح بدأ كريج يقول ” مع كل إحترامى، مايكل مارتن فيلسوف، وليس مؤرخ، وأنا لا أعتقد بأنه يفهم حرفة المؤرخ. فعند الفيلسوف لو كان هناك شئ متضارب فإن قانون التناقض يقول: “لا يمكن أن يكون هذا صحيح، فيرفضه!” ومع ذلك فالمؤرخ ينظر إلى هذه الرويات ويقول “أرى بعض التضارب، لكنى ألاحظ شئياً فيها: إنها جميعا فى التفاصيل الثانوية”.

“إن جوهر القصة هو هو نفسه: “يوسف الرامى يأخد جثة يسوع، يضعها فى قبر، تأتى مجموعة صغيرة من النسوة تابعات ليسوع إلى القبر فى الصباح الباكر من يوم الأحد التالى لصلب يسوع، فيجدن القبر خالياً. يرون ملائكة التى تقول لهن بأن يسوع قد قام.

“فالمؤرخ المُدقق-على خلاف الفيلسوف-لا يرمى الطفل الرضيع مع ماء الحمام. فإنه يقول: “هذا يوحي بأن هناك جوهر تاريخى فى هذه القصة يمكن الإعتماد عليه وتصديقه، مهما كانت التفاصيل الثانوية متناقضة”.

“لذا يمكننا أن نثق ثقة عظيمة فى الجرهر المشترك لهذه الروايات والذي يتفق عليه أغلب علماء العهد الجديد اليوم، حتى لو كانت هناك بعض الفروق فيما يتعلق بأسماء النسوة، أو الوقت المحدد فى الصباح، أو عدد الملائكة وهلم جراً. فهذه الأنواع من التناقضات لا تشغل بال المؤرخ”.

وحتى المؤرخ الذي عادة ما يكون متشكك (مايكل جرانت، وهو زميل كلية الثالوث، في كامبردج، وأستاذ في جامعة أدنبرة، يسلم في كتابه “يسوع: مراجعة مؤرخ للأناجيل: Jesus an historian’s review of the gospels “فيقول: “صحيح أن إكتشاف القبر الفارغ يوصف بطرق مختلفة فى الأناجيل المختلفة، لكن لو طبقنا نفس نوع المعايير التي نطبقها على أي مصادر أدبية قديمة أخرى، فسنجد الأدلة حاسمة ومقبولة لدرجة أنها تستلزم الإستنتاج بأن القبر فى الحقيقة وجد فارغاً(6).

هل بالأمكان للتناقضات أن تصبح متوافقة؟

أحيانا عن تغطية المحاكمات الجنائية، أجد شاهدين يدليان بنفس الشهادة بالضبط، حتى فى أدق التفاصيل، فقط ليجدا أن شهادتهما قد ألغيت وفندت من قبل محامي الدفاع لأنهما تأمرا قبل المحاكمة. لذا قلت لكريج معلقاً “أفترض بأنه لو تضابقت الأناجيل الأربعة كلها وتماثلت فى كل التفاصيل الدقيقة، لأثارت الشك أن كلاً منهم إنتحل قصة الأخرين”.

“نعم، تلك النقطة جدية جداً إن الإختلافات بين روايات القبر الفراغ تحوي بأن لدينا شهادات متعددة مستقبلة لخبر القبر الفارغ. فأحيانا يقول الناس “أن متى ولوقا إنتحلا من مرقس”. ولكن عندما ننظر للروايات بعناية، فترى إختلافات توحي بأنها حتى إذا كان كلاً من متى ولوقا يعرفان رواية مرقس، إلا بالرغم من ذلك، كانت لديهم مصادر مستقلة منفصلة لقصة القبر الفارغ. “لذا مع وجود هذه الروايات المتعددة والمستقلة، فلا يوجد أى مؤرخ يتجاهل هذا الأدلة بسبب وجود تناقضات ثانوية. ودعنى أعطيك مثلاً علمانى (غير ديني)

“لدينا قصتان عن هانيبال يعبر جبال الألب لمواجهة روما، وهم غير متوافقتين ومتناقضتين. وبالرغم من ذلك فلا يوجد لدى أي مؤرخ كلاسيكى أدنى شك فى حقيقة هانبيال شنًّ مثل هذه الحملة. هذا مجرد مثال توضيحي غير متعلق بالكتاب المقدس عن التناقضات فى التفاصيل الثانوية والتى تُخفق فى توكيد الجوهر التاريخى لقصة تاريخية”.

وهنا سلمت بقوة هذا البرهان. وعندما تأملت فى مقالة مارتن النقضية، بدا لي بأن تناقضاته المزعومة يمكن أن تتوافق مع بعضها بسهولة جداً. فذكرت ذلك لكريج بقول “أليس هناك طرق أو وسائل للتوفيق بين بعض هذه الإختلافات فى هذه الروايات؟” فأجاب كريج “نعم، هذه صحيح، هناك طرق للتوفيق بينمها. مثلاً موعد الزيارة للقبر أحد الكتب يصفه بأن الظلام ما زال باقيأً، والأخر يقول إن نور النهار كان على وشك الظهور، لكن هذا يشبه مثل المتفائل اللذان يتجادلان عما إذا كان نصف الكوب فارغة أما النصف المملوء. فأن الوقت كان حاولي الفجر وأنها يصفان نفس الشئ بكلمات مختلفة”.

أما بالنسبة للعدد واسماء النسوة، فلا يوجد أى واحد من الأناجيل الأربعة يتظاهر بأنه يُقدم قائمة كاملة بالأسماء أو الأعداد. ففي كلها تضامنت مريم المجدلية والنساء الأخريات، لذا فمن المتحمل وجود مجموعة من هؤلاء التلاميذ الأولين كانت من ضمن أولئك ذكرت أسماؤهم ومن المحتمل أخرين أيضا. وأعتقد بأنه سيكون متحذلقاً لقول إن هذا يُعتبر تناقض”.

فسألت كريج “ماذا عن الروايات المختلفة لماذا حدث بعدئذ؟ فمرقس يقول بأن النسوة لم يخبران أى شخص، وتقول الأناجيل بأنهن فعلن”

فشرح كريج هذه النقطة قائلاً “عندما تنظر إلى نظام مرقس اللاهوتي، فستجد أنه يجب التأكيد على الخوف والرعب والرهبة فى حضور اللاهوت. لذا فإن رد فعل النسوة هو هروبهن خائفات ومرتعدات، وأنهن لم يقولان شيئاً لأي إنسان لأنهن كنا خائفات فذا جزء من أسلوب مرقض الأدبى واللاهوتى.

“فمن الممكن إذا ذلك الصمت كان وقتياً، ثم عادت النسوة وأخبرن الأخرين بما حدث”. ثم أختتم حيثه بإبتسامة عريضة وقال “كان لازماً أن يكون صمتاً مؤقتاً؛ وإلأ ما كان بإمكان مرقس أن يخبر بتلك القصة!

وهنا أردت أن أسئله عن نقطة تناقض أخرى شاع ذكرها. “أن يسوع قال فى إنجيل متى 12: 40 “لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاثة ليالٍ” ومع ذلك، تذكر الأناجيل أن يسوع كان فعلاً فى القبر يوماً واحداً كاملاً، وليلتين كاملتين وجزءاً من يومين. ألا يعد هذا كمثال على أن يسوع قد أخطأ في عد تحقيق نبؤته؟” فقال كريج “إستخدم بعض المسيحيين الحسنى النية لإقتراح أن يسوع قد صلب يوم الأربعاء وليس الجمعة لكي يحصلوا على الوقت الكامل هناك!

ولكن معظم العلماء يقرون أنه طبقاً لطريقة حساب الزمن عند اليهود الأوائل، فإن أى جزء من اليوم يُحسب كيوم كامل. وقد كان يسوع فى القبر بعد ظهر يوم الجمعة، وطول يوم السبت، وصباح يوم الأحد، فحسب مفهموم حساب الزمن عند اليهود الأوائل فإن هذه المدة تحتسب كثلاثة أيام.

ثم أختتم كلامه قائلاً “مرة أخرى، ذلك فقط مجرد مثال أخر عن كم كان عدد التناقضات التى يمكن تفسيرها، أو التقليل من أهميتها بمعرفة خلفية عن بعض المعلومات العامة أو بمجرد التفكير والتامل فيها بعقلية متفتحة”.

هل يمكننا أن نثق فى شهادة الشهود؟

إن جميع الأناجيل متفقة على أن القبر الفارغ تم إكتشافه من قبل النساء اللاواتي كن من بين أصدقاء وأتباع يسوع. ولكن هذا، فى تقدير مارتن، يجعل شهادتهن مشكوك فيها، لأنهن “قد يكن غير دقيقات وغير موضوعيات”.

لذا طرح السؤال على كريج “هل علاقة تلك النسوة بيسوع تجعل مصدقية شهادتهن مشكوك فيها؟”

بشكل غير معتمد فإني بهذا تصرفت بطريقة تثير كريج. وهنا قال كريج رداً على هذا السؤال “في الواقع، هذه المجادلة تؤثر عكسياً على الناس الين يستخدمهوها، فبالتأكيد هؤلاء النسوة كُن صديقات يسوع. ولكن عندما تفهم دور النساء فى المجتمع اليهودي في القرن الأول، فالشئ الغير عادي هو أن هذه القصة عن القبر الفارغ تصور النسوة بأنهن أول مكتشافات للقبر الفارغ.

“فقد كان النساء يعتبران فى درجة منخفضة جداً فى السلم الإجتماعي فى فلسطين فى القرن الأول. وهناك أقوال ربانية قديمة تقول “دع كلمات القانون تُحرق أفضل من أن تُسلم للنساء” “مبارك كل من كانت أطفالها من الذكور والويل لكن من كان أبناؤه من الإناث”، ولذلك فإن شهادة النساء كانت تعتبر عديمة القيمة لدرجة أنه لم يسمح لهن بالإدلاء بشهادة قانوينة فى أى محكمة يهودية.

“في ضوء هذا، فمن الرائع جداً أن يكون الشهود الرئيسيون على القبر الفارغ هؤلاء النساء اللاتي كُن من أصدقاء يسوع. فأي رواية أسطورية بعد ذلك كانت بالتأكيد ستصور أن اللذين إكتشفوا القبر الفارغ من التلاميذ الذكور، كان يكونوا بطرس أو يوحنا، على سبيل المثال. الحقيقة أن النسوة كُن أول من إكتشف، وأول شهود للقبر الفارغ تشرح وتفسر بطريقة مقبولة جداً بحقيقة أنهن –مهما يكن- كنا أول مكتشفات للقبر الفارغ وهذا يثبت أن كتاب الأناجيل سجلوا بأمانة ما حدث حتى لو كان ذلك محرجاً.وهذا يدل على أن هذه التقاليد كانت تاريخية وليست أسطورية”.

لماذا زارت النساء القبر؟

على أى حال، فإن تفسير كريج، مازال يترك امامى سؤال أخر: “لماذا كانت النسوة قد ذهبن ليمسحن جسد يسوع بالزيت مع إنهن سبف أن عرفن أن قبره كان مغلقاً بإحكام فعل تصرفاتهن كانت معقولة حقاً؟”

أما كريج فقد فكر للحظة قبل أن يجيب على هذا السؤال-هذه المرة ليس بصوت المناظرات بل بصوت أكثر رقة. “إن لدى إحساس قوي أن العلماء الذين لم يعرفوا مدى المحبة والإخلاص الذي كانت هؤلاء النسوة يشعران بها تجاه يسوع-ليس من حقهم أن يصدروا أحكاماً باردة على معقولية ما كُن يريدن فعلهن

“فبالنسبة للحزانى الذين فقدوا شخضاً يحبونه بشدة، والذين كانوا من أتباعه، أن يريدوا الذهاب إلى القبر على أمل ضعيف أن يمسحوه بالزيت، أنني لا أظن أن نقضاً يأتى بعد ذلك يستطيع أن يعاملهم كأنهم إنسان ألي ويقول: “كان من المفروض ألا يذهبان” ثم هز كتفيه وقال “لربما إعتقدوا بأنهن قد يجدان بعض الرجال هناك يمكنهم تحريك الحجر. ولو كان هناك حراس، لربما ظنوا أنهم سيحركون لهم الحجر. أنا لا أعرف.

“وبالتأكيد أن فكرة زيارة قبر لسكب الزيوت على الجثة ممارسة يهودية تاريخية؛ فالسؤال الوحيد هو إحتمال من الذي سيحرك لهم الحجر. ولا أظن أننا فى الموقف المناسب لكي نصدر الحكم على ما إذا كان من المفروض بقاؤهن في المنزل أم لا”.

لمَ لم يستشهد المسيحيون بالقبر الفارغ؟

حين كنت أستعد لمقابلتى لكريج، زرت العديد من المواقع على الأنترنت الخاصة بمنظمات إلحادية للتعرف على نوع الحجاج التي يُثيرونها ضد معجزة القبر. ولسبب من الأسباب قليل من الملحدين يتناولون هذا الموضوع. ومع ذلك فإن أحد الملحدين أثار إعتراضاً أردت أن أوجهه لكريج.

فإنه أساساً أثار جدلاً شديداً ضد حكاية القبر الفارغ فهو إن ولا واحد من التلاميذ أول وعاظ المسيحيين الذين جاءوا فيما بعد، وإهتموا بالأشارة إليه.كتب يقول: “كنا نتوقع من الوعاظ المسيحيين الأوائل أن يقولوا: “أنتم لا تصدقونا؟ إذهبوا وأنظروا للقبر من الداخل بأنفسكما، أنه فى الركن الخامس والرئيسي، القبر الثالث من الناحية اليمنى”.

وقال: ومع ذلك، فإن بطرس لم يذكر القبر الفارغ في عظته”esus an historian”s review of the gospelsيسوع: مراجعة مؤرخ للأناجيل:  كامبردوهلم جراً. العهد الجديد اليوم، حتى لو كانت هناك بعض فى سفر الأعمال 2. وأختمم هذا الناقد كلامه قائلا: “إذاً فحتى التلاميذ لم يظنوا أن قصة القبر الفارغ بأن لها أى أهمية، فلماذا يجب علينا أن نظن ذلك؟”

إتسعت عينا كريج فيما كنت أطرح هذا السؤال، ثم أجاب بدهشة كريج: “أنا لا أعتقد بأن ذلك صحيح”. ثم لأأمسك كتابه المقدس وإنتقل إلى الاصحاح الثانى من سفر أعمال الرسل الذي يسجل عظة بطرس، فى عيد الخمسين.

هنا أصر كريج قائلاً “القبر الفارغ مذكور فى عظة بطرس فإنه يعلن في الآية 24 “الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن مُمكناً أن يُمسك منهُ”

“ثم يقتبس من مزمور عن كيف أن الله لم يسمح للقدوس أن يرى فساداً. وهذا هو ما كتبه داود، ويقول بطرس: “أيها الرجال الأخوة يسوغ أن يقول لكم جهاراً عن رئيس الأباء داود أنه مات ودفن وقبرا عندنا حتى هذا اليوم. فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسي سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه لم تترك نفسه في الهواية ولا رأى جسده فاسداً.فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك”.

ثم رفع كريج عينيه عن الإنجيل ثم قال “إن هذا الخطاب يقابل بين قبر داود الذي ظل باقياً فيه حتى ذلك اليوم وبين النبوة التى يقول داود فيها أن المسيح سيقام من الأموات، وأن جسده لن يعاني من الفساد. ومن المفهوم ضمناً بوضوح أن القبر قد ترك فارغأ”.     

ثم إنتقل إلى الفصل التالي في سفر أعمال الرسل. ففي سفر الأعمال 13: 29-31 يقول بولس الرسول: “ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر. ولكن الله أقامه من الأموات. وظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهود عند الشعب”

“فالبأكيد أن القبر الفارغ مفهوم ضمناً هنالك”

ثم أغلق إنجيله وأضاف “أظن أنه من الغباء، ومن غير المعقول أن نجادل أن هؤلاء الوعاظ الأوئل لم يشيروا إلأى القبر الفارغ، لمجرد أنهم لم يستخدموا الكلمات المعينة “القبر الفارغ”. وليس هناك شك بأنهم كانوا يعرفوا-وأن المستمعين الأهم فهموا من عظاتهم-أن قبر يسوع كان فارغاً”.

ما هو الدليل التوكيدى؟

صرفت الجزء الأول من مقابلتنا في أمطار كريج بالإعتراضات والحجج التي تتحدى فكرة القبر الفارغ. لكني أدركت فجأة أني لم أتيح له الفرصة ليوضح حجته التوكيدية. فبينما نجد أنه أشار من قبل إلأى أسباب عديدة تجعله يثبت لماذا يعتقد أن قبر يسوع كان خالياً فسألته “لماذا لا تعطني أحسن أراءك؟ إقنعني بأسبابك الأربعة أو الخمسة الكبيرة بأن القبر الفارغ كان حقيقة تاريخية؟”

قبل كريج التحدي. وبدأ يوضح حججه واحدة تلو الأخرى بإختصار وبقوة.

ثم قال “أولاً، إن القبر الفارغ ضمنى بالتأكيد فى التقليد المبكر الذي نُقل عبر بولس فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 15، التي تعتبر مصدراً قديماً جداً، ومصدر موثوق للمعلومات التاريخية عن يسوع.

ثانياً، إن موقع قبر يسوع معروف للمسيحى واليهودى على حد سواء. فإذا لم يكن القبر فارغاً، لأصبح من المستحيل على حركة مبينية على الإيمان بالقيامة أن تظهر إلى حيز الوجود فى نفس المدينة التي أعدم فيها ها الرجل علنا ودفن.

“ثالثاً، يمكننا أن نفهم من اللغة وقواعدها النحوية، وأسلوبها أن مرقس نقل قصته عن القبر الفارغ وفي الواقع قصته عن ألام المسيح، من مصدر أقدم. وفي الحقيقة، هناك أدلة بأنه كتب قبل سنة 37م، وهذا تاريخ مبكراً جداً لا يمكن معه للأساطير أن تشوهها.

“إي. إن. شيروين هوايت، المؤرخ اليوناني الروماني والمحترم المشهور من جامعة أكسفورد، قال إنه لم يكن هناك أي سابقة في التاريخ أن تظهر الأساطير بهذه السرعة والأاهمية لتحريف الأناجيل.

“رابعاً، هناك بساطة قصة القبر الفارغ في إنجيل مرقس. والحكايات الخالية المشكوك في صحتها من القرن الثاني والتي تحتوي على كل أنواع الحكايات المزخرفة، التي تذكر أن يسوع يخرج من القبر بالمجد والقوة، ويراه الجميع بمن فيهم الكهنة، والسلطات اليهودية، والحراس الرومان. هذه كانت طريقة وأسلوب الأساطير، ولكن هذه الأساطير لم تظهر إلا بعد هذه الأحداث بأجيال، أي بعد موت شهود العيان. وفي المقابل نجد أن حكاية مرقس عن القبر الفارغ شديدة الوضوح فى بساطتها وليست مزينة بالأفكار اللاهوتية.

“خامساً، الشهادة الجماعية أن القبر الفارغ اكتشف من قبل النساء يدافع عن أصالة القصة، لأن وجود هذه الشهادة كانت من الممكن أن تسبب الإحراج للتلاميذ، والتي-وبكل تأكيد-كان يمكن تغطيتها إذا ما كان هناك تحريف أو أن هذا الحكاية مجرد أسطورة.

“سادساً، أدم مجادل يهودي عنيف يفترض الصفة التاريخية للقبر الفارغ. وبقول آخر، لم يكن هناك أي شخص يدعي أن مقولة القبر الفارغ غير صحيحة، أو قال أي يهودي بأن جثة يسوع ما زالت في القبر. وكان هناك سؤال يسأل دائما وهو “ماذا حدث للجثة؟”

“إترح اليهود القصة المضحكة بأن الحراس قد ناموا. ومن الواضح، أنهم كانوا يمسكون بالقش. بدأوا بإفتراض أن القبر كان خالياً! لماذا؟ لأنهم كانوا يعرفون أنه فارغ!”.

ماذا عن النظريات البديلة؟

إستمعت بإهتمام شديد فيما كان كريخ يبين كل قصة بوضوح، وهذه الجج الستة صعدت من إثارتي. ومع ذلك فمازلت أريد أن أعرف هل كان هناك أى فجوات قبل أ أستنتج أنها كانت محكمة وخالية من نقاط الضعف.

“إقترح كيرسوݒ ليك في سنة 1907 أن النسوة ذهبن فقط إلى القبر الخطأ. ويقول بأنهن ضللن الطريق، وأن وكيلاً مسئولاً عن قبر خالي قال لهم “أنتم تبحثون عن يسوع الناصري، إنه ليس هنا، فهربن خائفات. أليس ذلك تفسير معقول؟”(7)

تنهد كريج ثم قال “لم يصل ليك إلى أي نتيجة بهذا الكلام. والسبب أن موقع قبر يسوع كان معروفاً للسلطات اليهودية. وحتى لو كانت النسوة قد وقعن فى هذا الخطأ، لكان من دواعي سرور هذا السلطات أن يشيروا إلى القبر ويصححوا غلطة التلاميذ عندما بدأوا بإعلان قيامة يسوع حياً. وإني لا أجد أحداً يؤمن بنظرية ليك فى يومنا هذا”.

بصراحة، الخيارات الأخرى لم تبد محتملة أبداً. ومن الواضح أن التلاميذ لم يكن لديهم حافز يحثهم على سرقة الجثة، ثم يموتون بسبب هذه الكذبة، وبالتأكيد أن السلطات اليهودية لا يمكن أن يكونوا قد أخذوا الجثة. وتبقى أمامنا نظرية أن حكاية القبر الفارغ كانت أسطورة ظهرت بعد ذلك وتطورت بمرور الزمن. ولم يستطع الناس أن يثبتوا بطلانها لأن موقع القبر قد نُسى”.

فأجاب كريج قائلاً “كانت هذه هى نقطة الخلاف منذ سنة 1835 عندما إدعى ديفيد شتراوس أن هذه الحكايات أسطورية، ولهذا فى محادثتنا اليوم ركزنا كثيراً على هذا الأفتراض الأسطوري بأن أثبتنا أن حكاية القبر الفارغ يرجع تاريخها إلى سنوات القليلة من الأحداث نفسها. وهذا يجعل النظرية الأسطورية في التفاصيل الثانوية للقصة. فإن الجوهر التاريخى للقصة يبقى ثابتا فى أمان”.

ومع ذلك، هناك إجابات لهذه التفسيرات البديلة. وعند التحليل، بدت بالإنهيار كل نظرية تحت قوة الدليل والمنطق. ولكن الأختيار الوحيد الباقي هو أن تؤمن أن يسوع المصلوب عاد إلى الحياة، وهو إستنتاج يجده بعض الناس غير عادي لدرجة أنهم لا يستطيعون تصديقه.

فكرت لحظة فى الطريقة التي تمكننى من صياغة هذه الفكرة على شكل سؤال أوجهه لكريج. وأخيراً قلت له: “مع أن هذه النظرية البديلة بها ثغرات لكن أليست تعتبر أكثر قبولاً من الفكرة التي لا يمكن تصديقها إطلاقاً بأن يسوع هو الله المتجسد والذي أُقيم من الموت”.

فقال وهو ينحني إلى الأمام “أظن أن هذه هي المشكلة. أظن أن الناس الذين يقدمون هذه النظريات البديلة سيعترفون ويسلمون قائلين “نعم: إن نظريتنا ليست مقبولة لكنها ليست محتملة مثل فكرة أن هذه المعجزة المذهلة قد حثت. على أي حال فعند هذه النقطة لم يعد الموضوع مسألة تاريخية؛ وبدلاً من ذلك فإنها تعتبر سؤال فلسفي عن هل المعجزات ممكنة”.

فسألته: “ماذا تقول فى ذلك؟”

“سأجادل بأن إفترض أن الله أقام يسوع من بين الأموات ليست غير محتملة إطلاقاً. وفي الحقيقة بناء على الأدلة فهي تعتبر أحسن تفسير لما حدث. أما الشئ الغير محتمل حدوثه هو إفتراض أن يسوع قام من الأموات بطريقة طبيعية. وإني أوافق على أن هذا يعتبر غير مألوف. أي إفتراض سيكون أكثر إحتمالاً من أن القول بأن جثة يسوع عادت إلى الحياة تلقائياً.

“أما إفتراض أن الله أقام يسوع من الأموات فهو لا يتناقض مع العلم أو أي حقائق معروفة بالتجربة. وكل ما تتطلبه هو إفتراض أن الله موجود، وأعتقد أن هناك أسباب وجيهة ومستقلة تجعلنا نؤمن بأن الله موجود”.

وهنا أضاف كريج هذه الملحوظة الحاسمة “طالما أن الله وجود ممكن، فمن الممكن انه غيَر التاريخ بإقامة يسوع من الموت”.

 

الخلاصة: القبر كان فارغاً

لقد كان كريج مقتنعاً: فالقبر الفارغ بلا نكران؛ المعجزات ذات الأبعاد المزهلة بدت معقولة في ضوء الأدلة. وتعتبر مجرد جزء من قضية القيامة. ومن منزل كريج في أتلانتا بدأت أستعد للذهاب إلى فرجينيا لأجري حديثاً مع خبير مشهور فى الأدلة الخاصة بحالات ظهزر يسوع المقام، وبعد ذلك إلى كاليفورنيا للكلام مع عالم آخر عن الأدلة الضخمة المتعلقة بالظروف.

وعندما شكرت كريج وزوجته چان، على كرمهم، فكرت في نفسي أن كريج ببنطلونه الچينز الأزرق وجواربه البيضاء، لم يبدو مثل ذلك النوع للخصم المرعب الذي يدمر أحسن نقاد العالم في قضية القيامة. ولكني سمعت شرائط المناظرة بنفسي.

وأمام الحقائق نجد أنهم قد كانوا عاجزين عن إعادة جسد يسوع مرة أخرى إلى القبر. فإنهم يتخبطون، ويناضلون، ويتشبثون بالنظريات الفاشلة، ويناقضون أنفسهم، ويسعون وراء النظريات الفاشلة، ويناقضون أنفسهم، ويسعون وراء النظريات اليائسة الغير عادية ليحاولوا إثبات أدلتهم. ولكن كل مرة في النهاية يظل القبر فارغاً.

وقد ذكرني التقييم بواحد من أعظم وأذكى خبراء القانون في كل زمان، والمتعلم في جامعة كامبردچ السير نورمان أندرسون، الذي حاضر فى جامعة برينستون، منح درجة الأستاذية مدى الحياة فى جامعة هارفارد، وعمل كعميد لكلية الحقوق بجامعة لندن.

وكان استنتاجه بعد عمر قضاه فى تحليل هذه القضية من منظور قانوني، لُخص في جملة واحدة: “إن القبر الفارغ، يُشكل صخرة حقيقية تتحطم عليها جميع النظريات العقلانية عن القيامة بعد مهاجمتها بلا جدوى”(8).

مشاورات – أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • ماهو إستناجك الشخصي عما إذا كان قبر يسوع فرغاً صباح عيد الفصح؟ ما الدليل الذي أعتبرته أكثر إقناعاً في توصيلك إلى هذا الحكم؟
  • كما أشار كريج، فإن كل واحد فى العالم القديم سلّم بأن القبر كان فارغاً؛ وكانت المشكلة هي كيف وصلت إلى هذه النتيجة هل يمكنك أن تفكر فى أي تفسير منطقي لمسألة القبر الفارغ بخلاف قيامة يسوع؟ ولو كان هذا ممكناً، فكيف تتصور أن شخصاً مثل بيل كريج سيتجاوب مع نظريتك؟
  • إقرأ إنجيل مرقس 15: 42-16: 8، وهي الرواية الأقرب لدفن يسوع والقبر الفارغ. هلى تتفق مع كريج بأنها قوية فى بساطتها وغير مُزينة بالتفكير اللاهوتي؟ لماذا نعم ولم لا؟
  1. Gerlad O’Collins, The Easter Jesus (London: Darton, Longman & Todd, 1973), 134, cited in Craig, The Son Rises, 136.
  2. For a tape of the debate, see William Lane Craig and Frank Zindler, Atheism vs. Christianity: Where Does the Evidence Point? (Grand Rapids: Zon-dervan, 1993), videocassette.
  3. Templeton, Farewell to God, 120.
  4. Martin, The case against Christianity, 78-79.
  5. Ibid.,81.
  6. Michael Grant, Jesus: An Historian’s Review of the Gospels (new York: Charles Schribner>s Sons, 1977), 176.
  7. Kirsopp Lake, The Historical Evidence for the Resurrection of Jesus Christ (London: Williams & Norgate, 1907), 247-79, cited in Willaim Lane Craig, Knowing the Truth about the Resurrection (Ann Arbor, Mich.: Servant, 1988), 35-36.
  8. J. N. D. Anderson, The Evidence for the Resurrection (Downers Grove, 111.: Inter Varsity Press, 1966), 20.دليل الجسد المفقود هل اختفى حقا جسد يسوع من قبره؟ – لي سترويل 

دليل الجسد المفقود هل إختفى حقا جسد يسوع من قبره؟ – لي ستروبل

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

عندما قابلت ليو كارتر الخجول واللطيف الكلام لأول مرة، كان ذلك المحارب القديم بعمر سبعة عشر سنة والأكثر حزما في منطقة شيكاغو. وقد أدت شهادته إلى وضع ثلاثة من القتلة في السجن. ومازال يحمل في جمجمته آثار طلقة مسدس عيار 38 كرسالة تذكير مروعة لقصة بطولة رهيبة بدأت عندما شاهد إليشع بابتست يطلق النار على بقال محلي.

وكان ليو وصديقته، لزلي سكوت، يلعبان كرة السلة عندما شاهدا إليشع الذي كان وقتها شخصاً منحرفاً، عمره ستة عشر عاماً، وصحيفة سوابقه بها 30 سابقة تم فيها القبض عليه، شاهداه وهو يقتل سام بلو خارج محل بقالته.

وكان ليو يعرف البقال منذ الطفولة. وقد شرح ليو ذلك بصوت هادئ “عندما لم يكن لدينا أي شيء نأكله كان يعطينا بعض الطعام لذا، عندما ذهبت إلى المستشفى وقالوا إنه قد مات، عرفت بأنني لابد أن أشهد بما رأيته”.

لقد كانت شهادة شاهد عيان قوية. إنها إحدى أكثر اللحظات المثيرة في المحاكمة عندما يصف الشاهد بالتفصيل الجريمة التي رآها أو (رأتها) وعندما يشير بثقة نحو المتهم بأنه مرتكب الجريمة. وكان يعلم إليشع بأن الطريقة الوحيدة التي تُجنبه دخول السجن هي أن يمنع ليو كارتر ولزلي سكوت من الإدلاء بشهادتهما بأي طريقة.

لذا ذهب إليشع مع إثنين من أصدقائه ليصطادوا. وسرعان ما تعقبوا ليو وليزلي، اثناء سيرهما في الشارع مع هنري أخّ ليو، وجروا الثلاثة معاً تحت تهديد السلاح إلى رصيف مُظلم مخصص لتحميل البضائع.

عندئذ قال ابن عم إليشع “ليو، إنني أحبك لكني مضطر أن أفعل هذا” ثم ضغط بقوة على أنف ليو ثم جذب الزناد. وانطلق المسدس هادراً، فاخترقت الرصاصة من زاوية ضيقة فأصابت ليو بالعمى في عينيه اليمنى واستقرت في رأسه. فلما ارتمى على الأرض، أطلقت رصاصة أخرى، فاستقرت على بُعد بوصتين من عموده الفقري.

وفيما كان ليو يراقب الموقف من مكانه حيث كان منبطحاً على الأرض، متظاهراً بالموت، إذ رأى أخاه وصديقته ينتحبان وقد عُمَلا على مقربة منه، بلا رحمة. وعندما هرب إليشع وعصابته زحف ليو إلى مكان آمن.

وعلى نحو غير متوقع، ورغم كل ما تمَّ، فقد عاش ليو كارتر. أما الرصاصة التي كانت إزالتها في منتهى الخطورة، فقد بقيت مستقرة في جمجمته. وبالرغم من الصداع الفظيع الذي لم عجزت الأدوية القوية عن تخفيفه، فقد أصبح ليو شاهد العيان الوحيد ضد إليشع بابتست عند محاكمته لقتل البقال سام بلو. لذا صدَّق المحلفون شهادة ليو، وحُكَم على إليشع بالسجن ثمانون عاماً.

مرة أخرى كان ليو هو الشاهد العيان الوحيد الذي شهد ضد إليشع وزميليه في قتل صديقته وأخيه. ومرة أخرى كانت شهادته كافية لبقاء الثلاثة في السجن لبقية حياتهم.

إني أعتبر ليو أحد أبطالي. فقد خدم العدالة، وعمل على تأكيدها، بالرغم من أنه دفع في ذلك ثمناً مازال أثره باقياً. وعندما أفكر في شهادة شاهد العيان، حتى يومنا هذا وبعد مرور أكثر من عشرون سنة – فمازال وجهه يظهر في خاطري.

شهادة من زمن بعيد

 نعم، إن شهادة الشاهد العيان يمكنها أن تكون ملزمة ومقنعة. فعندما تتاح للشاهد الفرصة الكافية لرؤية جريمة، وعندما لا يوجد لديه دوافع متحيزة أو خفية، وعندما يكون الشاهد صادقاً وعادلاً، فإن عملية إشارته إلى المدعى عليه في قاعة المحكمة تصبح كافية لإدانة ذلك الشخص بالسجن أو بما هو أسوأ.

وشهادة شاهد العيان تعتبر حاسمة بنفس الدرجة في التحقيق في الأمور التاريخية حتى مسألة ما إذا كان يسوع المسيح هو ابن الله الفريد.

لكن ماذا لدينا من روايات شهود العيان؟ هل لدينا شهادة أي شخص تعامل شخصياً مع يسوع، واستمع إلى تعاليمه، ورأى معجزاته، وشهد موته، والذي قد يكون قابله بعد قيامته المزعومة؟ وهل لدينا أي سجلات من “صحفيي” القرن الأول والذين قابلوا شهود العيان، وسألوهم الأسئلة الصعبة، ثم سجلوا بأمانة ما قرروا بدقة أنه صدق؟ وبنفس الأهمية، إلى أي حد تستطيع هذه الروايات أن تصمد وتقاوم تدقيق المشككين؟

لقد علمت أنه مثلما استطاعت شهادة ليو كارتر أن تثبت إدانة ثلاثة قتلة متوحشين، كذلك فإن روايات شهود عيان من سُحب الماضي البعيد يمكنها أن تحسم القضية الروحية الأكثر أهمية للكل وللحصول على أجوبة حاسمة، رتبت لمقابلة العالم الشهير قومياً الذي ألَّفَ كتاب تحديداً حول هذا الموضوع: الدكتور كريج بلومبيرج، مؤلف كتاب “الموثوقية التاريخية للأناجيل”.

ولقد عرفت بلومبيرج أنيقاً؛ بل وحتى مظهره، في الواقع، كان مُلائماً كمانيكان. فقد كان طويلاً (ست أقدام وبوصتين) ونحيفاً، وشعره قصير وبني متموج وممشط للأمام دون تكلف، ولحية مجعدة، ونظارات سميكة بدون إطار. فهو يبدو مثل ذلك النوع الذي يمكن أن يكون طالب متفوق، والذي يلقي خطبة الوداع في حفل تخرجه من المدرسة العليا (وقد كان كذلك)، وعالم موهوب وطني (وقد كان كذلك). وخريج بدرجة امتياز من معهد لاهوتي جدير بالاحترام (هو فعلاً تخرج من كلية الثالوث اللاهوتية الإنجيلية).

بيد أنني كنت أرغب في شخص أكثر من كونه ذكي ومتعلم. فقد كنت أبحث عن خبير لا يُبرر الفروق التافهة أو يرفض التحديات الموجهة للسجلات المسيحية بتعالي ولامبالاة. كنت أريد شخصاً ما نزيهاً، وقد تصارع بأكثر فاعلية مع من انتقدوا الإيمان، والذي يتكلم بحزم ولكن لا يستخدم العبارات الطنّانة التي تخفى بدلاً من التعامل مع المسائل الخطيرة الحاسمة.

لقد أخبروني أن بلومبيرج هو بالضبط الشخص الذي كنت أبحث عنه، فسافرت بالطائرة إلى دينفير متمنياً أن يكون على المستوى المطلوب. في الواقع، لقد كانت لدى بُضعة شكوك، خصوصاً عندما أسفرت أبحاثي عن حقيقة مُقلقة بشكل كبير، إحداها هي أنه لربما يفضّل أن يبقى محتجباً: بلومبيرج مازال مُتمسكاً بأمل أن يفوز أبطال طفولته المحبوبين، أشبال شيكاغو، ببطولة وورلد سيريز للبيسبول في حياته.

بصراحة، لقد كان هذا سبباً كافياً لجعلي مرتاب قليلاً من فطنته.

المُقابلة الأولى: كريج بلومبيرج، دكتوراه في الفلسفة:

يعتبر كريج بلومبيرج من أهم المراجع لدراسة سيرة يسوع الذاتية، التي تُدعى الأناجيل الأربعة. وقد حصل على الدكتوراه في العهد الجديد من جامعة أبيردين في أسكتلندا، وبعد ذلك عمل كباحث أول في تيندال هاوس بجامعة كامبردج في إنجلترا، كان أحد أفراد المجموعة المختارة من العلماء العالميين الذين أصدروا سلسلة من الأعمال المتميزة المحترمة عن يسوع. وفي الاثنتى عشر سنة الأخيرة كان يعمل كأستاذ في العهد الجديد في معهد دينفير اللاهوتي المحترم جداً.

ومن الكتب التي ألفها بلومبيرج “يسوع والأناجيل Jesus and the Gospels” و “تفسير الأمثال Interpreting the Parables” و “إلى أي مدى هذا الانقسام؟ ? How wide the Divide”، وتعليقات على إنجيل متى ورسالة كورنثوس الأولى. كما ساعد في تحرير المجلد السادس من كتاب: “وجهات نظر الإنجيل Gospel Perspectives” الذي يبحث بالتفصيل في معجزات يسوع. كما شارك في وضع كتاب “مدخل للتفسير الكتابي Introduction to Biblical Interpretation”.

كما ساهم ببعض الفصول عن تاريخية (عدم أسطورية) الأناجيل في كتاب “الإيمان المعقول Reasonable Faith” والكتاب الحائز على جوائز “يسوع تحت النارJesus under Fire ” وهو عضو في “جمعية دراسة العهد الجديد”، و”جمعية الأدب الكتابي”، و”معهد أبحاث الكتاب المقدس”.

وكما توقعت كان مكتبه به أكثر من نصيبه من المجلدات الجديرة بالعلماء مصفوفة على الرفوف (بل وحتى رابط عنقه كانت مزينة برسومات الكتب).

على أية حال، لاحظت بسرعة بأن حوائط مكتبه لم تكن تُهيمن عليها المجلدات المتربة لمؤرخين قدماء بل بأعمال فنية من بناته الصغيرات. وكانت رسوماتهن الغريبة والملونة لحيوانات اللاما، والبيوت، والزهور، لم تكن قد ثبتت وعلقت مصادفة كفكرة غير منظمة تخطر على البال فيما بعد، بل من الواضح أنها كانت تعامل كجوائز، وضعت لها براويز بعناية، وموقعة بأسماء إليزابيث وراشيل بأنفسهن. ففكرت في نفسي، من الواضح أن هذا الرجل لديه قلب مثلما له عقل.

يتكلم بلومبيرج بدقة علام رياضيات (نعم، فقد كان معلماً للرياضيات أيضاً، في أول حياته العملية)، فكان يزن كل كلمة بعناية بسبب اعتراضه الواضح على إغفال أي تفصيل قد يبدو تافهاً في المعنى قد يخفي ورائه الدليل. وهذا ما كنت أبحث عنه بالضبط.

وعندما استقر على كرسي عالي الظهر، وفي يده فنجان القهوة، شربت أنا أيضاً بعض القهوة لأتفادى برودة كولورادو.

ولأني شعرت أن بلومبيرج رجل من النوع الذي يحب الدخول في الموضوع مباشرة، قررت بدء مقابلتي بالدخول في صميم الموضوع مباشرة.

شهود عيان للتاريخ                                

قلت له بنبرة تحدي في صوته “قل لي، هل من الممكن فعلاً أن تكون شخصاً ذكياً يفكر بعقلية نقدية ومع ذلك تُصدّق أن الأناجيل الأربعة دونها الذين نُسبت أسماؤهم إليها؟”

وضع بلومبيرج فنجان القهوة على حافة مكتبه ونظر إلىَ بإهتمام شديد، وقال بيقين “الجواب نعم”.

ثم اعتدل في جلسته، “من المهم أن نُسلّم بذلك على وجه التحديد، أن كُتاب الأناجيل غير معروفين. لكن الشهادة الموحدة للكنيسة الأولى تثبت أن متى، وهو معروف كذلك بـ لاوي، جابي ضرائب وأحد التلاميذ الإثنا عشر، بأنه كتب الإنجيل الأول في العهد الجديد؛ وأن يوحنا مرق، الذي كان مرافقاً لبطرس، هو من كتب الإنجيل الذي ندعوه مرقس؛ ولوقا المعروف بطبيب بولس المحبوب، هو من كتب كلّ من إنجيل لوقا وأعمال الرسل”.

فسألته “إلى أي حد يُمكن الإعتقاد بأن هؤلاء هم الكُتَّاب؟”

قال “ليس هناك منافسون معروفون لهؤلاء الإنجيلين الثلاثة، وهذا واضح بيَّن، وليس ذلك وحده بل أن ذلك ليس لم يكن محل نزاع”.

ورغم ذلك، أردت فحص هذه المسألة أكثر فقلت له “معذرة لتشككي، ولكن كان هناك شخص تم تحريضه بالكذب بادعاء أن هؤلاء الأشخاص دونوا هذه الأناجيل، في حين أنهم لم يكتبوها فعلاً؟”

فهز بلومبيرج رأسه قائلاً “هذا غير محتمل حدوثه. تذكّر، أن هؤلاء الأشخاص بعيدي الاحتمال” ثم قال وابتسامة عريضة تبزغ على وجهه “حتى أن مرقس ولوقا لم يكونا من بين الإثنا عشر تلميذاً. ومتى الذي كان سابقاً جابي ضرائب مكروه، وكان بالإمكان أن يصبح الأكثر سوء سمعة بجانب يهوذا الإسخريوطي، الذي خان يسوع!

“قارن هذا بما حدث مع الأناجيل الخيالية المزورة (الأبوكريفا) التي كُتبت بعد ذلك بمدة طويلة. فقد اختاروا لها أسماء مشهورة وأشخاص نموذجيين لينسبوا هذه الكتابات لكُتَّاب وهميين مثل: فيليبس، وبطرس، ومريم، ويعقوب. فهذه الأسماء لها ثقل أكبر بكثير من أسماء مثل: متى، ومرقس، ولوقا. لذا ولإجابة سؤالك: ليس هناك أي مبرر لنسب تدوين الأناجيل لهؤلاء الثلاثة الأقل إحتراماً ما لم يكن هذا هو الصحيح”.

لقد بدا هذا الكلام منطقياً، لكن من الواضح أنه بسهولة أغفل واحداً ممن كتبوا الأناجيل فسألته “وماذا عن يوحنا؟ فقد كان شخصية بارزة جداً، وفي الواقع، أنه لم يكن مجرد واحداً من بين الإثنى عشر تلميذاً، بل كان أحد الثلاثة المُقرَّبين من يسوع، مع بطرس ويعقوب”.

فسلم بلومبيرج موافقاً “نعم هو الإستثناء الوحيد، وبشكل مثير للانتباه، فيوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي تثور حول مدونه بعض التساؤلات”

“ما هو بالضبط محل النزاع؟”

أجاب بلومبيرج “ليس هناك شك حول اسم الكاتب، فهو بالتأكيد يوحنا، لكن السؤال هل هو يوحنا الرسول أم يوحنا آخر”.

“إذا نظرت إلى شهادة كاتب مسيحي يدعى بانياس مؤرخة بحوالي 125م. فهي تشير إلى يوحنا الرسول ويوحنا الشيخ، فليس واضحاً من السياق ما إذا كان يتحدث ان شخص واحد من منظورين أو عن شخصين مختلفين. لكن بخلاف هذا الإستثناء، فإن بقية الشهادات المُبكرة أجمعت على أن يوحنا الرسول الذي هو ابن زبدي —- هو من كتب الانجيل”.

فقل في محاولة لإمساكه بشدة أكثر “هل أنت مقتنع بأنه من قام بتدوينه؟”

فأجاب “نعم، أعتقد أن أغلبية المادة الأساسية تعود للرسول. ومع ذلك، فلو قرأت الإنجيل بعناية، فسترى أن هناك إشارة إلى أن السطور الختامية لربما تكون قد دونت من قبل محرر. وأنا شخصياً، لا أجد مشكلة في أن أعتقد وأؤمن أن شخصاً مرتبط جداً بيوحنا ربما قد قام بهذا الدور، فوضع صيغة الآيات الأخيرة وتمكن من تحقيق تماثل الأسلوب للسفر كله.

ثم قال مؤكداً “لكن على أي حال، فمن الواضح أن الإنجيل مبني على مواد جمعها شاهد عيان مثلما حدث للثلاث أناجيل الأخرى”.

التنقيب عن التفاصيل.                            

مع تقديري لتعليقات بلومبيرج حتى الآن، لكني لم أكن مستعداً للانتقال إلى موضوع آخر. فإن مسألة تدوين الأناجيل مسألة ذات أهمية كبرى، فأنا أريد تفاصيل معينة، أسماء، وتواريخ، واقتباسات أنهيت قهوتي ووضعت الفنجان على مكتبه، ثم أمسكت بقلمي، استعداداً للحفر والتنقيب أعمق من ذي قبل.

قلت “دعنا نعود ثانياً إلى مرقس، ومتى، ولوقا، ما هو دليلك المحدود الذي يثبت أنهم مؤلفو الأناجيل”.

مال بلومبيرج للأمام وقال “مرة أخرى، تأتي الشهادة الأقدم والأهم على الأرجح من بانياس حوالي 125م. الذي أكد بدقة أن مرقس قد سجّل بدقة وبعناية ملاحظات بطرس، شاهد العيان. وفعلاً قال إن مرقس “لم يرتكب أي غلطة” ولم يتضمن ما كتبه “أي عبارة مزيفة” وقال بانياس أن متى حفظ تعاليم يسوع.

“ثم كتب إريناس سنة 180م. تقريباً وأكد الأصلي التقليدي لمؤلفي الأناجيل. ثم مد يده وسحب كتاباً وفتحه ثم قرأ كلمات إيرناوس”.

نشر متى إنجيله بين العبرانيين بلسانهم، عندما كان بطرس وبولس يبشران بالإنجيل في روما ويؤسسان الكنيسة هناك. وبعد رحيلهما قام مرقس، تلميذ ومترجم بطرس، نقل إلينا بنفسه كتابة مادة وعظ بطرس. ولوقا، تلميذ بولس، سجّل الإنجيل الذي بشر به معلمه. ثم يوحنا، تلميذ المسيح، الذي اتكأ أيضاً على صدره، دوّن بنفسه إنجيله، فيما كان يعيش في أفسس بآسيا(2).

وهنا تركت المذكرات التي كنت أكتبها قائلاً “حسناً، دعني أوضح هذه النقطة، إذا سلمنا بأن الذين كتبوا الأناجيل هم: متى، ويوحنا تلاميذ المسيح، ومرقس، المرافق والتلميذ لبطرس، ولوقا المؤرخ، والمرافق لبولس، والذي يعتبر بمثابة صحفي في القرن الأول، فيمكنا أن نتأكد بأن الأحداث الاي سجلوها مبنية إما على شهادة شاهد عيان مباشرة أو غير مباشرة”.

وفيما كنت أتكلم، كان بلومبيرج يمحص كلماتي عقلياً. وعندما انتهيت، أومأ برأسه موافقاً وقال بوضوح “بالضبط”.

 

السيرة الذاتية القديمة مقابل الحديثة

لقد كانت هناك بعض النواحي المقلقة في الأناجيل أحتاج إلى توضيحها. وبصفة خاصة، أردت فهم بطريقة أفضل نوع الأسلوب الأدبي الذي تمثله.

فقلت له: “عندما أذهب إلى المكتبة وأبحث في قسم السير الذاتية، فإني لا أرى نفس أسلوب الكتابة الذي أراه في الأناجيل. ففي هذه الأيام عندما تُكتب سيرة ذاتية لشخص ما، فإنهم ينقبون بدقة في حياته. لكن انظر إلى مرقس، فهو لا يتحدث عن ميلاد يسوع أو أي شيء عن سنوات يسوع الأولى حتى بلوغه. وبدلاً من ذلك يُركز على فترة الثلاث سنوات الأخيرة من حياة يسوع. فكيف تفسر هذا؟”

عندئذ رفع بلومبيرج أصبعين وأجاب “هناك سببان، أحدهما أدبي والآخر لاهوتي.

“السبب الأدبي، هو أن الناس في العالم القديم كانوا يكتبون السير الذاتية بهذه الطريقة .. فلم يكن لديهم الحسُّ، الذي لدينا اليوم، بأنه من المهم إعطاء نسب متساوية لكل مراحل حياة الشخص، أو بأنه من الضروري لسرد القصة بترتيب زمني دقيق أو حتى ذكر كلمات الأشخاص حرفياً، طالما أنه حافظ على جوهر ما قالوه. كما أن اللغة اليونانية القديمة واللغة العبرية لم يكن لديهما حتى رمز لعلامات الاقتباس.

“فالهدف الوحيد الذي فكّروا في تأريخه هو ما كان يستحق التسجيل، وإن كان هناك بعض الدروس التي يمكن تعلمها من الشخصيات التي يتم وصفها. لذا، فكاتب السير يسكت عن التفاصيل العادية فيما يركّز على تفاصيل متناثرة من حياة الشخص التي كانت مثالية ونموذجية، فتلك ما كان يقف عندها بالتوضيح، والتي يُمكن أن تساعد الناس الآخرين، والتي تعطي المعنى لفترة التاريخ”.

فسألته: “وما هو السبب اللاهوتي؟”

“السبب اللاهوتي يتبع من النقطة التي ذكرتها الآن. فالمسيحيون يؤمنون بأنه مثلما كانت حياة يسوع وتعاليمه ومعجزاته رائعة، لكنها كانت تعتبر بلا مغزى ما لم يثبت تاريخياً حقيقة أن المسيح مات، وقام من الموت، وبأن ذلك منح كفارة، أو غفراناً، لخطايا البشر.

“من ثمَّ فمرقس بالذات، الذي ربما كان كاتب أقدم إنجيل، يكرس نصف روايته تقريباً للأحداث التي تشمل فترة الأسبوع الواجد والتي توّجت بموت وقيامة المسيح”.

ثم قال مستنتجاً “مُعطياً أهمية للصلب، وهذا يجعل المعنى مثالي في الأدب القديم”.

سر Q

بالإضافة للأناجيل الأربعة غالباً ما يشير العلماء لما يسمونه Q من الكلمة الألمانية QUELLE، أو “مصدر” (3). وبسبب التشابهات في اللغة والمحتوى، جرى العُرف بإفتراض أن متى ولوقا نقلا عن مرقس الأقدم عند كتابتهم لإنجيليهما. وبالإضافة إلى ذلك، يقول العلماء بأن متى ولوقا دمجا أيضاً بعض النصوص أو المواد من هذا المصدر الغامض Q، وهي المواد التي تغيب عن إنجيل مرقس.

فسألت بلومبيرج “ما هو بالضبط المصدر Q؟”

أجاب وهو يميل ظهره بارتياح في كرسيه “إنه لا شيء أكثر من كونه فرضية، فيما عدا بعض الحالات، فهي مجرد أقوال وتعاليم يسوع، التي ربما كانت قد تشكّلت من وثيقة منفصلة مستقلة.

“فكما ترى، لقد كان أسلوباً أدبياً مشتركاً لجمع أقوال المعلمين المحترمين، مثلما تجمع أحسن موسيقى لمطرب ونسجلها في ألبوم “الأفضل”. ف Q ربما كان شيئاً مثل ذلك، على الأقل تلك هي النظرية”.

لكن إذا كان Q موجوداً قبل متى ولوقا، لكان قد شكل معلومات عن يسوع في وقت مبكر. وأظن أنه ربما أستطاع أن يلغي ضوءاً جديداً على حقيقة شخص يسوع.

فقلت له “وعني أسألك هذا السؤال: لو أنك عزلت المادة من Q وحدها، فأي نوع من الصور يمكن أن تكونه صورة يسوع؟”

مسَّد بلومبيرج لحيته وحدّق في السقف للحظة فيما يتأمّل السؤال ثم قال “حسناً، يجب أن تتذكر بأن Q ما هو إلا مجموعة الأقوال، ولذلك فهو يخلو من المادة القصصية التي كانت ستعطينا صورة أكثر تكاملاً عن يسوع”. واسترسل في إجابته متكلماً ببطيء فيما كان يختار كل كلمة بعناية.

“ومع ذلك، تجد يسوع يدعي بعض الادعاءات القوية جداً، فمثلاً أنه الحكمة المتجسدة، وأنه من ليخوّل من قبل الله لدينونة كل البشر، سواء من اعترفوا به أو من أنكروه. مؤخراً ناقش كتاب علمي مهم مسألة إذا تم عزل جميع أقوال Q فهل سنحصل فعلاً على نفس نوع الصورة ليسوع، الشخص الذي ادعى ادعاءات جريئة حول نفسه، كتلك التي نلاقيها في الأناجيل بصفة عامة”.

أردت دفعة أكثر إلى هذه النقطة فسألته “هل كان الناس سيرونه كصانع معجزات؟”

فأجابني قائلاً “مرة أخرى، يجب أن تتذكر أنك لن تحصل على العديد من قصص معجزات بحد ذاتها، لأنها موجودة بشكل طبيعي في القصة، أما المصدر Q فهو أساساً قائمة أقوال”.

وهنا توقف ليس إلى مكتبه، وتناول نسخة من الكتاب المقدّس مجلّدة، وتصفح صفحاته المهترئة.

“لكن، على سبيل المثال، (لوقا 7: 18-23) و (متى 11: 2-6) تقول هذه الآيات بأن يوحنا المعمدان أرسل تلاميذه ليسألوا يسوع إن كان هو حقاً المسيح -المسيا الذي كانوا ينتظرونه فأجاب يسوع إجابة جوهرية «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ».

ثم استرسل مُقرراً “هكذا حتى المصدر Q هناك وعي واضح بإرسالية يسوع التي ترافقها المعجزات”.

جلبت إشارة بلومبيرج لمتى اهتمامي بسؤال آخر يتعلّق بكيف جمعت هذه الأناجيل فسألته “لماذا متى الذي كان هو شاهد عيان ليسوع ينقل في إنجيله أجزاء من إنجيل مرقس، الذي يتفق الجميع على أنه لم يكن شاهد عيان؟ فلو كان إنجيل متى قد كُتب فعلاً بواسطة شاهد عيان لكان اعتمد على ملاحظاته الشخصية”.

ابتسم بلومبيرج قائلاً “يبدو هذا معقولاً فقط إذا كان مرقس قد بنى روايته فعلاً على ما ذكره شاهد العيان بطرس”. وكما قلت أنت نفسك، كان بطرس من الدائرة المقربة ليسوع، وكان شخصياً يمكنه رؤية وسماع أشياء لم يسمعها باقي التلاميذ. من ثمَّ يبدو معقولاً جداً لمتى، بالرغم من أنه كان شاهد عيان، أن يعتمد على رواية بطرس للأحداث كما دونت عبر مرقس”.

ففكرت في نفسي، نعم، فهذا معقولاً فعلاً. وفي الحقيقة، بدأ يتكون في ذهني تناظر لما حدث معي منذ سنوات خلال عملي كمراسل صحفي. تذكرت أنني كنت ضمن مجموعة حاشدة من الصحفيين الذين حاصروا ذات مرة أبَّ شيكاغو السياسي المشهور، رئيس البلدية مايور ريتشارد جي. دالي، وامطروه بوابل من الأسئلة عن فضيحة كانت قد حدثت في قسم الشرطة. فأدلى ببعض التعليقات قبل هروبه إلى سيارته الليموزين.

وبالرغم من أني كنت شاهد عيان على ما قد حدث، فقد ذهبت في الحال إلى مراسل إذاعي كان الأقرب لدالي، وطلبت منه إعادة تشعيل الشريط الذي يحتوي على ما قاله دالي تواً. وبهذه الطريقة، استطعت أن أتأكد من أن ما لدىَّ من كلماته قد كتبته بشكل صحيح.

لذا، فقد فكرت، بأن هذا على ما يبدو ما قد فعله متى مع مرقس، مع أن متى كانت له ذكرياته الخاصة كتلميذ للمسيح، فإن مسعاه نحو الدقة دفعه للاعتماد على بعض المعلومات التي جاءت إليه مباشرة من بطرس الذي هو من الدائرة الأقرب ليسوع.

 

المنظور الفريد ليوحنا.

 

لقد اعتراني شعور بالرضا والاقتناع بإجابات بلومبيرج الأولية المتعلقة بالثلاثة أناجيل الأولى، والمسماة بالإزائية أو المتشابهة، والتي تعني “رؤية الأشياء في نفس الوقت”، بسبب تشابه الخطوط الرئيسية للأحداث والعلاقة المتبادلة بينهم(4). ثم حوّلت انتباهي إلى إنجيل يوحنا.

إن أي شخص يقرأ الأناجيل الأربعة سيدرك في الحال وجود اختلافات واضحة بين الأناجيل الازائية وإنجيل يوحنا، وأردت أن أعرف ما إذا كان هذا يعني وجود تناقضات لا يمكن التوفيق بينها.

فسألت بلومبيرج “هل يمكنك أن توضح لي الفروق بين الأناجيل الازائية وإنجيل يوحنا؟”.

ارتفع حاجباه بحدة، وقال “هذا سؤال ضخم! أتمنى تأليف كتاب كامل عن هذا الموضوع”.

وبعدما طمأنته بأنني أريد فقط معرفة أساسيات المسألة، وليس مناقشة شاملة، رجع إلى كرسيه مستريحاً.

“حسناً، صحيح أن يوحنا أكثر اختلافاً عن الأناجيل الازائية، وهناك حفنة قليلة فقط من القصص الكبرى التي تظهر في الثلاثة أناجيل الأخرى تظهر ثانيةً في إنجيل يوحنا، مع أنها تختلف بشكل ملحوظ عندما نصل إلى الأسبوع الأخير من حياة يسوع. من ذلك فهو يُشير إلى تقوية أقرب بكثير من المتوازيات.”

“ويبدو أن هناك أيضاً اختلاف كبير في الأسلوب اللغوي. ففي إنجيل يوحنا يستخدم يسوع اصطلاحات مختلفة، ويتحدث في خطب طويلة، كما يبدو أن هناك درجة عالية من الكرستولوجي (التعليل اللاهوتي لشخص المسيح)، وادعاءات أكثر صراحة ومباشرة أكثر والتي تجعب من يسوع واحداً مع الآب، الله نفسه، فهو الطريق، والحق، والحياة، والقيامة.”

فسألته “ما هو تفسير هذه الاختلافات؟”

فقال “على مدي سنين عديدة، كانت الفرضية بأن يوحنا يعرف كل شيء عما كتبه متى، ومرقس، ولوقا، وأنه رأى عدم وجود حاجة لتكرارها، لذلك اختار أن يكملها. لكن منذ عهد أقرب، أصبح الافتراض بأن يوحنا مستقل تماماً عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، وهذا الأمر أمكن أن يعلل الاختيارات المختلفة للمعلومات وكذلك وجهات النظر المختلفة عن يسوع”.

 

ادّعاءُ يسوع الأكثر جرأة

 

وقلت مُعلقاً “هناك بعض السمات اللاهوتية ليوحنا”

فقال لي “لا جدال في ذلك، ولكن هل تستحق أن تدعي هذه تناقضات؟ أظن أن الجواب لا، وإليك السبب: تقريباً لكن موضوع مهم أو مميز في إنجيل يوحنا، يمكنك أن تجد ما يوازيه في أناجيل متى، ومرقس، ولوقا، حتى وإن لم تكن بنفس الغزارة”.

لقد كان هذا زعم جريء فقررت على الفور أن أضعه موضع الإختبار بإثارة أهم القضايا المتعلقة بالإختلافات بين الأناجيل الازائية وإنجيل يوحنا.

فقلت “يقدم يوحنا إدعاءات صريحة وواضحة جداً بأن يسوع هو الله، والبعض يرجعون إلى حقيقة أن يوحنا كتب إنجيله متأخراً عن الآخرين وبدأ بتزيين الأمور. فهل تستطيع أن تجد موضوع الألوهية في الازائية؟

قال “نعم، أستطيع ذلك، وأن كان بطريقة أكثر ضمنية لكنه موجود.

تأمل في قصة يسوع مشي على الماء، وهي مذكورة في (متى 14: 22-33)؛ و (مرقس 6: 45-52). وفي معظم الترجمات الإنجليزية تتخفي الكلمات اليونانية، فحين إقتبس يسوع قائلاً “أّنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا” لكن الترجمة اليونانية[1] تقول حرفياً (لاَ تَخَافُوا أنا هو الكائن)، فالكلمتين الأخيرتين مطابقتان لما قاله يسوع في إنجيل (يوحنا 8: 58)، عندما نسب لنفسه الاسم الإلهي “قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إَبْرَاهَيمُ أَنَا كَائَنٌ” الذي هو إله البرية الذي أعلن نفسه لموسى في الشجيرة أو العليقة المشتعلة في سفر (الخروج 3: 14).

لذا فإن يسوع يُظهر نفسه بأنه الواحد الذي له نفس القدرة الإلهية على مثال طبيعة يهوه إله العهد القديم”

أومأت برأسي ثم قلت “هذا مثال واحد، فهل لديك أمثلة أخرى؟”

قال بلومبيرج “نعم، يمكنني الاستمرار على طول هذا الخط.

فمثلاً، اللقب الأكثر شيوعاً الذي أطلقه يسوع على نفسه في الإنجيل الثلاثة الأولى “ابن الإنسان، و …”

وهنا رفعت يدي لأوقفه وقلت “توقف قليلاً،” ثم أمسكت بحقيبتي، وسحبت كتاباً وتصفحته حتى وجدت مكان الاقتباس الذي كنت قد حددته مسبقاً، وكنت أبحث عنه “كارين أرمسترونج، التي كانت راهبة سابقاً والتي كتبت كتاباً من أكثر الكتب رواجاً وهو “تاريخ الله” قالت إنه يبدو أن التعبير “ابن الإنسان” يؤكد ببساطة ضعف حالة الإنسان وفناؤه”، لذا باستخدام يسوع لهذا التعبير، كان يؤكد فقط “بأنه مجرد إنسان ضعيف سيقاسي الآلام يوماً ما ويموت”(5)

ثم قلت: “لو كان ذلك صحيحاً، فلا يبدو أن هذا التعبير بمثابة إدعاء كبير بالألوهية”.

وهنا أصبحت تعبيرات وجه بلومبيرج تنم عن الغضب فقال بحزم “على نقيض الاعتقاد السائد فإن تعبير “ابن الإنسان” لا يُشير، في المقام الأول، إلى إنسانية يسوع. فبدلاً من ذلك تلميح مباشرة إلى (دانيال 7: 13-14). وعندئذ فتح العهد القديم وقرأ تلك الكلمات من سفر دانيال النبي

“كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ”.

ثم أغلق بلومبيرج الكتاب المقدس، ثم إسترسل قائلاً “من ثمَّ، أنظر لما أن يسوع يفعله بتطبيق هذا التعبير “ابن الإنسان”[2] على نفسه. فهذا الواحد يقترب من الله نفسه في عرشه السماوي ويُعطى سلطة وسيادة عالمية. وهذا يجعل من “ابن الإنسان” لقباً ذا منزلة سامية وعظيمة، وليس مجرد إنسانية”.

فيما بعد صادفني تعليق لعالم آخر، سأجري معه قريباً مقابلة لهذا الكتاب، وليم لين كريج، الذي أبدى ملاحظة مشابهة

“ابن الإنسان” كثيراً ما يُظن بأنه يُشير إلى إنسانية يسوع، كما أن التعبير المُعاكس له “ابن الله” ليُشير إلى لاهوته.

لكن في الحقيقة، العكس هو الصحيح. ابن الإنسان كان شخصية إلهية في سفر دانيال بالعهد القديم والذي سيأتي في نهاية العالم ليدين البشرية ويدوم مُلكه إلى الأبد. من ثمَّ، فإن تعبير “ابن الإنسان” هو في الواقع إدعاء للألوهية”(6).

استمر بلومبيرج قائلاً “وبالإضافة إلى ذلك، فإن يسوع في الأناجيل الازائية يدعى أنه يغفر الخطايا، وهذا شيء يستطيع الله وحده أن يفعله. كما أن يسوع يقبل الصلاة والعبادة إذ يقول: “كل من يعترف بي سأعترف به أمام أبي الذي في السماء” فالدينونة النهائي تعتمد على موقف الإنسان تجاهه — من؟ هل هو مجرد إنسان؟ كلا، وإلا سيكون ذلك إدعاء متغطرس جداً. فالدينونة النهائية تستند رد فعل الإنسان تجاه يسوع بصفته الله.

“وكما ترى يوجد كل أنواع المواد في الأناجيل الازائية حول ألوهية المسيح، والتي أصبحت أكثر وضوحاً في إنجيل يوحنا”.

المخطط اللاهوتي للأناجيل

في تدوين الإنجيل الأخير، كان لدى يوحنا ميزة متمثلة في الفترة الزمنية الأطول والتي مكنته من التفكير في القضايا اللاهوتية. لذا سألت بلومبيرج “لقد كان يوحنا يكتب بنزعة لاهوتية أكثر، أليست هذه الحقيقة تعني بأن مادته التاريخية قد أُفسدت ومن ثمَّ فهي أقل صلاحية للاعتماد عليها؟”.

فقال بلومبيرج مؤكداً “لا أعتقد أن يوحنا أكثر لاهوتية من باقي الإنجيليين. بل لديه فقط سلسلة مختلفة من التأكيدات اللاهوتية. وقد كان لدى كل من متى، ومرقس، ولوقا، زوايا لاهوتية متميزة جداً التي عملوا على إبرازها: فلوقا، يُبرز النواحي اللاهوتية للفقراء والنواحي الإجتماعية؛ فيما عمل متى، على محاولة إدراك العلاقة اللاهوتية بين المسيحية واليهودية؛ ومرقس، يظهر يسوع كالخادم المتألم. ويمكنك أن تعمل قائمة طويلة للنواحي اللاهوتية المميزة لكلً من متى، ومرقس، ولوقا”.

وهنا قاطعت بلومبيرج إذ كنت أخشى أن يفوته غايتي الأوسع والأعم فسألته: “حسناً، ولكن ألا تُلقي هذه الدوافع اللاهوتية ظلاً من الشك على قدرتهم ورغبتهم في نقل ما حدث بدقة؟ أليس من المحتمل أن مخططهم اللاهوتي قد دفعهم لتلوين وتحريف التاريخ الذي سجلوه؟”.

فاعترف قائلاً “بالتأكيد قد يحدث ذلك كما يحدث في أي وثيقة فكري، وعلينا أن ندرس ذلك كإمكانية. فهناك أناس ذوي أغراض شخصية يُحرفون التاريخ لخدمة غاياتهم الفكرية، ولكن لسوء الحظ فأن الناس قد استنتجوا بأن ذلك يحدث دائماً، وهو ما يُعتبر خطأ.

“في العالم القديم، كانت الفكرة من كتابة التاريخ الموضوعي المحايدة فقط لتدوين الأحداث، بدون أي هدف أيديولوجي، وهذا أمر لم يُسمع به من قبل. فليس هناك من أحد يكتب التاريخ ما لم يكن هناك سبب للتعلم منه”.

فابتسمت واقترحت قائلاً “أفترض بأنه يمكنك القول بأن هذا يجعل كل شيء موضع شك”.

فأجاب قائلاً “نعم هذا يحدث في مستوى معين. ولكن إذا استطعنا أن نعيد بناء تاريخ دقيق ومعقول من كل أنواع المصادر القديمة الأخرى، وهو ما يجب أن نكون قادرون على فعل ذلك من الأناجيل، بالرغم من أنها أيضاً ذات نظريات أيديولوجية”.

ثم ظل بلومبيرج يفكر لحظة، باحثاً عن تشبيه ملائم ليثبت صحة فكرته. وأخيراً قال “إليك مثال حديث، من تجربة المجتمع اليهودي، وهذا المثال قد يوضح المعنى الذي أقصده.

“بعض الناس لأهداف معادية للسامية ينكرون أو يقللون من قيمة أهوال المحرقة (الهولوكوست). لكن العلماء اليهود أقاموا متاحف، وألفوا كتب، واحتفظوا بمصنوعات يدوية، وسجلوا شهادات شهود عيان المتعلقة بالمحرقة (التي أحرق هتلر فيها اليهود).

فهؤلاء لديهم هدف أيديولوجي واضح، ألا وهو، ضمان عدم تكرار مثل هذا العمل الوحشي أبداً مرة أخرى، لكنهم كانوا أيضاً أشد إخلاصاً وموضوعية في نقل الحقائق التاريخية”.

“وبالمثل إستندت المسيحية على بعض الإدعاءات التاريخية وذلك بأن الله دخل بشكل فريد إلى عالمنا وزماننا في شخص يسوع الناصري، لذا عمل المسيحيين على ترويج عمل تاريخي بأكثر دقية ممكنة”.

وهكذا جعل التشابه يتحقق. ثم نظر إلى وجهي مباشرة وسأل “هل فهمت فكرتي؟”

أومأت برأسي إشارة على أنني قد فهمتها.

أخبار مثيرة من التاريخ.                 

شيء واحد يمكنه دعم القول بأن الأناجيل متجذّرة على شهادة شهود عيان مباشرة أو غير مباشرة؛ ولكن شيء آخر أن ندعى أن هذه المعلومات حُفظت بشكل موثوق حتى دونت أخيراً وبعد سنوات. وإنني أعرف أن هذه النقطة كانت نقطة نزاع وخلافات كبرى، وأردت تحدى بلومبيرج بهذه المسألة بكل صراحة ممكنة.

إلتقطت، ثانيةً، كتاب آرمسرونج الشهير “تاريخ الله” وقلت له “أنصت لشيء آخر كتبته”

إن ما نعرفه عن يسوع قليل جداً. فأول رواية كاملة عن حياته كانت إنجيل مرقس، الذي يُكتب حتى حوالي سنة 70، أي بعد موته بأربعين سنة. وخلال هذه الفترة، كُسيت الحقائق التاريخية بعناصر أسطورية عبرّت عن المعنى الذي أوصله يسوع لأتباعه. وهذا هو المعنى الذي ينقله القديس مرقس أولاً بدلاً من التصوير الواضح الموثوق(7).

وبعد إعادة الكتاب إلى حقيبتي، إلتفت إلى بلومبيرج قائلاً: “يقول بعض العلماء أن الأناجيل قد كُتبت بعد الأحداث بمدة طويلة لدرجة أن الأساطير طوّرت وشوهت ما قد كُتب في النهاية، فحوّلت يسوع من مجرد معلم حكيم إلى ابن الله الأسطوري. فهل هذا إفتراض معقول، أم أن هناك دليل جيد على أن الأناجيل سجلت في وقت أسبق من ذلك، وقبل أن تتمكن الأساطير من تشويه كلي لما تم تسجيله في النهاية؟”.

ضاقت عينا بلومبيرج، واتخذ صوته نبرة عنيدة وقال “لدينا هنا مسألتان منفصلتان، ومن المهم أن نبقيهما منفصلتين. أظن أن هناك أدلة قوية لإقتراح تواريخ مبكرة لكتابة الأناجيل، لكن حتى إذا لم توجد هذه التواريخ، فإن مجادلة أرمسترونج لا تفلح بأية حال من الأحوال “.

فسألته: “ولما لا؟”

فأجاب قائلاً “إن التواريخ العلمية القياسية، وحتى في الدوائر التحررية جداً، تقول بأن مرقس قد دوّن في السبعينات، ومتى ولوقا في الثمانينات، ويوحنا في التسعينات. لكن أرجو أن تنتبه إلى: بإن كل هذا تمَّ في أثناء حياة شهود العيان المختلفين والذين عاصرا حياة يسوع، بمن فيهم شهود العيان المعادين الذين كانوا سيعملون على كشف أي بُطل في التعاليم أو الأخبار حول يسوع التي كانت رائجة وقتئذ.

“وبالتالي، فإن هذه التواريخ المتأخرة للأناجيل ليست بمتأخرة حقاً. ففي الحقيقة، يمكنا عقد مقارنة مفيدة جداً لمعلوماتنا:

“أقدم سيرتان ذاتيتان للإسكندر الأكبر كتبها أريان وبلوتارك بعد أكثر من 400 سنة على موت الإسكندر في 323 ق.م، ورغم ذلك فإن المؤرخين يتدارسونهما على إعتبار أنهما جديرتين بالثقة. نعم، فالمادة الأسطورية حول الإسكندر قد تطوّرت بمرور الزمن، غير أن ذلك قد حدث بعد هذين الكاتبين بقرون.

“وبعبارة أخرى، فإن الخمسمائة سنة الأولى استمرت قصة الاسكندر تقريباً سليمة، ثم بدأت المادة الأسطورية بالظهر على مدى الخمسمائة سنة التالية. من ثمَّ فسواء كُتبت الأناجيل بعد حياة يسوع بستين أو ثلاثين سنة، فإن هذه الفترة الزمنية تعتبر تافهة بالمقارنة بحياة الإسكندر الأكبر. لذا فهي تعتبر مسألة غير ذات قيمة”.

كان يمكنني أن أرى ما قاله بلومبيرج. إلا أنه كان لدىَّ، في نفس الوقت، بعض التحفظات حولها. فبالنسبة لي، بدا واضحاً بأنه كلما قلّت الفجوة الزمنية بين وقوع الحدث وموعد تسجيله كتابةً، فإنَّ احتمالات وقوع هذه الكتابات ضحية للأساطير أو الذكريات الخاطئة.

فقلت له: “دعني أسلم بوجهة نظرك مؤقتاً، ولكن دعنا نعود إلى تواريخ كتابى الأناجيل. فقد أشرت بأنك تعتقد أنها كتبت قبل التواريخ التي ذكرتها”.

فقال لي “نعم، قبلها، ويمكننا دعم ذلك بالنظر في سفر أعمال الرسل، الذي كتبه لوقا. إذ يبدو أن سفر الأعمال بدون نهاية، وبولس فيه الشخصية الرئيسية، حيث يُختم السفر فجأة، وبولس تحت الإقامة الجبرية في روما. لكن ماذا حدث لبولس؟ لن نعرف ذلك من سفر الأعمال، ربما لأن هذا الكتاب تمت كتابته قبل الحكم على بولس بالإعدام”

وهنا أصبح بلومبيرج أكثر استعداداً عندما استمر يقول: “وهذا يعني بأن تأريخ تدوين سفر الأعمال لا يمكن أن يكون في أي تاريخ بعد سنة 62 م. وبعد أن أثبتنا ذلك، فمن الممكن أن نرجع إلى الخلف قبل هذا التاريخ. فبما أن سفر الأعمال يعتبر الجزء الثاني من عمل مكون من جزئين، ونحن نعرف بأن إنجيل لوقا هو الجزء الأول، فلابد وأن يكون قد كتب قبل ذلك الوقت. وحيث أن لوقا قد نقل أجزاء من إنجيل مرقس، فهذا يعني أن إنجيل مرقس تمت كتابته قبل ذلك أيضاً.

“فلو سمحنا بمدة سنة لكل من هذه الكتب، لانتهينا إلى أن إنجيل مرقس لم يكتب متأخراً عن سنة 60 م. ولربما حتى في أواخر الخمسينات. فإذا كان يسوع قد حكم عليه بالموت سنة 30 أو 33 م، فإن أقصى فجوة زمنية تعتبر 30 ثلاثون عاماً تقريباً.

ثم عاد إلى الخلف ليجلس مستريحاً على كرسيه مع إحساسه بالنصر وقال “هذا من الناحية التاريخية، خاصةً بالمقارنة مع الاسكندر الأكبر، فإن هذه الفجوة تشبه لحظة انتقال الخبر!

حقيقةً، لقد كان ذلك رائعاً، فأن الفجوة بين أحداث حياة يسوع وتاريخ كتابة الأناجيل ضيقة إلى هذا الحد الذي أصبحت لا تُذكر بحسب المعايير التاريخية. ومع ذلك فمازلت أريد أن أواصل متابعة القضية. وقد كان هدفي إعادة الساعة إلى الوراء إلى أبعد حد ممكن للحصول على أقدم معلومات عن يسوع.

عودة إلى البداية

وقفت وتمشّيت إلى خزانة المكتبة، ثم التفت إلى بلومبيرج قائلاً: “دعنا نرى إن كان بالإمكان الرجوع إلى ما هو أبعد من ذلك.

إلى أي وقت مبكر يمكننا تحديد تاريخ المعتقدات الأساسية لكفّارة يسوع، وموته، وقيامته، وعلاقته الفريد مع الله؟”.

فبدأ يقول: “من المهم أن نتذكر بأن كتب العهد الجديد ليست مرتبة ترتيباً زمنياً. فالأناجيل قد كتبت بعد كل رسائل بولس تقريباً، وكتابات بولس كرسول ربما تكون قد بدأت في أواخر الأربعينات. وأغلب رسائله الكبرى ظهرت في الخمسينات. ولكي نتوصل إلى أقدم المعلومات نذهب إلى رسائل بولس ثم نسأل “هل هناك إشارات حتى إلى مصادر أقدم من ذلك قد استخدمت في كتابتها؟”.

فعدت أحثه قائلاً: “وماذا نجد؟”

فأجاب قائلاً: “نجد أن بولس أدخل بعض العقائد، واعترافات الإيمان، أو تراتيل من أقدم كنيسة مسيحية. وهذه تعود إلى فجر الكنيسة الأولى بعد القيامة مباشرة.

وأشهر هذه المعتقدات متضمنة في (فيلبي 2: 6-11)، التي تتحدث عن كون يسوع “الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ.” وكذلك في (كلوسي 1: 15-20)، التي تصفه بأنه ” الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ”، الذي خلق كل الاشياء والذي “يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ”.

“فهذه مهمة بالتأكيد في توضيح ما الذي كان المسيحيون الأوائل مقتنعين به عن يسوع. لكن ربما كان أهم الاعتقاد الأكثر أهمية من جهة يسوع التاريخي هي التي في (كورنثوس الأولى 15)، حيث يستخدم بولس لغة فنية مميزة للإشارة إلى التقليد الشفهي المُسلّم بشكل ثابت نسبياً عبر الرسل”.

ثم حدد بلومبيرج مكان الفقرة في الكتاب المقدس وقرأها لي: “فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ ­ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ­ ظَهَرَ لِي أَنَا”(8).

ثم قال بلومبيرج “ها هي النقطة الهامة. إذا كان الصلب قد تم سنة 30 م، فإن اهتداء بولس للمسيحية كان حوالي سنة 32 م. وفي الحال أخذ بولس إلى دمشق حيث التقى رجلاً مسيحياً يدعى حنانيا وبعض الأتباع الآخرين. وأول لقاء له مع الرسل في أورشليم كان حوالي سنة 35 م. وفي نقطة من الزمن في هذه الفترة، أعطيت لبولس هذه المعتقدات، التي كانت قد صيغت وتداول استخدامها في الكنيسة الأولى.

“والآن، أصبح لديك الحقائق الرئيسية حول موت يسوع عن خطايانا، بالإضافة إلى قائمة مُفصّلة لأولئك الذين ظهر لهم في جسد قيامته، حيث يعود تاريخ هذه الحقائق خلال سنتين أو خمس سنوات من تاريخ الأحداث نفسها!

“فهذه ليست أساطير ظهرت بعد ذلك بأربعين سنة أو يزيد، كما اقترحت آرمسترونج. ومن الممكن إثبات هذه الحالة بقولنا إن الإيمان المسيحي بالقيامة، حتى وإن لم يُكتب، يمكن أن يؤرخ في غضون سنتين من حادثة القيامة نفسها.

ثم رفع صوته قليلاً مؤكداً ثم قال “هذه المسألة هامة جداً، فالآن لا تقارن ثلاثون أو ستون سنة بسنوات الخمسمائة المقبولة عادة للمعلومات الأخرى، فانت هنا تتحدث عن عامين!”

لم أستطع أن أنكر أهمية هذا الدليل. إذ يبدو بالتأكيد أنها قد قضت على التهمة القائلة بأن القيامة التي يستشهد بها المسيحيين كتأكيد تتويج لاهوت يسوع، على أنه فكرة أسطورية تطورت عبر فترات زمنية طويلة على شكل أساطير أفسدت روايات شهود العيان عن حياة المسيح. وبالنسبة لي، إن هذه الأدلة أقنعتني كمتشكك بطبيعتي، فقد كانت هذه أحد أكبر اعتراضاتي على المسيحية.

إتكأت على خزانة الكتب. لقد اكتسبنا معلومات كثيرة، وبدا زعم بلومبيرج الذروي بمثابة مكان مناسب للتوقف.

إستراحة قصيرة

لقد تأخر بنا الوقت إلى ما من بعد الظهر. فقد كنا نتحدث لفترة طويلة بدون استراحة. ومع ذلك لم أُرد إنهاء محادثتنا بدون وضع روايات شهود العيان تحت نفس الاختبار الذي يُخضعه المحامي أو الصحفي وأردت أن أعرف هل ستتمكن من الصمود لهذا الفحص الدقيق، أم ستنكشف كمشكوك فيها في أحسن الأحوال، أو غير موثوق بها في أسوأ الأحوال.

وبعد ما وُضَعَ الأساس الضروري، دعوت بلومبيرج للوقوف وفرد ساقيه قبل أن نجلس مرة أخرى لاستئناف مناقشاتنا.

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة    

  • كيف تأثرت برواية شهود العيان عن حادث معين؟ وما هي بعض العوامل التي تستخدمها عادة للتقييم سواء كان قصة شخص ما إذا كانت صادقة ودقيقة؟ ما الذي تعتقده حول الأناجيل وهل يمكنها أن تصمد أمام هذا النوع من التدقيق والفحص؟
  • هل تعتقد أن الأناجيل يمكن أن يكون لها مخطط لاهوتي فيما نُعتبر جديرة بالثقة في نفس الوقت في كل ما تنقله؟ لماذا ولم لا؟ هل تجد تناظر بلومبيرج بمحرقة الهولوكوست معيناً في التفكير في هذه القضية؟
  • كيف ولماذا يؤثر وصف بلومبيرج للمعلومات المُبكّرة عن يسوع على رأيك حول موثوقية الأناجيل؟

 

لمزيد من الأدلة – مصادر أخرى حول هذا الموضوع

  • Barnett, Paul. Is the New Testament History? Ann Arbor, Mich.: Vine, 1986.
  • Jesus and the Logic of History. Grand Rapids: Eerdmans, 1997.
  • Blomberg, Craig. The Historical Reliability of the Gospels. Downers Grove, 111: InterVarsity Press, 1987.
  • Bruce, F. F. The New Testament Documents: Are They Reliable? Grand RAPIDS: Eerdmans 1960.
  • France, R. T. The Evidence for Jesus. Downers Grove, 111.: InterVarsity Press, 1986.

[1]   لمزيد من التفاصيل راجع مادة رقم (1639) بالقاموس الموسوعي عن العهد الجديد مكتبة دار الكلمة، مصر، القاهرة، 2007.

[2]   لمزيد من الدراسة للجذر اللغوي وتاريخ تطوره في كل من العهد القديم والجديد، راجع مادة (5626) بالقاموس الموسوعي للعهد الجديد، مرجع سابق.

  • 1- lee Strobel, “Youth’s Testimony Convicts Killers, but Death St Near” Chicago Tribune (October 25, 1976)

2- Irenaeus, Adversus hearses 3.3.4

3-Arthur G. Patzia, The Making of the New Testament (Downers Grove, lll: Intervarsity press, 1995), 164

4- Ibid., 49.

5- Karen Armstrong, A History of God (New York: Bal-lantine/Epiphany, 1993), 82

6-William lane Craig, The Son Rises: Historical Evidence for the Resurrection of Jesus (Chicago: Moody press 1981), 140

7- Armstrong, a History of God, 79.

8- 1 Corinthians 15:3-7.

أدلة شهود العيان – هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

حكم التاريخ – ما الذي تثبته الأدلة وما الذي تعنيه اليوم؟

حكم التاريخ – ما الذي تثبته الأدلة وما الذي تعنيه اليوم؟

التاريخ كان 8 نوفمبر سنة 1981م كان يوم أحد. وكنت قد حبست نفسي في غرفة مكتبي بمنزلي، وقد قضيت فترة بعد الظهر في إعادة تشغيل شريط الرحلة الروحية التي إستغرقت واحد وعشرين شهراً.

وكان تحقيقي عن يسوع مشابهاً لما قرأتموه تواً، فيما عدا أنى قد قمت أولاً بدراسة كتب وأبحاث تاريخية أخرى بدلاً من التناقش الشخصي مع العلماء. سألت الأسئلة وحللت الأجوبة بأكبر قدر ممكن لعقلية متفتحة. والآن وصلت إلى قرار حاسم. لقد كانت الأدلة واضحة. والمسألة الوحيدة المتبقية هي ما يمكن أن أفعله أنا معها.

سحبت ورقة من التي يستخدمها المحامون، وبدأت بتدوين قائمة بالأسئلة التي سألتها ثم بدأت بها تحقيقي، وبعض الحقائق الرئيسية التي إكتشفتها. وبطريقة مماثلة، تمكنت من تلخيص موجز لما تعلمناه في فحصنا للأدلة.

  • هل بالإمكان الوثوق بسير حياة يسوع؟

لقد ظننت ذات مرة أن الأناجيل هي مجرد دعاية دينية، ملوثة بطريقة يائسة بخيالات مبالغ فيها وحماسة الإنجيليين. ومع ذلك فإن كريج بلومبيرج، وهو أحد أبرز خبراء البلاد في هذا الموضوع، أقام قضية مقنعة بأن الأناجيل تعكس شهادة شهود العيان وتحمل علامات مميزة من الدقة لا تحتمل الخطأ. وهذه الروايات عن تاريخ حياة يسوع قديمة، بدرجة لا يمكن معها تكذيبها على أنها إختراعات أسطورية. وفى الواقع أن المعتقدات الأساسية في الإيمان بمعجزات يسوع، وقيامته، وألوهيته يرجع تاريخها إلى فجر الحركة المسيحية.

  • هل تصمد سير حياة يسوع أمام التمحيص؟

جادل بلومبيرج بطريقة مقنعة بأن كُتَّاب الأناجيل قصدوا حفظ التاريخ الذي يمكن الإعتماد عليه، وكانوا قادرين على فعل ذلك، وأنهم كانوا أمناء وراغبين أن تتضمن روايتهم حتى الموضوعات التي يصعب شرحها، ولم يسمحوا للتحيز أن يؤثر على روايتهم. وإن التوافق بين الأناجيل حول الحقائق الأساسية مع الإختلاف في بعض التفاصيل يؤكد المصداقية التاريخية لروايتهم.

وعلاوة على ذلك، فإن الكنيسة الأولى لم يكن ممكناً أن تتأصل وتزدهر في أورشليم إذا كانت تُعلِّم بحقائق عن يسوع التي كان معاصروه يستطيعون كشفها كمبالغ فيها أو زائفة. وباختصار، فإن الأناجيل كانت قادرة على تخطي جميع إختبارات إثبات صحتها الثمانية.

  • هل حفظت سير حياة يسوع بشكل موثوق لنا؟

قال العالم العالمي بروس ميتزجر أنه بالمقارنة مع الوثائق القديمة الأخرى، هناك عدد لم يسبق له مثيل من مخطوطات العهد الجديد وبأنها يمكن أن يرجع تاريخها إلى وقت قريب من الكتابات الأصلية. وأن العهد الجديد الحديث يعتبر خالياً من التناقضات النصية بنسبة 5‚99٪ بدون أي شك في العقائد المسيحية الأصلية. وإن المعايير التي إستخدمتها الكنيسة الأولى لتحديد أي الكتب التي تعتبر جديرة بالثقة، قد أكدت أننا نملك أفضل السجلات عن يسوع.

  • هل هناك دليل موثوق به عن يسوع من خارج سيرة حياته بالأناجيل؟

“لدينا وثائق تاريخية عن يسوع أفضل من أي وثائق عن مؤسس أي ديانة قديمة أخرى” هذه هي العبارة التي قالها إدوين ياموكهي. فالمصادر من خارج الإنجيل تعتبر أدلة مؤيدة أن كثير من الناس آمنوا أن يسوع صنع معجزات الشفاء، وأنه المسيا، وأنه صُلب، وأنه بالرغم من هذه الوفاة المخزية إلا أن أتباعه الذين آمنوا أنه كان لا يزال حياً عبدوه كإله. وهناك واحد من الخبراء دعم بالوثائق تسع وثلاثون من المصادر القديمة التي تدعم بالأدلة أكثر من مائة حقيقة تتعلق بحياة يسوع، وتعاليمه، وصلبه، وقيامته.

وهناك سبعة مصادر علمانية والعديد من العقائد القديمة المتعلقة بألوهية يسوع، “موجودة بالتأكيد في الكنيسة الأولى “بحسب ما ذكره العالم جاري هابيرماس.

  • هل يؤكّد علم الآثار أم يُناقض سير حياة يسوع؟

إن عالم الآثار جون ماكراي قال إنه ليس هناك شك بأن مكتشفات علم الآثار عززت مصداقية العهد الجديد. ولم يحدث أن أي إكتشاف أثبت عدم صحة مرجع من مراجع الإنجيل. وعلاوة على ذلك، فإن علم الآثار أثبت أن لوقا، الذي كتب حوالي رُبع العهد الجديد، كان مؤرخاً مدققاً بنوع خاص.

وقد علق أحد الخبراء على ذلك بقوله إذا كان لوقا مدققاً بإجتهاد في تقاريره التاريخية (عن التفاصيل الصغرى) فعلى أي أساس منطقي نستطيع أن نفترض أنه كان ساذجاً أو غير مدقق في كتابة تقاريره عن مسائل أكثر أهمية بكثير، ليس فقط بالنسبة له بل بالنسبة للآخرين أيضاً؟ مثل قيامة يسوع، على سبيل المثال”.

  • هل يسوع التاريخ هو نفسه يسوع الإيمان؟

قال جريجوري بويد أن منتدى يسوع للحلقات الدراسية الذي نشر له قدر كبير من الدعاية، والذي يشك في يسوع قال أن معظم ما هو منسوب إليه يمثل “عدداً ضئيل للغاية من العلماء المتطرفين، الذين يعتبرون على الطرف الأيسر البعيد جداً عن أفكار العهد الجديد”. وقد أكد المنتدى إمكانية حدوث المعجزات من البداية، وإستخدم معايير مشكوك فيها وبعض المشاركين في المنتدى مدحوا وأطروا بإلحاح مستندات شوهتها الأساطير مشكوك فيها للغاية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن فكرة أن الروايات عن يسوع مستمدة من أساطير عن آلهة يموتون ثم يقومون لم تنجح في مواجهة الفحص الدقيق. وقد قال بويد “إن الأدلة على أن يسوع هو الذي قال عنه التلاميذ…. تبعد بسنوات ضوئية كثيرة عن أسبابي التي تجعلني أصدق أن ثقافة الجناح الأيسر في منتدى يسوع صادقة وصحيحة”. إجمالاً، يسوع الإيمان هو نفسه يسوع التاريخ.

  • هل كان يسوع مقتنعاً حقاً بأنه إبن الله؟

بالرجوع إلى أقدم التقاليد التي تعتبر آمنة بلا شك من تطوير الأساطير لها، وإستطاع بن وذرنجتون الثالث أن يثبت أن يسوع كان لديه قدرة فائقة على إدراك هويته. وبناء على الأدلة قال وذرنجتون “هل كان يسوع يؤمن أنه ابن الله، والوحيد المختار من الله؟ الإجابة، نعم. هل كان يعتبر نفسه ابن الإنسان؟ الإجابة، نعم. هل كان يعتبر نفسه المسيا النهائي؟ نعم، فتلك الطريقة التي نظر بها يسوع إلى نفسه. هل كان يؤمن أن أي شخص أقل من الله أن يكون بإمكانه أن يُخلّص العالم؟ كلا: لا أصدق ذلك.

  • هل حقق يسوع صفات الله؟

بينما التجسد – أن يصير الله إنسان – والانهائي يصبح محدود ومتناهي، توسع من خيالنا، فالعالم اللاهوتي البارز دي. إي. كارسون أثبت أن هناك الكثير من الأدلة بأن يسوع أظهر السمات المميزة للألوهية. وبناء على رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي الإصحاح 2، يعتقد كثير من اللاهوتيين أن يسوع بإرادته تخلى عن الإستخدام المستقل والمتفرد لتلك السمات المميزة بالألوهية، وهو يمارس رسالته لخلاص البشرية.

ومع ذلك فإن العهد الجديد يؤكد بنوع خاص أن يسوع كان أمتلك كل مؤهلات الألوهة، بما فيها أنه كان كلي المعرفة، وكلي الوجود، وكلي القدرة، وأبدي، وأزلى، ولا يعتريه تغيير.

  • هل ضاهى يسوع – ويسوع وحده – هوية المسيا؟

قبل أن يولد المسيح بمئات السنين، تنبأ الأنبياء بمجيء المسيا أو الواحد المكرس والمختار الذي سيخلص شعب الله. وفي الواقع أن العشرات من هذه النبوءات التي ذكرت في العهد القديم إبتدعت بصمة صفات لا يلائمها إلا المسيا الحقيقي. وهذا أعطى لإسرائيل طريقة يمكنهم أن يرفضوا الدجالين، ويصادقون على أوراق إعتماد المسيا الحقيقي.

ومقابل الميزات ذات الأعداد الفلكية نجد فرصة واحدة في تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، تريليون، نجد أن يسوع، ويسوع وحده، على مدى التاريخ، الذي ضاهى بصمات الصفات التي جاءت في النبوءات. وهذا يؤكد شخصية يسوع بدرجة مدهشة من اليقين.

  • هل كان موت يسوع إفتعال وقيامته خدعة؟

بتحليل الحقائق الطبية والتاريخية، خلُص الدكتور الكسندر ميثيريل بأنه لم يكن ممكناً أن ينجو حياً بعد آلام الصلب الرهيبة، وبعد الجرح العميق الذي إخترقت رئتيه وقلبه. وفكرة أنه أغمى عليه، بطريقة ما، وهو على الصليب وتظاهر بأنه ميت ينقصها أي أساس من الأدلة، فقد كان الرومان الذين يقومون بتنفيذ الإعدام، كانوا أكفاء بشراسة لعلمهم أنهم سيواجهون الموت بأنفسهم لو أن أي واحد من ضحاياهم نزل من على الصليب حياً.

وحتى لو كان يسوع، بطريقة ما، ظلّ حياً خلال فترة التعذيب، فإن حالته المروعة لم يكن بإستطاعتها أبداً أن تثير حركة عالمية مبنية على الإفتراض المنطقي بأنه إنتصر إنتصاراً مجيداً على القبر.

  • هل اختفى حقاً جسد يسوع من قبره؟

قدّم وليم لين كريج أدلة مذهلة بأن الرمز الثابت للقيامة – أي القبر الفارغ ليسوع – كان حقيقة تاريخية. فالقبر الفارغ قد ذكر صراحة، أو ضمناً في مصادر قديمة للغاية، فإنجيل مرقس وبيان كورنثوس الأولى 15، التي يرجع تاريخهما إلى وقت قريب من الأحداث لدرجة أنه ليس من الممكن أن تكون من إبتكار الأساطير. وحقيقة أن الأناجيل تذكر أن النسوة قد إكتشفن القبر الفارغ تدعم مصداقية القصة. فموقع قبر يسوع كان معروفاً للمسيحيين واليهود على السواء، ولذلك كان من الممكن أن يراجعه المتشككون.

وفي الواقع أن لا أحد، ولا حتى السلطات الرومانية والزعماء اليهود، إدعوا في أي وقت من الأوقات أن القبر ما زال به جسد يسوع. وبدلاً من ذلك فقد إضطروا أن يخترعوا القصة السخيفة أن التلاميذ – بالرغم من عدم وجود الحافز أو الفرصة – قد سرقوا الجثة، وهي قصة لا يصدقها حتى أكثر النقاد تشككاً.

  • هل شوهد يسوع حياً بعد موته على الصليب؟

إن أدلة ظهورات يسوع بعد قيامته لم تظهر تدريجياً على مر السنين، لأن الأساطير شوهت ذكريات حياته. وبالأحرى، وكما قال خبير القيامة جاري هابيرماس، إن القيامة كانت “البيان الرئيسي للكنيسة الأولى منذ بدايتها”. والبيان القديم من كورنثوس الأولى 15، يذكر أشخاص معينين قابلوا يسوع بعد قيامته، وبولس حتى تحدى المتشككين الذين ظهروا في القرن الأول أن يتحدثوا مع هؤلاء الأشخاص شخصياً ليقرروا صحة المسألة بأنفسهم.

وسفر الأعمال تناثرت فيه تأكيدات قديمة جداً عن قيامة يسوع بينما تصف الأناجيل مقابلات عديدة بالتفصيل. وقد إستنتج العالم اللاهوتي البريطاني مايكل جرين أن “ظهورات يسوع موثقة تماماً كأي شئ في الأزمنة القديمة، فلا يمكن أن يوجد أي شك معقول أنها حدثت.

  • هل هناك أي حقائق مساندة تُشير إلى القيامة؟

جيه. بي. موريلاند بما قدمه من الأدلة الظرفية أضاف توثيقاً نهائياً للقيامة.

أولاً، التلاميذ كانوا في موقف فريد يمكنهم أن يعرفوا إذا كانت القيامة قد حدثت، وقد لآقوا الموت بسبب إعلانهم بأنها حقيقية. فلا أحد بعلمه وبرغبته يموت في سبيل أكذوبة.

ثانياً، بخلاف القيامة ليس هناك سبب وجيه يجعل المتشككين مثل بولس ويعقوب يتحولون إلى المسيحية، ويرغبون في الموت في سبيل إيمانهم.

ثالثاً، خلال أسابيع بعد الصلب، بدأ آلاف من اليهود يتخلون عن تقاليد إجتماعية هامة كانت لها أهمية إجتماعية ودينية حاسمة عبر القرون. وكانوا يعتقدون أنهم يجازفون بحلول اللعنة عليهم إن كانوا مخطئين.

رابعاً، أكدت الطقوس الدينية المبكرة للتناول والمعمودية على قيامة يسوع وألوهيته.

خامساً، الظهور الإعجازى للكنيسة في مواجهة الإضطهاد الروماني الوحشي “يحدث فجوة هائلة في التاريخ، حفرة بحجم وشكل القيامة” كما يقول سي. إف. دي. مول.

تحدي مولير الفاشل:

إني أعترف: بأني هوجمت بكمية ونوعية الأدلة بأن يسوع هو إبن الله الفريد. فعندما جلست إلى مكتبي بعد ظهر يوم الأحد، هززت رأسي بذهول. لقد رأيت متهمين يساقون إلى غرفة الإعدام من أجل دليل أقل إقناعاً بكثير! فالحقائق المتراكمة أشارت بشكل واضح إلى إستنتاج بأنني لم أكن مستريحاً تماماً إلى التوصل إليه.

وبصراحة، كنت أريد أن أصدق أن تأليه يسوع كان نتيجة تطور أسطوري. الذي كان فيه بعض الناس، حسني النية ولكن أسئ إرشادهم، حولوا ببطء شخصاً حكيماً إلى ابن الله الأسطوري. وكان هذا يبدو آمناً ومؤكداً، ومهما يكن فإن واعظاً متجولاً في القرن الأول لم يستطع أن يطالبني ولكن بينما كنت أقوم بأبحاثي وأنا أظن أن هذا التفسير المبني على الأساطير كان واضحاً للغاية أصبحت مقتنعاً أنه لا أساس له إطلاقاً.

والذي حسم لي المسألة كانت الدراسة المشهورة من قبل إيه. إن. شروين هوايت، المؤرخ الكلاسيكي العظيم، من جامعة أكسفورد، والذي أشار إليه وليم كريج في مقابلتنا. أن شروين هوايت فحص بدقة السرعة التي تنشأ بها الأساطير في الأزمنة القديمة. وكان إستنتاجه: حتى جيلان كاملان لم تكن كافية لظهور أسطورة تمحو جوهر حقيقة تاريخية ثابتة [1].

والآن، إدرس قضية يسوع. فمن الناحية التاريخية، خبر قبره الفارغ، وروايات شهود العيان عن ظهوراته بعد القيامة، والإعتقاد بأنه كان فعلاً ابن الله الفريد ظهرت فعلاً في التو واللحظة.

وبيان كورنثوس الأولى 15، الذي يؤكد موت يسوع عن خطايانا ويذكر قائمة بظهوراته بعد القيامة لشهود ذكر أسماءهم، كان يُقرأ من قبل المسيحيين بروايته بمجرد مرور 24 شهراً بعد الصلب. ووصف مرقس للفبر الخالي كان مستمداً من مصادر يرجع تاريخها إلى ما بعد الحدث نفسه بسنوات قليلة.

والأناجيل، التي أعلنت صحة تعاليم يسوع، ومعجزاته، وقيامته، كانت متداولة أثناء حياة معاصري يسوع، الذين كان يسعدهم أن صححوا الحقائق التي سجلتها الأناجيل، لو وجدوا بها تزيين أو تزييف. حتى التراتيل المسيحية البدائية تؤكد طبيعة يسوع الإلهية.

وقد لخصها بلومبيرج بهذه الطريقة: “خلال أول سنتين بعد موته، كانت هناك أعداداً كبيرة من أتباع يسوع، يبدو أنهم كتبوا بياناً عن موت يسوع للتكفير عن ذنوبنا، وكانوا مقتنعين أنه قام من الأموات جسدياً، وربطوا بين يسوع والله، وآمنوا أنهم وجدوا تأييداً لكل هذه المعتقدات في العهد القديم” [2].

وإستنتج وليم كريج “أن الفترة الزمنية اللازمة للظهور الواضح للأساطير المتعلقة بأحداث الأناجيل كان سينقلنا إلى القرن الثاني بعد الميلاد. وهو نفس الوقت فعلاً الذي دُنت فيه الأناجيل الأسطورية المشكوك في صحتها. وهذه هي الروايات الأسطورية التي يبحث عنها النقاد” [3].

فلم يكن هناك ببساطة وقت كاف للأساطير لإفساد سجل يسوع التاريخي، خاصة في وجود شهود العيان الذين كانوا مازالوا يعرفونه معرفة شخصية. وعندما كان عالم اللاهوت الألماني ﭽوليوس ميلير سنة 1844 يقول أنه يتحدى أي شخص يجد مثالاً واحداً لأسطورة تنشأ بهذه السرعة في أي وقت في التاريخ، وكانت الإجابة من علماء عصره، وحتى يومنا هذا، السكوت التام [4].

في يوم 8 نوفمبر سنة 1981م، أدركت بأن الإعتراض الأكبر على يسوع قد أُسكت أيضاً بأدلة التاريخ. ووجدت نفسي أضحك على كيف إنقلبت الموائد.

في ضوء الحقائق المقنعة التي عرفتها أثناء بحثي، في مواجهة هذا السيل الكاسح من الأدلة في قضية المسيح، كانت سخرية الأقدار هي أنني سأحتاج لمزيد من الإيمان لأحافظ على إلحادي أكثر مما أحتاجه لأؤمن بيسوع الناصري!.

المعاني التي تتضمنها الأدلة

تذكر قصة ﭽيمس دكسون المذكورة في مقدمة هذا الكتاب؟ كانت الأدلة تشير بقوة إلى تجريمه بقتل رقيب شرطة شيكاغو. حتى أنه هو نفسه قد إعترف بجريمته!.

ولكن عندما أجرى تحقيق أدق، حدث تحول فجأة: فالسيناريو الذي يناسب الحقائق تماماً هو أن الرقيب الشرطي لفق التهمة لديكسون الذي كان بريئاً من جريمة إطلاق النار. وأطلق سراح ديكسون، وكان الضابظ هو الذي أدين. وفي ختام بحثنا في قضية يسوع، نستحق أن نعيد الرجوع إلى الدرسين العظيمين من هذه القصة.

  • أولاً، هل كان جمع الأدلة دقيقاً فعلاً؟

نعم كان دقيقاً، ولقد إخترت خبراء إستطاعوا أن يذكروا موقفهم ويدافعون عنه بالأدلة التاريخية التي أمكنني أن أختبرها عن طريق الإستجواب. ولم أكن مجرد مهتماً بآرائهم، بل كنت أريد الحقائق فكنت أتحداهم بالنظريات الحالية للملحدين، والأساتذة المتحررين. ولما كنت أعرف خلفيتهم وثبوت تميزهم، وخبرتهم، وشخصيتهم، فإن هؤلاء الأساتذة كانوا أكثر من مؤهلين أن يقدموا حقائق تاريخية يعتمد عليها عن يسوع.

  • ثانيا، ما هو أحسن تفسير يتناسب مع مُجمل الأدلة؟

فى يوم 8 نوفمبر سنة 1981م كان رأيي المتعلق بالأساطير، الذي كنت متمسكاً به سنوات كثيرة قد تفكك تماماً. والأكثر من ذلك كان تشككي كصحفي بخصوص الأشياء الخارقة للطبيعة قد تلاشى في ضوء الأدلة التاريخية المذهلة أن قيامة يسوع كان حدثاً تاريخياً حقيقياً. وفي الواقع لم يستطع عقلي أن يفكر في تفسير واحد يناسب الأدلة التاريخية بنفس الدرجة مثل الإستنتاج بأن يسوع كان فعلاً ما قاله عن نفسه، إبن الله الفريد الوحيد.

والإلحاد الذي كنت قد اعتنقته طول هذه المدة إنهار تحت وطأة الحقائق التاريخية. لقد كانت نتيجة أساسية مذهلة، وبالتأكيد ليست النتيجة التي كانت أتوقعها في هذه العملية البحثية. ولكنها كانت بحسب رأيي، قرار فرضته الحقائق.

وكلها قادتني إلى: إذن ماذا؟ إذا كان هذا صحيح، فما هو الفرق الذي سينتج عنه؟ كانت هناك عدة أشياء واضحة يتضمنها.

  • إذا كان يسوع هو إبن الله، فإن تعاليمه أكثر من مجرد أفكار من معلم حكيم، بل إنها بصيرة إلهية أستطيع أن أبني حياتي عليها.
  • إذا كان يسوع يضع معيار الأخلاقيات، فبإمكاني الآن أن يكون لديّ أساس ثابت لقراراتي وإختياراتي، بدلاً من أن أبنيها على الرمال المتحركة دائماً على النفعية والأنانية.
  • إذا كان يسوع قام فعلاً من الأموات، فإنه ما زال حياً اليوم ومن الممكن أن أقابله شخصياً.
  • إذا كان يسوع قد إنتصر على الموت فيمكنه أن يفتح الباب أمامي لحياة الخلود، أيضاً.
  • إذا كان يسوع له قوة إلهية فإن له قدرة خارقة على الطبيعة لكي يرشدني ويساعدني ويغيرني عندما أتبعه.
  • إذا كان يسوع يعرف شخصياً آلام الضياع والمعاناة فيمكنه أن يريحني، ويعزيني، ويشجعني في وسط الإضطراب الذي حذرنا بنفسه أنه لا يمكن تجنبه في عالم أفسدته الخطايا.
  • إذا كان يسوع يحبني كما يقول، فإنه يعرف الأفضل لإهتماماتي ولمصالحي ويحفظها عن ظهر قلب. وهذا يعني أنني لن أخسر شيئاً بل أكسب كل شئ بتسليم ذاتي له ولأهدافه.
  • إذا كان يسوع هو ما يدعي أن يكون (وتذكر أنه لا يوجد أي زعيم لأي ديانة أخرى من الديانات الكبرى تظاهر بأنه إله) وبما أنه خالقي فإنه يستحق ولائي وإخلاصي وطاعتي وعبادتي بحق.

أتذكر أني كتبت هذه المعاني المتضمنة على ورقتي (من الأوراق التي يستعملها المحامون) ثم رجعت إلى الخلف مستنداً على الكرسي. لقد وصلت إلى نهاية رحلتي التي إستغرقت عامين. وأخيراً حان الوقت لأتعامل مع أكثر سؤال يلح عليَّ وهو “والآن ماذا؟”

معادلة الإيمان:

بعد أبحاث شخصية إستغرقت أكثر من ستمائة يوم وساعات لا تعد ولا تحصى، فإن حكمي الشخصي في قضية… المسيح كان واضحاً. ومع ذلك، وأنا جالس على الكرسي أمام مكتبي أدركت أني محتاج إلى ما هو أكثر من قرار عقلاني. فكنت أريد أن أتخذ الخطوة المبنية على التجربة والتي وصفها جي. بي. مورويلاند في المقابلة الأخيرة.

فلما بحثت عن طريقة لتنفيذ هذه الفكرة سحبت إنجيلاً وفتحته على إنجيل يوحنا 12:1، وهي آية قابلتها أثناء بحثي “وَأمَّا كُلُّ الَّذينّ قَبلُوهُ فَأعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أنْ يَصيرُوا أوْلَادَ الله أيَ الْمُؤْمنُونَ بَاسْمهِ”.

الإفعال الرئيسية في هذه الآية توضح بدقة حسابية ما يتطلبه تجاوز مجرد الموافقة العقلية على ألوهية يسوع والدخول معه في علاقة دائمة بأن أصبح من أفراد أسرة الله بالتبني: آمن + إقبل = تُصبح.

  1. آمن

كشخص متعلم في الصحافة والقانون، دُربت على أن أستجيب للحقائق، حيثما تقودني. وعندي، أن المعلومات أظهرت بوضوح وبطريقة مقنعة أن يسوع هو إبن الله الذي مات بدلاً عني لكي يتلقى العقوبة التي كنت أستحقها للسيئات التي إرتكبتها.

وكانت هناك الكثير من السيئات. وسأوفر على نفسي الحيرة والإرتباك الذي ينتج عن الدخول في التفاصيل، ولكن الحقيقة هي أنني كنت أعيش أسلوب حياة دنسة ومخمورة ومنهكة في الشئون الذاتية ولا أخلاقية. وفي مهنتي خنت زملائي وطعنتهم من الخلف لأكسب ميزة شخصية وإنتهكت، بشكل متكرر، المعايير القانونية والأخلاقية للبحث عن قصص. وفي حياتي الشخصية كنت أضحي بزوجتي وأبنائي على مذبح النجاح. وقد كنت كذاباً وغشاشاً ومخادعاً.

لقد إنكمش قلبي وتضاءل حتى أصبح جامداً كالصخر نحو أي شخص آخر. وكان حافزي الأساسي هو المتهة الشخصية. ومن دواعي السخرية، أنني كلما بحثت عنها بنهم، كلما أصبحت مراوغة ومدمرة للذات.

وعندما قرأت في الإنجيل أن هذه الخطايا أبعدتني عن الله، الذي هو قدوس ونقي وطاهر، وهذا رن في أذني أنه حقيقي. وبالتأكيد أن الله الذي أنكرت وجوده على مر السنين كان يبدو بعيداً عني للغاية، وأصبح واضحاً عندي أنني محتاج لصليب يسوع ليسد هذه الفجوة. وقد قال بطرس الرسول في رسالته الأولى 18:3 “فَإِنَّ الْمَسِيحَ أّيْضَاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، البَارٌ مِنْ أَجْل الأَثَمَة، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى الله، مُمَاتاً فِي الْجَسَدَ وَلِكَنْ مُحْيِيّ فِي الرُّوحَ”.

بكل هذا أؤمن به الآن. فأدلة التاريخ وتجربتي الشخصية أقوى من أن أتجاهلها.

  1. إقبل

كل نظام إيمان آخر درسته أثناء بحثي كان مبنياً على خطة “إفعل”. وبعبارة أخرى. كان من الضروري للناس أن يفعلوا شيئاً، فمثلاً يستخدموا عجلة الصلاة التي تستعمل في بلاد التبت، ويدفعون الصدقات، ويذهبون للحج، ويمرون بالتناسخ، ويتخلصون من كارما من الآثام السابقة، ويصلحون شخصياتهم لكي يحاولوا الرجوع إلى الله بطريقة ما. وبالرغم من أحسن جهودهم، فإن كثيراً من الناس المخلصين لا يريدون أن يفعلوا ذلك.

أما المسيحية فهي من نوع فريد. فهي مبنية على خطة “ما تم عمله” فإن يسوع قد فعل لنا على الصليب ما لا نستطيع أن نفعله لأنفسنا. فقد دفع وتحمل عنا عقوبة الموت التي نستحقها بسبب تمردنا وسيئاتنا، وهكذا يمكننا أن نتصالح مع الله.

لم أكن مضطراً أن أكافح وأناضل لكي أحاول أن أفعل المستحيل لكي أجعل نفسي شريفاً. فالإنجيل يقول مراراً وتكراراً أن يسوع يمنحنا الغفران والحياة الأبدية كهبة مجانية التي لا يمكن إكتسابها (انظر، رومية23:6؛ أفسس 2 :8 – 9؛ تيطس 5:3) وهي تسمى النعمة – النعمة الفائقة، وهي ميزة لا أي تحقها وهي متاحة لأي شخص يقبلها في صلاة التوبة بإخلاص، حتى لو كان شخصاً مثلي.

نعم، كان لا بد أن أتخذ خطوة الإيمان، كما نفعل في أي قرار نتخذه في حياتنا. ولكن هنا الفرق الحاسم: لم أعد أحاول أن أسبح ضد التيار القوي – تيار الأدلة – وبدلاً من ذلك إخترت أن أسير في نفس الإتجاة الذي تتدفق فيه سيل الحقائق. كان هذا معقولاً وعقلانياً، وكان هذا منطقياً. والأكثر من ذلك، بطريقة داخلية وغير قابلة للتوضيح، لقد كان أيضاً ما أحسست به أن روح الله يدفعني ويحثني لأفعل.

لذا في يوم 8 نوفمبر سنة 1981، تحدثت مع الله في صلاة قلبية صادقة وغير مكتوبة معترفاً ومتحولاً عن فعل الشر، ومتقبلاً هبة الغفران والحياة الأبدية من خلال يسوع. فقلت له أنني بمساعدته أريد أن أتبعه وأتبع طرقه من الآن فصاعداً.

لم تكن هناك صواعق البرق ولا إجابات مسموعة ولا إحساس بالوخز. وإني أعرف أن بعض الناس يشعرون بتدفق العطفة في مثل هذه اللحظة، أما أنا فكان هناك شئ آخر منعش بنفس القدر، كان هناك تدفق العقل والصواب.

  1. أُصبح

بعد أن إتخذت تلك الخطوة، علمت من يوحنا 12:1 أني قد عبرت البداية إلى تجربة جديدة. فقد أصبحت شيئاً مختلفاً: إبناً لله، وقد تبناني في أسرته إلى الأبد من خلال يسوع التاريخي الذي قام من الأموات. وقد قال بولس الرسول في كورنثوس الثانية 17:5 “إِذَاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحَ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً”.

وكما هو متوقع، بمرور الزمن عندما حاولت أن أتبع تعاليم يسوع وأفتح نفسي لقوته المُغيرة، فإن أولوياتي، وقيمي، وشخصيتي كانت (وستظل) تتغير تدريجياً. وعلى نحو متزايد أحتاج إلى دوافع يسوع ووجهات نظره أن تصبح فيَّ. ولكي أوضح ما قاله مارتن لوثر كنج الإبن. قد لا أكون بعد الرجل الذي يجب أن أكونه أو الرجل الذي سأكونه يوماً ما بمساعدة المسيح، ولكن بحمد الله أنني لست الرجل الذي إعتدت أن أكونه!

لربما كان ذلك يبدو باطنياً [صوفي] إليك؛ أنا لا أعرف. ومن مدة ليست بعيدة كانت كذلك بالنسبة إليَّ. ولكنها الآن حقيقة تماماً وللذين من حولي. وفي الحقيقة، أن الفرق كان جوهرياً في حياتي لدرجة أنه بعد شهور قليلة بعد أن أصبحت من أتباع يسوع صعدت إبنتي ذات الخمس سنوات إلى زوجتي وقالت لها “أمي، أريد من الله أن يفعل من أجلي مثل ما فعله مع أبي”.

فها هي فتاة صغيرة كانت فقط تعرف أباً كان دنساً غاضباً خشن اللفاظ، وغائباً في أغلب الأحيان. ومع أنها لم تقابل أي عالم أبداً، ولم تحلل الحقائق أبداً، ولم تبحث أبداً في الأدلة التاريخية، إلا أنها شاهدت عن قُرب التأثير الذي يستطيع يسوع أن يُحدثه في حياة شخص واحد. وفي الحقيقة كأنها كانت تقول “إذا كان هذا هو ما يفعله الله في الإنسان، فهذا ما أريده لنفسي”.

وعندما أنظر إلى الوراء، حوالي عشرين عاماً، أستطيع أن أرى بوضوح أن اليوم الذي إتخذت فيه القرار في القضية…. المسيح لم يكن سوى حدثاً بالغ الأهمية في حياتي.

تَوَصَّل إلى قرارك:

والآن جاء دورك. منذ البداية شجعتك أن تدرس الأدلة التي في هذا الكتاب كمحلفين عادل ونزيه قدر المستطاع، وتتوصل إلى إستنتاجاتك بناء على وزن الأدلة. وفي النهاية فالقرار لك، أنت وحدك، لا أحد غيرك سيعطيك صوته.

ربما بعد قراءة خبير بعد خبير، والإستماع إلى جدال بعد جدال، ورؤية آدابة سؤال بعد سؤال، وإختبار الأدلة بمنطقك وحسن فهمك للأمور، ستكون قد وجدت، مثلي أن القضية… المسيح حاسمة.

وكلمة يؤمنون في إنجيل يوحنا 12:1، وضعت في المكان المناسب، وكل ما تبقى هو أن تقبل نعمة يسوع، وعندئذ ستصبح إبنه أو إبنته، منهمكاً في مغامرة روحية يمكن أن تزدهر باقي أيام حياتك وإلى الأبد. وبالنسبة لك فإن موعد الخطوة المبنية على التجربة، قد حان ولا أستطيع أن أشجعك بقوة أكثر من ذلك على إتخاذ تلك الخطوة الحاسمة.

من ناحية أخرى، لربما كانت هناك أسئلة ما زالت تشغلني. وربما أني لم أواجه الإعتراض الأهم الذي يدور في عقلي. هذا عدل كافي. فلا يوجد كتاب واحد يستطيع أن يبحث في كل فرق دقيق جداً. ومع ذلك فإني واثق أن كمية المعلومات التي وردت في هذه الصفحات ستكون على الأقل قد أقنعتك أنها معقولة – وفي الواقع أساسية – للإستمرار في بحثك.

حدد بدقة أين تظن أن الأدلة تحتاج إلى تدعيم، ثم إبحث عن إجابات إضافية من خبراء محترمين جداً، وإذا إعتقدت أنك توصلت إلى سيناريو يعلل إلى الحقائق بطريقة أفضل. فكن مستعداً أن تخضعها إلى فحص دقيق عقل حازم.

إستخدم المراجع المقترحة في هذا الكتاب لكي تتعمق أكثر. إدرس الإنجيل بنفسك (عندي إقتراح واحد “الرحلة”: طبعة خاصة من الإنجيل مخصصة للناس الذين لم يؤمنوا بعد حتى الآن أنه كلام الله) [5]

صمم بأنك ستتوصل إلى قرار عندما تجمع كمية كافية من المعلومات، وادرك بأنك لن تتوصل أبداً إلى قرار كامل لكل مسألة واحدة. وربما حتى تحتاج أن تهمس بصلاة إلى الله الذي لست أنت متأكداً من أنه موجود، وتسأله أن يرشدك إلى حقيقته. وعن طريق هذا كله سيكون لديك تشجيعي المخلص عندما تستمر في مسعاك الروحي.

وفي نفس الوقت، أشعر فعلاً بالتزام قوي لأحثك أن تجعل لهذه المسألة الأولوية في حياتك. فلا تدرسها مصادفة أو بلا إحترام لأن هناك أشياء كثيرة تتوقف على إستنتاجك. وكما عبر عنها مايكل ميرفي بطريقة ملائمة فقال “نحن أنفسنا، وليس مجرد إدعاء الصدق، موضع الرهان في هذا البحث”[6] وبعبارة أخرى، إذا كان إستنتاجي في قضية يسوع صحيحاً، فإن مستقبلك وأبديتك تتوقف على كيف ستكون إستجابتك للمسيح. وكما أعلن يسوع “فَقُلْتُ لَكُمْ إنِّكُمْ تَمُوتُونَ في خَطَايَاكُمْ لَأنَّكُمْ إنْ لَمْ تُؤْمنُوا أنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ” (يوحنا 24:8).

هذه كلمات جادة، صدرت عن قلق صادق ومحب. وإني أقولها لأؤكد أهمية هذه المسألة وعلى أمل أن يحثك أن تفحص قضية يشوع بدقة ونشاط.

ومع ذلك، ففي النهاية، تذكر بأن بعض الإختيارات غير قابلة للتطبيق. فالأدلة المتراكمة قد قضت عليها من قبل. هذا ما لاحظه سي. إس. لويس، الأستاذ اللامع المتألق من جامعة كامبردج، والذي كان في الماضي متشككاً، الذي أخيراً كسبناه بواسطة الأدلة التي تؤكد ألوهية يسوع.

أحاول هنا أن أمنع أي شخص من أن يقول الكلام الغبي فعلاً الذي كثيراً ما يقوله الناس عنه: “إنى مستعد أن أقبل يسوع كمعلم أخلاق عظيم، ولكني لا أقبل ادعائه بأنه الله”. هذا هو الشيء الذي يجب ألا نقوله. فالرجل الذي كان مجرد رجل وقال نوع الكلام الذي قاله يسوع لن يكون معلم أخلاق عظيم. فإما أن يكون مجنوناً… أو ربما يكون شيطان من جهنم. فلابد أن تختار: إما أن هذا الرجل كان وما يزال ابن الله أو رجل مجنون أو شيء أسوأ.

يمكنك أن تعتبره مغفل، ويمكنك أن تبصق عليه، وتقتله كشيطان، أو تستطيع أن تركع عند قدميه وتدعوه الرب والله. ولكن لا تدعنا نتوصل إلى كلام فارغ يدل على التنازل بقولنا أنه معلم إنساني عظيم. فلم يترك لنا هذا الأمر مفتوحاً للإختيار. ولم يقصد أن يفعل ذلك. [7]

حكم التاريخ – ما الذي تثبته الأدلة وما الذي تعنيه اليوم؟

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

الأدلة العلمية، هل يؤكد علم الأثار أم يناقض سيرة حياة يسوع – لي سرويل 

كان هناك شئ سيريالي عن غدائي مع الدكتور جيفري ماكدونالد وكان هناك يمضغ ساندويتش تونا بطريقة غير منظمة وكذلك يمضغ البطاطس بنفس الطريقة في غرفة المؤتمرات في دار القضاء بولاية كارولينا الشمالية، ويعلق تعليقات مضحكة ويمتع نفسه بصفة عامة. وفي غرفة قريبة كان هناك 12 من المحلفين يستريحون بعد الاستماع إلى شهادة رهيبة بأن ماكدونالد قد قتل بوحشية زوجته وابنتيه الصغيرتين.

  فلما كنا قد انتهينا من وجبة طعامنا، فلم أستطع أن أمنع نفسي من أن أسأل ماكدونالد، الاسئلة الواضحة: ” كيف تتصرف وكأن شيئا خاطئاً لم يحدث؟ ” وكان صوتي وأنا أسأله ممتزجاً بالدهشة والإستياء ” أليس لديك أقل درجة من القلق بأن هؤلاء المحلفين سيحكمون عليك بأنك مذنب؟ “

  لوح ماكدونالد بسندويتشه نصف المأكول في اتجاه غرفة المحلفين وهو يضحك ” هم؟، إنهم لن يدينوني أبداُ!” .

 ثم، يبدو أنه أدرك أن هذه الكلمات كانت بدت ساخرة، فأضاف بسرعة ” إنني برئ، كما تعلم”.

  وكانت هذه أخر مرة اسمعه يضحك. ففي خلال أيام كان طبيب حجرة الطوارئ السابق ذو القبعة الخضراء قد وجد مذنباً بأنه طعن زوجته، كوليت، وإبنتيه كيمبيرلي ذات الخمسة سنوات، وكريستين، ذات السنتين. وحكم عليه فوراًبالسجن مدي الحياة ونقل بالأصفاد.

 ولقد أعيدة رواية ماكدونالد ببراعة بواسطة جو ماكجينيس في كتاب من الكتب الأكثر مبيعا وكذا رؤية التلفزيون السينمائية “المشهد المميت “، وكان هذا القاتل مغرورا لدرجة أنه ظن أن محاولة عدم وجوده في مكان الجريمة وقت ارتكابها ستساعده على الإفلات بدون عقاب.

 أخبر المحققين بأنه كان نائماً على الأريكة عندما أيقظته أصوات بعض الخنافس (الهيبيز) المجانين من تعاطي المخدرات، أيقظوه في منتصف الليل. ثم قال إنه قاومهم، حتى فقد وعيه وعندما أفاق وجد نفسه مطعوناً ومضروباً في هذه العملية. وعندما أفاق وجد عائلته قد ذبحت.

  لقد شكك المحققون في روايته منذ البداية. فقد أظهرت حجرة المعيشة بعض أثار لصراع موت وحياة. أما جروح ماكدونالد فكانت سطحية. مع أن نظره ضعيف، فقد كان قادرا على إعطاء أوصاف مفُصّلة لمن هاجموه مع أنه لم يكن يلبس نظارته.

  ومع ذلك، فالشك وحده لا يكفي للإدانة، التي تتطلب أدلة دامغة ففي قضية ماكدونالد إعتمد المخبرون على دليل علمي يحل نسيج أكاذيبه ويدينه بعمليات القتل.

وهناك أنواع مختلفة من الأدلة العلمية التي يكثر إستعمالها في المعامل، تترواح ما بين تحليل الحمض النووي DNA   لمعرفة الاصل الشرعي إلى علم السموم. وفي قضية ماكدونالد كان على المُصول (دليل الدم) وتتبع الدليل الذي أرسله إلى المحكمة الذي بعثته إلى سجن التأديب.

ومن الصدف الغير عادية، ولحسن حظ المدّعين، كان لدي كل فرد من عائلة ماكدونالد فصيلة دم مختلفة.

وبتحليل بقع الدم التي وجدت، استطاع المحققين أن يعيدوا ترتيب تسلسل الأحداث في تلك الامسية المميتة، والتي تناقضت مباشرة مع رواية ماكدونالد للأحداث.

  والدراسات العلمية لخيوط زرقاء دقيقة من البيجامة، التي وجدت مبعثرة في أماكن مختلفة، هذه أيضا فندت محاولة ماكدونالد لإثبات عدم وجوده في مكان الجريمة وقت إرتكابها. كما أن التحليل المجهري (الميكروسكوبي) أظهر وجود ثقوب في بيجامته من الممكن إحداثها، كما إدّعي، بمعول ثلج استخدمها من هاجموا المنزل. وباختصار، فإن خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي هم السب فعلا في إدانة ماكدونالد(1).

  يستطيع الدليل العلمي كذلك تقديم مساهمات مهمة في مسألة ما إذا كانت روايات العهد الجديد عن يسوع دقيقة. فبينما علم المصول وعلم السموم ليسا بقادرين على تسليط أي ضوء على القضية، فهنا نوع أخر من الأدلة العلمية، نظام وقواعد علم الأثار، لها علاقة كبيرة بكون الأناجيل يمكن الوثوق بها.

  وعلم الاثار، الذي يُدعي أحياناًعلم دراسة النفاية التي تتحمل البقاء مدة طويلة، يشمل الكشف عن المصنوعات اليدوية، والهندسة المعمارية، والفن، والعملات المعدنية، والأنصاب أو التماثيل، والوثائق،

وبقايا أخري من الزراعات القديمة …. يدرس الخبراء هذه الأثار لمعرفة ما كانت عليه الحياة حين كان يسوع يمشي في الطرق المتربة لفلسطين القديمة.

  مئات من الإكتشافات الأثرية من القرن الأول كُشف عنها، وكنت مشتاق لمعرفة: ما إاذا كانت ستضعف أو تدعم رويات شهود العيان عن يسوع؟ وفي نفس الوقت، فإن فضولي وحب استطلاعي زادت شدته بسبب الشكوك. لقد سمعت الكثير من المسيحيين يقدمون إداعاءات مفرطة بأن علم الأثار يمكنه أن يثبت حقائق أكثر بكثير من التي يثبتها فعلاً. لكن لم أكن مهتما بمزيد منها. 

  لذلك إستمررت للبحث عن مصدر معترف به قد حفر شخصياً بين خرائب الشرق الأوسط والذي لديه معرفة موسوعية بالإكتشافات القديمة، والذي كان لديه تحفظ علمي كافي للإقرار بمحدودية علم الأثار وفي نفس الوقت يستطيع ان يشرح كيف يستطع علم الأثار أن يلقي ضوء على الحياة في القرن الأول الميلادي.

 

المقابلة الرابعة: دون ما كراي، دكتوراه في الفلسفة

 

  عندما يقوم العلماء والطلاب بدراسة علم الأثار، يلجأ الكثيرون إلى كتاب جون ما كراي الشامل الهادئ (صفحة 432) المسمى ” علم الأثار والعهد الجديد Testament Archaeology and the New “

وعندما أرادت شبكة الفنون والتسلية التلفزيونية أن تضمن دقة برنامج ” أسرار الإنجيل “، إستدعت “ماكراي” أيضاً. وعندما احتاجت الجمعية الجغرافية الوطنية إلى عالم يستطيع أن يوضّح النقاط المعقدة في عالم الكتاب المقدس، إتصلت به تليفونيا مرة أخري، بمكتب ماكراي في كلية هويتون المحترمة جداً في ضواحي مدينة شيكاغو.

    فبعد أن درس في الجامعة العبرية، والكلية الفرنسية لدراسات الكتاب المقدس والآثار في أورشليم (القدس)، وكلية اللاهوت بجامعة فاندربلت، وجامعة شيكاغو (حيث حصل على الدكتوراه سنة 1967)،

ظل يعمل أستاذاً للعهد الجديد وعلم الآثار في هويتون لأكثر من خمس عشرة سنة. وقد ظهرت مقالاته في 17 موسوعة وقاموس، كما نُشرت أبحاثه في مجلة جمعية علم الآثار الشرق الأدني والمجلات الأكاديمية الأخري، وقد قدّم تسع وعشرون ورقة علمية في جمعيات متخصصة ومحترفة.

   وقد كان ماكراي مساعد ووصي على أبحاث الآثار في معهد دبليو. إف. أولبرايت في القدس، ومشرف على المدارس الأمريكية للأبحاث الشرقية (سابقاً)، وعضو مجالس رؤساء تحرير “علم الآثار في عالم الكتاب المقدس” و “مجلة أبحاث الكتاب المقدس” التي ينشرها معهد أبحاث الكتاب المقدس.

    وبقدر ما يتمتع ماكراي بالكتابة والتدريس عن العالم القديم، فإنه يستمتع فالفرص التي تمكنه من إستكشاف المنجم الآثاري بنفسه. وقد أشرف على فرق التنقيب عن الآثار في قيصيرية، وسيفوريس، وهيروديا، وكلها في إسرائيل، على مدار ثمانية سنوات. كما قام بتحليل مواقع آثارية رومانية في إنجلترا وويلز، وحلل منجماً في اليونان، وأعاد تتبع معظم رحلات بولس الرسول.

  وعندما بلغ عمره 66 عاماً، تحول شعر ماكراي إلى اللون الفضي وأصبحت نظارته أكثر سمكاً، ولكنه ما زال محتفظا بروح المغامرة.

   وكان على المكتب في مكتبه، وفي الحقيقة على سريره بمنزله، صورة أفقية تفصيلية لمدينة القدس (أورشليم). وقد علق على ذلك قائلا:” إني أعيش في ظلها “، قالها بصوت ينم ويدل على الاشتياق عندما لفت الأنظار إلى مواقع معينة لعمليات الحفر والتنقيب والاكتشافات الهامة.

   ويظهر في مكتبه نوع من الأريكة المريحة التي تجدها في المدخل الأمامي لبيت ريفي. فجلست عليها مستقرا ومستريحا بينما كان ماكراي يترتي قميص مفتوح الرقبة وسترة رياضية تبدو مريحة، ثم إتكأ عائدا إلى كرسي مكتبه.

  ولرغبتي في إختبار ما إذا كان يبالغ في تأثير علم الآثار، فقد قررت فتح مقابلتنا بسؤاله ما الذي لايستطيع علم الآثار أن يخبرنا به عن موثوقية العهد الجديد. ومهما يكن، فكما يذكر ماكراي في كتابه، أنه حتى لو استطاع علم الآثار أن يثبت مدينتي المدينة ومكة الكائنتين بغرب الممكلة العربية السعودية في القرن السادس والسابع، فإن هذا لا يُثبت ان محمداً عاش هناك.

   فبدأ يتكلم ويتشدق في الكلام بالطريقة التي تعلمها وهو طفل في جنوب شرق أوكلاهوما، فقال:” إن علم الآثار قد ساهم بالتأكيد بعض المساهمات الهامة ولكنه لا يستطيع إثبات أن العهد الجديد هو كلام الله. فلو حفرنا في إسرائيل ووجدنا مواقع قديمة تتفق مع الاماكن التي يذكر الكتاب المقدس، فإن هذا يرينا أن تاريخته وجغرافيته دقيقة. ومع ذلك فإنها لا تؤكد أن ما قاله يسوع المسيح صحيح. فالحقائق الروحية لا يمكن إثبات صحتها او بطلانها بالإكتشافات الآثارية”.

      وكمثال مشابه، قدم لي قصة هنريك شليمان، الذي بحث عن دروادة في محاولة لإثبات الديقة التاريخية لإلياذة هوميروس. ثم لاحظ ماكراي بابتسامة رقيقة “ولقد وجد طروادة فعلاً، فقد كانت حقيقة، فقط كمرجع جغرافي معين، إلا أن هذا لم يُثبت إلياذة هوميروس”.

  وبعدما وضعنا بعض الحدود لما لا يستطيع علم الآثار أن يثبته، كنت متلهفا للبدء بإستكشاف ما الذي يمكنه أن يُخبرنا به عن العهد الجديد. فقررت أن أستهل هذا الموضوع بأبداء ملاحظة نتجت عن خبرتي كصحفي استقصائي بخلفية قانونية.

التنقيب عن الحقيقة

  في محاولة تحديد ما إذا كان الشاهد صادق، فإن الصحفيون والمحامون سيختبرون جميع عناصر شهادته أو شهادتها التي يمكن اختبارها. فإذا كشف هذا التحقيق أن الشخص خاطئ في هذه التفاصيل، فإن هذا يلقي ظلالاً كثيفة من الشك على كامل مصداقيته أو كامل روايته. على أية حال، فلو أن التفاصيل خرجت سليمة من هذه التحقيقات فإن هذا النوع من الإشارة، لا يعتبر إثبات حاسم لكنه مجرد دليل، ان الشاهد ربما يمكن الوثوق بروايته أو روايتها بشكل عام.

  على سبيل المثال، لو أن رجلاً كان يصف رحلة قام بها من سان لويس إلى شيكاغو، وذكر أنه قد توقف في مدينة سبرينجفيلد، بولاية إللينويز، لمشاهدة فيلم ” تايتانك” في مسرح أوديون وأنه قد أكل قطعة شيكولاتة كلارك إشتراها من منضدة البيع، لاستطاع المحققون أن يقرروا إذا كان هذا المسرح موجود فعلا في مدينة سيرينجفيلد وكذلك يحددون إن كا يعُرض بها هذا الفيلم بالتحديد ويبيع هذه الماركة وهذا الحجم المحدد في الوقت الذي كان موجودا فيه هناك.

فإذا خرجت التفاصيل سليمة، فإن هذا لا يثبت أن كامل قصته صادقة، ولكنه يُعزز سلامة سمعته بأنه كان دقيق.

  وهذا، إالي حد ما، هو ما يحققه علم الآثار. والحقيقة المنطقية انه إذا كانت تفاصيل الأحداث التي ذكرها مؤ رخ قديم ثبت صدقها مرة بعد أخري، فإن هذا يعزز ثقتنا في مواد أخري كتبها المؤرخ ولكن ذلك لايمكن مراجعتها بسهولة.

     لذا سألت ماكراي عن رأيه كمتخصص ” هل علم الآثار يؤكد أو يُضعف العهد الجديد عندما تُفحص التفاصيل في تلك الروايات؟”

    أجاب مكراي بسرعة ” نعم ليس هناك شك بأن مصداقية العهد الجديد معززة، فمثلما نقول إن مصداقية أي وثيقة قديمة معزة عندما تحفر وتنقب وتجد أن الكاتب كان دقيقا في حديثه عن مكان أو حدث معين”.

   كمثال، أحضر بي نتائج حفره وتنقيبه في قيصيريا على ساحل إسرائيل، حيث نقّب هو وآخرون ميناء هيرودس الكبير.” لمدة طوية من الزمن شكّالناس في صحة عبارة ذكرها يوسيفوس، مؤرخ القرن الأول، بأن هذا الميناء كان كبيراً مثل إلى عند بيرايوس، الذي يعتبر ميناء ضخما في أثينا. اعتقد الناس أن يوسيفوس كان مخطئا، لأنك عندما تري الأحجار طافية على سطح الماء في الميناء الحالي، ستدرك بأنه ليس بميناء كبير.

   “لكن عندما بدأنا القيام بالتنقيب تحت الماء، وجدنا أن الميناء كان ممتداً إلى مسافة بعيدة في المياه تحت األأرض، وأنه قد إنهار، وبأن أبعاده الكليّة كانت فعلا كبيرة لو قورنت بميناء بيرايوس. وهذا يعتبر دليل آخر بأن يوسيفوس كان يعرف ما كان يتحدث عنه”.

إذا ماذا عن كًتٌّاب العهد الجديد؟ هل عرفوا حقا ما كانوا يتحدثون عنه؟  أردت وضع هذه المسألة تحت الإختبارفي سلسلة أسئلتي التالية.

دقة لوقا كمؤرخ

 

  كتب لوقا الطبيب والمؤرخ كلّمن الإنجيل الذي يحمل اسمه وسفر الأعمال، اللذين يٌشكلان معا تقريبا ربع العهد الجديد كله. وبالتالي، فالمسألة الحاسمة هي هل كان لوقا جدير بالثقة في ذكر المعلومات الصحيحة؟ فعندما يفحص علماء الآثار تفاصيل ما كتبه، هل سيجدونه دقيقا أم غير دقيق؟

  فقال:” الإجماع العام لكلّ من العلماء التحرّريون والمحافظون بأن لوقا كان مؤرخا دقيقا جدا.وهو واسع الإطلاع، وبليغ، ولغته اليونانية تقترب من النوعية الكلاسيكية، فهو يكتب كرجل متعلم، وترينا الإكتشافات الآثارية المرة تلو الأخرى بأن لوقا دقيق وصادق فيما يريد أن يقوله “

  ثم اضاف قائلاً” في الواقع، كانت هناك العديد من الحالات الشبيهة بقضية الميناء التي إعتقد العلماء في أول الأمرأن لوقا كان مخطئا في إشارة معينة، إلا أنهم في اكتشافات تالية أكدت بأنه كان صحسحا فيما كتبه.

على سبيل المثال، في لوقا 3:1 يذكر لوقا أن ” ليسانيوسُ رئّيس رُبع على الأبليّة ” حوالي سنة 27 م.

وظل العلماء ولمدة سنين يشيّروا إلى هذه النقطة على أنها دليل أن لوقا لم يكن يعرف ما يتحدث عنه، لأن الجميع كان يعرف أن ليسانيوس لم يكن رئيس رُبع بل على الأحرى كان حاكما على تشالسيس قبل ذلك بربع قرنّ. فإذا لم يستع لوقا أن ينظر لهذه الحقيقة الأساسية بالطريقة الصحيحة فلا شئ مما كتبه يمكن أن يكون جديراً بالثقة بحسب رأي العلماء.

     لكن عندما تقدّم علم الآثار ” وجد نقش، فيما بعد من زمن طيباريوس، من سنة 14 إلى 37 م. تذكر أن ليسانيوس كان رئيس رُبع على الأبلية بالقرب من دمشق، وهو يُطابق بالضبط ما كتبه لوقا “

ثم شرح ماكراي الموضوع فقال: ” إتضح أنه كان هناك مسؤولان حكوميان باسم ليسانيوس! ومرة أخري تبين أن لوقا كان صادقا تماما “

     وهناك مثال آخر لمرجعية لوقا في سفر أعمال الرسل 17:6 إلى ” بوليتاركس ” التي مترجمة

ب ” حكام المدينة ” في مدينة تسالونيكي ” وظل الناس مدة طويلة يظنوا أن لوقا قد أخطأ لأنه لم يوجد أي دليل على أن إصطلاح ” بوليتاركس وج في أي وثيقة من الوثائق الرومانية القديمة “.

     ثم أضاف ماكراي قائلاً:” ومع ذلك، فقد وجدت بعد ذلك كلمات منقوشة على قوس من القرن الأول تبدأ بكلمات ” في عد بوليتاركس ….” ويمكنك الذهاب إلى المتحف البريطاني لتراها بنفسك. وبعد ذلك، أنظر وتعجب، فقد وجد علماء آثار أكثر من خمسة وثلاثون نقشاً تذكر لوليتاركس، والعديد منها في تسالونيكي ويعود تاريخا لنفس الفترة التي أشار إليها لوقا.

   مرة أخري كان النقاد على خطأ واتضح أن لوقا هو الذي كان على صواب.

وهنا خطر ببالي إعتراض “لكن في إنجيله يقول لوقا أن يسوع كان يدخل إلى أريحا عندما شفي فاقد البصر بارتيماوس، بينما يقول مرقس بأنه أثناء خروجه من أريحا (2) أليس هذا تناقض واضح يثير الشك حول موثوقية العهد الجديد؟ “

لكن ماكراي لم يُفاجأ بسؤالي المباشر فكان رده ” لا، إطلاقاً، إن هذا يبدو أنه تناقض لأنك تفكر في الاصطلاحات الحديث تبني المدن وتبقي في مكانها. لكن لم يكن هذا هو الحال بالضرورة في الأزمنة القديمة. كان أريحا في أربع مواقع مختلفة على الأقل في الأزمنة القديمة، وكانت هذه المواقع تبعد عن بعضها بمسافة ربع ميل.

ثم دمرت المدينة وأعيد بناؤاها بالقرب من مصدر مائي آخر أو طريق جديد أو أقرب جبل أو ما شابه. فالمهم يمكنك أن تكون قد خرجت من موقع كانت أريحا موجودة فيه ثم تكون دخول في موقع آخر، مثل إنتقالك من جزء بضواحي شيكاغو إلى جزء آخر من ضواحي شيكاغو”.

فسألته: ” إن ما تقوله يعني أن كلّ من لوقا ومرقس على صواب؟”.

فأجاب قائلاً: هذا صحيح. من الممكن أن يكون يسوع خارجاً من منطقة في أريحا وداخلا في منطقة أخري في نفس الوقت “،

وهكذا فقد أجاب علم الآثار على تحدي آخر عن موثوقية لوقا. ولمعرفتنا أن لوقا قد كتب جزء كبير من العهد الجديد، فإن هذا يدل دلالة قوية أن لوقا أثبت أنه مؤرخ دقيق للغاية حتى في أصغر التفاصيل. وهناك عالم آثار مشهور فحص بدقة إشارات لوقا إالي 32 بلدة و54 مدينة، و9 جزر، دون أن يجد غلطة واحدة “(3)

وهنا نقطة أخيرةّ: فهناك كتاب ذكر عن ثذا الموضوع ما يلي ” إذا كان لوقا دقيقا باجتهاد كبير في بياناته التاريخية، فعلي أي أساس منطقي نفترض أنه كان سريع التصديق أو غير دقيق في ذكره لمسائل أكثر أهمية بكثير، ليس فقط بالنسبة له بل بالنسبة للآخرين أيضا” (4)

مثلا، مسائل مثل قيامة يسوع من الموت، وهي أهم الدلائل الأكثر تأثيراً للتدليل على ألوهيته، التي يقول لوقا أنها ثبتت بشكل حاسم ” ببراهين كثيرة مقنعةّ ” ( أعمال الرسل 1:3) .

موثوقية يوحنا ومرقس

  قد يدعم علم الأثار مصداقيةّ لوقا، لكنه ليس الكاتب الوحيد للعهد الجديد. فتساءلت ما الذي يجب أن يقوله العلماء عن يوحنا، الذي نظُر إليه أحياناً كمشتبه به لأنه تحدث عن المواقع التي يمكن أن تُدقق. وقد إتهمه بعض العلماء بأنه قد أخفق في ترتيب هذه التفاصيل الأساسية، فلابد أن يوحنا لم يكن على مقربة من أحداث حياة يسوع.

ذلك الاستنتاج، على أية حال، قُلب رأساً على عقب في السنوات الأخيرة. وأوضح ماكراي ذلك

قائلاً:” كان هناك العديد من الإكتشافات التي جعلتنا ننظر إلى يوحنا أنه كان دقيقا جداً”. فمثلا في إنجيل يوحنا 5 :1-15 يسجل كيف أن يسوع شفي مريضاً ببركة بيت حسدا. ويذكر يوحنا تفاصيل أن البركة كان لها خمسة أروقة ولمزن طويل إاستشهد الناس بهذا كمثال على أن يوحنا لم يكن دقيقاً، لأن هذا المكان لم يجده أحد.

   ” ولكن مؤخراً أمكن الحفر والتنقيب عن بركة بيت حسدا، ووجد وكما هو متوقع، على عمق أربعون قدم تحت الأرض، وكان هناك خمسة أروقة، الذي يعني خمسة مداخل أو ممرات على جوانبها أعمدة، وهذا بالضبط ما وصفه يوحنا. وهناك إكتشافات أخري، بركة سلوام في يوحنا 9: 7، وبئر يعقوب في يوحنا 4: 12، الموقع المحتمل للرصيف الحجري بالقرب من بوابة يافا حيث مثل يسوع أمام بيلاطس، وحتى هوية بيلاطس ذاتها، كل هذه الدلائل قد أكسبت إنجيل يوحنا مصداقية تاريخية “.

  فأجاب ما كراي: ” بالتأكيد جداً “

   وفي الواقع، كرّر ماكراي ما قاله دكتور بروس متزجير، عن أن علماء الآثار قد وجودا جزءاً من نسخة من إنجيل يوحنا الأصحاح 18 الذي كان علماء البرديات البارزين قد أرجعوا تاريخها إالي حوالي سنة 125 م. وبإثبات أن نسخاً من إنجيل يوحنا كانت موجودة في هذا الموعد المبكر وفي مكان بعيد مثل مصر، فإن علم الآثار قد أفسد صحة التخمين بأن إنجيل يوحنا قد تمت كتابته في منتصف القرن الثاني، بعد فترة طويلة جداً من حياة يسوع مما يجعله غير موثوق به.

هناك علماء آخرون هاجموا إنجيل مرقس، الذي يعتبر عموماً أول رواية كُتبت عن حياة يسوع. فالملحد مايكل مارتن يتهم مرقس بأنه كاهل بجغرافية فلسطين، ممايثبت بأن لم يكن من الممكن أن يكون قد عاش في هذه المنطقة في زمان يسوع. ويستشهد بشكل خاص بما جاء في إنجيل مرقس 7: 31 “ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ.”

قال مارتن: ” لقد تبين من مّعطيات هذه الاتجاهات بان يسوع كان مسافرا مباشرة بعيدا عن بحر الجليل “(5)

    فعندما عرضت نقد مارتن على ماكراي، قّطب حاجبيه وبدأ يتحرك بنشاط شديد، ثم سحب نسخة يونانية لإنجيل مرقس على رف كتبه، ثم أمسك بعض المراجع، وفتح خرائط كبيرة لفسلطين القديمة.

ثم قال: ” يبدو أن هؤلاء النقّاد يفترضون بأن يسوع يركب سيارته وينطلق حو مناطق بين الولايات، ولكن من الواضح أنه لم يفعل ذلك”.

      قراءة النص في اللغة الأصلية، واضعاً في الحسبان التضاريس الجبلية والطرق المحتملة من هذه المنطقة، ومراعيا الطريقة الغير ثابتة لإستخدام كلمة ” ديكابوليس ” للإشارة إاليإتحاد مكوّن من عشرة مُدن والتي تختلف من وقت لآخر، تتبع ماكراي مساراً منطقيا على الخريطة يتفق تماماً مع وصف مرقس.

    ثم استنتج ماكراي قائلا: ” عندما يوضع كل شئ في السياق المناسب، فلن يكون هناك مشكلة في رواية مرقس للأحداث”.

     ومرة اخري، نجد أن بصيرة علم الآثار ساعدت على توضيح ما ظهر في بادئ الأمر بأنه نقطة خلاف في العهد الجديد. فسألت ماكراي سؤالا واضحا حول هذه النقطة: هل سبق وصادفت إكتشافا أثريا يتعارض بشكل صارخ مع ما ذُكر في العهد الجديد؟

     فهز رأسه قائلاً: ” إن علم الآثار لم يكتشف أي شئ يعتبر بوضوح تناقضاً مع الكتاب المقدس”. وأضاف بثقة ” بل على العكس، وكما رأينا كانت هناك آراء كثيرة لعلماء متشككين صُنفت على أنها “حقيقة” على مر السنين ولكن علم الآثار أثبت أنها خاطئة”.

    ومع ذلك، ما زال هناك بعض المسائل التي تحتاج للحل…

فأخرجت مذكراتي واستعدّت لتحدي ماكري بثلاث ألغاز مزمنة التي كنت أظن أن علم الآثار قد يجد بعض الصعوبة في تفسيرها.

اللغز الأول: إحصاء السكان

       تدّعي روايات ميلاد يسوع بأن مريم ويوسف تطلّب منهما العودة لبلدة يوسف الأصلية وموطنه بيت لحم بسبب إحصاء السكان. فقلت له:” دعني أكون صرحيا معك: إن هذا يبدو منافياًللعقل بوضوح. فكيف تجبر الحكومة كل مواطنيها بالعودة إالي محل ميلادهم؟ هل هناك أي دليل أثاري أياًكان بأن هذا النوع من الإحصاء السكاني قد حدث فعلاً؟”,

    بهدوء سحب ماكراي نسخة من كتابه ” في الحقيقة، إن إكتشاف أشكال غحصاء السكان قديما قد سلّط قليلا من الضوع على هذه الممارسة “. قال هذا بينما كان يتصفح صفحات الكتاب.فلما وجد المرجع الذي كان يبحث عنه، إقتبس من أمر حكومي رسمي يرجع تاريخه إلى سنة 104 م.

    غايوس فيبيوس ماكسيموس، والي مصر(يقول): بما أن الوقت قد حان لإحصاء السكان من بيت لبيت، فمن الضروروي إجبار كل الذين لأي سبب مهما يكن –يقيمون بعيدا عن أقاليمهم الأصلية-أن ” يعودوا إلى مواطنهم” لكي ينفذوا أوامر التعداد المنظمة وكذلك يهتموا باجتهاد برعاية مصالحهم(6)

 ثم أغلق كتابه قائلاً:” كما تري، تلك الممارسة مؤكدة بهذه الوثيقة، بالرغم من أن هذا الآسلوب المحُدد لتعداد الناس قد يبدو شاذاًبالنسبة لك. وهناك بردية أخري، يرجع تاريخها لسنة 48م، تشير إلى اشتراك كامل العائلة في إحصاء السكان”.

      ومع ذلك، فإن هذا لم يحسم المسألة كلياً. إذ أن لوقا قال إن هذا التعداد الذي أحضر يوسف ومريم إلى بيت لحم قد أُجري حين كويرينيوس واليا على سوريا وأثناء حكم هيرودس الكبير.

فقلت له موضحاً ” إن هذا يطرح أمامنا مشكلة هامة، لأن هيرودس مات سنة 4 ق.م.، وكويرينيوس لم يبدأ ولايته على سوريا حتى سنة 6 م، وأجري التعداد بعد ذل بقليل. هناك فجوة كبيرة، فكيف تعالج مثل هذا التناقض الكبير في التواريخ؟”.

    عرف ماكراي بأنني آثير قضية تصارع معها علماء الآثار لسنوات. ردّ بالقول ” هناك عالم آثار بارز يدعي جيري فاردامان فد قام بجهد كبير بهذا الخصوص. عثر عملة بإسم كويرينيوس عليها كتابة صغيرة جداً، أو ما نسميه بالحروف ” المجهرية” وهذا يجعله والياً على سوريا وسيليثيا من سنة 11ق.م

وحتى بعد موت هيرودس”.

وعندئذ شعرت بالإرتباك وسألته “ما معني ذلك؟”

فأجاب ” هذا يعني بأنه، على ما يبدو، كان هناك إثنان بإسم كويرينيوس. وهذا ليس بالأمر النادر الغريب، فلدينا الكثير من الأشخاص يحملون نفس الأسماء الرومانية، لذا فيلس هناك مُبرر للشك بأنه كان هناك شخصان بأسم كويرينيوس. ويكون التعداد قد تم في عهد كويرينيوس الأسبق. فلو علمنا أن دورة إحصاء السكان كانت كل أربع عشرة سنة، فإن هذه التواريخ تصبح معقولة تماماً”.

بدا هذا لي بأنه تخميني نوعاً ما، ولكن بدلاً من تعطيل هذه المحادثة، قررت الاحتفاظ بهذه المسألة في ذهني لتحليلها مرة أخري فيما بعد.

     ولما قمت ببعض الأبحاث الإضافية، وجدت أن السير وليم رمزي، عالم الآثار والأستاذ السابق في كلّ من جامعتي أكسفورد كامبردج بإنجلترا، قد أتي بنظرية مشابهة. فقد استنتج من نقوش متنوعة أنه بينما كان هناك كويرينيوس واحد فقط، كان واليا على سوريا في مناسبتين منفصلتين، وهذا يغطي فترة ميعاد التعداد الأول(7)

     وهناك علماء آخرون أشاروا إلى أن نص لوقا يمكن يُترجم هكذا ” تم إجراء هذا التعداد قبل أن يتولي كويرينيوس ولاية سوريا “، وهو الذي يحلّ المشكلة أيضاً (8)

     ولكن المسألة لم تُحسم تماما كما كنت أتمنى. ومع ذلك، كان لابد من الإعتراف بأن ماكراي وآخرين قد قدموا بعض التفسيرات المعقولة. فاستطعت أن أستنتج بثقة أن إحصاءات السكان تلك قد أجريت أثناء الإطار الزمني لميلاد يسوع، وبأن هناك دليل أن الناس قد طُلب منهم فعلاً العودة إلى محل ميلادهم وهو الأمر الذي ما زلت أعتقد أنه شاذ.

اللغز الثاني: وجود الناصرة

    كثير من المسيحين يغفلون أن المتشككين ظلوا يؤكدون لمدة طويلة بأن الناصرة لم تكن موجودة في الوقت الذي يقول العهد الجديد ان يسوع قد قضي طفولته فيها.

   ففي مقالة بعنوان” حيث لم يسر يسوع” لاحظ الملحد فرانك زيندلر بأن الناصر لم تذكر في العهد القديم، أو من قبل بولس الرسول، أو في التلمود (ولو أنه هناك إستشهاد ب 63 بلدة جليلية أخري)، أو من قبل يوسيفوس (الذي أدرج إسم 45 قرية ومدن أخري في الجليل، من بينها يافا، التي كانت لا تبعد أكثر من ميل واحد عن الناصرة الحالية).

ولم يذكر المؤرخين أو الجغرافيين القدماء اسم الناصرة قبل بداية القرن الرابع (9). يظهر الاسم الأول مرة في الأدب اليهدي في قصيدة كُتبت في القرن السابع الميلادي تقريباً”(10)

   يرسم هذا الغياب بوجود الدليل صورة مثيرة للشككّ. لذا عرضت المسألة مباشرة على ماكراي، فقلت له: ” هل هناك أي تأكيد آثاري لوجود الناصرة أثناء القرن الأول؟”.

    لم تكن هذه المسألة بجديدة على ماكراي، فأجاب قائلاً:” إن الدكتور جيمس سترانج من جامعة فلوريا الجنوبية خبير في هذا المجال، وهو يصف الناصرة بأنها مكان صغير جداً حوالي 60 هكتار، ويبلغ الحد الأقصي لسكانها حوالي 480 في بداية القرن الأول”.

    ومع ذلك فإن هذا كان مجرد استنتاج، ولكني أردت الدليل، فسألته:” من أين له أن يعرف ذلك؟”.

فأجاب قائلاً:” حسنا، إن سترانج يلاحظ أنه أنه عند سقوط القدس(أورشليم) في 70 م. لم يكن هنا حاجة لوجود الكهنة في المعبد لأنه دُمر، لذا أرسلوا إلى مواقع أخري مختلفة، حتي إلى أعلي الجليل. وقد وجد علماء الآثار قائمة باللغة الأرمية تصف “أربع وعشرون مجموعة” أو عائلة من الكهنة الذين نقلوا، وقد سجل واحد منهم بأنه نُقل إلى الناصرة. وهذا يُرينا بأن هذه القرية الصغيرة جداً لابد وأنها كانت موجودة في ذلك الوقت”.

    بالإضافة إلى ذلك، قال إنه كانت هناك عمليات حفر آثارية كشفت عن وجود مقابر من القرن الأول على مقربة من الناصرة، الذي يؤسس لحدود القرية، لأنه بحسب الشريعة اليهودية كان يجب دفن الموتي خارج المدينة تماماً. وقد حوي قبران على أشياء مثل: مصابيح فخارية، واوعية زجاجية، وزهريات من القرن الأول أو الثالث أو الرابع.

    إلتقط ماكراي نسخة من كتاب ألفه عالم الآثار المشهور جاك فينيجان، ونشرته مطبعة جامعة برينستون. وبعد أن تصفحه قرأ تحليل فينيجان” من القبور …. يمكن استنتاج أن الناصرة كانت مستوطنة يهودية تماما في العهد الروماني”(11)

     وهنا نظر ماكراي إلى وقال:” كان هناك جدال حول موقع بعض المواقع من القرن الأل، مثل: أين يقع بالضبط قبريسوع، ولكن بين علماء الآثار لم يكن هناك أبداًشك كبير حول موقع الناصرة. وينبغي أن يكون عبء الدليل على أولئك الذين يعارضون وجوده”.

    ولقد بدا ذلك معقول. فحتي أيان ويلسون الذي كان عادة متشككاً، يذكر أن آثار فترة ما قبل المسيحية وجدت سنة 1955 م تحت كنيسة البشارة في الناصرة الحالية، وقد أمكنه الإعتراف بأن ” مثل هذه المكتتشفات توحي بأن الناصرة لربما وجدت في زمن يسوع، ولكن ليس هناك من شك بأنها لابد أنها كانت مكان صغير وتافه جداً”. (12)

لدرجة أن نثنائيل يقول في يوحنا 1: 46، وهو يفكر بعمق “أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟”.

اللغز الثالث: المذبحة في بيت لحم

  يرسم إنجيل متي مشهدأً مُريعاً: إن هيرودس الكبير، ملك اليهودية، شعر بالتهديد من مولد طفل رضيع فخاف من أن يستولي على عرشه في النهاية، فيُرسل جنوده لقتل كل أطفال بيت لحم الذين هم دون السنتين. إلا أنه، على أية حال، وبسبب تحذير ملاك، يهرب يوسف إلى مصر. وبعد موت هيرودس فقط يعودون للإستقرار في الناصرة، وهذه الحادثة المأساوية كلها حققت ثلاث نبوءات قديمة عن المسيا

(راجع إنجيل متي 2: 13 -23).

المشكلة: أنه ليس هناك أي تأكيد مستقل بأن هذا القتل الجماعي قد حدث أصلاً. فليس هناك من ذكر لأي شئ من هذا في كتابات يوسيفوس أو مؤرخين آخرين. وليس هناك أي تأييد آثاري. ليس هناك سجلات أو وثائق.

    فقلت بإصرار ” وبالتأكيد أن حدثا بهذه الضخامة لابد أنه قد لوحظ بواسطة آخرين غير متي. ومع الغياب التام لأي تعزيز تاريخي أو آثاري لهذا الحدث، أليس من المنطقي إستنتاج بأن هذه المذبحة لم تحدث أبداً”.

   فأجاب ماكراي:” إنني أدرك لماذا تقول هذا، لأن مثل هذا لو حدث اليوم سنجده منشورة في كافة انحاء العالم ب سي. إن. إن وباقي وسائل الإعلام الإخبارية”.

  فوافقت على هذا الرأي. ففيالواقع في سنة 1997 و1998 كانت هناك سيول متواصلة من الأخبار عن متطرفين مسلمين يكررون شن غارات فدائية وذبح قري بأكملها فعلا بما فيها من نساء وأطفال في الجزائر. فتلك الأخبار كانت ملحوظة ومعروفة للعالم كله.

   أضاف ماكراي قائلاً” ولكن، لابد أن تُعيد نفسك إلى القرن الأول وتضع في إعتبارك قليل من الأشياء.

اولاً: بيت لحم هلي هي أكبر من الناصرة، لا فكم كان عدد الأطفال الرضع في ذلك العمر يمكن أن يكون في قرية عدد سكانها 500 او 600 نسمة؟ فليسوا آلاف، ليسوا مئات، اي انهم عدد قليل بالتأكيد”.

ثانيا: أن هيرودس الكبير، كان ملكاً متعطشا للدماء، فقد قتل أفرادا من اسرته، وأعدم كثيرا من الناس الذين إعتقد بأنهم يتحدونه. لذا فحقيقة أنه قتل بعض الأطفال الرضع في بيت لحم، لن تستأسر إنتباه الناس في العالم الروماني.

ثالثا: لم يكن هناك تلفزيون، ولا مذياع، ولا صحف. وكان ذيوع خبر يستغرق وقتا طويلا لإنتشاره، خاصةً من مثل هذه القرية البسيطة جدا الواقعة في التلال الخلفية في أماكن غير معروفة، قد كان لدي المؤرخين قصصا أكبر بكثير يكتبون عنها”.

   وانا كصحفي، مازال من الصعب على أن أفهم ذلك فسألته وأنا غير مصدق” إن هذه لم تكن قصة كبيرة؟”.

  فقال ” أنا لا أعتقد ذلك، على الأقل في تلك الأيام. فأي شخص مجنون قاتل سيظن بان اي شئ هو تهديد محتمل له – فقد ان ذلك عمل معتاد بالنسبة لهيرودس. وفيما بعد، بالطبع، حين نمت المسيحية وتطورت، أصبحت هذه الحادثة أكثر أهمية، ولكني كنت سأدهش لو أن هذا الخبر قد أخذ مساحة كبيرة حينئذ.

لذا لربما، بيد أن ذلك كان صعب للتخيل بالنسبة لي كصحفي دُرب لي شمّ الأخبار في عصر لديه تقنيات عالية من الإتصالات السريعة والعالمية. في نفس الوقت، كان لابد أن أعترف بأنه ومما عرفته من المشهد الطبيعي الدامي لفلسطين القديمة، فإن تفسير ماكراي يبدو معقولاً.

بعد هذا بقيت مسألة أخري أردت الإستفسار عنها. وبالنسبة لي يعتبر أشد المجالات كلها سحراً.

لغز لفائف البحر الميت

   في الحقيقة، هناك إغراء لعلم الآثار. فالقبور القديمة، والنقوش الغامضة المحفورة في الأحجار أو المنقوشة على ورق البردي، او قطع الفخاريات المكسورة، أو العملات المعدنية البالية، كلها تعتبر مفاتيح سرية مغرية للمحقق المتمكن. ولكن ليس هناك من بين آثار الماضي التي ولّدت إثارة بقدر لفائف البحر الميت، مئات من المخطوطات يرجع تاريخها إلى الفترة من 250 ق.م.
إلى 68 م. وقد وجدت في كهوف تبعد عشرين ميلا شرقي أورشليم (القدس) في سنة 1947 م. ويبدو أنها كانت قد خبئت من قبل متطرفة من اليهود تدعي الأسينيين قبل أن دمّر الرومان مستوطنتهم.

    ظهرت بعض الإدعاءات الغريبة حول هذه اللفائف، بما في ذلك كتاب جون ماركو المُتسرّع والغير منطقي الذي فيه فسّر بأن المسيحية نشأت من طائفة الخصوية التي كان أتباعها يتغذون على فطريات مُسببة للهلوسة! (13). وفي زعم آخر أكثر معقولية لكنه مع ذلك مشكوك به جداً قال خبير البرديات خوزيه أوكالاغان أن قطعة من بريات البحر الميت هي جزء من أقدم المخطوطات التي وجدت لإنجيل مرقس، ويرجع تاريخها إلى سبعة عشر أو عشرون سنة بعد صلب يسوع. على أية حال، العديد من العلماء مازالوا متشككين من تفسيره(14).

   في أية حالة، لايوجد أي تحقيق في آثار القرن الأول يعتبر كاملاً بدون السؤال عن هذه اللفائف، فسألت ماكراي ” هل تخبرنا هذه اللفائف بأي شئ مباشرة عن يسوع؟”

 

    فأجابني “كلا، لم يُذكر يسوع بشكل محد في أي من هذه اللفائف. فأولاً: هه الوثائق تعطينا رؤية جيدة عن الحياة والعادات اليهودية “. ثم أخرج بعض الصُحف وأشار إلى مقالة نُشرت في أواخر سنة 1997م

واضاف. ” ولو أن هناك تطور مثير جداً يتضمن مخطوطاً يسمي 4Q521 ويمكن أن يخبرنا بشيء عما كان يدعيه يسوع”.

      لقد أثار هذا الموضوع شهيتي، فقلت ببعض العجالة في صوتي ” حدثني عنه”

وهنا كشف لي ماكراي كيف كان يوحنا المعمدان، سُجن وتصارع بتباطأ مع شكوكه حول هوية يسوع، أرسل أتباعه ليسألوا يسوع هذا السؤال التذكاري “أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟”(متي 11: 3). لقد كان يبتغي جواب مباشر عما إذا كان يسوع هو فعلا المسيا الذي طال إنتظاره.

وعبر القرون، تساءل المسيحين عن جواب يسوع المبهم جداً، فبدلاً من أن يقول مباشرة نعم أو لا، أجاب قائلاً:” اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.(متي 11: 4-5)

ولقد ردّ يسوع تلميحا إلى أشعياء 35. ولكن لسبب ما أضاف يسوع عبارة ” وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ”، الذي يغيب عن نص العهد القديم بوضوح.

وهنا يدخل إلينا المخطوط المسمى 4Q521. فهذا المخطوط الغير مُصنف ضمن نصوص الكتاب المُقدّس من مجموعة البحر الميت، كتب باللغة العبرية، يرجع تاريخه إلى ما قبل ميلاد المسيح بثلاثين سنة. ويحتوي على نسخة للأصحاح 61 من سفر أشعياء الذي يتضمن هذه العبارة المفقودة ” وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ”.

 

” {عالم المخطوطات كريج إيفانز} قد أوضح أن هذه العبارة 4Q521. قد أدخلت إاليه بلا شك في سياق مسياني شديد الحماسية. وهي تُشير إلى العجائب التي سيعملها المسيا المنتظر عندما يجئ، حيث السماء والأرض ستطيعانه. لذا فعندما أعطي يسوع رده على يوحنا المعمدان، كان مُدركا بأنه ليس بغامض على الإطلاق. بل كان يوحنا مسرفاً في كلماته التي بمثابة إعتراف متميز حيث يدعي بأن يسوع هو المسيا المنتظر”.

    وهنا ناولني ماكراي التي تذكر أن إيفانز قال إن 4Q521 توضح أن احتكام يسوع لأشعياء 35 في الحقيقة مسياني. ففي جوهر الأمر، أن يسوع أبلغ يوحنا عبر رسله بأن الأشياء المسيانية تحدث. وبذا فإن الجواب على سؤال يوحنا “نعم هو الآتي ” (15)

   إسترحت في كرسييّ. فبالنسبة لي، إكتشاف إيفانز كان تأكيد رائع لهوية يسوع الذاتيةّ. ومما أذهلني كيف أن علم الآثار الحديث إستطاع أخيراً أن يكشف مؤخرا عن أهمية تصريح أكد فيه يسوع بوضوح قبل ألفي سنة تقريبا أنه حقا الممسوح من الله.

كتاب مصدري دقيق جداً

  يزيد تأكيد علم الآثار المتكرر من التعزيز المهم لموثوقية دقة العهد الجديد. وهذا بالمقارنة الشديدة مع كيف أثبت علم الآثار أنه مُدمر للعقيدة المورمونية.

   ولو أن جوزيف سميث، مؤسس الكنيسة المورمونية، إدعي أن ” كتاب المورون ” هو ” الكتاب الأكثر صحة على وجه الأرض”، إلا أن علم الآثار قد خيّب هذا الآدعاء بشكل متككر حول الأحدث التي يُفترض أنها حدثت منذ فترة طويلة في الأمريكتين.

   وإني أتذكر أني كتبت رسالة إلى المعهد السمثسوني Smithsonian   لأستعلم عما إذا كان هناك أي دليل يؤيد إداعاءات الطائفة المورمونية، فاخبروني بعبارات واضحة أن علماء الآثار لديهم يرون” أنه ليست هناك صلة مباشرة بين علم الآثار في العالم الجديد ومادة بحث الكتاب”.

   وكما استنتج المؤلفان جون أنكيربيرج وجون ويلدون في كتاب على الموضوع ” بعبارة أخري، لم يوجد أي مكان لمدن ” كتاب المورمون “، ولم يوجد أي شخص، أو مكان، أو دولة، أوإسم، ينتمي إالي ” كتاب المورمون” ولا يوجد أي شيء متنوع ينتمي إلى ” كتاب المورمون” ولا يوجد أي شيء مصنوع ينتمي إلى ” كتاب المورمون” ولا يوجد كتاب مقدس يتعلق ب ” كتاب المورمون” ولا توجد نقوش عن ” كتاب المورمون”… ولا ئي يعرض ” كتاب المورمون” سوي أسطورة أو إختراع هو الذي وجد”(17)

وعلى أية حال، القصة مختلفة كلياً بالنسبة للعهد الجديد. إن إستنتاجات ماكراي هي ترديد لما قاله العديد من العلماء الآخرين، بمن فيهم عالم الآثار الأسترالي المسهور كليفورد ويلسون، الذي كتب، ” الذين يعرفون الحقائق يدركون الآن أن العهد الجديد يجب أن يقبل ككتاب مصدري دقيق جداً”(18)

   مع كريح بلومبيرج بعد أن أسس الموثوقية الضرورية لوثائق العهد الجديد، وبعد أن اكّد بروس متزجير نقلها الدقيق عبر التاريخ، وبعد أن عرض إدرين ياموكهي الأدلة الكثيرة المؤيدة من قبل المؤرخين القدماء وغيرهم، ثم الآن بعد أن أثبت جون ماكراي كيف أن علم الآثار يؤكد مصداقيتها، كان لابد أن أتفق وأوافق على رأي ويلسون. وإن قضية المسيح، بينما لا زالت بعيدة عن الكمال، لكنها بُنيت على أرض صخرية صلبة.

وفي نفس الوقت، عرفت بوجود بعض الأساتذة البارزين الذين يُعارضون منشغين عن هذا التقييم. ولقد رأيت أوالهم منشورة في جريدة “النيوز ويك “، كما أجريت معهم أحاديث في اخبار المساءن إذ يتحدثون عن إعادة جوهرية لتغييمهم ليسوع. وقد حان الوقت لمواجهة مقالاتهم النقدية مباشرة قبل أن ابعد من ذلك في تحقيقاتي. وهذا يعني رحلة إلى مينيسوتا لمُقابلة عالم مثقف جداً يدعي دكتور جويجوري بويد.

 أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  1. مالذي تراه كبعض العيوب والمنافع من إستخدام علم الآثار لتأييد العهد الجديد؟
  2. لو ثبت أن لوقا وكتاب العهد الجديد الآخرين انهم وصّلوا تفاصيل الأحداث بدقة، فهل هذا يزيد ثقتك انهم سيراعوا نفس الدقة في تسجيل الأحداث الأكثر أهمية؟ لما أو لم لا؟

  3. لماذا تجد تحليل دكتور ماكراي للألغاز المتعلقة بإحصاء السكان، ووجود الناصرة، ومذبحة بيت لحم، أنها معقولة ام غير قابلة للتصديق عموما؟

  4. بعد أن درست أدلة شهود العيان، والوثائق، والأدلة المؤيدة، والأدلة العلمية في القضية…المسيح، هلي يمكنك أن تتوقف قليلاً وتُقيم استنتاجات حتى الآن. على مقياس من صفر إلى 10 – على اساس أن الصفر يعين ” لا ثقة ” في الموثوقية الضرورية للأناجيل، و10 تعني ” ثقة كاملة”، أين تعتبر نفسك من هذه النقطة؟ وماهي بعض الأسباب لإختيارك لهذا الرقم؟

لمزيد من الأدلة – مصادر اخري حول هذا الموضوع

 

. Fineegan, jack. The Archaeology of the New Testament. Princeton: Princeton unvi. Press, 1992

. Mcray, John.  Archaeology and the New Testament. Grand Rapids: baker, 1991

. Thompson, J. A. The bible and Archaeology Grand Rapids: Eerdmans, 1975

. Yamauchi, Ewin. The Stones and scriptures. New York: J. B. Lippencott, 1972

 

1 – For the full story, see Joe McGinniss, Fatal Vision (New York: New American Library, 1989). For a description of the scientific evidence, see Colin Evans, The Casebook of Forensic Detection (New York: John Wiley & Sons, 1996), 277-80.

2 – Luke 18:35, Mark 10:46.

3 – Norman Geisler and Thomas Howe, When Critics Ask (Wheaton, 111.: Victor, 1992), 385.

4 – John Ankerberg and John Weldon, Ready with an Answer (Eugene, Ore.: Harvest House, 1997), 272.

5 – Michael Martin, the Case against Christianity (Philadelphia: Temple Univ. Press, 1991), 69, emphasis added.

6 – John McRay, Archaeology and the New Testament (Grand Rapids: Baker, 1991), 155, emphasis added.

7 – Robert Boyd, Tells, Tombs, and Treasure (Grand Rapids: Baker, 1969), 175, cited in Habermas, The Historical Jesus, 12.

8 – Geisler and Howe, When Critics Ask, 185.

9 – Frank Zindler, “Where Jesus Never Walked,” American Atheist (Winter 1996-1997), 34.

10 – Ian Wilson, Jesus: The Evidence (1984; reprint, San Francisco: Harper-SanFrancisco, 1988, 67.

11 – Jack Finegan, the Archaeology of the New Testament (Princeton: Princeton Univ. Press, 1992), 46.

12 – Wilson, Jesus: The Evidence, 67.

13 – Wilkins and Moreland, Jesus under Fire, 209.

14 – Ibid., 211.

15 – Kevin D. Miller, “The War of the Scrolls,” Christianity Today (October 6, 1997), 44, emphasis added.

16 – Joseph Smith, History of the Church, 8 vols. (Salt Lake City: Desert, 1978), 4:461, cited in Donald S. Tingle, Mormonism (Downers Grove, 111.: Inter Varsity Press, 1981), 17.

17 – John Ankerberg and John Weldon, The Facts on the Mormon Church (Eugene, Ore.: Harvest House, 1991), 30, emphasis in original.

18 – Clifford Wilson, Rocks, Relics and Biblical Reliability (Grand Rapids: Zondervan; Richardson, Tex.: Probe, 1977), 120, cited in Ankerberg and Weldon, Ready with an Answer, 272.

 

الادلة العلمية – هل يؤكّد علم الأثار أم يناقض سير حياة يسوع؟ – لي ستروبل

Exit mobile version