مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) – مدخل إلى علم الآباء
مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) – مدخل إلى علم الآباء
مفهوم علم الآباء وتاريخه (باترولوجيا) – مدخل إلى علم الآباء
كلمة باترولوجيا مأخوذة عن الكلمة اليونانية باتير، أى “أب ” فعلم الباترولوجيا هو ” علم الآباء ” وهو ذلك الجزء من تاريخ الكتابات المسيحية ، الذى يتناول حياة وأعمال الكُتّاب اللاهوتيين والروحيين فى العصور المسيحية الأولى .
بمعنى آخر ” علم الآباء ” هو العلم الذى يساعد على التفهم العميق والحقيقى للحياة المسيحية والإيمان الجامع من خلال كتابات آباء الكنيسة . وهكذا يمكن أن نتفهم جو الكنيسة الأولى ونختبر عذوبته ، ونتعرف على الفكر الأرثوذكسى الأصيل وكيف شهدت الكنيسة للحق فى مواجهة كل المقاومات .
اسم هذا الفرع من فروع علم اللاهوت هو حديث العهد نسبيًا. وأول من استعمل مصطلح ” باترولوجيا ” ، هو اللاهوتى اللوثرى John Gerhard فى القرن السابع عشر وذلك عندما استخدم كلمة ” باترولوجيا ” Patrologia كعنوان لكتابه الذى نشره سنة 1653م .
إلاّ أن فكرة تسجيل أقوال الآباء هى فكرة قديمة ترجع إلى القرون الأولى ، وتبدأ بيوسابيوس المؤرخ الكنسى فى القرن الرابع الميلادى . إذ يقول فى مقدمة كتابه ” تاريخ الكنيسة ” { إنه قصد أن يسجل كتابة ما يعرفه عن عدد من أولئك الذين كانوا فى كل جيل هم سفراء كلمة الله بالكلام أو بالكتابة ، وأيضًا أسماء وعدد وأعمار أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم (أى الهراطقة) .. } (كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 1:10،1) .
ولذا فهو يسجل أسماء الكُتّاب وكتبهم على قدر ما يعرفهم ويسجل إقتباسات من معظم كتاباتهم وذلك حتى عام 325م (تاريخ مجمع نيقية) . ولهذا السبب يُعتبر يوسابيوس واحدًا من أهم مصادر الباترولوجيا ، خاصة وأن عددًا كبيرًا من الكتابات التى اقتبس منها قد فُقدت بعد ذلك .
وقد ترجم روفينوس كتاب يوسابيوس هذا من اليونانية إلى اللاتينية وأضاف إليه حتى عصر الأمبراطور ثيودوسيوس الكبير سنة 392م . وبعد ذلك واصل هذا الجهد كل من جلاسيوس القيصرى وسقراط وسوزومين وثيودريت وجيروم فى كتابه ” مشاهير الرجال ” حتى نهاية القرن الرابع، وقام جيناديوس ، وهو كاهن بمرسيليا بتكملة عمل جيروم حتى نهاية القرن الخامس .
وجاء بعد جيناديوس كثيرون يقدمون أعمالاً تحمل ذات المنهج نذكر منهم إيسيذوروس فى القرن السابع الميلادى وفوتيوس بطريرك القسطنطينية فى القرن التاسع الميلادى الذى قام بعمل مماثل لعمل جيروم تحت عنوان Photu Bibliotheca يمتاز بالدقة .
و كثيرون غيرهم فى الشرق والغرب حتى وصلنا إلى عصر النهضة الأوربية فى القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر حين بدأت التجميعات العظيمة للمؤلفات الكنسية القديمة ونشرها فى طبعات ممتازة .
طبعات الكتابات المسيحية الأولى :
1 ـ لقد افتتحت أكاديمية ” فيينا ” وأكاديمية ” برلين ” هذا العمل بطبع مجموعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية .
2 ـ وتعتبر أعظم مجموعة كاملة ، وبنفس هاتين اللغتين هى المجموعة الشهيرة التى أصدرها الراهب الكاثوليكى J. P. Migne ” مينى ” فى القرن التاسع عشر باسم : Patrologia Cursus Completus.
ومجموعة مينى هذه تتكون من سلسلتين :
أـ السلسلة اليونانية : وتشمل كتابات الآباء باليونانية حتى القرن الخامس عشر ويبلغ عددها (161) مجلدًا وتسمى Patrologia Greaca (P.G.) وطُبعت فى باريس سنة 1866م .
ب ـ السلسلة اللاتينية : وتشمل كتابات الآباء باللاتينية حتى القرن الثالث عشر ويبلغ عددها (221) مجلدًا وتسمى Patrologia Latina (P.L.) وطُبعت فى باريس سنة 1855م .
3 ـ أيضًا بدأ علماء الآباء الفرنسيون بنشر أعظم سلسلة للكتابات المسيحية الشرقية وهى التى تُعرف باسم Patrologia Orientalis وهى تشمل الكتابات الكنسية باللغات الشرقية : القبطية والسريانية والأرمينية والأثيوبية والعربية . وهى تصدر بباريس منذ عام 1907م فى (28) مجلدًا حتى الآن وقام بنشرها Graffin .
4 ـ مجموعة كتابات الكنيسة السريانية Patrologia Syriaca قام بنشرها أيضًا Graffin ، بباريس سنة 1926 فى (3) مجلدات .
ترجمات كتابات الآباء :
1 ـ ترجمات إنجليزية :
أ ـ مجموعة آباء ما قبل نيقية The Ante – Nicene Fathers
وهى ترجمة إنجليزية للكتابات الخاصة بآباء ما قبل نيقية وجاءت فى (10) مجلدات وقد صدرت أولاً فى أوكسفورد فى منتصف القرن 19 وقد أُعيد طبعها بأمريكا سنة 1951م .
ب ـ مجموعة آباء نيقية وما بعد نيقية The Nicene and Post Nicene Fathers
وقد أعيد طبعها بأمريكا أيضًا فى (28) مجلدًا وقد أُعيد طبعها سنة 1957م ويقوم بنشر كلا المجموعتين : Eerdmans Publishing Company : Grand Rapids. Michigan .U.S.A .
ج ـ مجموعة آباء الكنيسة The Fathers of The Church
تقوم بنشرها الجامعة الكاثوليكية الأمريكية بواشنطن The Catholic University of America Press. Washington منذ 1947م وقد وصلت حتى الآن (92) مجلدًا .
2 ـ ترجمة فرنسية : مجموعة المصادر المسيحية:Sources Chretiennes بدأ بنشرها Danielou بباريس منذ عام 1941 وتشمل النصوص الآبائية مع ترجمة فرنسية وتعليقات . وصل عددها إلى (400) مجلد حتى الآن .
3 ـ توجد مجموعات أيضًا لترجمة كتابات الآباء بالألمانية والإيطالية والأسبانية والهولندية والبولندية والنرويجية .
الدراسات الآبائية :
ومن جانب آخر بدأت معظم الجامعات فى الغرب إنشاء كراسى خاصة لعلم الآباء (الباترولوجيا) من القرن التاسع عشر . وفى القرن العشرين ظهر اتجاه مكتسح فى الغرب للاهتمام بدراسة النصوص الآبائية القديمة فى الكتابات المسيحية . ومن مظاهر هذا الاهتمام هو بداية المؤتمرات العالمية لدراسة كتابات الآباء وتعاليمهم . وأبرز هذه المؤتمرات الآبائية العالمية هو مؤتمر جامعة أوكسفورد (بانجلترا) للدراسات الآبائية الذى بدأ أول انعقاد له سنة 1951م وينعقد مرة كل أربع سنوات فى الصيف ، ويشترك فيه المهتمون بدراسة كتابات الآباء فى كل جامعات ومعاهد ومراكز الدراسات من قارات العالم ، ويصدر المؤتمر بعد كل دورة إنعقاد، الدراسات والأبحاث التى أُلقيت فيه فى عدة مجلدات باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية .
كما بدأت بعد مؤتمر أوكسفورد مؤتمرات عالمية فى دراسات آبائية متخصصة . فبدأ مؤتمر لدراسة كتابات أغسطينوس ومؤتمر لدراسة كتابات أوريجينوس العلامة الاسكندرى .
وهذه المؤتمرات تُعقد أيضًا كل أربع سنوات فى بلاد مختلفة ، بجامعات أوروبا أو أمريكا. كما بدأ الاهتمام أخيرًا بعمل مؤتمرات على نطاق القارة الأمريكية لدراسة الآباء ، وهذه المؤتمرات الآبائية تنعقد كل سنتين .
أيضًا بدأت فى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة مؤتمرات دولية متخصصة فى دراسة الكتابات المسيحية باللغة السريانية ، وفى دراسة القبطيات ، وأيضًا فى دراسة الكتابات العربية المسيحية . وهذه كلها تنعقد أيضًا كل أربع سنوات فى أماكن مختلفة .
دوافع تجميع قانون العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
دوافع تجميع قانون العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
دوافع تجميع قانون العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط
بعد هذا الشرح التفصيلي نسأل أنفسنا مرة أخرى؛ ما هي دوافع تجميع قانون العهد الجديد؟ ونعتمد هنا على ما يقدمه لنا نورمان جيسلر[1] لعدد من هذه الدوافع كما يلي:
(1) نبوية الكتب:
من أهم الأسباب التي أدت لتجميع وحفظ الأسفار المقدسة هو أنها أسفار نبوية. لأنها مكتوبة إما بيد رسول أو نبي من الله، لذلك فهي ثمينة وإن كانت كذلك فيجب حفظها. وكان هذا كما يبدو من عصر الرسل حيث كانت تتجمع رسائل القديس بولس وتوزع، كما بينا أعلاه[2]، وقد عكست الفترة التالية لعصر الرسل الاهتمام الكبير بالكتابات الرسولية لأسفار العهد الجديد وظهر ذلك من خلال اقتباسات الآباء الهائلة من الأسفار المقدسة.
(2) حاجة الكنيسة:
ومن دوافع حفظ الأسفار المقدسة أيضاً احتياج الكنيسة لمعرفة أي الكتب التي يجب قراءتها في الكنائس. أنظر: ” أُنَاشِدُكُمْ بِالرَّبِّ أَنْ تُقْرَأَ هذِهِ الرِّسَالَةُ عَلَى جَمِيعِ الإِخْوَةِ الْقِدِّيسِينَ ” (1تس5: 27)، وأي من هذه الكتب التي تستخدم في شرح العقائد اللاهوتية والرد على التعاليم الخاطئة. وهنا اصبح من الضروري امتلاك مجموعة كاملة من الكتب التي تزود الكنيسة بالمعيار الرسمي للايمان والتطبيق؛ ” كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ ” (2تي3: 16و17).
(3) دافع لاهوتي:
أما على الجانب السلبي فقد كان هناك تأثير الهراطقة. ففي عام 140م، قبل ماركيون الهرطوقي عدد محدود من كتب قانون العهد الجديد. وكان قانونه يتكون من الإنجيل للقديس لوقا إلى جانب عشرة من رسائل القديس بولس مظهرا الحاجة الواضحة الى تجميع قانون كامل لكتب العهد الجديد.
(4) دافع تبشيري:
وعلى الجانب الايجابي كان هناك الدافع التبشيري. فقد انتشرت المسيحية بقوة في البلاد الأخرى وظهرت الحاجة لترجمة الأسفار المقدسة الى لغات أخرى. ومن ثم فقد ترجمت إلى اللغتين السريانية واللاتينية في القرن الثاني الميلادي، ثم الترجمة القبطية في نهايته. وحتى لا تترجم كتب ليس لها وجود في القانون وجب الانتباه الى السؤال: أي الكتب تنتمي للقانون؟.
(5) دافع سياسي:
كما أن المرحلة الأخيرة من التعريف العام بالقانون الكامل لكتابات العهد الجديد تأثرت بالتأثير السياسي. فقد حفزت الأوامر باضطهاد المسيحيين وحرق الأسفار المقدسة في عصور الاضطهاد في زمن داكيوس عام 249 – 251م. وأيضاً الاضطهاد في زمان دقلديانوس فيما بين عام 302 – 305م.
وكان الاضطهاد الكبير لدقلديانوس/مكسيميانوس فيما بين 302 – 313 م. فقد حل بجميع المسيحيين بأنحاء الامبراطورية الرومانية عامة. وهذا الاضطهاد أعطى الكنيسة دافع قوي لتجميع وفحص وتوطيد كتب العهد الجديد. وكان من الطبيعي أن لا يعرض المسيحيون حياتهم للخطر إلا بسبب أسفار هم مؤمنون بها وواثقون أنها أسفار مقدسة.
ويروي لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري الأحداث التي تمت في هذه الايام بقوله: ” في السنة التاسعة عشرة من حكم دقلديانوس وفي شهر ديستروس الذي يسميه الرومانيين مارس، حيث كان أسبوع آلام المخلص قد قرب أُذيعت أوامر ملكية في كل مكان تأمر بهدم الكنائس إلى الأساس وحرق الأسفار المقدسة بالنار وطرد ذوي المناصب الرفيعة وحرمان خدم البيت من الحرية إذا أصروا على الاعتراف بالمسيحية.
هذا هو الأمر الأول الصادر ضدنا. وبعد ذلك بوقت قصير صدرت أوامر أخرى تأمر بأن جميع رؤساء الكنائس في كل مكان يجب أن يزجوا في السجن أولاً، وبعد ذلك يلزموا بالذبح للأوثان بعد استخدام كل حيلة معهم “[3].
ويقول نورمان جيسلر ساخراً[4]: ” يالسخرية فخلال خمسة وعشرين سنة من مرسوم تدمير الأسفار المقدسة فان الإمبراطور قسطنطين قام بعمل إيجابي من أجل حفظها. فقد كلف المؤرخ يوسابيوس لإعداد خمسين نسخة من هذه الأسفار المقدسة على نفقة الامبراطورية.
وينقل فيليب شاف نص خطاب الملك قسطنطين ليوسابيوس القيصري، هكذا: ” من المنتصر مكسيموس أغسطس قسطنطين الى يوسابيوس, لقد وجدت أنه من المناسب أن أعلم قداستك لنسخ خمسين نسخة من الأسفار المقدسة … على أن تنسخ على جلود معدّة وبطريقة قابلة للقراءة وفي شكل مناسب قابل للحمل بواسطة نُساخ متخصصين ومتمكنين في مهنتهم. أساقفة الإبارشيات تسلموا أوامرنا … وتزويد كل الأشياء الضرورية من اجل اعداد هذه النسخ … “[5].
وهناك جوانب أخرى تسببت في تحديد قانونية أسفار العهد الجديد وتجميعها وهي كما يقول بيتر انز[6]:
ظهور الكتابات المزيفة (الابوكريفية) ومهاجمة الأسفار.
وقد شهد لمحتوى أسفار العهد الجديد وموثوقيتها وقانونيتها آباء الكنيسة الأولى.
كما استخدمت هذه الكتابات الرسولية في طقوس العبادة العلنية. ولذا اصبح من الضروري تحديد اي هذه الكتابات قانونية.
وهناك اعتبارات هامة: يلخصها لنا تشارلز كالدويل ريراي[7] لبعض النقاط الهامة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار في موضوع القانونية هذا وكيفية قبول أسفار الكتاب المقدس والاعتراف بها، كالآتي:
1 – الأصالة الذاتية:
فمن الضروري أن نتذكر أن الكتاب المقدس يتصف بالأصالة الذاتية حيث انه انفاس الله (2تي3 :16). أو بكلمات أHخرى فقد كانت هذه الأسفار أسفاراً قانونية منذ لحظة كتابتها. ولم يكن هناك حاجة لانتظار المجامع لتفحصها وتحدد مدى قانونيتها من عدمه. فقد كانت القانونية صفة ملازمة لهذه الأسفار لأنها أتت من الله. وكان الشعب والمجامع متأكدين من ذلك ومعترفين بقانونيتها ووحيها الطبيعي منذ لحظة كتابتها. ولا يوجد سفر من أسفار الكتاب المقدس اكتسب القانونية بفعل أحد مجامع الكنيسة.
2 – القرارات البشرية:
فقد وضع الشعب والمجامع في الاعتبار الكتب التي يجب الاعتراف بها كقانونية بسبب ظهور بعض الكتب غير الموحى بها (الابوكريفية). وقد اتخذت بعض القرارات والاختيارات بإرشاد الله للجماعة لاختيار الأسفار الصحيحة بالدليل لجمع الكتابات القانونية في قانون العهد القديم والجديد.
3 – جدال القانونية:
وكان من المستبعد أن تظهر بعض الشكوك في هذه الأسفار اثناء عملية تقرير القانونية وجمع الأسفار. فهذه المجادلات التي حدثت لم تضعف من موثوقية الكتب الأصلية الحقيقية ولم تمنح القانونية لكتب غير موحى بها من الله.
4 – تمام القانون:
وقد اعتبرت الكنيسة أن قانون الكتاب المقدس قد اكتمل منذ عام 397م. وإذا كان قد اكتمل فقد كان لابد أن يغلق. لذا لا يمكن ان نتوقع المزيد من الكتب المكتشفة أو المكتوبة التي يمكن أن تفتح القانون مرة اخرى وتضيف اليه. حتى لو ظهرت رسالة للقديس بولس فسوف تكون غير قانونية.
ويضيف بنجامين وورفيلد[8]:
اكتمل قانون العهد الجديد عندما استلمت الكنيسة أخر كتاب رسمي من الرسل وهذا تم عندما كتب القديس يوحنا سفر الرؤيا عام 98م. وسواء كانت كنيسة افسس قد استكملت القانون عندما استلمت سفر الرؤيا أو لا فأن هذا يعتمد على وجود اي رسالة (فلتكن مثلا رسالة يهوذا) قد وصلت افسس مع دليل موثوق برسوليتها … فمن المؤكد ان الكنائس لم تستلم القانون بالكامل حتى زمن لاحق.
فالكنيسة اللاتينية في القرنين الثاني والثالث لم تكن تعرف ماذا تفعل بخصوص رسالة العبرانيين. والكنيسة السريانية ظلت لعدة قرون تحتاج إلى الرسائل الجامعة والرؤيا. ولكن منذ زمن إيريناؤس وما بعده امتلكت الكنيسة القانون كاملا كما نحن الآن. وعلى اية حال فقد كان المبدأ الذي كان يقبل على أساسه السفر أو كان يُشك فيه ويطرح جانبا هو التقليد التاريخي للرسولية.
ينتمى غريغوريوس إلى مدرسة كبادوكية اللاهوتية والتى ضمت كل من أخيه القديس باسيليوس الكبير وصديقه القديس غريغوريوس النيزينزى، والتى لعبت دورَا هاما فى تشكيل الفكر اللاهوتى المسيحى .
ولد عام 335م تقريبا فى قيصرية الجديدة ببلاد بنتطس فى بلدة اسمها ” أنيسا ” وتوفى عام394م . وهو من عائلة أرستقراطية مشهورة فى كل منطقة كبادوكية ، بغناها وثقافتها . تتلمذ على يد أخيه القديس باسيليوس الكبير، وأظهر منذ حداثته شغفا كبيرا بالكتاب المقدس والعلوم الفلسفية، وقد خدم بالكنيسة قارئا للإنجيل.
بدأ فى دراسة فن الخطابة وأجاد فيه ولكن بمشورة صديقه القديس غريغوريوس النيزينزى ترك مهنة الخطابة بعد حين. تزوج من امرأة تقية تدعى ثيئوسيفيا وربما رزق منها بولد اسمه كينيجيوُُ. وبناء على طلب أخيه باسيليوس كتب كتابا عن البتولية بعد عام 370م.
فى عام 372م سيم أسقفا لبلدة ” نيصّا ” بآسيا الصغرى مطيعًا فى هذا أيضًا أخوه باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية كبادوكيا . وتعرض لهجمات شرسة ومحاربات نتيجة للاضطرابات الكنسية الأمر الذى تسبب فى مشاكل لخدمة أخيه القديس باسيليوس . ففى عام 375م ـ 376م اُتهم من قِبَل الآريوسيين ونجحوا فى أن يشكوه للحكام الموالين لهم بتهمة تبديد أموال الكنيسة ومتهمين إياه بتصرفات غير قانونية ، وبسبب هذه التهم قبضت عليه السلطات وأبعدته عن إيبارشيته ، وفى الطريق أصابه المرض ونجح أصدقاؤه فى إخفائه فى مكان آمن.
وفى مجمع عقد فى ” نيصّا ” عام 378م تم عزله غيابيًا ونفيه. وبعد وفاة الحاكم الموالى للآريوسيين فى صيف 378م، عاد إلى كرسيه حيث استقبله الشعب بفرح كثير .
فى يناير عام 379م حضر وداع أخيه باسيليوس الأخير عند انتقاله ، وحينئذ شعر بمسئوليته الروحية الضخمة كوارث لتراث أخيه الكنسى . اشترك فى مجمع بأنطاكية فى خريف عام 379م حيث اعتمد المجمع تعاليم ولاهوت القديس باسيليوس الكبير لأول مرة.
وفى عودته مرة أخرى إلى ” نيصّا ” مر ببلدته” أنيسا ” حيث اشترك فى الوداع الأخير لأخته ماكرينا ورجع إلى مقر إيبارشيته حيث كان ينتظره جهاد عظيم ضد الآريوسيين .
فى ربيع 381م تواجد فى ” إفورا ” للاشتراك فى رسامة أحد الأساقفة هناك ، حينئذ طالبه أهالى بلدة ” سبسطيا ” أن يصير أسقفًا وراعيًا لهم ليحارب معهم أتباع أسقفهم السابق أوستاثيوس[2]، الذى كان يهاجم ألوهية الابن، ومن أنصار بدعة محاربى الروح القدس .. ولقد وافقهم غريغوريوس على ذلك رغم أنه واجه فيما بعد متاعب كثيرة .
وقبل نهاية عام 381م عاد إلى نيصّا حيث بدأ الكتابة ضد أونوميوس الذى أحيا الهرطقة الآريوسية من جديد فى الكنيسة [3].
من مايو عام 381م إلى يونيو من نفس العام تواجد فى القسطنطينية لحضور المجمع المسكونى الثانى حيث لعب دورا هاما معبرًا عن التعاليم الأرثوذكسية الصحيحة للآباء الكبادوك حول عقيدة الثالوث وألوهية الروح القدس ، وكُلف فى سنة 382م بمهمة خاصة سافر من أجلها إلى أورشليم وإلى بلاد العرب .. ولقد قام أيضا برحلاتٍ تتعلق بشئون الكنيسة فى كثير من بلاد بنتطس وكبادوكيا وأرمينيا وغلاطية .
فى سنة 383م اشترك فى مجمع عُقد بالقسطنطينية حيث ألقى خطابا عن ألوهية الابن والروح القدس، وفى هذا الخطاب أظهر قدرات خطابية لاهوتية فائقة مما جعله يحظى بلقب الخطيب الرسمى للإمبراطورية ، الأمر الذى جعل الإمبراطور ثيئودوسيوس يختاره فى سنة 385م لإلقاء كلمة الوداع الأخيرة فى جنازة ابنته بوليخيريا، وبعدها فى جنازة زوجته الإمبراطورة بلاكيللا سنة 387م.
بعد سنة 387م ، ليس لدينا أخبار عن غريغوريوس ، فربما بسبب تعبه وكبر سنه، انسحب من مسرح الأحداث السياسية والكنسية لكى يتفرغ للكتابة وخصوصا الكتابات النسكية.
وآخر أخباره لدينا هو اشتراكه فى مجمع آخر بالقسطنطينية عام 394م.
2 – أعماله (كتاباته) [4]
لغريغوريوس أسقف نيصَّا مؤلفات كثيرة بلغت 33 كتابًا، شملت موضوعات عقائدية وتفسيرية وليتورجية وروحية نسكية ، ورسائل. نختار من أهم هذه المؤلفات، الكتابات الآتية:
1 – عن الثالوث الأقدس .
2 – عن الروح القدس .
3 – عن الفرق بين الجوهر والأقنوم .
4 – تفسير نشيد الأنشاد .
5 – تفسير أيام الخليقة الست .
6 – عن المعمودية .
7 – عن قيامة المسيح .
8 – عن البتولية .
9 – شرح التطويبات .
10 – رسالة إلى غريغوريوس اللاهوتى .
3 – تعاليمه اللاهوتية [5]
غريغوريوس أسقف نيصّا هو أول لاهوتى يُعبر عن الحياة الروحية التأملية للنُساك، وهو فى نفس الوقت من أعمدة الفكر اللاهوتى، ففى شخصه يجتمع اللاهوت العميق مع الخبرة الروحية الغنية .
انشغل غريغوريوس بمشاكل الكنيسة اللاهوتية فى عصره ، مقتفيا آثار أخيه ومعلمه باسيليوس الكبير ، واعتبر نفسه الوريث لحياته الفكرية والروحية . فقد قدم غريغوريوس للكنيسة رصيدًا لاهوتيًا بما تعلمه فى أحضانها من تعاليم ولاهوت الآباء الكبادوك، وتعاليم القديس إيريناوس والقديس أثناسيوس ، وكذلك معلمى مدرسة الإسكندرية بمنهجها الرمزى فى التفسير ، وأيضًا معلمى المدرسة الإنطاكية بطابعها الحرفى فى التفسير .
وبالرغم من اعتماد غريغوريوس فى كتاباته على تعاليم وكتابات باسيليوس فيما يختص بعقيدة الثالوث والروح القدس إلا أنه تابع أيضا ما كتبه القديس غريغوريوس النازينزى عن طبيعة السيد المسيح (Christology) وطور كل هذا الفكر وعمقه وفتح آفاقا جديدة عندما تكلم عن الإنسان Anthoropolgy))، تلك الآفاق التى صارت فيما بعد أساسًا للاهوت السرى (المستيكى) أو بمعنى آخر لاهوت الهدوئيين، وبالأخص كتابات مكسيموس المعترف فى القرن السابع وكتابات غريغوريوس بالاماس فى القرن 14م ، وغيرهما.
إن آراء أونوميوس (eÙnÒmioj) فى إنكار ألوهية الابن، وآراء اتباع بدعة مقاومى الروح فى إنكارهم لألوهية الروح القدس، وكذلك تعاليم أبوليناريوس، قد عرضت تعاليم الكنيسة عن الحق الإلهى للخطر، مما كان له الأثر فى حياة المؤمنين الروحية والرؤية المسيحية للإنسان.
فمما لاشك فيه أن جماعات الرهبان والمتعبدين الذين عُرفوا بأصحاب بدعة ” المصلين” والذين عرفهم غريغوريوس ، كان لهم بعض الأفكار الخاطئة. وفى هذا كان يكمن خطر وجود تعاليم خاطئة مع تطبيقات عملية فى العبادة لهذه التعاليم المنحرفة .
كل هذه الأمور مثلت دافعا قويا لغريغوريوس لكى يبرز الحق الإلهى، ولهذا فإننا نجده يسعى فى كتاباته للربط بين التعليم عن عقيدة الثالوث والتعليم عن شخص المسيح ، وأيضا للربط بين تعاليمه هذه، وبين رؤيته للإنسان كمخلوق على صورة الله .
ومن الصعب أن نفرق فى أعماله بين اهتماماته العقائدية المحضة واهتماماته الروحية الصرفة ، إذ يؤكد بنفسه قائلا :
[ إن الفضائل الروحية تؤدى فى الوقت نفسه إلى المعرفة الصحيحة للحقيقة الإلهية ][6].
والجديد الذى قدمه غريغوريوس بوضوح ، هو التفرقة الواضحة بين ما هو إلهى : “غير مخلوق ” وبين ما هو من العالم أى ” مخلوق ” ، فكل ما هو كائن بذاته هو ” إلهى ” وكل ما هو فى العالم هو ” موجود ” على أساس أن له صلة تربطه بهذا ” الكائن الإلهى” .
وفى هذا الجديد قدم أيضًا تصورًا رائعًا للإنسان كمخلوق ” ذو نفس حية ” يشابه الله “™myÚcon Ðmoiwmatoj toà Qeoà” ، أى أن الإنسان كائن حى يجب عليه أن يسعى بدون انقطاع لكى يتحد بالله ، متحركًا من حالة العدم إلى حالة الوجود .
4 – تأثيره فى معاصريه ومن لحقه
لقد أثر غريغوريوس بتعاليمه وكتاباته ليس فقط فى تعاليم معاصريه من آباء الكنيسة، بل أيضا فيمن كتبوا بعد ذلك بكثير، ومنهم من ساهم فى تكوين التراث العربى المسيحى، ونستدل على ذلك بالأمور التالية :
أ ـ وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها فى مخطوطات ترجع لعصور مختلفة.
ب ـ الاستشهاد ببعض من مؤلفاته فى كتب التراث العربى المسيحى .
ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه .
د ـ وجود بعض ترجمات عربية حديثة لحياته وكتاباته .
أ ـ وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها عبر العصور
يخبرنا الكاتب الموسوعى شمس الرياسة أبو البركات (ق13) فى موسوعته “مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة “[7] الباب السابع فى ذكره ” مصنفات الآباء ومؤلفات الفضلاء الذين كانوا قبل الفرّق (الانقسام) وبعده ” عن أن الكنيسة القبطية قد عرفت فى اللغة العربية ستة من أعمال غريغوريوس الأصيلة والمنحولة، فيقول ” اغريغوريوس أخو باسيليوس القيسرانى له من الموضوعات ” :
(ج) الثالث : رسالة أرسلها إلى الأب بطرس أخيه بالاعتذار إليه فى تقصير الشرح، وفيها إعادة ذكر بعض من تفسير الخليقة .
(د) الرابع : شرح نشيد الأنشاد لسليمان بن داود وشرحها شرحًا روحانيًا [9].
(هـ) الخامس: كتاب الأبواب فى صفة طبيعة الإنسان، ويذكر أبو البركات أن الذى ترجمه من اللغة اليونانية إلى العربية هو حنين بن اسحق المتطبب وأن عدد أبواب هذا الكتاب بلغ 23 بابًا .
(و) السادس : كتاب إيساغوجى لأرسطوطاليس، ويعلق شمس الرياسة على هذا الكتاب قائلاً ” وهو وإن كان كتابًا علميًا فإنه يفيد فى تقسيم المعانى وتَفَهُم أصول العقيدة التى عليها أسست المبانى ” .
(ز) السابع : يذكر أبو البركات تحت اسم القديسة مكرينا[10] أنها اخت غريغوريوس وأنه أجرى معها حديثًا عن النفس الناطقة المحيية للجسد، وذلك قبل وفاتها مباشرة، ويرى أبو البركات أنها ” مجادلة ممتعة وفيها دلائل عقلية مقنعة ” .
أما Georg Graf [11] فيخبرنا بالتفصيل عن المخطوطات العربية التى شملت بعضًا من مؤلفات غريغوريوس، وإن كان Graf يرى أن أعماله العقائدية لم يكن لها النصيب الوافر فى الترجمات العربية مثل باقى أعماله التفسيرية ومقالاته وميامره . ويشير إلى وجود مخطوطات لتفسير نشيد الأنشاد والتطويبات ، وكذلك ميمر عن قيامة المسيح .
ب ـ الاستشهاد ببعض مؤلفاته
لقد حاولت ـ بقدر المستطاع ـ أن أحصر كل من استشهد بمؤلفات غريغوريوس أسقف نيصَّا لإيضاح تأثيره على من كتبوا بالعربية فى الكنيسة القبطية ، ويمكن أن نذكر الأسماء الآتية:
1 ـ أنبا ساويروس بن المقفع
عندما رأى ساويروس بن المقفع فى القرن العاشر أن اللغة القبطية لم تعد مفهومة بالنسبة للشعب القبطى، وأن الأفكار الإسلامية قد بدأت فى التغلغل فى الأوساط المسيحية ، قرر كراعٍ وأسقف أن يؤلف بالعربية كتبًا لاهوتية دفاعية يعضد بها شعبه. لهذا ففى كتابه “الدر الثمين” أو الكتاب الثانى ذو الخمس عشر فصلاً، نجد أن ابن المقفع يستعرض عقائد كنيسته القبطية وبالذات عقيدتى الثالوث وطبيعة السيد المسيح[12] شارحًا بالتفصيل معنى الاتحاد الأقنومى لطبيعتى السيد المسيح، مدعمًا أرائه بأقوال “الآباء معلمين البيعة”.
ومن بين آباء ما قبل خلقيدونية، الذى استشهد بهم أسقف الأشمونين فى الفصلين الثانى والعاشر اللذين خصصهما للحديث عن ” ميلاد المسيح ” ، وعن “مضى الرب بالنفس إلى الجحيم “[13] غريغوريوس أسقف نيصّا.
وفى رأينا أن السبب الذى أعطى لكتابات غريغوريوس تلك المرجعية الأصلية هو اسهاماته الفعالة فى موضوع طبيعة المسيح وما قدمه من شروحات للتعبيرات التى استخدمت فى شرح عقيدة الخريستولوجى مثل تعبير “‘An£krash”، وتعبير “¢sÚgcuth ” لكى لا تُفسر على أنها عبارات أوطاخية المعنى وهرطوقية [14]، تلك البدعة التى حاول ابن المقفع أن يبرئ منها الكنيسة القبطية ، وهو ما يتضح بنوع خاص فى رده الدفاعى على الكاتب الملكى سعيد بن البطريق [15].
2 ـ مؤلف كتاب اعتراف الآباء [16]
إن كتاب اعتراف الآباء هو من أهم الكتب اللاهوتية بالنسبة للكنائس غير الخلقيدونية، سواء القبطية أو السريانية أو الإثيوبية . يرجع تاريخه إلى سنة 1078، وللأسف فإن مؤلفه القبطى مجهول الهوية. يحوى هذا الكتاب نصوصًا إما من مقالات كاملة من آباء الكنيسة، أو من مقتطفات كبيرة أو صغيرة الحجم مترجمة إلى العربية بلغ عددها 253، تشرح عقيدة الكنيسة فيما يختص بسر الثالوث وسر التجسد .
ومن الجدير بالذكر أن القديس كيرلس الأسكندرى هو صاحب النصيب الأكبر فى هذه الأقوال، فقد بلغ عدد الفقرات المنسوبة إليه 66 ، الأمر الذى يعكس أهمية الدور الذى لعبه القديس كيرلس عمود الدين فى خريستولوجى كنيسة الأسكندرية .
غير أن كاتب اعتراف الآباء، لم يكتف بآباء الأسكندرية، بل حاول الاستعانة أيضًا بالآباء الكبادوك . ومن الثابت أن لاهوت كيرلس عن طبيعة المسيح قد اعتمد على ما قدمه من قبل غريغوريوس أسقف نيصّا ، ومن كتاباته الهامة فى هذا المجال : ” الفرق بين الجوهر والأقنوم ” [17].
ولهذا كان من المهم أن يستشهد كاتب اعتراف الآباء بنصوص من كتاباته، والتى بلغ عددها أربعة مقتطفات .
بل إن اختيار هذه النصوص بالذات يعكس مدى تقدير الكاتب القبطى للمساهمة الفعالة وللعناصر الجديدة التى أدخلها غريغوريوس فى الفكر المسيحى، وذلك بالتفرقة الواضحة بين ما هو إلهى ” غير مخلوق ” وكل ما هو فى العالم ” ومخلوق ” كما سبق القول .
وكمثال لهذا الاختيار الواعى، نستعرض الفقرة التى جاءت فى مخطوط اعتراف الآباء من الميمر الخامس عشر من تفسير نشيد الأنشاد لأسقف نيصّا :
[ المسيح غير خليقة وخليقة اجتمعا فى موضع واحد معًا ، أما الغير مخلوق فنقول لأجله إنه أزلى قبل كل الدهور، وأنه دايمًا إلى الأبد، وهو خالق كل شئ كائن ، فأما خليقته فهى المشاركة التى صار فيها مع جسد تواضعنا بالتدبير الذى فعله لأجلنا ] [18].
مثال آخر لهذا الاختيار ربما يكشف لنا بعدًا جديدًا لتأثير كتابات غريغوريوس النسكية فى الحياة الرهبانية :
هناك نص مشترك، استشهد بفقرات مختلفة منه كل من ابن المقفع[19] وكاتب مخطوط اعتراف الآباء [20]، ذلك النص هو لكتاب غريغوريوس المشهور عن ” التطويبات ” .
فبالرغم من أن اقتباساتهم كانت بهدف تدعيم وجهة نظرهم العقائدية والتى هى الموضوع الأساسى للكتابين، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يمكن القول إن كتاب التطويبات لأسقف نيصّا كان معروفًا فى الأديرة القبطية. ربما يرجع السبب فى ذلك إلى أن هذا الكتاب يعتبر أهم كتابات غريغوريوس النسكية، وأحد المراجع الهامة فى هذا الموضوع الروحى، وهو يشمل ثمانية مقالات يحلل فيها الكاتب الحياة النسكية التى تقود إلى حياة الغبطة، وبالتالى إلى حياة الشركة الكاملة مع الله، أو بمعنى آخر إلى ” التأليه ” [21].
هذا ولقد تناول القديس مقاريوس الكبير الذى عاصر غريغوريوس، الموضوع نفسه فى عظاته المشهورة [22] والتى حظيت بانتشار واسع بين الرهبان الأقباط وأثرت تأثيرًا فعالاً فى الحياة النسكية فى الشرق والغرب، وقرأها بدقة كل من اشتاق قلبه لحياة النسك والتأمل الروحى ، ولاقتناء الخبرات الروحية .
إلاّ أن رهبان الأديرة فى القرن العاشر وما بعده الذين كانوا يتحدثون القبطية والعربية[23] لم يكتفوا قط بترجمة أعمال مقاريوس إلى العربية للاستفادة منها، بل حاولوا أيضًا ترجمة كتابات غريغوريوس والتى تحمل نفس المضمون للتعرف على ما تحتويه ، بالرغم من صعوبة فهمها، مثلها مثل باقى أعمال غريغوريوس، والتى كانت تُقرأ من رهبان عصره المثقفين فقط، لما فيها من أفكار فلسفية عالية وتحليل لاهوتى عميق، بنى عليه غريغوريوس تعاليمه النسكية.
لقد كانت كتابات مقاريوس تمثل الدليل والمنهج العملى للرهبان فى عبادتهم النسكية ، بينما جاءت كتابات غريغوريوس لتضع الأساس النظرى لتلك الحياة .
وفى رأينا أن الرهبان يمكن أن يكونوا قد استطاعوا أن يقتنوا لأنفسهم هذا الأساس النظرى لأسلوب حياتهم النسكى، حتى يستطيعوا أن يواجهوا التيارات الفلسفية المضادة التى برزت حين بدأ العرب فى ترجمة الكتابات الفلسفية اليونانية إلى العربية، وأن يستخدموا التعبيرات الفلسفية فى مواجهة الفكر المسيحى .
ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه
تُنسِب بعض المخطوطات عدة مؤلفات لغريغوريوس أسقف نيصّا ، الأمر الذى يدل على انتشار أعماله وقوة تأثيرها فى الفكر المسيحى، ونذكر على سبيل المثال :
1 ـ ينسب أبو البركات فى كتابه ” مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة ” ، لغريغوريوس القداس الإلهى المستخدم فى الكنيسة القبطية والمعروف باسم قداس الابن للقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات ( القديس غريغوريوس النيزينزى).
2 ـ ينسب كاتب اعتراف الآباء بعض المقتطفات التى استعان بها أيضًا لغريغوريوس :
فالمقطع الذى ورد عن المعمودية فى كتاب اعتراف الآباء، والذى نجده فى الجزء 88 من مجموعة PG (1876D- 1877D) هو فى الواقع لغريغوريوس الأنطاكى [24].
كما أن المقطع الآخر عن التوبة لا يوجد بين نصوص غريغوريوس أسقف نيصّا ، وعلى ما يبدو هو جزء من العظات المشهورة للقديس مار افرام السريانى عن نفس الموضوع [25].
د ـ وجود بعض من ترجمات عربية حديثة لكتاباته ونشر مؤلفات عن حياته
بالإضافة إلى الترجمات التى تمت لبعض كتابات غريغوريوس أسقف نيصّا بداية من القرن العاشر كما سبق القول ، فنجد أن هناك ترجمات حديثة لبعض كتاباته الأخرى ، وأيضًا مؤلفات عن حياته وتعاليمه ، نشير إليها على سبيل المثال لا الحصر ونوردها حسب تاريخ نشرها :
(أ) ترجمات لكتاباته
1 ـ حياة موسى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل ، القاهرة 1988م.
2 ـ نشيد الأناشيد : تعريب القمص تادرس يعقوب ملطى ، الأسكندرية 1993م.
3 ـ السلوك المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1993م.
4 ـ من مجد إلى مجد : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م (طبعة ثانية).
5 ـ الكمال المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م.
(ب) مؤلفات عن حياته وتعاليمه
1 ـ القديس غريغوريوس أسقف نيصص: حياته ـ كتاباته ـ منهجه ـ أفكاره : القمص تادرس يعقوب ، القاهرة 1993م.
2 ـ القديس غريغوريوس النيسى ، فصل فى كتاب دراسات فى آباء الكنيسة ، إعداد أحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 375 ، برية شيهيت 1999م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:
1 S. Papadopoulou. Patrolog…a, tÒmoj B`, Aqhnai 1990. sel. 615-616.
2 S. Papadopoulou. Patrologia B/, Aqhnai 1990. sel. 408.
7 أبو البركات : مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة،الأب سمير خليل.نشر مكتبة مارجرجس ص290 .
8 كتبه لتصحيح بعض شروحات القديس باسيليوس والتى فهمت بطريقة خاطئة وأيضا ليضيف إليها بعض التأملات الأخرى. انظر(Quasten,P:264) ََهناك اشارة إلى وجود ترجمة عربية لهذا النص فى Clavis Patrum Graecorum II. 3152
9 أنظر المرجع السابق CPG II 3158 حيث يشير إلى وجود ترجمة قبطية لهذا النص .
10 أبو البركات : المرجع السابق ص 292.
11 Georg Graf : Geschiche der Christichen arabischen literatur, coll studie Testi, 118, citto de Vaticano 1944, Band I ss. 332-335.
[12] Paul Maiberger, Das Buch der kostbaren Perife von Severs Ibn Al-Muqaffa, Wiesbadeu 1972, s.2.
13 مخطوطة 126 لاهوت بدير السريان ـ غير منشور ص 53.
[14] S. Papadoplou, المرجع السابق p. 602.
15 الأب الدكتور جورج شحاتة قنواتى : المسيحية والحضارة العربية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص200.
[16] Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten. B. Das Bekenntnis der Väter, Roma 128, 1937, 345-402.
إن ظهور الحياة الرهبانية في مصر يُعد من أهم أحداث كنيسة الإسكندرية خاصة والكنيسة الجامعة عامة, ويعتبره بعض الباحثين ” أعظم هبات مصر للعالم”[3]. وإن لم يكن القديس أنطونيوس هو أول الرهبان ولا أول النساك, إذ سبقه إلى هذه السيرة القديس بولا الطيبى, الذي يشير إليه القديس أنطونيوس نفسه كمرشده إلى الحياة النسكية, إلاَّ أن أنطونيوس يُعتبر أب الرهبان ومؤسس الحياة الرهبانية[4].
ولا يُعتبر القديس أنطونيوس أشهر قديسي مصر فقط, بل وأيضًا واحد من أهم الشخصيات التي ساهمت في تطوير الرهبنة ونشرها في العالم أجمع. وحتى أثناء حياته كان يُعتبر أب كل الرهبان وأهم وجهة للزائرين سواء من داخل القطر المصري أو من خارجه. ولكن شهرته وأهميته للحياة الرهبانية يعودان في المقام الأول إلى كتاب سيرة “حياة وتدبير أبينا القديس أنطونيوس”:
التي كتبها القديس أثناسيوس الرسولي في شكل رسالة وأرسلها إلى الرهبان الذين في خارج مصر بعد سنوات قليلة من نياحة القديس أنطونيوس[6], إذ أنهم كانوا يبدون اهتمامًا صالحًا نحو الرهبان الذين يعيشون في مصر.
هذا العمل كتبه القديس أثناسيوس بناءً على رغبة هؤلاء الرهبان, ليس فقط لكي يظهر الاحترام اللائق بالقديس أنطونيوس, بل و أيضاً لكي يقدّم لهم سيرة القديس أنطونيوس كنموذج: “لأن حياة القديس أنطونيوس بالنسبة للرهبان تُعتبر نموذجُا يُحتذى في النسك”.
وهذه السيرة لا تتضمن فقط حياة القديس أنطونيوس, بل أيضًا بداية ظهور الرهبنة. ورغم أنه لا يمكن تحديد زمن معين لكتابة هذه السيرة, إلا أن الدراسات الحديثة تضعها بين عامي 356 و362م[8].
وعن مكانة سيرة القديس أنطونيوس في مجال كتابة سير القديسين يقول أستاذ الدراسات البيزنطيةHerbert Hunger هيربرت هونجر “إن سيرة القديس أنطونيوس لأثناسيوس الرسولي تُعتبر النموذج الأول من نوعه”[9], و يقول عنها كذلك الأستاذMarshall مارشال: “إن سيرة القديس أنطونيوس التي كتبها القديس أثناسيوس تعد عملاً كلاسيكيًا دينيًا, الذي قرأه كل من الشرق وكذاك الغرب الأوربي في ترجمة لاتينية. هذه الفلسفة المسيحية (يقصد بالفلسفة هنا سيرة القديس أنطونيوس) دفعت الكثيرين إلى التوجه إلى وادي النيل والصحارى, ونشرت الرهبنة في الولايات الغربية للإمبراطورية البيزنطية. إن حياة القديس أنطونيوس للقديس أثناسيوس تُعد النموذج الأول الذي اتبعه كُتاب سير القديسين اليونانيون بعد ذلك”[10].
وباستثناء عمل القديس أثناسيوس هذا فثمة مصادر أخرى تحمل أخبارًا عن حياة القديس أنطونيوس, نذكر منها على سبيل المثال: سيرة القديس بولا الطيبى وسيرة القديس هيلاريون اللتان دونهما القديس ﭽيروم, التاريخ اللوزاكى لبلاديوس أسقف هيلينوبوليس, تاريخ رهبان مصر المكتوب أواخر القرن الرابع الميلادي وكذلك التاريخ الكنسي للمؤرخ اللاتيني روفينوس[11].
وبالنسبة إلى عبارة القديس أثناسيوس عن أنطونيوس الكبير أنه ” لم يكن متعلمًا”:
“gr£mmata mn maqe‹n oÙk ºnšsceto”[12]
يعلّق المؤرخ الانجليزى E. Gibbon قائلاً “إن التأكيد على أمية أنطونيوس التامة قد قبلها كل من الكُتّاب القدامى والمحدثين, إلا أن تيلمونت Tillemont[13] يرجح أن القديس أنطونيوس كان يستطيع القراءة والكتابة باللغة القبطية, لغته الأم[14], وأنه كان يجهل فقط اللغة اليونانية”[15]. ويتفق معه في الرأي الأستاذ Gerard Garitte جيرار جاريت الذي يرى أن أنطونيوس لم يكن أميًا, وذلك ضد تقليد طالما تثبّت[16]. وحتى جهل أنطونيوس باللغة اليونانية لم يمنعه من تبنى الحجج الدامغة ضد الأريوسية أي الدفاع عن عقيدة التجسد بنفس منهج وطريقة القديس أثناسيوس. فسيرته التي كتبها القديس أثناسيوس تظهر رجلاً ذا عقل راجح, وحكمة إلهية, ونعمة ولطف[17], قادراً على مناقشة أمور عصره المختلفة, الفلسفية واللاهوتية والعقائدية[18], حتى ولو كان غير متعلّم. وكان إذا سأله أحد المتعلّمين عن ذلك يجيبه متسائلاً “ماذا تقول في العقل والآداب, أيهما أولاً, وأيهما سبب الآخر؟”, هل العقل سبب الآداب أم الآداب سبب العقل؟”. وكان إذا أجابه محدثه بأن العقل هو الأول, وأنه هو مبتدع الآداب, كان أنطونيوس يجيب: “إذن من لديه عقل راجح ليس في حاجة إلى الآداب”[19]. ويقول القديس أثناسيوس فى ذلك: “إن أنطونيوس وإن كان قد نال شهرةً فذلك ليس لأجل كتاباته, ولا لأجل حكمة عالمية, ولا لأجل فنه, بل لأجل طاعته لله”[20].
2 ـ رسائل القديس أنطونيوس:
إن مجموعة كبيرة من الكتابات المعروفة بنسبتها إلى القديس أنطونيوس نُشرت مرات عديدة منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر, ولكن الغريب أن هذه الكتابات لم تجذب تقريبًا الانتباه إليها, والسبب في ذلك هو أن جزءً كبيرًا منها موجود فقط باللغة العربية, أو مُترجم إلى اللاتينية عن العربية, على حين أنه تُنسب إلى القديس أنطونيوس سبعة رسائل, محفوظة في مخطوطة من الدير الأبيض بسوهاج, ولها عدة نسخ باليونانية واللاتينية والجيورجية والسريانية, بالإضافة إلى ذلك توجد أقوال لأنطونيوس وتعاليمه في بستان الرهبان[21].
إن صحة وأصالة هذه الرسائل السبعة لم تصبح يومًا مثار اتفاق الجميع, والسبب في ذلك هو المخطوطات التي تضعنا في هذه المشكلة. فمن النسخة القبطية تبقت فقط شذرات, ومن السريانية الرسالة الأولى, والترجمة اللاتينية, التي قام بها Valerius de Sarasio، بها كثير من الغموض, وكذلك اليونانية بها الكثير من النقص. وأكمل نسختين هما العربية والجيورجية[22].
والمصادر التي تتحدث عن سيرة القديس أنطونيوس تشير إلى هذه الرسائل التي كتبها القديس إلى جهات كثيرة, منها رسالة إلى قسطنطين الكبير وأولاده, وأخرى إلى الأسقف الأريوسي غريغوريوس الكبادوكى, وثالثة إلى أديرة القديس باخوميوس, ورابعة إلى فلاكيوس أحد موظفي الإمبراطور وأحد مؤيدي بدعة أريوس[23] وأخيرة إلى القديس أثناسيوس الرسولي[24].
وقد نشر Valerius de Sarasio في “الباترولوجيا جريكا” مجلد 40 رسائل القديس أنطونيوس السبعة في ترجمة لاتينية على أساس النص اليوناني, وعنوانيها كالتالي:
إلى أخوتي
Epistula I, ad fraters suos
إلى رهبان أرسينوى
Epistula II, ad Arsinoitas
إلى رهبان الأسقيط
Epistula III, Scitis
إلى المنعم عليهم المُكرّمين
Epistula IV, Charissimis et honorabilibus
إلى أبنائي الأعزاء الإسرائيليين
Epistula V, Delictissimis natis, filiis Israelitis[25]
غير مشار إلى من كُتبت
Epistula VI
إلى جميع أخوتنا الأعزاء
Epistula VII, Omnibus delictissimis fratribus[26]
وثمة رسالة أخرى تُنسب إلى القديس أنطونيوس موجهة إلى ثيؤدوروس رئيس رهبان طابينيسا, وقد حُفظت هذه الرسالة ضمن كتابات القديس أمونيوس, مؤداها هو أن الله يظهر رحمة لعابدي يسوع الحقيقيين حتى وإن سقطوا, طالما أنهم يتوبون عن خطاياهم بصدق[27].
نُشرت فى الباترولوجيا جريكا مجلد 40، عشرون رسالة تُنسب إلى القديس أنطونيوس, نُشرت جميعها باللاتينية وبعض هذه الرسائل يُشتبه في صحة نسبتها إلى القديس أنطونيوس[28]، وقد تُرجمت هذه الرسائل إلى العربية عن الإنجليزية ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة على جزأين[29].
3ـ أدلة من عدة مصادر على صحة نسب الرسائل للقديس انطونيوس
إن صحة نسب هذه الرسائل وأصالتها إلى القديس أنطونيوس ـ مثل غيرها من كتابات الكُتّاب المسيحيين القدامى ـ قد فحصها الكثيرون من المهتمين بالدراسات الآبائية في القرن الأخير. فالبعض يراها نظرية جدًا لأن يكتبها واحد مثل أنطونيوس, وآخرون يعتبرونها أصيلة جدًا ويستخدمونها كمصادر لحياة وأعمال القديس أنطونيوس[30]. ولكن على أساس عدة مصادر أخرى نستطيع أن نبرهن على أن رسائل القديس أنطونيوس أصيلة, وأن المعلومات التي تشير في سيرة القديس أنطونيوس إلى أنه لم يتلق أي نوع من التعليم يتيح له كتابة مثل هذه الرسائل, ليست ذات قيمة.
والأدلة على أن القديس أنطونيوس قد كتب بالفعل هذه الرسائل نجدها في عدة مصادر قديمة نذكر منها:
1ـ ”عن مشاهير الرجال” De Viris Illustribus
في كتابه المؤرخ له بعام 392م, يشير القديس ﭽيروم إلى أن ” الراهب أنطونيوس, الذي دون سيرته أثناسيوس أسقف مدينة الإسكندرية, في كتاب ضخم, قد أرسل إلى عدة أديرة في مصر سبعة رسائل مكتوبة باللغة المصرية (القبطية), وقد تُرجمت إلى اللغة اليونانية”:
«Antonius monachus, cujus vitam Athanasius, Alexamdrinae urbis episcopus, insigni volumine prosecutus est, misit Aegyptiace ad diversa monasteria apostolici sensus sermonisque epistolas septem, quae in Graeciam linguam translatae sunt »[31].
ويُعتبر القديس ﭽيروم هو الكاتب الوحيد الذي أشار حرفيًا إلى هذه الرسائل, على أساس أنه كانت له علاقات حميمة مع رهبان مصر الشيء الذي يرجح أنه استقى منهم هذه المعلومات مباشرةً[32]، أو كما يشير كواستنQuasten، يبدو أنه قد قرأها ليس بالطبع في لغتها التي كُتبت بها أو أملاها فيها القديس أنطونيوس, بل باللغة اليونانية[33].
2ـ ” حياة أنطونيوس ” Vita Antonii
يقول القديس أثناسيوس عن أنطونيوس: “إن شهرته قد وصلت إلى الملوك أيضًا, لأن الأوغسطس قسطنطين وأولاده الأوغسطس قسطنطيوس والأوغسطس قنسطانس عندما علموا بأخباره كتبوا إليه كأب, وكانوا يتمنّون لو تصلهم رسائل منه[34], أما هو فكان لا يريد أن يقبل هذه الخطابات منهم, قائلاً إنه لا يعرف بماذا يرد على مثل هذه الرسائل. ولكن عندما حثه الرهبان على ذلك قائلين إن الملوك مسيحيون، سمح بأن تقرأ الرسائل عليه, ورد عليها”[35].
3ـ تاريخ الأريوسيين لأثناسيوس الرسولىHistoria Arianorum Athanasii :
” ذات مرة كتب الأنبا أنطونيوس من الجبل هكذا….[36].
أما فيما يتعلق بزمن كتابة هذه الرسائل فانه يُؤرخ لها بعامي 340 و 350م[37], ولم يكتبها هو بنفسه بل أملاها على آخرين باللغة المصرية[38].
4 ـ تعليم القديس انطونيوس من خلال رسائله
أحد الباحثين القلائل الذين اهتموا بدراسة رسائل القديس أانطونيوس الكبير هو د.صموئيل روبنسون أستاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد, الذي قام بتحليل الرسائل ودراسة نسخها المختلفة وخلص إلى أن:
1 ـ الرسائل كتبت باللغة القبطية, وبهذا ’يعد أنطونيوس أول كاتب قبطي.
2 ـ أصالة الرسائل وصحة نسبها إلى القديس أنطونيوس قد اعترف بها الكثيرون, وهذا كافٍ لدحض الرأي القائل بأن أنطونيوس, الراهب المصري, كانت تنقصه الثقافة.
3 ـ محتوى الرسائل يوضح أن أنطونيوس كان حقًا عارفًا بالأفلاطونية, ومتأثرًا بتقاليد مدرسة الأسكندرية وعلى رأسه كليمندس وأوريجينوس[39].
وطبقا لدراسة د. روبنسون فإن محتوى رسائل القديس أنطونيوس هو كالتالي:
الرسالة الأولى تختلف عن باقي الرسائل السبعة, فهي ليست رسالة تقليدية بل يمكن أن نطلق عليها ” مقدمة في الحياة الرهبانية”. فيها يركز القديس أنطونيوس على نقاوة العقل والنفس والجسد, ويقدم توجيهات دقيقة إلى الرهبان المبتدئين[40]. وما نجده في هذه الرسالة يعد حقًا مقالاً منظمًا عن التوبة والنقاوة. فبعد وصف الطريقة التي بها يدعو الله الناس إلى التوبة يصف القديس أنطونيوس عمل روح التوبة في الإنسان, وكيفية التأثير على عقل الإنسان ونفسه وجسده. هذا التعليم يخص التوبة العملية لكل عضو من أعضاء الجسد. وليس ثمة إشارة فى هذه الرسالة إلى تاريخ الخلاص, ولا إلى إلوهية المسيح ولا إلى الأخرويات.
قبل تحليل نقاوة كل عضو من أعضاء الجسد الذي يُعد الموضوع الرئيسي للرسالة, يقدّم القديس أنطونيوس رأيه بخصوص “حركات الجسد” مقسمًا إياها إلى ثلاثة أنواع:
1 ـ حركات طبيعية, وهى التي تتحكم فيها النفس, وهى غير ضارة في ذاتها.
2 ـ حركات تنتج عن الطمع والشراهة.
3 ـ وحركات تنتج عن الشرور والأرواح الشريرة[41].
ثمة تقارب شديد بين تعليم أنطونيوس هذا وما ورد في كتاب “عن المبادئ ” لأوريجينوس III.2.2-3, حيث يؤكد الأخير أن الشياطين ليست دائما هي المسئولة عن جميع الأوجاع والشهوات.
في الجزء الأخير من الرسالة يعلّم أنطونيوس كيف أن الإنسان يستطيع أن يطّهر أعضاء جسده, مبتدئًا من العين, ثم اللسان, فالبطن, فالأعضاء التناسلية, ثم أخيرًا الرجلين.
أما الرسائل من7:2 نجد أنه تربطهم معًا نفس البنية ونفس النصوص والاقتباسات. والتفسير الوحيد المقنع لذلك هو أن جميعها كتبها نفس الكاتب في نفس الزمن لنفس الغرض إلى نفس الأشخاص.
الموضوع الرئيسي لهذه الرسائل من 7:2 ما عدا الرسالة الرابعة هو ” تاريخ الخلاص” وحاجة الإنسان الماسة إلى المعرفة. والإرشادات الدقيقة إلى النسك والطهارة التي في الرسالة الأولى لا نجدها في الرسائل الستة الأخيرة. بعد التحية[42] يصف القديس أنطونيوس “تاريخ الخلاص” كتاريخ محاولات الله المستمرة لرعاية الإنسان. فالله أرسل موسى النبي بالناموس المكتوب ومن خلاله أسس “بيت الحق” أي الكنيسة. ولكن لا موسى ولا من جاء بعده من الأنبياء استطاعوا أن يتمّموا الخلاص. وإرسال الابن, طبقا لرأى القديس أنطونيوس, هو نتيجة عدم مقدرة كل هؤلاء على شفاء جُرح البشرية.
في الجزء الأول من “تاريخ الخلاص” هذا نجد أن نص الرسائل تقريبًا واحد, وكل الرسائل تحتوى على نفس العبارات. وإن كانت الفكرة العامة للرسائل الستة الأخيرة متطابقة فإن ثمة اختلافات في شكل الرسالة.
في الرسالة الثالثة يشير القديس أنطونيوس إلى معرفة النفس كطريق يؤدى إلى معرفة الله، وبالتالي إلى معرفة تدابيره في الخليقة. ويعبّر أنطونيوس عن فرحه بالرهبان الذين أعدوا أنفسهم للخلاص بمجيء يسوع, وكذلك عن عميق حزنه على الرهبان الذين يتاجرون باسم يسوع, هؤلاء الذين خارت قواهم فركلوا ميراثهم ومضوا.
الرسالة الرابعة تختلف كثيرًا عن الأخريات, حيث لا توجد أي إشارة إلى “تاريخ الخلاص”, بل تُعد مقالاً مختصرًا عن الفرق بين العبودية والتبني.
في الرسالة الخامسة ـ بعد الإشارة إلى افتقاد الله لخلائقه بواسطة خلاص المسيح ـ يحث أنطونيوس أبنائه على تقديم أنفسهم ذبيحة لله في كل قداسة, وعلى الجهاد والسهر لكي ما ينعشوا القديسين ويعطوا بهجة للملائكة وفرحًا ليسوع المسيح.
الرسالة السادسة بها جزء صغير عن الشياطين وحيلهم لإهلاك البشر, الشيء الذي لا نجده في بقية الرسائل. ولكن نفس العبارات المستخدمة في الرسائل الأخيرة والاقتباسات الكتابية نجدها هناك.
في الرسالة السابعة يحث أنطونيوس على إعداد النفس لملاقاة الخالق في قداسة, لأجل أن ابنه المحبوب قد مات لأجلنا أجمعين. أما عن الحرية فيقول أنطونيوس إن أول ما يحتاج إليه الإنسان العاقل هو أن يعرف أولا نفسه ثم يعرف أمور الله وهباته السخية, ثم أن يعرف أن كل خطية إنما هي غريبة عن طبيعة جوهره العقلي (الروحي). هذه الرسالة هي الوحيدة التي يشير فيها القديس أنطونيوس إلى الاضطرابات التي أحدثتها بدعة أريوس, و هذا يعد دليلا على أن القديس أنطونيوس قد كتب إلى جماعات رهبانية مختلفة يحثهم على الثبات فى مواجهة بدعة آريوس[43].
هذا وقد حلّل د.جيرارد جاريت[44] ما تحت يديه من تفاصيل, وكذلك النسخ المختلفة لرسائل القديس أنطونيوس, ولحياته التي كتبها أثناسيوس, ولأقوال الآباء, وكذلك للمعلومات التي تحويها برديات من القرن الرابع الميلادي عن الحياة اليومية في صعيد مصر, وكذلك أيضًا المعلومات الهامة التي تحويها النصوص الغنوسية, وأثبّت أن رسائل القديس أنطونيوس في نسختها الجيورجية ليست فقط أصلية بل وأيضا تُظهر لنا صورة شخصٍ مثقفٍ, على اتفاق تام مع اللاهوت الأسكندري في عصره[45].
وتعليقًا على عبارة القديس أنطونيوس: “الله واحد, والجوهر الروحاني واحد أيضًا”[46]
” Sed quoniam Deus unus exsistit,
et secundum sensualem essentiam in idipsum est unitas”
والتي تلخص المفهوم الأفلاطوني عن الله كأصل جميع الأشياء, يقول د. روبنسون إنها ترتبط في رسائل القديس أنطونيوس مع تعاليم الكتاب المقدس بخصوص فكرة “الخلق من العدم”Creatio ex nihilo[47]. فأنطونيوس يعترف بوضوح أن كل الأشياء وُجدت من العدم, فالشمس, والقمر, والنجوم, والسماوات, والرجال والنساء, جميعها صدرت عن أصل واحد[48].
وكأفلاطون و أوريجينيس كذلك أيضا أنطونيوس يرفض أي فكرة عن الإثنَيْنية Δυϊσμός فيما يتعلّق بفكرة أصل وطبيعة الخليقة. وحتى بالنسبة إلى المخلوقات الشريرة (الشياطين) فليس ثمة مصدرٌ آخر للوجود سوى الله. فالإنسان والملائكة والشياطين الذين خُلقوا ملائكة ثم سقطوا وصاروا شياطينًا، هذه المخلوقات كلها من مصدر واحد في جوهرها الروحى[49].
وعند أنطونيوس نجد أن أصل الشر هو الحرية التي وهبها الله لكل المخلوقات الروحية. في هذا نجده يتفق مع أوريجينوس الذي يرى أن لا شيء خُلق من البدء حسنًا أو شريرًا[50]. وحتى وإن لم يقدم أنطونيوس شرحًا وافيًا لآرائه فيما يخص نتائج السقوط الأول, وخلق العالم المادي, فإن التقارب الشديد بينه وبين أوريجينوس يمكن أن يُرى كخلفية لأفكاره. فطبقًا لرأى أنطونيوس عن العالم, نجد أن الإنسان لا يوجد وحده مع الله, بل يشاركه الوجود كل من الملائكة والشياطين. فهذه الخلفية لتعاليم أنطونيوس هي تعاليم أوريجينوس بخصوص الشياطين مع تأثره بالتقاليد اليهودية – المسيحية. فكل من أوريجينوس وأنطونيوس يرى أن الشياطين كمخلوقات روحية خلقها الله ككل الطبيعة العاقلة, وتتشارك في نفس الجوهر الروحي. وفى السقوط الأول أى السقوط الذى سبق سقوط الإنسان, فإن الأرواح التي ظلت مُطيعة لله هم الملائكة, والأخرى التي تمردت عليه صارت شياطينًا[51].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أود أن أشكر السادة الأجلاء أعضاء مؤسسة القديس أنطونيوس للدراسات الآبائية لتفضلهم بنشر هذا المقال، و بما أنه أول بحث ينشر لى فإنى أهديه إلى الأستاذ ستاڤروس يؤانيس كوروسيس أستاذ الأدب البيزنطى بكلية الفلسفة – جامعة أثينا(اليونان) بصفته المشرف على رسالة الماجستير خاصتي و التى يعتبر هذا المقال جزءًا منها.
Τῷ ἀγαπητῷ μου Κυρίῳ Σταύρῳ Ἰώαννῃ Κουρούσῃ.
[2] الأستاذ سامح فاروق، هو مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.
[3] N. H. Baynes – L. B. Moss, Βυζάντιο: Εἰσαγωγή στό Βυζαντινό Πολιτισμό, Ἑλληνική μετάφραση, Ἀθήναι 2001, P. 38
[10] N. H. Baynes – L. B. Moss, Βυζάντιο: (Ἡ Βυζαντινή Φιλολογία) P. 318.
[11] Nicene and Post- Nicene Fathers, 2nd Ser. Vol. 4, P. 556.
[12] Vita Antonii, PG 26, C. 841.
[13] L.S. Le Nain De Tillemont, Mémoires pour servir à l’Histoire Ecclésiastique des six premiers Siècles, Vol. VII. Paris, 1693-1712, P. 666.
[14] القديس أنطونيوس كان يتكلم اللغة القبطية, و كل الكتابات التي حُفظت له مترجمة ٌ عن القبطية, ويسميها أثناسيوس أيضًا اللغة المصرية قائلاً هكذا: ” ذات يوم جاء القديس أنطونيوس, و جاء إليه جميع الرهبان ليسمعوا منه كلمة, فقال لهم باللغة المصرية هكذا…”
[15] Ε. Gibbon, The History of the decline and fall of the Roman Empire, vol. 3, Pp. 589, 599.
[16] G. Garitte, Lettres de saint Antoine. Version Georgienne et fragments Copte, CSCO 148-149, Louvain 1955. vid. U. Zanetti, Du nouveau sur S. Antoine et ses Lettres, AnBoll 108 (1990) P. 278.
[17] Vita Antonii, NPNF, 2nd Ser. Vol. 72f, P. 607.
[18] NPNF. 2nd Ser. Vol. 4. Pp. 562, 563.
[19] Vita Antonii, NPNF, 2nd Ser. Vol. 72f, P. 607.
[20] Op. cit. 93f, P. 618.
[21] تراث الأدب القبطي, القس شنودة ماهر و د. يوحنا نسيم, مؤسسة القديس مرقس لدراسات التاريخ القبطي, القاهرة 2003, ص 180, 181. والرسائل السبعة هذه هي الكتابات الوحيدة لأنطونيوس التي’تعتبر أصلية وانظر كذلك:
Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, Origenist Theology, Monastic Tradition and the Making of a Saint, Lund University Press, 1990, P. 20.
[22] V.Poggi, Recensiones: Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, OCP 57 (1991) Pp. 247-248.
[23] J. Quasten, Patrology, vol. 3, Christian Classics, Inc., Westminster, Maryland, 1992, P. 150.
[25] كثيرا ما يطلق القديس أنطونيوس على الذين يراسلهم ” أولاد إسرائيل” أو” رجال إسرائيل القديسين” وذلك لأنهم يتبعون كلمات الرب التي قالها لإبراهيم exi de terra et de cognatione tua ” ” أي ” اخرج من أرضك ومن عشيرتك” (تك1:12), وذلك لأن المراسل إليهم كانوا من الرهبان. Vid. J. Quasten, Patrology, vol. 3, P. 151.
[26] Patris Antonii Epistolae VII, ex Graeco Latine redditae, interprete Valerio de Sarasio. PG 40, Epis. II, Ad Arsinoitas, C. 981.
[27] Ex epistola Ammonis Episcopi, PG 40, CC. 1065-1066.
[28] وهذه الرسائل العشرون التي تُنسب للقديس أنطونيوس لم يكتبها هو نفسه ولم يملها, بل جزء منها كتبه أحد تلاميذه وهو القديس أمونيوس, والجزء الآخر كاتبه مجهول.
Quasten, Patrology, vol. 3, P.151 انظر: ὉΜέγαςἈντώνιος, ΒίοςκαὶΠολιτείαὑπὸΜ. ἈθανασίουΠατριάρχουἈλεξανδρείας, 6η εκ. Ἐκδόσεις Β. Ῥηγοπούλου, Θεσσαλονίκη 1971, σ. 13. انظر أيضًا Antonii Magni Monachorum omnium Parentis Epistolae viginti, PG 40, CC. 999- 1066.
[29] المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية, رسائل القديس أنطونيوس الجزءان معا (1-19) القاهرة 2004.
[30] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, Origenist Theology, Monastic Tradition and the Making of a Saint, Lund University Press, 1990, P. 35.
[32] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 36.
[33] J. Quasten, Patrology, vol.3, P. 151.
[34] Vita Antonii, PG 26: 835-976b, C. 959, line 14ff.
[35] Idem, P. 956, line 26f.
[36]Historia Arianorum Athanasii, ed. H.G. Opitz, vol.2.1. Berlin: De Gruyter, 1940, ch.14, sec.1, line 1f.
[37] V. Poggi, Recensiones: Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, OCP 57 (1991) Pp. 247-248.
[38] Ὁ Μέγας Ἀντώνιος, Βίος καὶ Πολιτεία, σ. 13.
[39] V. Poggi, The letters, OCP 57 (1991) Pp. 247-248. καὶ βλ. Samuel Rubenson, Origen in the Egyptian monastic tradition of the fourth century, Origeniana Septima, Leuven University press, 1999, Pp. 321, 323.
[40] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 51.
[41] Ep. Ant. I.35-41. PG 40.
[42] رسائل القديس أنطونيوس من 2-7 تنقسم, بعد التحية, إلى قسمين, الأول مختصر عن تاريخ الخلاص, والثاني مجموعة من الإرشادات. من هذه الوجهة تتشابه رسائل القديس أنطونيوس مع رسائل القديس بولس الرسول وخاصة رسائله إلى رومية وأفسس والعبرانيين Vid. Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 55.
[43] J. Quasten, Patrology, vol.3, P. 151.
[44] G. Garitte, Lettres de saint Antoine. Version Georgienne et fragments Copte, CSCO 148-149, Louvain 1955.
[45] U. Zanetti, Du nouveau sur S. Antoine et ses Lettres, AnBoll 108 (1990) P. 278.
[46] PG 40, Ep. Ant. III, I, c. 997.
[47] De Principiis, I.1.6. و قارن كذلك Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 64.
[48] PG 40, Ep. Ant. V, IV, c. 996.
[49] Samuel Rubenson, The letters of St. Antony, P. 51.
[50] Idem, P. 67. n. 3, καὶ βλ. De Principiis I.5.3.