تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

مصادر التاريخ الرهباني

  1. هستوريا موناخرم، عمل يقدم سير للرهبان وتعاليمهم في شكل رحلة لسبع رهبان إلى صحراء مصر، وغير معروف على وجه الدقة كاتب هذا العمل، وهناك شك ما بين روفينوس وجيروم.
  2. سير بعض آباء الرهبنة، وهي التي كتبها عنهم تلاميذهم مثل سيرة أنطونيوس لأثناسيوس، أو المعجبين بحياتهم مثل سيرة أنبا بولا لجيروم.
  3. التاريخ اللوزياكي لبيلاديوس، وهو من أهم المصادر عن التاريخ الرهباني لإن الكاتب كان على معرفة شخصية بالناس اللي كتب عنهم.
  4. كتابات خاصة بالسلوكيات والعادات الرهبانية زي كتابات افجاريوس البنطي، ويوحنا كاسيان، وترجع أهميتها لأنها تُعرفنا على النمط الرهباني وتطوره عبر العصور.
  5. تعاليم الآباء الرهبان، في نظر العامة الناسك المتوحد له توقير خاص. آباء الصحراء في مصر في النصف الثاني من القرن الرابع كانت الجموع تخرج لزيارتهم باستمرار ويسألونهم السؤال المعتاد: قل لي كلمة منفعة يا أبي بها أخلص. وإجاباتهم سجلت وجمعت في فردوس الآباء Apophthegms of the Fathers. وصار من البديهي أن تكون كلمات من يقطن الصحراء بالقرب من الله موحى بها.

ما هي أهمية دراسة تاريخ الرهبنة ؟

التقليد الشرقي لا يميز أبدًا بين عقيدة الكنيسة واللاهوت النظري من جهة، والخبرة الشخصية والأخلاقية من جهة أخرى. ويتضح هذا في مقولة لاهوتي أرثوذكسي من القرن المنصرم اسمه فيلاريت أسقف موسكو، يقول: “ما من سر من أسرار حكمة الله الخفية ينبغي أن يبدو لنا غريبًا أو متساميًا بالكلية، بل علينا، بكل تواضع، أن نُكيف ذهننا على تأمل الإلهيات”. أو بمعنى آخر، إن الأسرار الإلهية واللاهوت هي حقيقة نتعلمها على أنها سرّ، إلى أن تتجلى في واقع حياتنا المُعاش. فاللاهوت والتصوف غير متعارضين، إنما متكاملين ولا غنى لأحدهم عن الآخر.

– ولأجل هذا نجد الكنيسة اعطت لقب لاهوتي لإثنين فقط في كل تاريخها، هما ق. يوحنا الإنجيلي اللاهوتي، والقديس غريغوريوس النيزينزي، والإثنين يتميز منهجهما بالتصوف. وتضيف لهم الكنيسة اليونانية سمعان اللاهوتي الحديث، وهو أيضًا كان راهب متصوف. فالصوفية في الفكر المسيحي هي كمال كل لاهوت وقمته.

– الفكر المسيحي أيضًا يختلف عن الفكر الغنوصي، لأن المنهج الغنوصي ينشد المعرفة في ذاتها، ويضع الخلاص في الوصول للمعرفة، وحتى المسيح في الفكر الغنوصي هو المُخلص لأنه أتى بالمعرفة الكاملة.. أما في المسيحية، فالمعرفة هي عامل في خدمة غاية أسمى ونهائية، وهي الاتحاد بالله، أو الذي يسميه الآباء اليونان الثيئوسيس أو التأله.

– هذا المفهوم، والذي هو الاتحاد بالله أو الثيئوسيس أو التأله، هو اللي دافعت عنه الكنيسة على مر عصورها ضد الهرطقات، فالكنيسة حاربت الغنوصية لأنها ترفض تكوين علاقة شركة بين الإنسان والله، وحاربت الأريوسية لأنها تقول إننا اتحدنا بمخلوق متأله وليس الله الحقيقي، وحاربت النسطورية لأنها ترفض الشركة الحقيقية مع الله، وتقول أننا لم نتحد بالله، لإن المسيح نفسه متحدًا بالله، إنما كان الله يحل فيه حلول مؤقت، مش حلول جوهري وحقيقي.

– الصراعات الكنسية كان الرهبان عامل قوي جدًا فيها، مثل الأنبا أنطونيوس في مرحلة الصراع الأريوسي عندما نزل إلى الإسكندرية في غياب الأسقف أثناسيوس ليشدد من عزم الشعب- في عصر الأنبا شنودة رئيس المتوحدين قام الرهبان بهدم كتير من المعابد الوثنية- الصراع حول أوريجينوس والصراع بين الإخوة الطوال وروفينوس وجيروم وغيرهم- الصراع حول شخص المسيح وتدخل الرهبان بلا نوم مثلاً.

لأجل كل ما قيل فهناك أهمية كبيرة للتعرف على تاريخ الروحانية المسيحية، أو تاريخ الرهبنة، إذ كيف يُمكننا أن نتعلم طريق حياة الكمال المسيحية، تلك الحياة المماثلة لعقيدتها النظرية، دون النظر إلى “مُعلمي الحياة الروحية” كما يدعوهم اللاهوتي الأرثوذكسي فلاديمير لوسكي.

إقرأ أيضاً: الدعوة الرهبانية في العهد الجديد – أ/ أمجد بشارة

أسباب انتشار الحركة النسكية في العالم المسيحي منذ القرن الأول

1- يجب أن نعترف أن أحد الأسباب التي أدت إلى ازدياد أعداد النُسّاك كانت حالات الاضطهاد المريرة التي مرت بها الكنيسة الأولى من الرومان واليهود على السواء، فهرب بعض الناس إلى الصحاري والبراري كي يستطيعون من التعبد لإلههم في هدوء وسكينة بعيدًا عن اضطرابات العالم.

يكتب هنري شادويك عن هذه الفترة دي ويقول:

“الانعزال عن الجمال الباطل كان أيسر على من يتوقعون قرب نهاية العالم ممن يظنون أن الزمن مستمر وممن لهم من المتاع ما يورِّثونه لأطفالهم. عارض القديس بولس امتناع أهل كورنثوس عن الزواج اعتماداً على فكرة ثنائية المادة والروح الغنوصية. لكن على أساس أن الوقت مقصر سمح لمن لهم زوجات أن يسلكوا كمن ليس لهم. وعندما بات واضحاً أن الوقت ليس مقصراً بالدرجة التي كان يظنها الرسول، إلا أن مشاعر الشهيد ظلت حية في القلوب نتيجة عدم استقرار الحياة تحت نير الاضطهادات وإدراك أن الصلاح الحقيقي ليس موجود في متع هذا العالم”.

2- الاتجاه الإسخاتولوجي للكنيسة الأولى، فمن المعروف إن الكنيسة الأولى كانت تؤمن بمجيء الرب خلال الجيل الذي يحيون فيه، وأنهم سوف يشاهدون الرب بأعينهم قادمًا على السحاب، وعلى ذلك فكان الترك الفعلي لحياة العالم أمرًا طبيعيًا.

3- النصوص الإنجيلية الكثيرة التي يزخر بها العهد الجديد.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

نظرة على تاريخ الرهبنة في القرون الخمسة الأولى – أ/ أمجد بشارة

المعرفة الروحية – القديس سمعان اللاهوتي

المعرفة الروحية – القديس سمعان اللاهوتي

المعرفة الروحية – القديس سمعان اللاهوتي الجديد
 

المعرفة الروحية هي مثل بيت مبني في وسط المعرفة الوثنيّة وفي وسطه صندوق يحتوي كنوز الكتاب المقدّس التي لا تُقدّر. لا يكفي دخول هذا المنزل لرؤية الثروات إنّما ينبغي فتح الصندوق، وهذا ليس بالحكمة الإنسانيّة كي تبقى ثروات الروح الموضوعة فيه مجهولة للأرضيّين. إنّ مَن يحفظ الكتابات جميعاً عن ظهر قلب كما يحفظ مزموراً واحداً، في حين يجهل عطايا الروح القدّس المخبّأة فيها، هو مثل مَن يحمل الصندوق على كتفيه من دون أن يعرف ما في داخله.

إذا ما رأيت صندوقاً صغيراً مغلقاً بإحكام قد تعرف أنّ فيه كنزاً من وزنه ومظهره وربما مما سمعت عنه، فلهذا تلتقطه وتهرب به. ولكن ما المنفعة إذا حملتَه إلى الأبد مغلقاً من دون أن تفتحه وترى الثروة التي يحتويها: تلألؤ الأحجار الثمينة، بريق المجوهرات ولمعان الذهب؟ ماذا تنتفع إن لم تكن قادراً على أخذ بعض منه لشراء طعام أو كساء؟ إذا حملت هذا الصندوق مغلقاً فلن تربح شيئاً رغم امتلائه بالثروات وستبقى عرضة للجوع والعطش والعري.

انتبه يا أخي، ولنطبّق هذا على الأمور الروحيّة. لنتصوّر أنّ هذا الصندوق هو إنجيل ربّنا يسوع المسيح وغيره من الكتابات المقدّسة. الحياة الأبديّة والبركات التي لا تُوصف موجودة في هذا الكتاب مختوماً عليها بطريقة لا تُرى. يقول السيّد: “فتّشوا الكتب لأنّكم تظنّون أنّ لكم فيها حياة أبديّة”.

الرجل الذي يحمل الصندوق هو مَن حَفِظ الكتاب عن ظهر قلب وردّده دائماً في فمه حافظاً إيّاه في ذاكرته كما في صندوق حجارة كريمة. ولأنّ كلام المسيح هو النور والحياة كما يقول هو “الذي يؤمن بالابن له حياة أبديّة والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة”، هذا الصندوق يحتوي الفضائل والوصايا كالجواهر.

من الوصايا تفيض الفضائل ومنها إظهار الأسرار المخبّأة في الحروف. من إتمام الوصايا يأتي تطبيق الفضائل، وبتطبيق الفضائل إتمام الوصايا. إذاً بهذه فُتح لنا باب المعرفة. والأصحّ أنّه ليس بهذه فُتح لنا الباب إنّما بالقائل: “إن أحبّنى أحد يحفظ كلامي ويحبّه أبي..وأظهر له ذاتي”. وعندما “يسكن الله فينا ويسكن بيننا” يظهِر لنا نفسه ونعاين بوعي محتوى الصندوق والكنوز المخبّأة في الكتاب المقدّس. لا نخدعنّ أنفسنا، ليس من طريقة أخرى لفتح صندوق المعرفة والتمتّع بالأشياء الحسنة المحتواة فيه والمشاركة فيها ومعاينتها.

ولكن ما هي هذه الأشياء الحسنة التي أتكلم عليها؟ إنّها المحبّة اللامتناهية نحو الله والقريب، وازدراء كلّ المرئيّات، وكبح الجسد وكلّ أعضائنا التي على الأرض بما فيها الشهوة الرديئة. وكما الرجل الميت ليس له فكر يجب أن نكون دائماً بلا أفكار شريرة وشهوات وأحاسيس هوى. يجب أن لا نحسّ طغيان الشرّ واضطهاده، بل أن نعي فقط وصايا مخلّصنا المسيح. يجب أن نفتكر فقط بخلود المجد الإلهيّ وعدم انتهائه، وبمملكة السماء وبتبّي الله لنا عبر الروح القدس.

نحن أصبحنا أبناءً بالتبنيّ والنعمة، نحن “ورثة الله ووارثون مع المسيح” ونحن نكتسب فكر المسيح وعبره نرى الله والمسيح نفسه ساكناً فينا وسائراً معنا بطريقة ممكنة المعرفة. هذه الأشياء كلّها ممنوحة للذين يسمعون وصايا الله ويعملون بها. إنّهم يتمتّعون لا نهائياً بهذه الأشياء الثمينة التي تفوق الوصف عبر فتح الصندوق الذي تكلّمنا عنه، أي رفع الغطاء عن أعين فكرنا ومعاينة الأشياء المخبّأة في الكتاب المقدّس.

أمّا الآخرون الذين تنقصهم معرفة الأشياء واختبارها والتي تكلّمنا عنها فلن يتذوّقوا حلاوة ما في الكتاب المقدّس ولا الحياة الأبديّة الصادرة منه لأنّهم يتّكلون فقط على دراسة الكتاب. إضافة إلى ذلك، هذه الدراسة سوف تدينهم عند انتقالهم من هذه الأرض أكثر من الذين لم يسمعوا بالكتاب المقدّس مطلقاً. بعض أولئك يخطئ بجهله ويحرّف الكتاب المقدّس عندما يفسّره بحسب شهواته. هم يريدون أن يمدحوا أنفسهم كأنّهم قادرون على الخلاص بدون التقيّد الصحيح بوصايا المسيح وهكذا ينكرون قوّة الكتاب المقدّس.

المعرفة الروحية – القديس سمعان اللاهوتي

Exit mobile version