تذكر الكُتب أن يسوع الناصري قد صُلِب في موقع يٌقال له “الجلجثة” (גלגלתא) وهي كلمة عبرية وتعني الجمجمة. ولكن ما دلالة أختيار الله لهذا المكان دوناً عن غيره لتقديم الفداء !؟
1- أولاً من حيث الإسم فهي تعني الجمجمة ،والجمجمة دائماً تأتي رمزاً للموت. فموت المسيح هناك إنما هو إشارة بأن موته هو كان لأجل الأموات (المحكوم عليهم بالموت).
2- بحسب التقليد فإنه في هذا المكان مات أول انسان (آدم) . لذا مات المسيح هناك لأنه أتى بالأصل لإنقاذ ما قد اهلكه آدم وما نشره فى نسله ، فكما أن في آدم مات الجميع ، مات المسيح وقام فأقام معه الجميع.
3- كلمة جُلجثة في العبرية تُكتب هكذا גלגלתא ومن الممكن تقسيمها الى 3 أقسام (גלגל+ת+א) الجزء الأول (גלגל) يعنى أدار (من دائرة) والجزء الثاني (ת) هو حرف (تاف) وهو آخر حرف في الحروف العبرية ويرمز دائماً للنهاية ، والجزء الاخير (א) هو حرف (الألف) وهو أول حرف في الحروف العبرية ويرمز دائماً للبداية. فإسم الجلجثة يعني دوران الحال من النهاية الى البداية ، فكما ان الله خلق الانسان طاهراً نقيا في حالة الخلود بينما الإنسان بأختياره اخطأ ورسم نهايته (الموت) ، هكذا يُعيد الله الانسان الى بدايته التي خلقه عليها فى موقع الجلجثة الذي هو موقع الصليب . فمن يريد ان ينال الخلاص الذى به وليس بغيره ليرجع الى حالة الخلود والكمال ، عليه ان يقبل موت المسيح الكفاري الذي تم فى الجلجثة ويعترف بالمسيح كونه المخلص الوحيد.
على عويس: صدق الله وكذب محمد عمارة.. بل فشل الإرهاب ونجحت المحبة!
على عويس: صدق الله وكذب محمد عمارة.. بل فشل الإرهاب ونجحت المحبة!
على عويس: صدق الله وكذب محمد عمارة.. بل فشل الإرهاب ونجحت المحبة!
فى كتيب يوزع مجانًا مع مجلة الأزهر خرج علينا محمد عمارة يزعم أن المسيحية الرحيمة الجليلة ديانة فاشلة.. لقد بلغ بالرجل الغى مبلغه عندما يجعل سمومه تتسلق جذوع دين سماوى رحمن رحيم.. قال الله فى فضائل كتابه.. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه.. وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ.. وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ.. صدق الله وكذب محمد عمارة..!!
هو خيال من ظلام إذن لا زال يحيط بالحول الذى أصيب به محمد عمارة فيجعله يرى سطور الفتنة تدينًا وما يخرب بلاد المسلمين سياسة شرعية وما يقوى جبهات الإرهاب غنائم عليه السعى لها والعمل لتعظيم الفائدة منها..! الرجل فارغ من قيم العلم التى تصنع الوفاء وتنشر المحبة.. فلم يعد قادرًا وهو يمر فى عشر السبعين من عمره أو يزيد على أن يصنع بالدين سلاما وهو الدين الذى جاء سلاما للناس وقد قال فيه ربه وقولوا للناس حسنًا..!!
ولم يعد وقد غشيه مكر السنين بقادر على رؤية الحق وما يحيطه من نور اليقين ولم يعد بمستطيع بعدما ركبه إرهاب رابعة ومنصتها الذى ناصر بغيها وحط رحاله حول صبيانها وظل يعمل حتى اليوم من أجل مشروعها الإرهابى الذى نثر فى الشرق الفاشل الأشلاء والدماء تمشيًا مع تاريخ سلف حرقوا الخصوم وشوهوا العقول وكدسوا ثقافة التكفير ولو شاء لسردنا سطورهم وأعلنا أسماءهم..!! ولم يعد بقادر على الخروج من الشرنقة كى يعيد ترتيب أوراقه فإذا به يوقد فى بلادنا عبر مجلة الأزهر من جديد أعواد المحرقة ليظل المقال بمقام البلاغ إلى النائب العام تحت بند ازدراء الأديان حول ما صرح به محمد عمارة بكتيب مجلة الأزهر..!!
لم يتعرف محمد عمارة على ملامح دين الوطنية حين فاحت روائحها العطرة من فم قداسة البابا شنودة رحمه الله فى سطر واحد بين قوسين عندما قال: (مصر وطن يعيش فينا وليس وطن نعيش فيه) ولم يتعرف على ملامح دين التسامح فى سطر قذف به قداسة البابا تواضروس وسط حرائق الفتنة فأطفأتها حكمته عندما قال: (وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن)
ولم يستمع لروح دين الفضيلة والمحبة يوم بثه الأب مانويل مسلم راعى كنيسة اللاتين بغزة حين قال لسكانها تحت القصف الصهيونى: إذا هدموا مساجدكم فارفعوا الأذان من كنائسنا وذهب يفتح أبواب الكنائس الشريفة للمسلمين فى رمضان بالوقت الذى كان فيه محمد عمارة والأزهر ومن معهم يتمايلون حول الموائد المتخمة بأطيب الأطعمة..!!
ويدرك جيدًا محمد عمارة أنه لم يخرج من بين سطور موعظة الجبل أمة سحقت الأشلاء وطحنت الجثث وباعت النساء فى الأسواق فى زمن الحضارة المعاصرة كما تصنع داعش تنفيذًا لوصايا التراث السلفى الذى يدافع عنه محمد عمارة وليس دين الله سبحانه البريء من كل تصرف قذر..!! ومع ذلك فلم يعرف محمد عمارة التاريخ أيضًا..
يوم حمل سلفه الصالح بمسيرة الفشل رأس ابن بنت نبيهم فى صناديق إلى يزيد بدمشق فما فتحت للرؤوس المقطعة والسبايا إلا أبواب الأديرة كى تداوى جراح القلوب المقطعة والرؤوس المنكسة الحزينة..!! وهكذا ظلت المسيحية الحقة على وفائها للحق ونجاحها فى تقديم البشارة الجليلة المغطاة بملامح المحبة والتسامح والطيبة.. فليست المسيحية شبكة تشريعات بل شبكة أخلاق أنتجت للعالم التشريعات التى تعيش بجوار حضارتها اليوم..!! وفى النهاية لا بد لنا من تعريجه على تاريخ ليس ببعيد فى أواخر عهد الدولة التركية التى احتلت باسم الإسلام بلاد الشرق فأذاقته كأسًا من هزيمة وهوان.. فى هذا الوقت التف شعاع من ضوء فى بلاد الشام التى ضربتها المجاعة حول البطرك غنطوس جرجس حداد.. وله قصة يذكر بعض جوانبها الأستاذ أرنست وليم..
فيقول: ذات يوم نظر من غرفته فوجد إحدى الراهبات الجدد توزع خبزًا فلما اقترب منها شخص لا تعرفه سألته عن طائفته فكاد يمضى دون أن يجيب فناداه البطرك من شرفته وقال له انتظر، ثم نزل وأخذ من يد الراهبة رغيف الخبز وراح يقلبه بين يديه.. وبعد تفحص قال للراهبة لم أر على الرغيف اسم الطائفة التى تأكل الخبز دون سواها.. هذا طعام الناس كافة فليكن للناس كافة..!!
اعترض عليه يومًا أحد أتباعه قائلًا إن المال لا يكفى لإطعام الجميع والناس تتزايد، فلنكفل أبناء طائفتنا فهم فى رقابنا أولاً.. وإن فاض فليكن لغيرنا.. فحزن البطرك لهذا القول وقال: وهل الجوع والمرض والموت يفرق بين البشر حتى نفرق نحن..
وهل الله عندما يشرق الشمس يدفئ البعض ويحرق البعض.. فخجل الرجل وانتشر الخبر فلم يعد أحد بعد ذلك يفتح أمامه هذا الأمر.. وفى موقف عصيب نتيجة نفاد المؤن وحوله الأفواه تطلب طعامًا أن تذكر البطرك أن له صليبًا مرصعًا بالماس قد أهداه له قيصر روسيا “نيكولا الثاني” بمناسبة الاحتفال بمرور 300 سنة على وصول عائلة “رومانوف” للسلطة خلفا لعائلة “رويك” التى تداعت للسقوط منذ عام 1598م..
فقال فى نفسه ما معنى الصليب إن لم يكن خيرًا وبركة فيعين الشعب المسكين البائس.. فباعه واشترى بالمال “مئونة وزاد”.. ومر ذات يوم صديق قديم له اسمه “حسن” أمام محل الجواهرجى فوجد صليبًا يعرفه.. فسأل التاجر عن مصدره فأخبره.. فدفع “حسن” ثمنه ومضى للبطرك يرده له.. قائلاً والله لا يلبس هذا الصليب رجل غيرك.. فشكره غنطوس على حسن صنيعه.. وبعد بضعة أيام عاد فباعه ثانية وطلب من الجواهرجى أن يبيعه بعيدًا، ويصنع له واحدًا من زجاج شبيهًا بالأصل فيلبسه.. وقد كان له ما كان.. ومن آثار الحرب تأتى المجاعة..
وللمجاعة رفيق درب لا ينفك عنها وهو الوباء ليكتمل البلاء.. فجاء الوباء يلحقه للقاء حسب مواعيد الشؤم المعروفة، فكانت الكوليرا التى سميت وقتها “الهيضة” أو الهواء الأصفر.. فخرج الأثرياء وذوو الشأن والمقام خارج البلاد المنكوبة..!! وحين طلب منه الجميع أن يهجر أولاده الجوعى والمرضى لينجو ببدنه وينقذ جلده.. فرفض وقال معاتبًا من طلب منه الترك والتخلى والتضحية بعيال الله: “وهل نفسى يا ولدى بأفضل من هؤلاء الذين لا يستطيعون فرارًا”.. ويوم مات هذا البطرك رحمة الله عليه أراد المسلمون أن يصلوا عليه فى الجامع الأموى وقد التف حوله أكثر من خمسين ألف مسلم يبكونه وهم يندبون قائلين: “مات أبو الفقير بطرك النصارى وإمام المسلمين”..
وبالطبع كان هذا فى زمن لم تطل علينا فيه سلفية الفتن ومعها محمد عمارة.. ولا أزهر متراخى لا يعرف أين وجهته هل يسلمها لصاحب الشيكات أم لصاحب الكتاب؟!
ليظل التساؤل بحوزة العقلاء صادحًا: إذا كانت ما قدمته المسيحية بهذا المستوى ولا زالت من الخلق والإيثار فشلاً.. فيقينًا لدى محمد عمارة وحزب الضلال من خلفه من يرى داعش نجاحًا مبينًا؟ ولا ريب فالحول الضميرى يجرى مجرى حول العيون أيضًا.
ليس الانسان مسيرا بدوافعه الخارجية للعلامة أوريجانوس
ليس الانسان مسيرا بدوافعه الخارجية – العلامة أوريجانوس
إن زعم أحد ان ما يباغتنا من خارج فيستثير حركاتنا هو علي نحو كذا، حتي انه يستحيل علينا ان نتصدى لما يحثنا علي الخير او الشر، فليُعر مثل هذا انتباهه بعض الشيء الي نفسه، ولينظر باهتمام الي حركاته الخاصة عندما يأخذ سحر رغبةٍ ما بمجامع قلبه، لكي يري هل هو غير واحدِ انه ما من امر يحدث قبل ان يمده الإدراك برضاه، وقبل ان تواطئ إرادته الإيحاء الفاسد(١٨)، حتي ان الشكوى تبدو وقد تقدم بها هذا او ذاك من الفريقين، مشفوعة بذرائع ممكنة القبول، كأنما قاضٍ يتربع في محكمة قلبنا، لكي يؤتي بالحكم بعد بسط الاسباب في امر الواجب فعله انطلاقاً من حكم العقل (١٩).
فمن حزم أمره، على سبيل المثال، في ان يعيش في الإمساك والعفة، وان يمتنع عن اي اقتران بامرأة إذا ما امتثلت أمامه امرأة تستهويه وتدفعه الي فعل يناقض قصده، ليست هذه المرأة سبب عثرته، ولا هي تجره رغم أنفه، مادام في استطاعته (٢٠) ان يكبح دوافع اللذة، إذ يتذكر قراره، ويقهر المتعة التي تسببها له المفاتن التي تستثيره، من خلال استكانته للتوبيخات القاسية التي تنهال بها الفضيلة عليه، وان يثابر بحزم وثبات في مقصده بعد ان يكون قد هزم احاسيس الشبق كلها.
ومن ثم، إذا برز مثل هذه الاثارات لدي أناس نالوا قسطاً أوفر من العلم، وتقووا في العلوم الالهية (٢١)، فان هم فطنوا لحال أنفسهم، واستذكروا جميع ما تأملوا فيه وتعلموه من ذي قبل، واتخذوا لهم سنداً في العقائد القدسية، يأنفوا عن هذه الإغراءات جميعاً ويستكرهوا اسمها، لأنها تستحثهم، ويحسبوا المشتهيات المعادية متصدين لها بالعقل فيهم.
ولما كانت الدلائل الطبيعية تقيم البرهان، على نحو ما، حقيقة هذا كله، أليس نافلاً أن نلقي تبعة أفعالنا على الاحداث الخارجية، وان نقصي الخطأ عن كاهلنا فيما نحن السبب في ذلك ؟! إننا نزعم حينئذٍ أننا نشبه الخشب والحجارة، التي لا تمتلك حركتها في ذاتها، بل نتلقي بواعثها من الخارج (٢٢). وليس كلامنا، وقتئذٍ، بكلام حق ولا هو بكلام لائق؛ إنما هذا الجواب استنباط ليس إلا، يفيد نفي حرية عن الإرادة، إلا ان نعتقد بأن هذه الأخيرة لا توجد حقاً إلا إذا انتفي كل شيء يأتي من الخارج ليدفع بنا نحو الخير أو الشر. وإن جُعلت أسباب الخطايا في شبق الجسد الطبيعي ناقض هذا، بالطبع، ما تبديه لنا انواع التربية كلها.
فكما نشاهد كثيرين ممن عاشوا قديماً في الخلاعة والشبق سجناء قصوفهم وملذاتهم، يبدون قدراً من التحول، عندما يُدعَون الي التعالي عبر التعليم والتهذيب، حتى انهم يصبحون وهم شبقون مفسدون مقسطين عفيفين، ويمسون وهم متوحشون قساة لطيفي الجانب مسالمين (٢٣)، كذلك نري أيضاً آخرين ودعاء ومستقيمي القلوب قد شاهدوا مزاياهم تتعفر بهذه المعاشرة السيئة (٢٤)، لأنهم ربما انسوا الي أناس مقلقين خداعين، فيمسون مشابهين لأولئك الذين لا تنقص عنهم اي دناءة.
هذا ما يحدث في بعض الاحيان لأناس في مقتبل العمر، عاشوا سحابة صباهم في الإمساك أكثر منهم عند تقدمهم في السن، عندما أتيحت لهم حياة أشد تحرراً. إن منطق العقل يدلنا، إذاً، على أن ما يأتينا من الخارج ليس لنا حول عليه، وإنما استخدامه استخداماً حسناً او سيئاً يتعلق بنا، مادام العقل الذي في داخلنا يميز كيف يجب استخدامه، ويحكم فيه.
نصوص كتابية تشهد على حرية الاختيار
لكي يوطد ميخا النبي بسلطان الكتاب ما يظهره منطق العقل، ألا وهو ان العيش عيشة حسنة او عيشة سيئة إنما هو عملنا(٢٥)، دون ان ترغمنا الاحداث الخارجية عليه، او المصائر التي تضيق علينا كما يعتقد البعض، يشهد بهذه الكلمات: «قد بين لك، أيها الانسان، ما هو صالح وما يطلب منك الرب. إنما هو أن تجري الحكم، وتحب الرحمة، وتسير بتواضع مع إلهك» (ميخا 8:6)، كذلك موسي: «جعلت أمامك طريق الحياة وطريق الموت، فاختر الخير وسر في دربه» (تثنية 19:30)، أو اشعياء ايضاً: «إن شئتم واستمعتم اليَ فإنكم تأكلون من طيبات الارض.
وإن ابيتم وتمردتم فالسيف يأكلكم، لان فم الرب قد تكلم» (اشعياء 19:1)، وقد كتب في سفر المزامير: «لو سمع لي شعبي، وسلك اسرائيل في طرقي لأذللت اعداءهم بقليل(٢٩)». ان هذا يدل على ان الاستماع والسير في طرق الله كانا في مقدور الشعب. والمخلص إذ قال: «اما انا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير» (متي 39:5)، وايضاً: «من سخط على اخيه يناله عقاب يوم الدينونة» (متي 22:5)، وايضاً: «من نظر الي امرأة ليشتهيها، فقد زني بها في قلبه(٣٢)»
(متي 28:5)، ماذا تراه يقول عبر هذه الوصايا كلها، واخري غيرها، سوي إنه في مقدورنا مراعاة ما أمر به، وأننا بصوابٍ نخضع للدينونة نتيجة لهذا، إذا ما اخلنا بما نستطيع مراعاة حق الاستطاعة؟ لذلك يقول: «من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها يشبه انساناً حكيماً بني بيته على الصخر إلخ.
ومن يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبه إنساناً أحمق بني بيته على الرمل إلخ» (متي 24:7)، وعندما يقول للذين عن يمينه: «تعالوا اليَ يا مباركي ابي، الخ. لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني» (متي 34:25)، يقيم الدليل جلياً على أنهم كان في مقدورهم ان يستحقوا هذه الإطراءات، عاملين بالأوامر وحاصلين على المواعيد، فيما وُجد الذين كانوا اهلاً لسماع عكس هذا وإدراكه مذنبين، الذين قيل لهم: «اذهبوا عني، يا ملاعين، الي النار الأبدية» (متي 41:25).
لنر أيضاً بأي كلام يخاطبنا بولس الرسول، نحن الذين نحوز علي سلطان حرية الاختيار، ونمتلك فينا أسباب خلاصنا وهلاكنا، إذ يقول: «أتحتقر غني لطفه وصبره وطول اناته، غير عالم ان لطف الله يدعوك الي التوبة؟ بيد أنك بتصلبك وقساوة قلبك الغير التائب، تدخر لنفسك غضباً ليوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كل واحد بحسب اعماله: بالحياة الابدية للذين بالصبر على العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والخلود؛ وبالغضب والسخط على الذين هم من اهل المخاصمة، الذين لا ينقادون للحق بل ينقادون للشر.
الشدة والضيق على كل نفس انسان يفعل السوء، اليهودي اولاً ثم اليوناني» (رومية 4:2). أنك ستجد في الأسفار المقدسة تأكيدات كثيرة لا عد لها، تثبت أجلي إثبات حيازتنا الطاقة على حرية الاختيار. اما سوي ذلك فضرب من الخيال ان نُعطي اوامر لنخلص بعملنا بها، او لنهلك بميلنا عنها، إذا لم تكن لدينا القدرة، في ذواتنا، على مراعاتها(٣٧)؟
___________________________________
(١٥) الجملة «لكن هذا لا يتأتى … في اقل تقدير» اضافة عمد إليها روفينس استزادة في الإيضاح. ولكنها إضافة أمينة الي فكر أوريجانس، على حد ما يمكن القارئ أن يتثبت منه لدي مطالعته حوار أوريجانوس مع سلسيوس في شأن الاختلاف بين الانسان والحيوان: فإن هذا الاخير خالٍ من طاقة العقل التي ازدان بها الانسان لما خلقه الله على صورته تعالي. كذلك، فإن الجملة التالية «ولكن، اذ هكذا حال الحيوان … وتستحثنا عليها» توسع في مقولة أوريجانوس الذي يوجز القول في الموضوع عينه.
(١٦) لدي أوريجانوس عبارتان لا يكف عن استخدامها كلما أراد التعبير عن فكرة الحرية: الاولي το εφʼ ημιν مأخوذة عن الواقية، وتشير الي ما هو راسخ في الذات ونابض باحث علي الأفعال؛ والثانية Το αυτεξουσιον تدل علي الطاقة الذاتية علي العمل بدون مؤثر ضاغط.
(١٧) القيا بما يرضي العقل عنه ركن رئيس في الصرح الادبي الذي تنادي الرواقية به.
(١٨) يري أوريجانوس عثرة الانسان قائمة علي أساس من التواطؤ بين الإرادة وقد كبت تحت إيحاء العقل والعقل وقد ضل عن قويم السبيل. فالعقل يشتمل، بالتالي، على نوع تحبيذ يؤثر به كذا وكذا، او على شبه نفور ينصرف به عن كيت وكيت. كذلك، فله “رضاه”، وله “استحسانه”، وله ايضاً “ميله”؛ وهذه كلها مترادفات.
اللفظ الثاني مأثور عند الرواقيين، الذين يرمون به الي شيء من الوفاق بين العقل وموضوع ما يمتثل له.
(١٩) أضاف روفينس الجملة الاتية «… حتى ان المرافعة تبدو … حكم العقل»، تحت تأثير ما سبقها فيما يختص بهيمنة العقل علي تحركات المرء وسطوته عليها.
(٢٠) يميل روفينس الي الاسهاب عموماً؛ لا هذا فقط، بل الي الافصاح عن الفكرة عينها بقول خلافها، كما الحال هنا. فإن أوريجانس يتناول مثل الانسان الذي يكبو عن ضعف امام غواية المرأة؛ اما روفينس فيرسم حالة المرء الذي يتشدد إباء وأنفه.
(٢٢) انظر ٣-١ فان نزع حرية الاختيار من الانسان يلوي به الي ان يمسي شيئاً له نسمة حياة، ولكنه اعزل النفس.
(٢٣) يبدو روفينس فيما تقدم انه يوجز، على غير عادته. فهو يدع جانباً فكرة المهتدين الذين يظهرون غير المهتدين باهتدائهم انهم مفرطون وغير قانتين.
(٢٤) هذا استذكار للآية 1 كو 33:15، في نص روفينس، لا في نص أوريجانوس.
(٢٥) ثمة تعديل أجراه روفينس في نص ترجمته إزاء نص أوريجانوس، الذي يورد تأكيده كالآتي: ” إن العيش عيشة حسنة شأن عملنا، يطلبه الله منا، لا شأن عمله تعالي، ولا عمل أي انسان آخر، او عمل القدر كما يعتقد البعض …” . وقد اجراه روفينس بسبب بدعة بلاجيوس الظاهرة في تعابير أوريجانوس، مع كونها انتشرت متأخرة عن الزمن الذي وضع فيه كتاب المبادئ. لذلك، أقحم روفينس على النص فكرة العيش عيشة سيئة ايضاً، الي جانب العيشة الحسنة، وجعل كلا المسلكين مرتبطين بعمل الانسان. اما أوريجانوس فلا شأن له بادعاءات بيلاجيوس، اذ يؤكد في ٣-١-١٩ على ضرورة النعمة لكي يصيب الانسان خلاصاً.
(٢٩) ” ورددت يدي على مضايقيهم “: تتمة
(مزمور 14:80-15) هذه لم ترد
في ترجمة روفينس . فهي اما اضيفت لاحقاً على نصوص مجموعة الأحاديث المدونة باليونانية، واما أهمل روفينس سهواً ترجمتها من نص أوريجانوس.
(٣٢) متي 28:5. لا يبدو العقاب الذي يتهدد الخطاة على وفاق مع بر الله الا حينما يحمل الانسان وزره. لذلك، فان حرية الاختيار امر ترسيه الاخلاق، وتدعو اليه المجازاة في نهاية الزمان.
(٣٧) ” اما سوي ذلك … على مراعاتها ” اضافة في نص روفينس، لا فائدة ترجي منها.
ليس الانسان مسيرا بدوافعه الخارجية – العلامة أوريجانوس
إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها
إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها
((فأرسل إليه رئيس خمسين مع الخمسين الذين له. فصعد إليه وإذا هو جالسٌ على رأس الجبل. فقال له: ((يا رجل الله، الملك يقول انزل)). فأجاب ايليَا وقال لرئيس الخمسين: ((ان كنت أنا رجل الله، فلتنزل نار من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك))، فنزلت نار من السماء وآكَلته هو والخمسين الذين له، ثم عاد وأرسل إليه رئيس خمسين اخر والخمسين الذين له، فأجاب وقال له: ((يا رجل الله، هكذا يقول الملك: أسرع وانزل))، فأجاب إيليَا وقال لهم: ((إن كنت أنا رجل الله، فلتنزل نار من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك))، فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له)) (2مل 1 :9ـ12).
في النص الذي امامنا نجد ايليا النبي يطلب ان تنزل نار من السماء وتأكل القائد والخمسين الذين ارسلهم اليه الملك اخزيا في المرة الأولى، وكذلك في المرة الثانية، فنزلت النار وأكلت القائدين ومئة شخص.
هذه القصة تطرح العديد من الأسئلة مثل:
أي ذنب ارتكبه هؤلاء الرجال حتى يطلب ايليا ناراً من السماء لتأكلهم؟
هل يستجيب الله صلوات طلب الانتقام والقتل؟
كيف يرسل الله المحب ناراً من السماء لتأكل مجموعة كبيرة من الناس؟ اليس هذا اله في غاية القسوة؟
كيف يكون نبي الله الذي صعد حياً الى السماء ويطلب ناراً لتهلك الناس؟
للإجابة على هذه الاسئلة وغيرها ينبغي ان نلقي بعض الضوء على شخصية كل من ايليا النبي، واخزيا الملك، ونفهم لماذا أرسل اخزيا ثلاث مرات لإحضار ايليا، وفي كل مرة قائد ومعه 50 جندياً، ونفهم لماذا طلب ايليا ان تنزل نار من السماء وتلتهم رئيسي الخمسينين الأولين وخمسينيهما.
اولا: من هو أخزيا؟
الغريب ان أخزيا اسم عبري (אֲחַזְיָהוּ) يعني من ((من يسنده الرب)) أو ((من يمسكه الرب)). ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من الذي كان يمسكه فعلاً الرب ام الشيطان؟
كم من الاشخاص لهم اسماء رقيقة لكنهم لا يعرفون الاّ العنف والخشونة، وكم من الأسماء تحمل معنى الجمال والعفة والطهر لكن حياة اصحابها خالية من كل طهر، ولا يعرفون الا القبح والنجاسة.
أخزيا و نشأته:
نشأ أخزيا في بيت الشر والفساد، فأبوه هو أخآب ملك اسرائيل، رمز الشر والفساد في التاريخ، والذي كان ملكا من اقوى ملوك اسرائيل واشرهم. كتب عنه الوحي: ((وعمل أخآب بن عُمري الشر في عيني الرب أكثر من جميع الذين قبله. وكأنه كان أمراً زهيداً سلوكه في خطايا يَربعام بن نَبّاط، حتًى اتخذ إيزابَل ابنةَ اثُبَعَل ملك الصًيدونيين امرأةٌ، وعَبَد البعل وسجد له، واقام مذبحاً للبعل في بيت البعل الذي بناه في السامرة، وعمل أخآب سواري، وزاد أخآب في العمل لإغاضة الرَب إلهِ إسرائيل اكثر من جميع ملوك إسرائيل الًذين كانوا قبله)) (1مل 16: 30ـ33).
فدخل في تحالف مع الفينيقيين. وقد كانت اقوى دولة تجارية في عصره، فتزوج إيزابل ابنة أثُبعل ملك صور، وقد كان كاهنا لعشتاروت. لقد كان زواجاً سياسيا انهض اسرائيل اقتصاديا، ولكنه هدمها روحيا. فدخلت ايزابل وادخلت معها عبادة البعل، ويبدو أنها كانت امرأة شرسة وذات شخصية قوية ونفوذ كبير. فأقنعت أخاب بذلك فبدا له أن عبادة الرب من خلال العجلين الذهبيين الذين أقامهما يربعام قد عفا عليهما الزمن. وان البعل إله صور يجب أن يكون له مكانة كبيرة بجانب يهوه اله اسرائيل، فبنى في السامرة معبداً للبعل، واقام فيه مذبحا للبعل، وبجانب البعل اقام تمثالا للسارية (امل 16: 32ـ33).
وقد كانت إيزابل أم أخزيا هي حامية انبياء البعل والسواري. فقد كانت تعول على مائدتها اربع مئة وخمسين من انبياء البعل، واربع مئة من انبياء السواري (امل 18: 19: 19: 1). وبناء على اوامرها هُدِمَت مذابح الرب. وأثارت أول اضطهاد ديني ضد شعب الرب. وكانت تريد ان تقضي على عبادة الرب ليحل محلها عبادة البعل. ولم يعارضها أخآب في ذلك بل كان يوافقها. وقد دبرت إيزابل جريمة قتل نابوت اليزرعبلي ليأخذ أخآب كرمه.
في هذا البيت وُلِد اخزيا، فنشأ وترعرع على حب الشر والفساد وعبادة البعل. لقد ارضعته أمه ايزابل الكراهية لشعب الرب ولهيكل الرب ومذبحه وعبادته. لقد تربى على حب القتل وسفك الدماء وتدبير المؤامرات، لذلك ليس غريبا ان نرى أخزيا على هذه الصورة من الشر والفساد، فلقد ورث أمه.
إن البيت هو المدرسة الأولى لكل انسان، فيه يتعلم كيف يعيش ولماذا يعيش؟ فيه يتكون لدى الفرد اتجاهاته وميوله وعاداته وتقاليده. إنها مسؤولية على كل أب و أم أن يفكرا فيما يعلما أطفالهما، وكيف يسلكا أمامهما.
وقد تولى اخزيا المُلُك بعد موت ابيه الملك أخآب الشرير، وكان أخزيا شريرا مثل أبيه، يقول عنه الوحي: ((عَمِلَ الشًر في عينَي الرب، وسار في طريق أبيه وطريق أمه، وطريق يَرُبُعام بُنِ نَباط الذي جعل إسرائيل يخطئ وعبد البعل وسجد له وأغاظ الرب إله إسرائيل حسب كل ما فعل ابوه)) (امل 22: 52, 53) ومن المؤلم ان اخزيا لم يتعلم شيئا من اختبارات ابيه الذي مات في خطيته. فلا بد أنه سمع في صدر شبابه كيف انزل الله نارا من السماء بينما عجزت الأصنام عن أن تفعل ذلك، ولكن هذا لم يغير طريقة تفكير أخزيا، ولم يرده الى عبادة الرب.
ثانيا: لماذا أرسل أخزيا ثلاث مرات لإحضار إيليا؟
ذات يوم كان الملك أخزيا يتمشًى على سطح قصره في السامرة، واستند الى كوًة هوَت به إلى الأرض فأصابته رضوض وجروح كثيرة. ولم يتجه فكر الملك أخزيا الى الله الحي بل اتجه فكره إلى بعل زبوب، ومعناه ((إله الذباب)) الذي كان أهل مدينة عقرون يعبدونه. ولا نعلم لماذا أٌطلق عليه هذا الاسم، ربما لأنه يحمي عبيده من الذباب، أو لأنه سريع الاستجابة في مثل سرعة الذبابة، ويحتمل أنه أطلق عليه هذا الاسم للتعبير عن وجوده في كل مكان مثلما تفعل الذبابة في تنقلاتها السريعة(1). ولما كان اهل عقرون يؤمنون أن بعل زبوب يشفي من المرض، فقد ارسل الملك أخزيا يسأل بعل زبوب إله الذباب، متجاهلاً إيليا واله إيليا.
إيليا يقابل رسل أخزيا:
أرسل الله ملاكا لنبيه إيليا يقول له: ((اصعد للقاء رسل ملك السامرة وقل لهم هل لأنه لا يوجد في إسرائيل إله، تذهبون لتسألوا بعل زبوب إله عقرون؟ فلذلك هكذا قال الرب: إن السرير الذي صَعِدتَ عليه لا تنزل عنه بل موتا تموت)) (2مل3: 1ـ4). وأطاع إيليا دعوة الله، وذهب ليقابل رسل الملك أخزيا قبل ان يصلوا إلى عقرون، وأبلغهم تلك الرسالة. فرجع الرسل إلى الملك أخزيا.
واستغرب الملك من سرعة عودتهم، وسألهم عما حدث، فقالوا له: قابلنا رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه، ثم أبلغوه رسالة النبي إيليا، فأدرك الملك أخزيا أن النبي إيليا هو الذي كلًمهم، وللأسف لم يخف الملك العنيد من كلام الله على لسان النبي، قائلا في قلبه: ((إنه يكذب)). فلم يبال بتحذيره، وبدلاً من أن يتضع أمام الرب ويطلب وساطة رجل الله، استهان به وبإلهه الذي أجرى على يديه آيات وعجائب كثيرة يعلمها الملك جيداً.
ولو كان اله عقرون قد أخبره بأنه سيموت لصمت ربما على هذا الخبر وقبله بسكوت، وهذا محال ايضا إذ كيف لآلهة صماء صنيعة ايدي الناس أن تجيب عن تساؤله.
لكن كون نبي الرب يخبره بالأمر ويوبخه على آثامه ويذكره بالإله الحي فإنه لا يطبق ذلك. ويستحيل عليه أن يُصلح شيئاً في حياته، ولم يؤثر فيه المرض الذي يقضي إلى الموت.
أخزيا يرسل قائد كتيبة وجنوده للقبض على إيليا:
اغتاظ أخزيا من إيليا كثيراً، وقرر أن ينتقم منه، وأصدر أمره بالقبض على إيليا، فارسل إليه قائد كتيبة، رئيس خمسين ومعه جنوده الخمسين فنقرأ: ((فأرسل إليه رئيس خمسين مع الخمسين الذين له، فصعد إليه وإذا هو جالسٌ على رأس الجبل، فقال له: يا رجل الله، الملك يقول انزل)).
ويقول القديس مار افرام السرياني: ((لقد صمم على عناده، وعوض التوبة عن كبريائه ورجوعه، ازداد في عناده، وأرسل قائد خمسين مع الخمسين للقبض على نبي الله، ليقودونه إلى المحاكمة))(1).
وأرجو أن تلاحظ أنه كان يكفي جندي واحد، أو القائد فقط ليلقي القبض على رجل أعزل بلا سلاح، لكن بالطبع ما سمعه أخزيا عن موقف إيليا مع والديه، وما رآه منه جعله يخشاه. ولكن عوض التوبة ظن أن في كثرة عدد الجنود ما يمكنه من إلقاء القبض عليه وسجنه، وأن الخمسين جنديا قادرون على ذلك، وأنه لن يفلت من أياديهم.
وقد تسأل: لماذا يدعو رئيس الخمسين الشرير إيليا بأنه ((رجل الله))؟ يرى البعض أن الملك نفسه والقصر الملكي كانوا يدركون حقيقة شخصية إيليا النبي، لكنهم لا يطيقونه. ويرى البعض الآخر أن في هذا نوع من التهكم على إيليا ويرى آخرون أنه كان لقبه المعروف به، كأن تقول لشخص اليوم يا مولانا او سيدنا او معالي الوزير، دون ان يدركوا أن هذا اللقب قد أعطي له من الرب (امل1: 9ـ13)، كما اعطي من قبل لموسى النبي (تث33: 1)، وبعد ذلك لصموئيل (1صم9: 7, 6)، وداود (2اخ 8: 14)، ثم أليشع (2مل4: 9). وعلى كل حال كان يدرك أن ايليا ليس انسانا عاديا، وإلا فلماذا يرسل كل هذا العدد الكبير من الرجال للإتيان به. ولكنه لم يكن يؤمن أنه فعلاً نبي الله، وإلا فلماذا يأمر بالقبض عليه؟!
وللأسف يتضح لنا هنا أن رئيس الخمسين كان يسير على نفس نهج الملك، فلم يكن يعتقد بأنه رجل الله. وإلا لماذا يطلب منه ان يسلم نفسه له، ليسلمه للملك كسجين او اسير. فلو كان هذا الرئيس يعتقد بأنه رجل الله وعنده كلام الله لما أسمعه كلمة الملك الآمرة، مما جعل إيليا يطلب نارا من السماء لتأكل هذا الرئيس مع الخمسين الذين له، حيث قال إيليا: ((إن كنتُ أنا رجل الله، فلتنزل نارٌ من السماء وتأكلك انت والخمسين الذين لك. فنزلت نارٌ من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له)).
أخزيا يرسل قائد كتيبة آخر مع جنوده للقبض على إيليا:
ولم يفهم الملك اخزيا رسالة الله له، فلم يدرك من هو الاله الحقيقي، ولم يتب عن خطاياه، ولم يرتعد الملك من حرق رئيس الخمسين وجنوده، وعوض توبته والحزن على الذين تسبب في حرقهم في قسوة قلبٍ أرسل قائداً آخر ومعه جنوده. فنقرأ: ((عاد وأرسل إليه رئيس خمسين أخر والخمسين الذين له. فأجاب وقال له: يا رجل الله، هكذا يقول الملك: أسرع وانزِل)). ويبدو أن قائد الخمسين الثاني كان وثنيا اكثر من الأول.
لعل القائد الأول لم يكن ملاماً مثل القائد الثاني، فهو لم يشهد آخرين احترقوا قبله، ليكونوا عبرة له. فما حدث له لم يحدث لآخر قبله حتى يخاف من المشهد. بينما كانت وقاحة الوثني الثاني أعظم، لقد رأى الجثث مطروحة كالفحم على الجبل ولم يخف في قلبه من سلوك نفس الطريق إلى إيليا. كانت تفوح رائحة رفيقه الذي احترق، ولم ترعبه ليعود الى الوراء لئلا يصعد. الفوج الذي قبله دمرته النار وطرحته، وها هو يدوس عليه، ويصعد بغضب إلى إيليا.
العظام التي اكلها اللهيب تبعثرت على الطريق، ومع ذلك كان يخطو بشجاعة نحو الغيور الذي أحرقها. لقد كان الجبل مضطربا من دخان الفوج الذي احترق ومع ذلك قسى قلبه، ولم يكن ينظر الى ما جرى، اكتسب إرادة شريرة وقاسية ومتوحشة، ولم يرتجف من النار التي أكلت رفاقه. قسًى وجهه كمن يحارب الله، وكان يهدد كأنه ينتصر على النار. طريقة رهيبة كمن لا يخاف من اللهيب، وصوته يرتفع إلى إيليا لينزله معه، وفي كبرياء عظيم وتشامخ أضاف إلى كلام القائد الأول كلمة ((أسرع)) فقال لإيليا ((هكذا يقول الملك: أسرع وانزل)).
فأجابه أيضا إيليا وقال له: (( إن كنتُ أنا رجل الله فلتنزل نارٌ من السماء وتأكلك أنت والخمسين الذين لك)). فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له.
أخزيا يرسل للمرة الثالثة قائد كتيبة وجنوده للقبض على إيليا:
للأسف لم يفهم أخزيا الملك الدرس الذي أراد الله أن يعلّمه له، ولم يحزن على الأولين الذين أحترقوا، وبكل تحدٍ لإيليا ولإله إيليا عاد فكرر الأمر للمرة الثالثة فنقرأ: ((ثم عاد فأرسل رئيس خمسين ثالثاً والخمسين الذين له)).
ولكن القائد الثالث كان يتسم بالتواضع والحكمة، فقد فهم رسالة الرب مما حلَ بالقائدين السابقين، فعندما وصل الى حيث كان النبي إيليا، نظر اليه، وأدرك من هو، بل وأدرك من هو الإله الحقيقي، فقد فكر في القائدين الأولين وخاف، وأدرك أنه من السهل أن يحترق هو ايضا. هبط التمييز على نفسه، وأدرك أن النبي عظيم وأن إلهه عظيم، فخاف، وتواضع، واقترب بقلب منكسر، ونفس مروعة، وجثا على ركبتيه أمامه وتضرع اليه وقال له: (( يا رجل الله، لِتُكرَم نفسي وأنفس عبيدك هؤلاء الخمسين في عينيك. هوذا قد نزلت نار من السماء واكلت رئيسي الخمسين الأولين وخمسينيهما، والآن فلتُكرم نفسي في عينيك)).
وهنا نجده بدلاً من أن يأمر إيليا بالنزول، بتواضع طلب الرحمة، سائلا ايَاه أن تكون نفسه ونفوس الجنود عزيزة لديه، معترفا بعدم استحقاقه في طلبه هذا أن يصحبه إلى الملك مرسله. وكأنه يقول له: يا نبي الرب لتكرم نفسي ونفوس عبيدك، هؤلاء الذين أتوا وهم لا يريدون، لقد جاءوا كأمر الملك الشرير، لكنهم يثقون في سلطانك، وفي رحمة الله.
لك سلطان لتنزل النار من السماء وتحرق الناس كما تريد إن عصوك. سيدي: عرفت جبروتك في الذين احترقوا، أظهر الان رحمتك للعالم. لك سلطان أن تحرق او لا تحرق، وهذا واضح، فإن كنت لا احترق، فهذا يعود إليك. بقائدين ومائة جندي أظهرت قدرة الله، لتظهر بي وبالخمسين الذين معي الآن حنانه ورحمته (3).
فقال ملاك الرب لإيليا: ((أنزِل معه. لا تخف منه)) فقام ونزل معه الى الملك. وقال النبي للملك: ((هكذا قال الرب: من أجل أنك ارسلتَ رسلاً لتسال بعل زبوب إله عقرون. أليس لأنه لا يوجد في إسرائيل إله لتسأل عن كلامه! لذلك السًرير الذي صعدتَ عليه لا تنزل عنه بل موتاً تموت)). ولم تحرك هذه الكلمات الملك أخزيا ليتوب بل استمر في عبادته الوثنية. ومات أخزيا كما قال الله على فم نبيه إيليا.
ثالثا: من هو إيليا؟
في عام 875 ق.م وفي أثناء حكم الملك أخآب (الملك السابع على اسرائيل) تقريبا بعد 60 سنة من انقسام المملكة، ظهر النبي العظيم إيليا ومعنى اسمه العبري ((إلهي يهوه))، وقد كان رجل أشعر متمنطق بمنطقة من جلد على حقويه. ويقول عنه الوحي إنه إيليا التًشبي من مستوطني جلعاد، قال بعض العلماء لعله من مدينة تِشُبه الواقعة شرق الأردن في منطقة جلعاد، وقال البعض الآخر ربما كلمة التشبي تعني ((الغريب)) فقد يكون المقصود أن إيليا الغريب كان من مستوطني جلعاد، بمعنى انه كان شخصا مختلفا عن غيره، لأنه كان يقضي الكثير من وقته في الصحراء في محضر الله، يتعبًد له، إلى اليوم الذي فيه دعاه الله ليكون نبياً.
ولقد أقامه الله لينقذ بلاده من عبادة البعل، او من العبادة المختلطة بين عبادة الله وعبادة البعل. فقد كانت الظلمة حالكة في تلك الأيام، وقلً عدد الذين يعبدون الرب بإخلاص. وارتفعت مذابح البعل في كل مكان، وانتشرت الهياكل الوثنية في كل أرجاء مملكة بني إسرائيل.
ولذلك يطلق على إيليا أنه نبي المطر، ونبي النار ايضا. فأول ما نقرأ عنه هو: ((وقال إيليا التشبي من مستوطني جلعاد لأخآب: حيٌ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفتُ أمامه، إنه لا يكون طللٌ ولا مطر في هذه السنين إلا عند قولي)) (1مل 17: 1, قارن يع 5: 18, 17).
وهو النبي الذي طلب أن تنزل نار من السماء لتلتهم الذبيحة. وقال متحدياً أنبياء البعل ((الإله الذي يجيب بنار فهو الله)) (امل 18: 24).
وواضح أن قرارات إيليا وكلماته لم تكن مجرد كلمات شخصية هو مسؤول عنها مسؤولية شخصية، إنما بناء على توجيهات سماوية، وتأكيداً لذلك استجابت السماء في كل ما نطق به إيليا.
فهو لا يزيد عن كونه آداة في يد الرب ليجري آياته وعجائبه على يديه. ودوره أنه كان مطيعا طاعة كاملة لإلهه ممتثلاً لكل توجيهاته وكلماته. حتى يخيل للقارئ العادي لقصة حياة إيليا العظيمة أن السماء طوع أمره.
رابعا: لماذا سمح الله بأن تنزل نار من السماء وتلتهم القائدين الأوًلين وخمسينيهما؟
ويمكن أن تسأل السؤال بصيغة أخرى:
لماذا طلب إيليا أن تنزل نار من السماء وتلتهم رئيسيَ الخمسينين الأولين وخمسينيهما؟
(1)لقد طلب إيليا النار ليعلم الجميع من هو الإله الحي الحقيقي الذي ليس سواه غير إله، وليؤكد رسالته. لقد كان الشعب في ذلك الوقت يعبد البعل، والبعل هو أبوللو إله الشمس، وكانوا يعتقدون أن البعل صاحب السلطان المطلق على النار والمطر، لذا أراد إيليا أن يظهر عجز هذه الآلهة بطريقة ملموسة. وأن يقدم الدليل مما يعتقد به عبدة البعل. ويعلن أن الله الحي الحقيقي هو صاحب السلطان المطلق على النار والمطر(4).
لذلك سبق أن تحدى إيليا أنبياء البعل وقال لهم: ((الإله الذي يجيب بنارٍ فهو الله)) (امل 18: 24). وأرجو أن تلاحظ ما قاله في صلاته: ((أيها الرب إله إبراهيم وإسحاق وإسرائيل ليعلم اليوم أنك أنت الله في إسرائيل، وأني أنا عبدك، وبأمرك قد فعلتُ كل هذه الأمور. استجبني يا رب استجبني، ليعلم هذا الشعب انك انت الرب الإله)). وكانت الاستجابة معلنة من هو صاحب السلطان، ((فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب، ولحست المياه التي في القناة)).
فكانت النتيجة (( فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا: ((الرًبُ هو الله! الرًبُ هو الله!)) (امل 18: 36ـ39). وها هو في هذه المرة يطلب ناراً من السماء ليدرك أخزيا ورجاله أن الله إله إسرائيل هو صاحب السلطان على الطبيعة وعلى كل شئ، وأن إله عقرون لا حول له ولا قوة.
(2) هذه النار هي برهان محبة الله الشديدة، فالله يطيل أناته على الأشرار جداً، وفي وقت معين يسمح بالتأديب ليكون درسا عمليا أمام الآخرين. فما أسوأ مصير الشخص والأمة التي بلا تأديب. يعاقب البعض لكي يخاف الباقون من العقاب فيكفوا عن الخطايا والمعاصي. إن الله مثل الجراح الذي يبتر عضو من الجسد مصاب بورم خبيث لكي يعيش المريض.
يقول القديس مار يعقوب السروجي: ((أحرق المئة ليفيد أكثرية الشعب حتى يعيدهم من الوثنية بالآية التي صنعها. كان الوثنيون قساة، ومتمسكين بآلهتهم، ولم يقدر ان يتكلم معهم الا بالنار… أضرم ناراً تنطفئ، حتى ينقذهم من جهنم التي يرثها الوثنيون الى الأبد. تحرك الرجل روحيا وبحب عظيم، ليحيي العالم المائت بالأصنام))(4).
ولقد حدث نفس الأمر في بداية الكنيسة مع بطرس عندما واجه حنانيا وسفيرة، فسقطا وماتا ليصيرا مثلاً للبقية. لذلك قيل: (( فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك)) (أع 5: 11).
(3) هذه النار هي برهان عدالة الله: فالله الذي عاقب سدوم وعمورة، وعاقب عماليق، وعاقب الكنعانيين، ها هو يعاقب شعبه الذي انحرف لعبادة البعل.
(4) هذه النار هي برهان حماية الله: لم تكن شهوة قلب إيليا الانتقام، ومن المستحيل ان يكون غضبه قد غلبه، وثار ثائرته. فطلب النار ليريح غضبه، أو طلب النار ليحصن نفسه. فهذا ليس عمله او مكانه، إنما في أيام النبي إيليا كان كل الشعب اليهودي قد ترك الله واتجهوا لعبادة الاوثان، ولم يكن لرجال الله أي احترام أو تكريم، بل وغالبا ما حاولوا قتلهم. وقد قال الرب عن أتقيائه ((من يمسكم يمس حدقة عينيه)) (زك 2: 8)، فمن الطبيعي أن تهتم السماء بمن أرسلتهم لإنصافهم وتثأر لأي اعتداء عليهم، لقد قال داود: ((احفظني مثل حدقة العين. بظل جناحيك استرني)) (مز 17: 8).
(5) هذه النار هي برهان قداسة الله: لقد طلب إيليا النار معلنا غضب الله من السماء على فجور الناس وإثمهم. ويرى عدد من العلماء أن القائدين وجنودهما كانوا جنودا للبعل، وظنوا في انفسهم انهم قادرون على مقاومة الله ونبيه. وقد احترقوا لانهم اشتركوا في قرار الملك، إن لم يكن ظاهريا فبقلوبهم الشريرة. وقد تمجد الله حين التهمتهم النار النازلة من السماء.
ويقول العلامة ترتليانوس: ((إن القائدين الأول والثاني كانا نبيين كاذبين للإله بعل زبوب، لذلك فنزول النار كان بسماح من الله لوقف نشر هذه العبادة الوثنية بالعنف والالزام من قبل الملك وجيشه الذي يقوده كثير من الأنبياء الكذبة للبعل وغيره(1).
لقد أنزل إيليا ناراً من السماء لتلتهم القائدين مع جنودهما، هذه هي روح العهد القديم، ولكن العهد الجديد، عهد الإنجيل مختلف تماماً عن ذلك، فالإنجيل يعلمنا أن اثنين من تلاميذ المسيح هما يعقوب ويوحنا طلبا من السيد المسيح ان يُنزل نارًا من السماء تُفني السامريين الذين رفضوا قبول المسيح في بلدهم، ولكن المسيح وبخهما (لو 9: 55) لئن كنا نجد في العهد القديم عقاب الله على الخطاة فإننا نجد في الإنجيل شفقة الله على الاشرار، فلم يرسل الله المسيح الى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم. لقد جاء ليكسب البشرية بحبه المعلن من خلال الصليب، وليس بحرقهم بالنار.
عزيزي القارئ: لم يؤمن اخزيا في صباه بالله الحقيقي الذي أنزل النار من السماء والتهمت الذبيحة، ولم يتعلم من قتل الضابط الاول والثاني مع جنودهما. وحتى عندما ذهب إليه النبي إيليا ليخبره بقول الرب لم يتُب، بل استمر في ضلاله وعبادته الوثنية فكانت الكارثة، وأنا ارجوك الا تهمل اصوات التحذير والإنذار التي يرسلها الرب لك.
المراجع
دائرة المعارف الكتابية، ج2 ، ص178. (1)
الأب تادرس يعقوب ملطي. الملوك الثاني، ص216. (2)
(3) Snaith. Norman. H. The Interpreter’s Bible Commentary.V.3. The First and Second Book of Kings. P.373.
(4) The NIV Study Bible, p.411.
(5) الأب تادرس يعقوب ملطي. الملوك الثاني، ص218.
(6) المرجع السابق 219.
إله العهد القديم، هل هو إله عنيف؟ شبهة والرد عليها
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا
1- وليمة عشاء الرب مساء الخميس هل كانت هي وليمة الفصح؟
التقليد الأرثوذكسي الذي تسير عليه الكنيسة القبطية منذ أيام الرسل، وكما تسلَّمته من السيد المسيح، هو أن تقديس سر الإفخارستيا يكون بالخبز المختمر. وهذا على أساس أن السيد المسيح أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، أي قبل أن يحل ميعاد أكل الفطير.
ولكي يفهم القارىء موضوع الفصح اليهودي والفطير وعلاقتهما بسر الإفخارستيا ينبغي أن يعرف الآتي:
حينما أراد الله أن يخلِّص شعب إسرائيل من العبودية في مصر، أمرهم – بفم موسى النبي – أن تَذبح كل عائلة خروفاً حَوْليًّا (أي ابن سنة)، ليكون دمه علامة الخلاص (فداء) لكل بكر في كل بيت. على أن يُمسح بدمه باب البيت: القائمتين والعتبة العليا حتى إذا نظر الملاك المُهْلكُ علامةَ الدم يعبر عن البيت، لأن الأمر كان قد صدر من الرب أن يضرب الملاك المهلك كل بكر في أرض مصر، كعقاب لمصر بسبب تشديد العبودية على شعبه إسرائيل.
أمَّا الخروف فيُذبح في الغروب، عشية اليوم الرابع عشر (اكتمال البدر) من الشهر الأول نيسان (ميعاد خروج شعب إسرائيل من مصر)، ثم يؤكل لحمه مشوياً بالنار فقط، ولا يُكسر منه عَظْمُه، ولا يبيتُ منه شيءٌ للصباح، ويؤكل على أعشاب مرَّة (تذكيراً بالمرارة التي عاناها شعب إسرائيل في العبودية).
وفي هذا اليوم – أي الرابع عشر من نيسان – يُرفع الخمير من كل بيت (يُعزل من البيوت). حتى إذا جاء المساء – ميعاد ذبح الخروف – لا يكون خمير في إسرائيل كلها (تعبيراً عن بدء حياة جديدة مع خلاص جديد، والتخلُّص من حياة قديمة).
ويُخْبزُ الفطير في ذلك اليوم ليؤكل على خروف الفصح. أمَّا معنى الفطير فهو كما يقول الكتاب: » لا تأكل عليه خميراً. سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من
أرض مصر، لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)
وتُحسب أيام الفطير أنها عيد قائم بذاته يبدأ من 15 نيسان حتى 21 منه مساءً. وعيد الفطير مقدَّس،يبدأ اليوم الأول منه بمحفل مقدَّس، وينتهي بمحفل مقدَّس، لا يُعمل فيهما عمل ما.
أمَّا خروف الفصح فيؤكل بعجلة، والأشخاص وقوفٌ، يؤكل رأسه مع أكارعه وجوفه، والباقي إلى الصباح يُحرق بالنار، يأكلونه وقوفاً وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيُّهم في أيديهم، يأكلونه بعجلة، فهو فصح للرب.
الآن يظهر بوضوح أنه لو كان عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا كان هو نفسه يوم الفصح الذي يُذبح فيه الخروف مساءً، لأصبح من المحتم أن يكون الخبز المستعمل في تقديس الأسرار فطيراً، لأنه يستحيل أكل الفصح على خبز مختمر.
الكنائس الأرثوذكسية (لا خلقيدونية وخلقيدونية) عموماً تقول إنها بموجب التقليد المسلَّم لها من الرسل، تقدِّس على خبز مختمر منذ القرن الأول مع إيمانها إيماناً راسخاً أن الرب أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، وكانت وليمته تسمَّى «وليمة قدَّاس الفصح»([1])، لأن الكنيسة تؤمن عن يقين تقليدي وكتابي أن الرب صُلب يوم الفصح في ميعاد ذبح الخروف فصار بذلك هو الفصح المسيحي الجديد: » هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. «(يو 29:1)
أمَّا الكنيسة الغربية – أي الرومانية الكاثوليكية – فقد ظلت تحافظ على هذا التقليد حتى القرن الحادي عشر([2])، ولكنها بعد ذلك رأت أن تغيِّر تقليدها مستخدمة الفطير بدل الخبز المختمر، مستندةً في ذلك على قراءة الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا التي تشير قراءاتها بحسب الظاهر إلى أن عشاء الخمسين كان وقت الفصح 14/15 نيسان. وبذلك بدأ انشقاق في التقليد السرائري بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، وبدأ موضوع القراءات الإنجيلية يدخل في صراع في مواجهة التقليد.
وقبل أن نخوض في الموضوع ونكشف أصالة التقليد الأرثوذكسي، ينبغي أولاً وقبل كل شيء أن ننبِّه ذهن القارىء أن سر الإفخارستيا بدأت الكنيسة تمارسه بالخبز المختمر منذ حلول الروح القدس يوم الخميس. أمَّا الأناجيل والرسائل فحينما بُدِىء في كتابتها، كان ذلك بعد ممارسة الإفخارستيا بحوالي عشر سنوات!! أي أن الأناجيل إنما بدأت تسجِّل عن الإفخارستيا من واقع ما هو جارٍ أمام أصحاب هذه الأناجيل والرسائل. فلو كان هناك أي مفارقة بين إفخارستية الرب في عشاء الخميس، كأن تكون مثلاً على فطير، وبين التقديس على الخبز المختمر الجاري على أيدي الرسل مرقس وبولس ومتى ولوقا ويوحنا، لكانت قد أصبحت موضوع شرح وتعليق بلا نزاع!
2 – القراءات الإنجيلية وكيف تثبت جميعها أن الرب صُلب في ميعاد الفصح. وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح بيومٍ كامل …؟
قبل أن نعرض للقراءات يهمنا أن يفرِّق القارىء بين قراءة لا تثبتها الحوادث الملابسة لها، وبين قراءة تثبتها الحوادث المرادفة لها وتشير إليها تكراراً، فالقراءة الأُولى تثير الانتباه من جهة احتمال عدم وضوح في الترجمة، أمَّا القراءة التي تشير إليها الحوادث من كل جهة فهي قراءة ذات ترجمة محصَّنة.
هذا ما سنواجهه من جهة القراءات في الأناجيل الأربعة، فإنجيل يوحنا أورد زمن إقامة سر عشاء الرب أنه قبل الفصح مساءً (أي 13/14 نيسان)، بوضوح شديد، وحدَّده تحديداً واضحاً. ثم عاد في عدة مواضع أخرى وأشار بوضوح شديد أيضاً إلى أن ميعاد صلب المسيح كان في وقت الفصح تماماً (أي 14/15 نيسان)، بحيث لم يَدَعْ القديس يوحنا أية فرصة للشك في ميعاد العشاء الذي أقامه الرب قبل الفصح بيوم كامل، ولا في ميعاد الصلب الذي تمَّ في وقت ذبح خروف الفصح.
أمَّا في الأناجيل الثلاثة الأخرى: مرقس ومتى ولوقا، فلا نجد الأمر كذلك، بل نجد أن رواية العشاء كلها ترد كخبر، مجرد خبر يتعلَّق كله بمنطوق كلمة واحدة هي كلمة » أول «= prîtV» بروتي «(وفي اليوم » الأول «من الفطير). ثم لا نجد بعد ذلك في أيٍّ من هذه الأناجيل الثلاثة أية محاولة إيجابية من الكاتب يُظهر أو يُعلِّق فيها على زمن العشاء أو على زمن الصليب بالنسبة للفصح اليهودي.
ولأنه معروف أن كلاًّ من متى الرسول ولوقا الإنجيلي أخذ روايته من جهة عشاء الرب من إنجيل مرقس، ومعروف أيضاً أن مرقس الرسول كان يرجع في رواية بعض الحوادث التي لم يشترك فيها إلى مصدر يترجم له من العبرانية والأرامية إلى اليونانية، لذلك اتجهت أنظار علماء الكتاب المقدَّس إلى إنجيل مرقس وبالأخص إلى كلمة » اليوم الأول من الفطير «التي تحدد زمن عشاء الرب كأنه واقع في الفصح. وفعلاً وجدوا أن لا الأصل العبري يفيد هذا المعنى ولا حتى الترجمة اليونانية. وهذا سنأتي إلى شرحه في حينه.
3 – البراهين الكتابية التي تؤيد أن عشاء الرب كان قبل الفصح بيوم، وأن صلب المسيح هو الذي تمَّ في ميعاد ذبح خروف الفصح.
أولاً: قراءة إنجيل يوحنا:
أ – » أمَّا يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى، فحين كان العشاء … «(يو 13: 1و2)
هنا يورد يوحنا الرسول الخبر مدعَّماً بالزمن عن قصد، لأنه يشاء أن يعرِّفنا بميعاد العشاء بالنسبة للفصح.
ب – » ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا … فصنعوا له هناك عشاءً … وفي الغد(أي قبل الفصح بخمسة أيام) سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آتٍ إلى أورشليم، فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه (أحد الخوص). «(يو 12: 1و2و12و13)
إذاً، من هذه الرواية يُفهم ضمناً أن يسوع كان في بيت عنيا يوم السبت، وكان قد تبقَّى على الفصح ستة أيام، وبذلك أيضاً يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل بالضرورة!!
ج – » ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية وكان صبح. ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجَّسوا فيأكلون الفصح. «(يو 28:18)
إذاً، من هذه الرواية يُفهم أن المسيح حُوكم وصُلب في اليوم الذي سيُذبح فيه الفصح مساءً أي يوم الجمعة.
وبذلك يكون عشاء الرب قبل الفصح بيوم كامل – أي يوم الخميس.
د – » ثم إذ كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب (بعد غروب الشمس، أي عند بدء يوم آخر) في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويُرفعوا. «(يو 31:19)
من هذه الآية يتبيَّن لنا من قول يوحنا الرسول أن » ذلك السبت كان عظيماً « أن يوم السبت (الذي يبدأ بعد غروب الشمس) كان هو عيد الفصح. فالسبت الوحيد الذي يُدعى عظيماً هو السبت الذي يقع فيه عيد الفصح.
إذاً، فالسيد المسيح صُلب قبل غروب الشمس، أي قبل بدء يوم السبت، أي يوم الجمعة.
وبذلك يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل.
هـ – » فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع وجلس على كرسي الولاية … وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة. «(يو 19: 13و14)
ومن هذا القول يتبيَّن بوضوح أن يوم الجمعة الذي هو يوم الاستعداد أصلاً بالنسبة للسبت، صار أيضاً استعداداً للفصح الذي يُذبح فيه خروف الفصح.
معنى هذا أن السيد المسيح صُلب يوم الجمعة، وهو يوم ذبح الفصح. وعليه يكون عشاء الرب قبل الفصح بيومٍ كامل.
ثانياً: قراءة أناجيل البشيرين الثلاثة: مرقس ومتى ولوقا:
أ – إنجيل القديس مرقس:
+ » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال له تلاميذه: أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح. ولمَّا كان المساء جاء مع الاثني عشر. وفيما هم متَّكئون يأكلون … «(مر 14: 12-18)
ب – إنجيل القديس متى:
+ » وفي أول أيام الفطير تقدَّم التلاميذ إلى يسوع … «(مت 17:26)
ج – إنجيل القديس لوقا:
+ » وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً: اذهبا وأعدَّا لنا الفصح لنأكل … «(لو 22: 7و8)
قد يفهم القارىء من هذه القراءات أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه، وكان هذا هو عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا، هذا بحسب المنطوق اللفظي أو الحرفي لرواية الأناجيل الثلاثة.
ولكن لو دققنا في الأناجيل الثلاثة، فإننا لا نجد أية إشارة أخرى في مضمون الحوادث تسند هذا المفهوم المتأتي من كلمة «في اليوم الأول من الفطير» حسب إنجيل مرقس، أو في «أول أيام الفطير»حسب إنجيل متى، أو «ولمَّا جاء يوم الفطير» حسب إنجيل لوقا (الذي أخذ بالمفهوم الظاهري من الترجمة اليونانية، والتي لا تفيد هنا أكثر من » لمَّا اقترب يوم الفطير «.
أصل الكلمةفي المفهوم العبري واليوناني أيضاً:
لو دققنا في مفهوم هذه الآية بحسب ترجمتها الحالية، نجد فيها التباساً واضحاً يخلُّ بالمعنى العام: » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح. «(مر 12:14)
الواقع أن » في اليوم الأول من الفطير «لا يمكن أن «يُذبح فيه الفصح»، لأن هذا اليوم يكون حسب الطقس اليهودي هو عيد الفصح نفسه، وهو ثاني يوم بعد ذبح خروف الفصح، لأن الخروف يُذبح قبل الغروب والفصح يؤكل بعد الغروب، وغروب الشمس هو الحد الفاصل بين يوم ويوم آخر حسب الطقس اليهودي. لأن أول أيام الفطير هو 15/16 نيسان، وذبح خروف الفصح يكون في 14/ 15 نيسان.
+ » وفي الشهر الأول، في اليوم الرابع عشر من الشهر فصحٌ للرب (ذبح الخروف). وفي اليوم“الخامس عشر” (أكل الفصح وأول أيام الفطير السبعة) من هذا الشهر عيدٌ، سبعة أياميؤكل فطير. في اليوم الأول محفلٌ مقدَّس، عملاً ما من الشغل لا تعملوا. «(عد 28: 16- 18)
إذاً يتحتم على قارىء الآية أن يُعيد النظر في الترجمة الأصلية من العبرية وفي الترجمة من اليونانية أيضاً.
وهذا ما قام به مؤخراً العالِم الألماني » كولسن Chwolson «وهو أول مَنْ انتبه إلى عدم دقة الترجمة، وأفاض في شرحه في كتابه المعروف بالألمانية بـ » وليمة الفصح «“Passamahl” صفحة 180 وما بعدها. وقد أثبت أن الترجمة اليونانية لم توضِّح القصد العبري تماماً. فالتعبير » اليوم الأول من الفطير «هو في الأصل العبري byum kmy dpsh وقراءتها بالعبرية تكون » بيوم قمي دبصح «ومعناها الحرفي: » وقبل يوم الفصح «أو «يوم قبل الفصح».
وقد جاء العالِم اليهودي المتنصِّر “يواكيم إرميا” (سنة 1964)، ووافق على هذا التصحيح في كتابه عن الإفخارستيا (صفحة 18)، ولكنه صحَّح لكولسون كلمة dpsh (فصح) بـ dptyry أي الفطير. فأصبحت الترجمة الجديدة التي ينبغي أن تكون عليه الآية في الطبعة الجديدة للكتاب المقدَّس هي: » وقبل يوم الفطير حين كانوا يذبحون الفصح «
والمعنى هنا هو: «وقبل يوم (خبز) الفطير الذي هو يوم ذبح الفصح»، فإذا كان خبز الفطير يوم الجمعة يكون ذبح خروف الفصح يوم الجمعة أيضاً، ويكون بالتالي اليوم الذي قبل الفطير هو يوم الخميس.
والحقيقة أن الكلمة اليونانية » prîtV بروتي «(مر 12:14)، تُفيد هذا المعنى أيضاً أي » قبل «[3]) وهذا مما جعل القديس لوقا يكتبها في إنجيله: » ولمَّا جاء «أي » اقترب! «[4])
وبذلك تكون قراءة الأناجيل الثلاثة متفقة مع قراءة إنجيل يوحنا، إذ يكون المعنى «وقبل يوم الفطير»الذي يُذبح فيه الفصح، هو اليوم الذي قبل الفصح وقبل خبيز الفطير، حيث الجملة الموصِّلة هنا: «الذي يُذبح فيه الفصح» لا تعود إلى أول يوم من عيد الفطير بل إلى اليوم الذي يُنزع فيه الخمير ويُخبز الفطير.
وبذلك يكون الكلام واضحاً جداً: أن الرسول يشير إلى اليوم الذي قبل الفصح فعلاً: أي قبل يوم الجمعة 14/15 نيسان، وهو يوم الخميس 13/14 نيسان، بحسب إنجيل يوحنا.
4 – الرد على القول بـ «فأعدَّا الفصح» (مر 16:14) والقول بـ «شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم.»(لو 15:22)
حينما يقول الكتاب: » أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح « هنا الإعداد للفصح بمعنى الاستعداد ليوم الفصح، لأن أموراً كثيرة ينبغي أن تُرتَّب قبل ذلك اليوم. لأن الإعداد للفصح عملية معقَّدة عند اليهود، ويستحيل أن تتم في نصف نهار.
أو كيف يسافر بطرس ويوحنا من بيت عنيا إلى أورشليم ويبحثا عن بيت مرقس، ثم في نفس الصباح يقومان بشراء الخروف الذي يتحتَّم أن يُذبح في الهيكل، ثم يقومان بعملية تنظيفه وشيِّه في فرن خاص بشروط خاصة، لأن الطقس يحتِّم أن يُشوَى الخروف صحيحاً بأكمله حتى جوفه وأكارعه، وذلك بأن تخترق عصا رمان من الفم حتى المخرج ويصير شَيُّهُ دون أن يلامس تراب الفرن، مع مطالب العيد الأخرى من أعشاب مرَّة وأطباق مأكولات يحتِّمها الطقس؟
إن كلمة (» وأعدَّا «الفصح) هي في الواقع طقسية، وتُفيد الانتهاء من الترتيبات الخاصة بيوم«الاستعداد للفصح»، حيث تتم في كل ساعة من ساعاته عملية معينة. لذلك فإن كلمة «أعدَّا»الفصح لا تعني أنهما ذبحا الخروف وهيَّآه للأكل في ساعة من الزمان، فهذا غير معقول، وإنما يعني أنهما أكملا الترتيبات اللازمة للفصح، لأن مساء الخميس هو في الواقع بداية » يوم الاستعداد الكبير «للفصح الذي هو يوم الجمعة، وقد جعل منه السيد المسيح استعداداً آخر جديداً إذ أعدَّ فيه نفسه لذبيحة الصليب.
فكان مساء الخميس يوم استعلان للفصح الأبدي، وكان عشاء الخميس هو هو يوم ما قبل الصليب، حيث الصليب هو هو الفصح الحقيقي المزمع تقديمه على الصليب يوم الجمعة.
وعلى أساس ما أضمر المسيح أن يكمله في عشاء الخميس من استعلان الذبيحة وتقديم نفسه لتلاميذه وللكنيسة حملاً مذبوحاً لأجل حياة العالم ولمغفرة خطايا كثيرين، وعلى أساس ما كان يعلَمه المسيح من حوادث الجمعة العنيفة الدامية، وجسده أمام عينيه ممزَّق ودمه مسكوب على الأرض بأيدي الكهنة ورؤساء الكهنة قال: » شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم «(لو 15:22).
ومعلوم يقيناً أن المسيح لا يشتهي أكلاً ولا يشتهي عيداً، ولكنه كان يشتهي، منذ البدء وقبل أن يتجسَّد، أن يؤسس فصحاً جديداً. «هذا الفصح» يكون الأكل والشرب منه أكلاً وشرباً حقيقياً (¢lhqîj أليثوس): » جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ «(يو 55:6)، حيث كلمة » حقيقي «هنا ¢lhqîj تُفيد أكلاً وشرباً إلهياً من خلال أكل وشرب مادي.
وهذا هو مضمون » السر «في عشاء الرب الذي أصبح به » هذا العشاء «» فصحاً حقيقياً « جديراً بأن يُشتهى بالحقيقة!! حيث صار الخبز والخمر لحمَ ودمَ حملِ الله، فصحِ الدهور والأبدية، الذي يرفع خطية العالم.
ومرة أخرى نقول: إنه يقيناً لم يكن المسيح يشتهي أن يأكل لحم خراف ولا كان يود أن يستمتع بذكريات مصر وسيناء مع تلاميذه، بل اشتهى أن يكشف لهم سر الفصح الكبير، فصح العالم كله، » مُشتهى الأمم « الفصح السماوي الجديد حيث كان حمل الله يُجرَى الاستعدادُ لذبحه في السماء كما على الأرض. فالمسيح اشتهى شهوةً أن يطعمهم لحمه السماوي بيديه قبل أن يذبحه اليهود بأيديهم.
وهل توجد شهوة عنده أو حب له أعظم من هذا أن يذبح نفسه من أجل أحبائه، ألم يقل هو نفسه هذا (يو 13:15)؟ والآن لقد اشتهى أن يكسر بينهم الخبز السري النازل من السماء، الذي طالما حدَّثهم عنه، حتى عند أكل الخبز تنفتح عيونهم ويعرفوه، قبل أن يتألم!!
اشتهى شهوةً أن يَسْفُك دمه ويسقيهم منه قوة الحياة التي للعهد الجديد، ليبقى حيًّا فيهم بقوة قيامته فيكون لهم حياة أبدية في أنفسهم، حتى يقوموا ويلحقوا به في السماء ليكمل معهم الفصح الأبدي في ملكوت الآب، ويجلسوا معه على مائدته!
هذه كانت شهوة المسيح التي اشتهاها لنا!!! … » شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يُكمَل في ملكوت الله «(لو 22: 15و16)، حتى يكمل الخروج الأخير من العالم لشعبه ويدخلوا الملكوت معه!
ويرى العالِم L. von Sybel في مقال له بعنوان: Das Letzte Mahl Jesu [في مجموعة الدراسات اللاهوتية والنقدية – ليبزج، رقم 95 (1923- 1929)، ص 119] إن ما سجَّله القديس لوقا في إنجيله الوارد في أصحاح 22: 15و16، والمذكور أعلاه، هو في الحقيقة تقليد كنسي كان قائماً في الكنيسة وقت تسجيل القديس لوقا لإنجيله. ويقوم هذا التقليد([5]) على أساس أن الرب قال هذا على أكل الخبز (الفصحي)، وليس على أكل خروف الفصح.
وجاء العالِم Bultmann وأثبت هذا الرأي أيضاً في كتابه:
The History of the Synoptic Tradition, Oxford, 1963, p. 266.
وجاء أيضاً العالِم الفرنسي A. Loisy وتحيَّز بثقة إلى هذا الرأي.
وهكذا وجدنا أن التقليد القائم في الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، تنحاز له الأبحاث اللاهوتية العميقة، وأنه كفيلٌ بأن يُستظهر على كل نقد، لأنه في الحقيقة منبع قائم بذاته سابق على تسجيل الأناجيل وعلى كل الرسائل، وخصوصاً من جهة سر الإفخارستيا … فالرسل أقاموا سر الإفخارستيا بعد حلول الروح القدس مباشرةً، بحسب ما تسلَّموه من الرب، وقبل أن تُسجَّل كلمة واحدة في كافة الأناجيل أو الرسائل!
ومن جهة القراءات أيضاً، فإنه توجد بعض إشارات عابرة في كتب الأبوكريفا التي يرجع تاريخها إلى القرون الأولى، تحدِّد بوضوح ميعاد الصلب بالنسبة لعيد الفطير، وقد جاءت عفواً. ففي كتاب الأبوكريفا المدعو » إنجيل بطرس «5:2 يقول: [إن محاكمة الرب وصلبه تمَّت قبل أول يوم من عيد الفطير]([6]).
وهذا القول – وإن كنَّا لا نعتمد عليه – إلاَّ أنه يشير إلى التقليد السائد في ذلك الزمان عن ميعاد الصليب بالنسبة للفصح اليهودي، فهذا القول يوضِّح أن الكنيسة كانت على دراية أكيدة من أن المسيح صُلب في ميعاد الفصح تماماً، وأن عشاء الرب كان قبل الفصح، وبالتالي فإن التقديس يكون على الخبز وليس على الفطير.
وكانت هذه الوليمة السابقة على يوم الفصح تسمَّى: » قدَّاس الفصح. «[7])
5 – البراهين الأخرى
عدا القراءات التي جاءت في إنجيل يوحنا بوضوح، نقدِّم الآن البراهين الأخرى المترتبة على القراءات والتي تشير كلها إلى أن عشاء الرب لم يكن فصحاً يهودياً، وأن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف:
أولاً: ينبغي أن نهتم بالفارق بين مفهوم الفطير ومفهوم الخبز في الإفخارستيا، فلا ينبغي أن يُؤخذ بخفة، لأن المعنى الذي يحمله كبيرٌ، فالفطير له علاقة معنوية ينبغي أن تبقى في حدود الفصح اليهودي فقط.
لأن الفطير في الفصح – بحسب الكتاب – يمثِّل «خبز الشقاء»، وبالعبرية: Lehem Oni »لِحِمْ عُنِي «ومعناه » خبز عناء « وترجمته اليونانية ¥rtoj kakèsewj (تث 3:16)، لأنه رُفع من المعجنة قبل أن يختمر أو قبل أن توضع فيه خميرة بسبب السرعة والعجلة للخلاص من العبودية والشقاء: » لا تأكل عليه خميراً.
سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من أرض مصر،لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)
ولكن الآن ونحن في الإفخارستيا، التي هي الفصح الحقيقي، الجديد، نحن لا نأكل » لِحِمُ عُنِي «أي » خبز الشقاء «بل خبز البركة، الخبز الحي النازل من السماء، وليس ذاك الآتي من مصر.
فجسد المسيح لا يمكن أكله على هيئة فطير، أي خبز عناء، لأنه ليس أرضياً بل هو سماويٌّ ومؤدٍّ إلى السماء، فهو خبز الراحة الحقيقية واسمه » خبز البركة والشكر «و » ترياق الخلود « أي دواء عدم الموت، بل وعدم الشقاء، بل وعدم الحزن أو الكآبة أو التنهد أو حتى المرض. فالذي يأكله لا يجوع ولا يموت، فهو إذاً خبز الفرح والسرور والشفاء، وليس خبز المذلة والضيق والشقاء.
لذلك فإن موقف الطقس الأرثوذكسي من وليمة الفصح اليهودي موقف سليم، إذ لم يجعلها منطلقاً ولا أساساً للإفخارستيا، لأنه كيف يُعلَن الجسد المقدَّس في خبز عناء وشقاء؟
ثانياً: مرقس الرسول يقول في إنجيله: » أخذ يسوع خبزاً ¥rton وبارك وكسر «(مر 22:14)، ولم يقل » أخذ فطيراً ¥zumon. «[8])
والتقليد المسلَّم للكنيسة القبطية على يدي مرقس الرسول نفسه وهو إنجيلي، حدَّد أن يكون خبز الإفخارستيا خبزاً لا فطيراً، فتواتر الطقس الأرثوذكسي منذ منتصف القرن الأول، وهو يقوم عملياً على أساس تقديم خبز لا فطير في الإفخارستيا، جعل قراءة إنجيل مرقس الرسول وبقية الأناجيل فيما يختص بكلمة الخبز الواردة بوضوح ¥rtoj وليس فطيراً ¥zumoj تشير إلى أن الإفخارستيا أقامها المسيح فعلاً بخبز مختمر وليس فطير.
فالتقليد يشدِّد ويحدِّد من قصد الكلمة الواردة في الأناجيل. لأن الاعتراضات التي يقدِّمها بعض العلماء على كلمة ¥rtoj الواردة في الأناجيل أنها قد تفيد أيضاً خبز الفطير – قياساً على ما جاء في الأسفار قديماً من احتمال ذكر كلمة » خبز «بدل » فطير «للاختصار، نقول إن هذه الاعتراضات قائمة على أساس مجرد قراءة الكلمة. ولكن بعد وقوف التقليد الأرثوذكسي من هذه الكلمة باستخدامه الخبز المختمر عملياً منذ القرن الأول المسيحي، أصبحت احتمالات القراءة الأخرى مستبعدة.
ثالثاً: الإفخارستيا، كما ظهرت في أول صورة لها في الكنيسة الأُولى في سفر الأعمال، ظهرت باستخدام الخبز لا الفطير، دون أي إشارة إلى طقس الفصح. فلم نقرأ مرة واحدة عن إقامة إفخارستيا بطقس الفصح أو بالفطير في كل الأخبار الواردة في الإفخارستيا المعبَّر عنها بكسر الخبز.
وهذه هي صورة أول إفخارستيا بعد يوم الخمسين مباشرةً:
+ » وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات. «(أع 42:2)
وهذه الآية كلها تصوير لخدمة قدَّاس كامل. فالتعليم أولاً، ثم الاجتماع معاً حول المائدة (الشركة هنا كلمة طقسية: koinwn…a كينونيا)، وكسر الخبز (تعبير سفر أعمال الرسل عن سر الإفخارستيا)، والصلوات (أي تلك التي تُتلى بعد التناول).
فلو كانت الإفخارستيا قد أسسها الرب من خلال طقس الفصح أو انطباقاً عليه، لكانت إقامتها تستلزم دائماً خبز الفطير، كما وكان يتحتم أن يأخذ صورة سنوية، أو لكان زمن إقامتها السنوي يُعتبر أساساً.
ولكن الواقع أن تكرار إقامة الإفخارستيا في الكنيسة الأُولى منذ أول يوم كان على الخبز، وبدون أي قيد زمني، وفي أي وقت من النهار (وهذا مهم للغاية)، هذا كله يشير إلى أن تأسيسها كان حرًّا من أي طقس سابق، وأنها كانت من خلال وليمة شركة ومحبة حرَّة غير مرتبطة بطقس الفصح اليهودي.
رابعاً: في رواية العشاء السري في الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا، ثم الرواية الواردة عن الإفخارستيا في رسالة القديس بولس الرسول الأُولى إلى كورنثوس، لا نجد أية إشارة إلى طقس فصحي على الإطلاق، فلا ذكر لخروف الفصح ولا لأعشاب مرَّة ولا لأكل بعجلة ولا لحديث الفصح التقليدي Heggadah.
بل على العكس، فإن الإنجيليين الأربعة يوضِّحون أنه اتكأ والإثنا عشر وابتدأوا يأكلون، فالاتكاء هنا يشير إلى أنها كانت ليست وليمة فصح حيث يأكل فيها الجميع، وهم وقوف، متمنطقين، وعلى عجلةٍ، وإنما كانت وليمة عشاء حدَّد المسيح طقسها وروحها كبداية وأصل.
أمَّا اعتراضات بعض العلماء (وهم من أعاظم العلماء في الإفخارستيا) بخصوص الإفخارستيا التي كانت تقيمها الكنيسة الأُولى، أنها كانت تكراراً للولائم العادية التي كان يقيمها المسيح مع تلاميذه وأنها لم تكن تكراراً للعشاء الأخير([9])، فهو قول مرفوض، لأن الكنيسة تؤمن بإفخارستيا واحدة، أُقيمت مرَّة، وهي هي التي تُقام كل مرة، لأن الذي يقيمها هو المسيح وبحضور تلاميذه وملائكته وقديسيه مع شعب كل كنيسة. فحضور الرب في كل إفخارستيا، وكون كل إفخارستيا هي نفس جسد المسيح ودمه، يُنهي على كل ثنائية في شكل الإفخارستيا وجوهرها.
ثم إنه في قول المسيح – في تقليد بولس الرسول الذي سجَّله عن الرب نفسه: » فإنكم كلما أكلتمهذا الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء «(1كو 26:11)، تفيد كلمة (» هذا «الخبز) وكلمة (» هذه «الكأس)، أنه خبز واحد وأنها كأس واحدة لطقس واحد قد تعيَّن إلى الأبد، فكل إفخارستيا قامت وستقوم هي «هذا» الخبز نفسه و «هذه» الكأس عينها لهذا الطقس ذاته الذي أقامه المسيح مساء الخميس!
خامساً: إن كل أوصاف » عشاء الرب «كما جاءت في الأناجيل وفي رسالة كورنثوس الأُولى، تتنافى مع أوصاف طقس الفصح اليهودي كما جاء في العهد القديم وفي كل كتب اليهود الطقسية سواء كانت » المِشْناه «أو غيرها.
( أ ) ففي وليمة الفصح لا يُكسر (الفطير) إلاَّ بعد العشاء الرسمي؛ في حين أن الخبز في عشاء الرب ذُكر أن الرب قسَّمه قبل العشاء([10]).
(ب) في وليمة الفصح وحينما يأتي ميعاد (الفطير)، وهو يكون في نهاية العشاء، لا تُقال عليه البركة قبل الكسر، بل بحسب الطقس اليهودي يُكسر أولاً ثم تُقرأ عليه البركة؛ في حين أن الذي ذُكر في إنجيل القديس مرقس هو أنه بارك أولاً ثم كسر، وكذلك بقية الأناجيل([11]).
(ج) في وليمة الفصح لا يوجد كأس تتوزع على جميع الحاضرين، بل كل واحد يكون له كأسه وتكون له صحفته؛ بعكس ما جاء في الأناجيل أن المسيح بارك كأساً واحدة وأعطاها للتلاميذ ليشربوا منها كلهم([12]).
( د ) وكذلك يُفهم أيضاً أنه كان يوجد صحفة واحدة يغمس فيها الجميع (مر 20:14).
(هـ) في وليمة الفصح يتحتَّم توزيع أربع كؤوس أثناء الوليمة، لم يُذكر منها في الأناجيل إلاَّ كأس واحدة؛ أمَّا في إنجيل لوقا فقد كُشف عن وجود كأس آخرى في بداية العشاء قبل كسر الخبز، وهذا غريب عن طقس الفصح جملةً – وقد رفض المسيح أن يشرب منها باعتبار أنها مجرَّد كأس للشرب من نتاج الكرمة وحسب، أي لا يدخل في مضمون تأسيسه للسر المقدَّس القائم على كأس واحدة تحوي دم العهد الجديد. وهذا معروف – حسب الطقس القبطي – أنه ذاق منها ثم أعطاها للتلاميذ بعد البركة.
سادساً: ومما يزيد وضوح حقيقة أن عشاء الرب لم يكن ليلة الفصح، ما جاء في إنجيل القديس مرقس بخصوص تصميم رؤساء الكهنة أن لا يُقبض على المسيح في يوم العيد: » وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب.«(مر 14: 1و2)
وهذا يوضِّح أن المسألة تختص بقرار صدر من السنهدرين أن لا يُقبض عليه في العيد، ليس فقط لاعتبارات الخوف من ثورة يقوم بها الشعب ضد السلطة الدينية ولكن أيضاً بسبب اعتبارات طقسية هامة. إذ لا يجوز عمل ذلك في العيد بحسب الشريعة.
لذلك كيف يُحتمل بعد ذلك أن يُقال أن المسيح قُبض عليه مساء العيد وحوكم يوم العيد نفسه وتمَّ الصلب أيضاً يوم العيد؟ ([13])
إذاً، يكون الطقس الأرثوذكسي في الجانب الأقوى، من حيث ظروف الحوادث الإنجيلية ومن جهة الشريعة اليهودية أيضاً. فالمسيح أسَّس الإفخارستيا قبل الفصح، وقُبض عليه قبل عيد الفصح، وحوكم قبل عيد الفصح، وتمَّ صلبه مع ذبح الخروف!
إن هذا يتمشَّى ليس مع الشريعة فحسب، بل ومع كافة النبوات أن المسيح هو الفصح الجديد » الواحد الذي يموت عن الشعب حتى لا تهلك الأمة كلها «(راجع يو 50:11) بحسب نبوَّة رئيس الكهنة العفوية.
سابعاً: جاء في إنجيل القديس يوحنا: » لكم عادة أن أُطلق لكم واحداً في الفصح، أفتريدون أن أُطلق لكم ملك اليهود؟ فصرخوا أيضاً جميعهم قائلين: ليس هذا بل باراباس. وكان باراباس لصًّا. «(يو 18: 39و40)
وأصل هذه العادة هو اهتمام الطقس اليهودي بفك قيد مسجون واحد في العيد تعبيراً عن أن الفصح هو بمثابة فك قيود شعب إسرائيل من مصر!! فكان السنهدرين يتكفَّل بذبح خروف خاص كفصح رمزي عام إكراماً لهذا المسجون.
إذاً، فواضح أن إطلاق سراح باراباس اللص، ليأكل الفصح مع اليهود، هو برهان أن المسيح حوكم وصُلب يوم ذبح الفصح، وبذلك يكون عشاء الرب قد سبق الفصح بيوم كامل.
ثامناً: لقد أورد بولس الرسول في رسالته الأُولى لكورنثوس إشارة واضحة جداً، إنما على المستوى الميستيكي أي الروحي التأملي: أن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف وصار هو فصحنا الجديد: » لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا. «(1كو 7:5)
وبما أن الخروف لا يُدعى فصحاً إلاَّ إذا ذُبح في ميعاد الفصح، لذلك فإن ذبيحة المسيح لا يمكن تسميتها فصحاً إلاَّ إذا كانت قد قُدِّمت في ميعاد الفصح تماماً، أي من الساعة السادسة من النهار (أي الثانية عشرة ظهراً) حتى الساعة التاسعة من النهار (الثالثة بعد الظهر)([14]).
وهذا ما تمَّ بالفعل. بل وإن الإفخارستيا، أي سر عشاء الرب، قُدِّم على أساس أن المسيح سيكون هو خروف الفصح، بعكس ما يحاوله بعض العلماء أن يركِّزوا على عشاء الرب أنه هو الفصح. هذا لا يجوز من وجهة المنطق الروحي الدقيق، فالإفخارستيا لا يمكن أن تكون فصحاً إلاَّ إذا كان المسيح فصحاً!!، فلأن المسيح علم يقيناً أن ساعته قد جاءت وعلم يقيناً أنه سيُسلَّم ويُصلب في الفصح، قدَّم جسده مُسْبَقاً مكسوراً بالنية والإرادة الأزلية ومشورة الآب، باعتباره أنه هو لحم الفصح السماوي، وقدَّم دمه بروح أزلي متجاوزاً الزمن، باعتباره أنه هو دم الفصح المنجِّي من الهلاك والموت الأبدي.
إذاً، لولا يقين المسيح بأنه سيُقدَّم في الفصح ذبيحة إلهية لأجل خلاص العالم ما كان جعل عشاء الخميس ذبيحة سرية على مستوى الفصح، أي » جسد ودم «!
تاسعاً: كذلك أورد بولس الرسول إشارة في غاية العمق الروحي من جهة المضمون الطقسي لا يدركها إلاَّ الدارسون للطقس القديم. فهو يقول في رسالته الأُولى إلى كورنثوس: » ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين «(1كو 20:15). هنا كلمة «باكورة» “Bikkurim” كلمة طقسية تتبع في فهمها وشرحها الطقس الذي انحدرت منه إلينا. فما هو طقس » الباكورة « وما هو ميعادها؟
معروف في طقس الباكورة أنها أوائل حصيد القمح (الحبة التي كانت قد وقعت في الأرض وماتت)، تُقدَّم كحزمة فريك وذلك في غد السبت الذي يتبع الفصح – أي 16 نيسان – كما جاء في سفر اللاويين:
+ » في الشهر الأول (نيسان) في الرابع عشر من الشهر، بين العشاءين (الغروب والمساء) فصحٌ للرب. وفي اليوم الخامس عشر من هذا الشهر عيد الفطير للرب سبعة أيام … تأتون بحزمة أول حصيدكم إلى الكاهن، فيردِّد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم في غد السبت يردِّدها الكاهن، … ثم تحسبون لكم من غد السبت السابع من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة إلى غد السبت تحسبون خمسين يوماً، ثم تقرِّبون تقدمة جديدة للرب. « (لا 23: 5-6 و9-16)
إذاً، فالقديس بولس الرسول بعد أن ألمح إلى 14 نيسان أن المسيح هو فصحنا الذي ذُبح لأجلنا، عاد وألمح في صورة مبدعة إلى 16 نيسان بقوله أن المسيح صار أيضاً باكورة الراقدين، أي أن المسيح قام من الأموات في يوم تقدمة الباكورة. وبما أن الباكورة تُقدَّم في غد السبت (أي يوم الأحد) بعد الفصح، إذاً، فبولس الرسول بقوله أن المسيح كان باكورة الراقدين، فهو يعني تماماً قيامة المسيح يوم الأحد، وبالتالي يشير ويؤكِّد الإشارة إلى أنه مات يوم الجمعة 14 نيسان في ميعاد ذبح الفصح!!
ففي الإشارة الأُولى التي يقول فيها إن المسيح فصحنا، يشير إلى المسيح باعتباره حمل الفصح المذبوح في 14 نيسان، وفي الإشارة الثانية التي يقول فيها إنه باكورة الراقدين يشير إلى المسيح باعتباره حبة الحنطة التي كانت قد وقعت وماتت ثم قامت، وتم ترديدها أمام الله في غد السبت (الأحد) 16 نيسان!!
عاشراً: قول بولس الرسول عن ميعاد الإفخارستيا: » في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً … «(1كو 23:11)، يشير إشارة ضمنية ولكن ذات اعتبار خاص، أنها لم تكن ليلة الفصح، وإلاَّ كان ذكر أن ذلك تم في ليلة الفصح. فإغفال بولس الرسول للفصح نهائياً يشير إلى أنها لم تكن ليلة الفصح.
حادي عشر: تقول الشريعة بكل وضوح وتأكيد إن من بدء أكل الفصح في العشاء، أي بعد غروب شمس اليوم الثالث عشر من نيسان بما يساوي دقيقتين (بتوقيتنا الزمني الحالي) ومنذ بدء أكل الفطير في نفس وقت الفصح، يُحسب سبعة أيام لا يكون فيها عمل من الأعمال: » عملاً ما من الشغل لا تعملوا « وعلى وجه الخصوص اليوم الأول الذي يبدأ بعد غروب 13 نيسان مباشرةً، وكذلك يوم 21 اليوم الأخير، فإنهما محسوبان محفلاً مقدَّساً للرب، وعليهما تشديد وعقوبة في الناموس:
+ » لا يُعمل فيهما عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمل منكم. «(خر 16:12)
فكيف يُجيز القائلون بأن الإفخارستيا – أي عشاء الرب – كانت هي وليمة الفصح وكانت هي أول أيام الفطير؟ ويكون قد حدث فيها الآتي:
1- » وخرج (يسوع) مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون، حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه «(يو 1:18). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟
2- » فأخذ يهوذا الجند وخدَّاماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، جاءوا إلى هناك بمشاعل، ومصابيح، وسلاح! «(يو 3:18)، ويقول إنجيل لوقا إنه كان معهم «رؤساء الكهنة
والشيوخ» (لو 52:22)، وحتى التلاميذ حملوا معهم سيفين!! » فقالوا يا رب هوذا هنا سيفان!! «(لو 38:22). بل وضرب بطرس عبد رئيس الكهنة بالسيف: » وضرب واحدٌ منهم عبد رئيس الكهنة فقطع أُذنه اليمنى «(لو 50:22). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟
3- وهل يمكن أن ينعقد السنهدرين ليلة الفصح، وينشغل في المحاكمة حتى الصباح! حتى صياح الديك الثالث!! وقانون السنهدرين واضح وصريح أنه لا يجلس أحد للحكم يوم العيد([15])؟؟
4- وهل يمكن أن يستمر صباح يوم عيد الفصح في المحاكمة؟ » ولمَّا كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب: رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم!! «(لو 66:22)
5- وهل يمكن في عيد الفصح المحسوب محفلاً مقدَّساً أن يمزق رئيس الكهنة – أثناء المحاكمة – ثيابه: » فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه؟ «(مر 63:14)
6- وهل يمكن أن يشترك اليهود شعباً وشيوخاً وكتبةً وفريسيين مع الرومان في المحاكمة يوم عيد الفصح؟
7- وكيف يمكن أن يأتي سمعان القيرواني من حقله البعيد عن المدينة (من الشغل) يوم عيد الفصح ظهراً؟ وكل المسموح به للمشي لا يزيد عن 880 متراً فقط والتي لا تكفيه أن يخرج من باب أورشليم؟
8- وهل يجوز الحكم بصلب إنسان يهودي يوم عيد الفصح بحسب شريعة اليهود؟
9- وكيف يجوز ليوسف الرامي، وهو مشير بين اليهود، أن يشتري يوم الفصح كتاناً من السوق ليكفِّن يسوع، وأي سوق هذا الذي يفتح أبوابه يوم فصح اليهود؟
10- وكيف يتم إنزال جسد ميت من على صليب (علامة اللعنة) ثم حمله ثم دفنه ثم دحرجة الحجر على القبر يوم عيد الفصح؟
إذاً، هذا كله تمًّ يوم ذبح خروف الفصح وليس يوم عيد الفصح!
عشاء الخميس قبل الفصح في أقوال آباء الكنيسة
1– القديس يوستينوس الشهيد (100-165م)([16]):
[لقد أخذتموه (يوستين يوجِّه الكلام إلى تريفو اليهودي) وأسلمتموه في يوم الفصح].
™n ¹mšrv toà p£sca sunel£bete aÙtÒn.
ويعلِّق على هذه العبارة العالِم أويسترلي Oesterley في كتابه » الخلفية اليهودية لليتورجيا المسيحية «بقوله: [إن بهذه العبارة يتضح أن يوستين يعتقد أن العشاء الأخير يتحتَّم أن يكون قد حدث في يوم الخميس فيما قبل الساعة السادسة]، أن الوليمة التي في أثنائها أو بعدها قد تمَّت الإفخارستيا من غير الممكن اعتبارها وليمة الفصح.
2– أبوليناري أسقف هيرابوليس (سنة 165م)([17]):
وقد دار في أيامه نقاش حاد عن ميعاد أكل العشاء الأخير، أي تأسيس الإفخارستيا. فأوضح ببراهين كثيرة أن المسيح لم يأكل الفصح في ميعاد الفصح، وأثبت صحة تقليد إنجيل يوحنا، واعتبر الذين يقولون إن المسيح أكل الفصح في 14 نيسان وصُلب في 15 نيسان » جهلة «و» محبي العراك. «[18])
3– العلاَّمة هيبوليتس أسقف روما (170-236م):
[في الوقت حيث كان يتألم المسيح (أسبوع الآلام) لم يأكل فصح الناموس، لأنه هو كان الفصح الذي أُعلن عنه منذ القديم والذي أُكمل في ذلك اليوم المحدد.]([19])
4– القديس أناتوليوس أسقف لاودكية (تنيَّح سنة 282م)([20]):
[اليوم الرابع عشر من الشهر القمري الأول، تقدَّس بتسليم الرب، وهذا متوافق في كل شيء مع الإيمان الجامع.]([21])
5– القديس بطرس خاتم الشهداء بابا الإسكندرية الـ 17 (300-311م):
[إلاَّ أنه بعد خدمته الجهارية لم يأكل الخروف، لأنه هو نفسه تألم كحمل في عيد الفصح، كما يعلِّمنا يوحنا البشير واللاهوتي في إنجيله، حيث يقول هكذا: » حينئذ اقتادوا يسوع من عند قيافا إلى قاعة الحكم. وكان الوقت باكراً، ولم يدخلوا قاعة الحكم خشية أن يتنجَّسوا، فيمتنعوا عن أكل الفصح «(يو 28:18 – الترجمة حسب النص). وبعد ذلك بقليل يقول إنجيل يوحنا: » فلما سمع بيلاطس هذا الكلام أخرج يسوع وجلس على منصة القضاء في الموضع المدعو البلاط وبالعبرانية جباثا. وكان استعداد الفصح، وكان نحو الساعة السادسة «(يو 19: 13و14 – الترجمة حسب النص)، كما أوضحت الكتب الصحيحة، ونفس النسخة التي كُتبت بيدي البشير نفسه، وقد حُفظت بنعمة إلهية في الكنيسة المقدَّسة بأفسس، وهي الآن هناك يُجلُّها المؤمنون. ونفس البشير يقول: » ثم إذ كان يوم الاستعداد، فلئلا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويمضي بهم. «(يو 31:19 – الترجمة حسب النص)
في هذا اليوم، إذاً، الذي كان اليهود فيه على وشك أن يأكلوا الفصح في المساء، صُلب ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، ليكون ذبيحة للذين يُشاركون بالإيمان في السر المختص به، حسبما كتب المغبوط بولس: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «(1كو 7:5). وليس كما انساق البعض عن جهل يؤكِّدون بتصميم أنه أُسلم بعد أن أكل الفصح، الأمر الذي لم نتعلَّمه لا من البشيرين القديسين، كما أنه لم يسلِّمنا هذا أي رسول من الرسل هذا.
لذلك، ففي الوقت الذي كان فيه ربنا وإلهنا يسوع المسيح يتألم من أجلنا بالجسد، لم يأكل من الفصح الطقسي. ولكن كما قلت كان هو الحَمَل الحقيقي، الذي قُدِّم ذبيحة لأجلنا في عيد الفصح الرمزي، في يوم الاستعداد، أعني اليوم الرابع عشر من الشهر الأول.
الفصح الرمزي، إذاً، لم يعد قائماً. لأن الفصح الحقيقي قد صار حاضراً: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «كما ذكرنا من قبل. وكما علَّم بذلك بولس الرسول الإناء المختار.]([22])
6– القديس أثناسيوس الرسولي بابا الإسكندرية الـ 20 (295-373):
[لا نذبح بعد (يوم الفصح) خروفاً مادياً وإنما ربنا يسوع المسيح الحمل الحقيقي الذي ذُبِح]
(الرسالة الفصحية الأُولى)
واضح هنا أن ذبح المسيح (الصليب) كان في نفس الميعاد للفصح القديم. وهكذا ألغى الفصح الحقيقي الفصح القديم وكل ما يتعلَّق به.
7– العلاَّمة كلِمندس الإسكندري (150-215م):
أورد هذا الموضوع بتطويل وتوضيح كامل مثبتاً أن المسيح صُلب في الرابع عشر من نيسان في ميعاد ذبح خروف الفصح القديم، وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح([23]).
وبالاختصار نجد أكثر العلماء تضلُّعاً في التقليد العبري وجميع الآباء الأقباط والباباوات بصفة عامة يتكلَّمون عن المسيح الفصح الحقيقي الذي ذُبح لأجلنا، وأنه حل محل الفصح الرمزي القديم إحلالاً دقيقاً شمل كل الصفات حتى الظاهرية، وبالتالي التاريخية، على أساس أن المسيح ذُبح في ميعاد الفصح اليهودي تماماً.
وبهذا يكون العشاء السري قد تأسس قبل الفصح، وتكون الوليمة بالتالي وليمة يوم ما قبل الفصح.
كما تسوق إلينا أحدث أبحاث العلماء الفلكيين ما يثبت هذه الحقيقة التاريخية المختصة بزمن وتاريخ صلب المسيح، ومنها يتبين أنه كان في يوم الفصح، كما أن الإفخارستيا لم تكن وليمة فصح:
[نقلت وكالة الأنباء المسيحية RNS في نيويورك خبراً مفاده أن عالمين بريطانيين توصَّلا بعد أبحاث طويلة إلى تحديد يوم صلب المسيح، وهو يوم الجمعة 3 أبريل.
وهذان العالمان متخصصان في الأبحاث الفلكية في جامعة أكسفورد، الأول اسمه البروفيسور كولين ج. همفري Colin J. Humphreys، والثاني اسمه و. جرايم وادينجتون W. Graeme Waddington وقد نشرا بحثهما في مجلة المؤسسة العلمية الأمريكية Journal of the Amer. Scient. Affil. في عدد مارس 1985، وبنيا هذا البحث على حسابات فلكية دقيقة وتفاسير متعددة للكتاب المقدس.
وقد اقتبسا في بحثهما من كتابات القديس البابا كيرلس الإسكندري (بابا الإسكندرية الـ 24 في عداد بابوات وبطاركة الكنيسة القبطية)، ومن وثائق كتبها بيلاطس البنطي الوالي الروماني، والذي في عهده صُلب المسيح، ذُكر فيها أن القمر تحوَّل لونه إلى الأحمر الدموي أثناء عملية الصلب. ويقول العلماء أن مثل هذا التغيُّر في اللون يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط وهي خسوف القمر نتيجة لكسوف الشمس.
وقال هذان العالمان أنه بمراجعة الحسابات الفلكية فإن المرة الوحيدة التي رُئي فيها خسوف للقمر في منطقة أورشليم وفي الفترة ما بين عامي 26-36م (وهي المدة التي من المؤكَّد أن يكون المسيح قد صُلب خلالها) كانت في يوم الجمعة 3 أبريل عام 33م. ويذكر الإنجيل أن المسيح بدأ خدمته وهو في عمر 30 سنة وأن خدمته حتى الصليب استمرت 3 سنوات ونصف.
ويقول البروفيسوران همفري ووادينجتون أن لهذا التاريخ أهمية ليست بقليلة. وهما يعتقدان في صحة هذا التاريخ نسبة إلى عمر المسيح (المتفق عليه) وقت الصلب، وكذلك بالنسبة لتاريخ وطبيعة العشاء الأخير الذي أكله المسيح مع تلاميذه قبل الصلب.
فقد أعلنا بأن عملية الصَلْب تمَّت في يوم عيد الفصح عند اليهود أو اليوم السابق لهذا اليوم الذي كان ينبغي فيه على اليهود بحسب طقوسهم أن يذبحوا خروف الفصح. وهذا يتفق مع إيمان الكنيسة بأن المسيح كان هو الفصح الحقيقي الذي سيكفِّر حقاً عن خطايا البشرية.
وفي الوقت نفسه أعلن هذان العالمان أن العشاء الأخير للمسيح مع تلاميذه كان وليمة من ولائم الفصح في الليلة التي تسبق عادةً الليلة التي يأكل فيها اليهود خروف الفصح.]([24])
([1]) W.H. Frere, The Anaphora or Great Eucharistic Prayer. p. 7.
([2]) انظر كتاب: «أسرار الكنيسة السبعة» للمتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس، صفحة 113.
([3])Liddell and Scott, Greek-English Lexicon, Oxford, 1972, p. 702.
([4]) انظر المراجع الأجنبية التي أوردها المتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس في كتابه: «أسرار الكنيسة السبعة» – صفحة 122.
([5]) هذا التقليد كان منذ أيام القديس لوقا الإنجيلي. وهو أن الكنيسة في ليلة عيد الفصح المسيحي من كل سنة (عيد القيامة) تظل تصلِّي صائمةً حتى بعد منتصف الليل، في انتظار عودة المسيح، حسب الاعتقاد السائد أن المسيح سيحضر في عيد القيامة في منتصف الليل ليكمل الفصح في ملكوت الله الذي سيُستعلن حسب وعده بمجيئه. فإذا لم يحضر حتى أول صياح الديك (الساعة الثالثة صباحاً)، يُقيمون الإفخارستيا باعتبار أنه سيشترك معهم كالعادة، في انتظار سنة أخرى.
([6]) M. R. James, The Apocryphal New Test., Oxford, 1924, p. 91.
([9])Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus, pp. 66, 67, citing E. Schwartz, Willhausen, Lietzmann, Schlatter.
([10]) M. Goguel, L’Eucharistie, des origines Justin; J. Lightfoot, Exercitations of Matt. 26.26.
([11])M. Haller; F. Spitta; K. G. Goetz, cited by J. Jeremias, op.cit., p. 68.
([12])Bultmann, Tradition, p. 264; Finegan, ـberlieferung. p. 66; Billerbeck, I. 989.
([13]) Wellhausen, Evang. Marci, p. 108; Schwartz; C. G. Montefiore; M. Dibelius, From Tradition to Gospel, p. 191; T. Preiss, Life in Christ, p. 82.
([14]) بحسب توقيت يوسيفوس المؤرخ “من 3-5 بعد الظهر”، أمَّا بحسب توقيت فيلو الفيلسوف اليهودي “فمن الظهر حتى الغروب”.
([15]) Sanh, 4. I; b. Sanh. 35a.
([16]( Justin Martyr, Dialogue with Trypho, 111, ANF I, 254.
والقديس يوستينوس الشهيد من المدافعين المسيحيين الأوائل، وُلد في نابْلُس بفلسطين من أبوين وثنيين، وبعد بحث عن الحق دام طويلاً اعتنق المسيحية عام 130م، وعلَّم الإيمان المسيحي في أفسس حيث التقى برجل يهودي «تريفو» عام 135م. ثم رحل إلى روما وكتب هناك رده على محاجاة تريفو اليهودي، كما كتب دفاعاً عن الإيمان أمام الإمبراطور ماركوس أوريليوس ثم استشهد عام 165م.
([17]) وهو أبوليناريوس كلوديوس المدافع عن الإيمان أمام ماركوس أوريليوس (حوالي عام 172م)، وكتب مقالات عن الإيمان وعن الحق وعن القيامة، وتعيِّد له الكنيسة في 8 يونيه. وطبعاً هو غير أبوليناريوس المبتدع (310- 390م) أسقف لاوديكية الذي حُرم.
([18])Apollinarius of Hierapolis, De Pascha, PG V, 1297= PG XCII, 80, cited by Oesterley, op.cit., p. 162.
([19])ANF, vol. V, p. 240, I.
([20]) هو أصلاً مواطن مصري من الإسكندرية، أسَّس فيها مدرسة فلسفية مشهورة وكان عضواً في مجلس السناتو الروماني لعلو ثقافته. أُقيم أسقفاً مساعداً لأسقف قيصرية فلسطين، ثم أسقفاً لمدينة لاودكية عام 268م.
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس
أولاً – مدخل للموضوع
أن حياة المسيحية الحقيقية لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان وتنفيذه للطقوس والعقائد وحفظة البنود المعلنة من خلال القوانين والمعرفة المسيحية كمعلومات فكرية جدلية!!!
فحياة المسيحي الحقيقية هي في الداخل، في داخل كيانه الشخصي، فهي باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله…
أي أن المسيحي الحقيقي هو من حياته في الله، بمعنى أني لو قلت أني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر، وسعيي كله أن ألتقية وأفتش عنه في الداخل وليس في الخارج بسبب أن الكلمة صار جسداً وحل فينا، ونحن هياكل الله وروح الله يسكن فينا، وفي داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة في الداخل والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان…
الإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله، له كيان روحي مستمد من خالقه العظيم، وهذا هو سر حنينه الدائم إلى خالقه، ولكي نتعود نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا لابد من أن ننزل إلى داخلنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا لنلتقي مع الله المطبوع سراً في داخل القلب بصورة مجيده وضعنا عليها تراباً على مر الأيام وأخفيناها حتى أننا في حالة قلق دائم واضطراب في هذا الزمان نحمل الأوجاع لأننا لم ندخل لهذا العمق ونعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية المخلوقة عليها والمطبوعة فيها!!!
فكل ما يتعب النفس أنها أخفت سرها وضاع معه حل مشاكلها وضيقاتها الكثيرة والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز أو معرفة عقلانية يظل يشعر بنقص يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل!!!
وطبعاً الرجوع للنفس والعودة إليها ليس شيئاً سهلاً، بل صعب للغاية، لأننا في الواقع أصبحنا غرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية فيها!!
فمن السهل التعرف على العالم الخارجي والمحيط بنا، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية من جهة الفكر والبحث والمعرفة، لأن كل هذا يأتينا عن طريق الحواس والعقل، وكل شخص يستوعب حسب قدراته العقلية، أما من جهة الداخل فصعب للغاية لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو القدرة على المعرفة والفهم إنما على مستوى اللقاء الحي!!!
فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز:
الرجوع إلى النفس للدخول بالنعمة في الله، فحضرة الله بملء نوره العظيم هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خلق في هذه الحضرة وهي أساس دعوته وأصل حياته كلها، ونبع حريته وكمال سعادته الحقيقية، بل هي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه قط !!!
إذن فالمنهج الحقيقي والأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية، واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)
والعائق الرئيسي الذي يفصل الإنسان ويشوه طبعه ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه هو الأهواء التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فيه، لأنها سبب الانفصال عن الله وتشويه الطبع الإنساني الأصيل، والإنسان أن لم يتحرر من هذه الأهواء لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن فيبيع كل شيء لاقتنائها حتى نفسه يحسبها رخيصة عنده من أجل اقتناء هذا الكنز العظيم !!!
ثانياً – تمهيد -دعوة الإنسان العليا
الكنيسة تعرف شخص يسوع المسيح، لأنه رأسها وهي جسده من لحمه وعظامه، فهو مُستعلن فيها، يتجلى فيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في كل أسرارها المقدسة… والكنيسة كل عملها وشغلها الشاغل فقط هو إظهار وتمجيد واستعلان شخص ربنا يسوع، وتقديمه للعالم مُخلّص شافي النفس ومُحييها، وللمؤمنين إلهاً حياً محيياً من خلال سرّ الكلمة والإفخارستيا…
والكتاب المقدس في الكنيسة هو استعلان صوت المسيح الحسي والمحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً فسرت فيه قوة حياة تقيم من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت التي تنادي به الكنيسة أولادها بفم شخص ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، فقراءة الكلمة في الكنيسة هو سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بإيمان دون أن يرتاب فيه:
+ الحق الحق أقول لكم أنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون (يوحنا 5: 25)
وعلى هذا الأساس نتقدم إلى سماع الكلمة من فم الله الذي نطق بها ولازال ينطق بها في كل زمان، وبالطبع زماننا هذا الآن، والكتاب المقدس لو بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي، سنجد أن لغته لغة حوار بين طرفين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان (محبة المسيح تحصرنا)، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق :
دعوة من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، دعوة الوحدة والاتحاد والالتصاق كثمرة التجسد الإلهي
يشبه ملكوت السماوات إنسانا ملكا صنع عرسا لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلا قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته ثيراني ومُسمناتي قد ذبحت وكل شيء مُعد تعالوا إلى العرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون امسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العُرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.
فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس فسكت. حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لان كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون.” (متى 22: 1 – 14)
الدعوة غالية وكريمة جداً، وثوب المدعوين هو شخص الكلمة المتجسد: “لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح” (غلاطية 3: 27)
هذا هو ثوب البرّ المنسوج بعمل الله وحده بدم ربنا يسوع الذي سفك على عود الصليب، ثوب برّ مجاني مهدى من الملك نفسه بلا قيد أو شرط، إلا لمن يقبل الدعوة ويتوب ويعود للحضن الحلو ويكتسي بالنعمة…
“ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط. أي العداوة، مُبطلا بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلا العداوة به. فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين. لان به لنا كُلينا قدوما في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مُقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح” (أفسس 2: 13 – 22)
وما هي طبيعة الدعوة ؟
“تعالوا لأن كل شيء قد اُعد”. لأن الله الآب قد أعد في المسيح لجميع الناس تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة وعطية الروح القدس، والتبني فيه، واستعلان ملكوت الله في الداخل:
+ وأُعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأُعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها (حزقيال 36: 26 و27)
+ ولما سأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله أجابهم وقال: “لا يأتي ملكوت الله بمراقبة. ولا يقولون هوذا ههُنا أو هوذا هُناك، لأن ها ملكوت الله داخلكم (لوقا 17: 20 و21)
“مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحب. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة.
إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه. لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضا نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي فيه أيضا أنتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضا إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده” (أفسس 1: 3 – 14)
+ وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة – ورضوا أن يخسروا كل ما للعالم وأن يحسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثمن، بل – نحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بسهولة وبلا تردد ، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها دون معاناة أو صراع داخلي، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد ربنا يسوع وصار الكنز الخفي الذي للنفس المخفي في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبدا أو تطرحه عنها !!!
فلنختتم هذه المقدمة بكلمات القديس مكاريوس الكبير:
الديانة المسيحية ليست إذن شيئاً عادياً “هذا السرّ عظيم” (أفسس 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية “جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة”(1بط2: 9)، لأن سرّ المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجداً وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية “وهو البكر من الأموات” (كولوسي 1: 18)، وهم أيضاً أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبلون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمراً طبيعياً عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء.
عظات القديس مكاريوس الكبير 27 : 4 صفحة 249
في الجزء الثاني سنتحدث عن: [ ثالثاً – مقدمة: معرفة الكتب وقوة الله ]
جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس
لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ | ترجمة: ميرفت القمص
جون بيبر
عميد كلية بيت لحم للاهوت لمدة 33 عاماً وله اكثر من خمسين مؤلف.
١- يسوع نفسه شهد لقيامته من الأموات
تكلم يسوع علانية معلناً ما سوف يحدث : عن صلبه ثم قيامته من بين الاموات. وهذا ما ورد في مرقس 8 : 31 فنجد اعلان واضح عن موته وايضاً قيامته من خلال الفم الطاهر. “وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرا، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم.” راجع ايضا (متى ٢٢:١٧، لوقا ٢٢:٩ )
الرافضين للقيامة سيقولون ان كلام يسوع مضلٓل او ان الكنيسة الاولى وضعت الكلمات على لسانه لجعله يعلم بالضلاله لكن بالحقيقية هم من ابتدعو الضلال. فمن يقرأ الكتاب المقدس ويصل لقناعة بأن الذي يتكلم بسلطان مثل هذا يصعب ان لا يتم قبول كلامه و شهادة عن قيامته بفمه.
وخصوصاً الكلمات التي تنبأت عن القيامة لم تكن فقط تلك الواضحة الصريحة السابق ذكرها ولكن إيضا بطرق رمزية وأمثلة لم تكن تصلح كتأليف او اختراع من مخادع. مثلا، شهادتين مختلفتين بطريقتين مختلفتين تكلم المسيح عن نقض هيكل ( جسده) وانه سيقيمه مرة اخرى وهذا ما جاء ب ( يوحنا ١٩:٢ ، مرقس ٥٨:١٤، متى ٦١:٢٦) وتكلم ايضا عن أية يونان النبي- وعن وجوده ثلاث ايام في قلب الارض(متى ٣٩:١٢، ٤:١٦)
و تلميحه في متى ٤٢:٢١ عن ان الحجر الذي رفضه البناؤون هذا قد صار رأسا للزاوية. وبالإضافة لشهادته .فقد شهد عنه مقاوميه ايضاً ان هذا كان جزء من ما قاله الرب يسوع: متى٦٣:٢٧. إذن اول إثبات لدينا هو ان الرب يسوع نفسه شهد عن قيامته. عمق واتساع كلماته تجعل احتمالية اختراع هذا الكلام على يد الكنيسة غير وارد. وشخصية يسوع نفسه في هذه الشهادات لم تقول انه كان مختل او مضلل.
٢- القبر كان فارغا يوم القيامة
أوائل النصوص تقول انهم ذهبوا الى القبر ولم يجدوا جسد الرب. ( لوقا ٣:٢٤) واعداء يسوع أكدوا على ذلك بترويجهم إشاعة ان التلاميذ سرقوا الجسد (متى١٣:٢٨)
لم يوجد جسد يسوع. وهناك أربعة تفاسير لذلك.
٢أ: اعدائه سرقوا الجسد. ولو تم هذا علي الرغم من انه لا ذكر له علي الاطلاق.لكانوا اظهروا الجسد لمنع انتشار المسيحية في نفس المدينة التي صُلب فيها. ولكنهم لم يقدروا على إظهاره.
٢ب: التلاميذ سرقوا الجسد. وهذه كانت إشاعة منذ البداية. (متى ٢٨: ١١-١٥). هل هذا ممكن؟ هل أمكنهم مقاومة الجنود الحراس على باب القبر؟ وأكثر أهمية، هل كانوا بداوا على الفور بالكرازة يهذه القوة بقيامة يسوع، عالمين انه لم يقم؟ هل خاطروا بحياتهم “التلاميذ” وتحملوا الاضطهاد وهم يعلمون انها اكذوبة؟
٢ج: الرب يسوع لم يمت، ولكن فقط فاقد الوعي عندما وضعوه في المقبره. فاستيقظ ورفع باب القبر وانتصر على الحراس واختفى من التاريخ للأبد بعد ان ظهر بضعة مرات لتلاميذه وأقنعهم انه قام من الأموات. حتى أعداء الرب يسوع لم يقدموا هذه الاطروحة. فقد كان من المؤكد انه مات. الرومان عرفوا ذلك. وايضاً الحجر لا يمكن رفعه من قبل رجل واحد طعن في جنيه بالحربة ومكث معلقا على الصليب ستة ساعات ومن الداخل القبر.
٢د: الله أقام يسوع من الأموات. “اي اللاهوت اقام الناسوت ” هذا ما قال انه سيحدث. انه ما قال التلاميذ انه حدث. ولكن لو وجد اي طيف من تفسير بطريقة منطقية سيقول لك البعض لا نقفز لتفسير معجزي. هل هذا منطقي؟ لا أظن. بالطبع لا اريد ان أكون ساذجا ولكن لن نرفض الحق فقط لانه غريب.
لابد ان ندرك ان التزامنا في هذه المرحلة متأثر بميولنا- سواء بحقيقة القيامة او عدم تصديق القيامة. لو ان رسالة الرب يسوع قد فتحت قلبك واحتياجاتك للغفران، مثلا، إذن ستفقد فكرة ضد المعجزة سلطانها على ذهنك. هل يمكن ان يكون هذا الانفتاح ليس تحيزا للقيامة وإنما حرية من التحيّز ضدها؟
٣- التلاميذ انتقلوا حالا من رجال بلا أمل وخائفين (لوقا٢١:٢٤، يوحنا ١٩:٢٠) لرجال واثقين وشهود اقوياء للقيامة. ( اعمال ٢٤:٢، ١٥:٣، ٢:٤)
وتفسيرهم لهذا التغيير انهم رأوا الرب يسوع قائما من الأموات وأنهم قد اخذوا قوة ليكونوا شهودا له ( اعمال ٣٢:٢). اما التفسير المعاكس لهذا فهو ان ثقتهم هذه نابعة من هلوسة. وهذا التفسير له مشاكل عديدة. التلاميذ لم يكونوا سذج، ولكن شكاكين متزني العقل قبل وبعد القيامة. ( مرقس ٣٢:٩، لوقا ١١:٢٤، يوحنا ٢٠: ٨-٩ ،٢٥) وبالأكثر هل التعاليم السامية والنبيلة التي كرز بها شهود قيامة المسيح منسوجة من هلاوس؟ ماذا عن رسالة بولس الرسول الى أهل رومية؟! شخصيا اجد من الصعوبة ان اصدق ان احدا بهذه العقلية الفذة والروح الشفافة العميقة يمكن ان يكون مُضٓلل او مُضلِل بشأن قيامة المسيح.
٤- بولس الرسول قال انه ليس هو فقط من رأى المسيح القائم بل اكثر من ٥٠٠ اخ أكثرهم حي حين قال هذا.
(١كورنثوس٦:١٥) وما يجعل هذا ذو أهمية ان هذه الكلمات مكتوبة لليونانيين الذين يتشككون من هذه الادعائات في حين ان اكثر الشهود احياء. فهذه مخاطرة ان كان يمكن تفنيدها بمجرد بحث بسيط.
٥- مجرد وجود كنيسة حية نامية منتصرة على الامبراطورية،
يساند حقيقة القيامة. فالكنيسة نمت بقوة الشهادة بيسوع الذي اقامه الله وجعله ربا ومسيحا ( اعمال ٣٦:٢) فروبوبية المسيح على كل الامم مبنية على انتصاره على الموت. وهذه هي الرسالة التي انتشرت في العالم اجمع وقوتها في عبور الثقافات وخلق شعب جديد لله هي اكبر شهادة على صدقها.
٦- إيمان بولس الرسول يؤيد حقيقة القيامة.
فهو يحاجج أناس من غلاطية ١: ١١-١٧ ان إنجيله وكرازته هي من يسوع المسيح، وليس من الناس. وحجته ان قبل رحلته لدمشق قبل ان يرى الرب يسوع كان مضطهدا للكنيسة والإيمان المسيحي. (اعمال ١:٩) ولكن الان والدهشة الجميع، فهو يخاطر بحياته للكرازة بالإنجيل. ( اعمال ٩: ٢٤-٢٥) وتفسيره : ان الرب يسوع القائم من الأموات ظهر له واعطاه مهمة الكرازة للأمم. (اعمال ٢٦: ١٥-١٨). فهل نصدق مثل هذه الشهادة؟ وهذا يأتي بِنَا للنقطةالتالية.
7- شهود العهد الجديد ليس لديهم سمة المدلسين.
كيف تقيم شاهد؟ كيف تقرر اذا ما كنت ستصدق شهادة احدهم؟ قرار ان تصدق شهادة احد ليس مثل حل مسألة حسابية. التاكيد له طابع مختلف، ولكن في مثل ذات القوة. عندما يموت شاهد، نبني مصداقيته على ما كتبه ومن شهادات الآخرين عنه. إذن كيف تبدو الأمور بالنسبة لبطرس ويوحنا ومتى وبولس الرسل؟
في تقديري ( وعند هذه النقطة سنعتمد على رؤيتنا- لوقا ٥٧:١٢) ، فإن كتابات هؤلاء الرجال لا تبدو ككتابات أناس سذج، يسهل التغرير بهم او مضللين. ان بصيرتهم للطبيعة لإنسانية عميقة. التزامهم عاقل ومكتوب بدقة. تعاليمهم واضحة وليست من اختراع بشر. المستوى الاخلاقي والروحي عالي جداً. وحياة هؤلاء الرجال مكرسة تماما للحق ولمجد الله.
٨- يوجد مجد داخلي في بشارة انجيل موت المسيح وقيامته كما وصفها البشيريون.
يعلم العهد الحديد ان الله أرسل الرب القدس ليمجد المسيح كإبن الله. قال الرب يسوع: متى جاء روح الحق، فهو يرشدكم للحق… ويمجدني. (يوحنا ١٣:١٦) والروح القدس لا يخبرنا بهذا كمعلومة ان يسوع قام. ولكن يفتح اعيننا لنرى مجد المسيح في قصة الصلب والقيامة.
فهو يمكننا من رؤية يسوع كما هو، كمال الجمال والحق. وقد كتب الإنجيليون عن مشكلة العمى الروحي وحلها. (كورنثوس الثانية٤: ٦،٤). ان المعرفة المؤدية الى الخلاص بالمسيح مصلوبا وقَائِما ليست معلومات تاريخية. ولكنها نتيجة استنارة روحية لؤية الأمور على حقيقتها: استعلان مجد وحق الله في وجه المسيح- الذي هو هو أمس واليوم والى الأبد.
المرجع:
Eight Reasons Why I Believe That Jesus Rose from the Dead “John Piper”
John Piper (@JohnPiper) is founder and teacher of desiringGod.org and chancellor of Bethlehem College & Seminary. For 33 years, he served as pastor of Bethlehem Baptist Church, Minneapolis, Minnesota. He is author of more than 50 books.
لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ | ترجمة: ميرفت القمص
الروح القدس ووحدانية الثالوث القدوس في تعليم القديس اثناسيوس
الروح القدس ووحدانية الثالوث القدوس في تعليم القديس اثناسيوس
إلى القديس أثناسيوس يعزى منهج التعريف اللاهوتي للروح القدس على أصول البحث المنهجي العلمي بما لا يقل دقة وأصالة عن منهجه في التعريف بالابن. وبدراسة الرسائل المتبادلة بينه وبين القديس سيرابيون أسقف تمي في ما يخص الروح القدس، كذلك بدراسة كل ما جاء في دفاعه ضد الأريوسيين، يتضح هذا المنهج بخطواته وعمقه واستشهاداته والتزامه بالفكر التقليدي الكنسي الإسكندري على المستوى الكتابي والروحي وبإلهام واضح. فهو يقول لسيرابيون أسقف تمي هكذا: [إن هذا هو التعليم الذي استلمته الكنيسة من الرسل.] (إلى سيرابيون 32:28)
[لنتأمَّل في تقليد الكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها منذ البدء التي أعطاها الرب، وكرز بها الرسل، وحفظها الآباء. على هذه تأسَّست الكنيسة، ومن يسقط منها لا يعتبر مسيحياً … هكذا ينادَى بإله واحد في الكنيسة، الذي على الكل، وبالكل وفي الكل. “الترجمة الأصح: الذي هو كلِّي الأصل (على) وكلِّي السبب (بـ) وكلِّي التنفيذ (في)، وهي الصفات الخاصة المتكاملة بالآب والابن والروح القدس، حيث كلمة (كل) لا تفيد الأشياء أو المخلوقات بل تفيد معنى الكلية، أي المطلق، أي الله في ذاته الكلية المطلقة” على الكل كآب، كبداية، كينبوع؛ بالكل أي بالكلمة، في الكل أي في الروح القدس … فإن كنتم تفصلون وتعزلون الروح القدس عن اللاهوت، لا يكون لكم ذلك الذي هو في الكل، وإن فكَّرتم في ذلك فإن طقس الانضمام إلى الكنيسة (المعمودية والتثبيت) الذي تدَّعون أنكم تمارسونه لا يكون في اللاهوت قطعاً.] (إلى سيرابيون 28:1و29)
والقديس أثناسيوس يواجه أخطاء جماعة المتقلبين “tropici” في عجزهم عن فهم ما هية الثالوث في وحدانية الله، بتوضيحه أن اختلاط الطبائع يستحيل أن يستقيم مع وحدانية الثالوث غير المنفصل؛ فالروح القدس كونه في الثالوث يستحيل أن يكون بطبيعة غير طبيعة الآب والابن عينها. ومن هنا يستحيل أن يُقال أن في الثالوث خالق ومخلوق، بل إله واحد.
وفي معرض دفاعه يوضِّح علاقة الروح القدس بالآب والابن، وهكذا يقدِّم القديس أثناسيوس ولأول مرَّة في تاريخ الكنيسة اللاهوتي منهجاً تعليمياً مفصَّلاً عن عقيدة الانبثاق، فهو في الأساس يقرِّر بوضوح: [إن الروح القدس منبثق من الآب]([1])
ثم يضع هذا الاصطلاح اللاهوتي الجوهري مراراً كثيرة هكذا: “الذي من الآب ينبثق” وهو تجميع للآيتين: يو 26:15، 1كو 12:2
ويضيف أثناسيوس عن عقيدة إرسال الروح القدس هكذا: [الروح القدس الذي ينبثق من الآب فهو دائماً عند (في يدي) الآب الذي يرسله والابن الذي يوصِّله والذي به يملأ كل شيء.]([2])
[لأنه إذا استقام تفكيرهم (المجدِّفين على الروح القدس) عن “الكلمة”، استقام تفكيرهم أيضاً عن الروح المنبثق من الآب، الذي بفضل علاقته (أي علاقة الروح القدس) بالابن – أعطاه للتلاميذ وكل مَنْ يؤمن به. وهم بأخطائهم هذه لا يستقيم إيمانهم بالآب أيضاً لأن الذين “يقاومون الروح” كما قال الشهيد العظيم استفانوس (أع 51:7و52) ينكرون الابن أيضاً، والذين ينكرون الابن ليس لهم الآب أيضاً(1يو 23:2).]([3])
أولاً: علاقة الروح القدس الجوهرية بالكلمة:
وإزاء محاولة جماعة المتقلِّبين جحد لاهوت الروح القدس في الوقت الذي يعترفون فيه بلاهوت الابن، يبدأ ينتحي ناحية فرعية – أثناء دفاعه عن لاهوت الروح القدس – في وصف علاقة الروح القدس الجوهرية بالابن خاصة، فيقول: إن الروح القدس حتى قبل التجسُّد كان “الكلمة” يعطيه باعتباره أنه – أي الروح القدس – له خاصة وأنه هو الباراكليت: [عندما حلَّ الكلمة على الأنبياء تنبَّأوا بالروح.] (إلى سيرابيون 3:4)
[وبكل تأكيد فإن الكلمة قبل أن يتأنَّس كان يعطي الروح القدس للقديسين باعتباره له أو كخاصته (as his own) كذلك لمَّا صار إنساناً فإنه يقدِّس الجميع بالروح القدس ويقول لتلاميذه “اقبلوا الروح القدس”.]([4])
[هل الروح القدس “واحد” والباراكليت “آخر”، حيث يكون الباراكليت هو بعد الروح القدس، وهل الباراكليت لم يذكر في العهد القديم؟ – حاشا! … فكما أن “الكلمة والابن” هما واحد كذلك “الروح والباراكليت” والرب نفسه قال هكذا: “والباراكليت الذي هو الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي” (يو 26:14) وهكذا يتكلَّم الرب عن الواحد نفسه.]([5])
ملاحظة هامة: وبسبب هذه الهرطقة التي نشأت منذ القرن الثاني القائلة بأن الباراكليت لم يكن موجوداً في العهد القديم، وأن الروح شيء والباراكليت شيء آخر، وقد تبنَّاها جماعة المتقلِّبين والأريوسيين؛ لذلك اهتم مجمع أفسس أن يقرِّر عن الروح القدس أنه: “الناطق في الأنبياء”، وقد انبرى قبل أثناسيوس يوستين، الذي كان أول مَنْ أعطى صفة “روح النبوَّة” للروح القدس التي نردِّدها الآن في الأجبية عندما كان يتكلَّم عن المعمودية([6])، كذلك تعرَّض لها أوريجانوس أيضاً([7]). يقول القديس أثناسيوس: [إن الكلمة صار جسداً لكي يقدِّم جسده عن الجميع ولكي إذا نحن اشتركنا في الروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية (نتألَّه). هذه العطية التي كان يستحيل علينا نوالها إذا لم يكن لبس جسداً من جسدنا المخلوق، ولكننا بنوالنا الروح القدس لا نفقد طبيعتنا الخاصة.]([8])
كذلك فإن أثناسيوس قبل أن يصل بالقارئ إلى المساواة الكاملة للروح القدس في الثالوث مع الآب والابن، يبدأ أولاً يوضِّح العلاقة الجوهرية المتساوية في كل شيء بين الروح القدس والكلمة، حتى ينفي قطعياً قول الهراطقة أن الابن خلقه فيقول: [كما أن الابن هو في الآب والآب فيه وأنه من جوهر الآب كذلك فإن الروح القدس هو في الآب والابن فيه، ولذلك لا يمكن أن يُقال إن الروح القدس مخلوق أو يوجد منفصلاً عن الكلمة.]([9])
[وكما أن الابن هو في (من) الآب، لذلك هو من جوهر الآب. كذلك بالتالي فإن الروح القدس لأنه في (من) الله فإنه يتحتَّم أن يوجد جوهرياً مع الابن.]([10])
[عندما افتقد “الكلمة” العذراء القديسة مريم، دخل الكلمة ومعه الروح القدس إليها وصاغ الكلمة جسده بالروح القدس وشكَّله لذاته، إذ أراد أن يوحِّد – فيه – كل البشرية (اتحاد) بالله ويحضرها إليه بواسطة نفسه.] (إلى سيرابيون 31:1)
[لا يمكن أن يتجزَّأ الثالوث، هذا نراه في ما قيل للقديسة مريم نفسها، فإن رئيس الملائكة جبرائيل لمَّا أُرسل لكي يعلن حلول الكلمة عليها قال: «الروح القدس يحل عليكِ»، عالماً أن الروح القدس قائم في “الكلمة”. وبعد ذلك مباشرة يقول: «وقوة العلي تظلِّلك(تسكن فيكِ)» لأن المسيح هو قوة الله وحكمة الله.] (إلى سيرابيون 6:3)
[لذلك كم يكون مستحيلاً أن يُقال إن الروح القدس خارج عن أو غريب من الكلمة لأنه كونه في الكلمة فهو في الله.]([11])
[إن الروح القدس هو التعبير الكياني morf» والصورة الموضّحة للابن كما أن الابن هو التعبير الكياني وصورة الآب.]([12])
وأثناسيوس يستخلص من هذه العلاقة الجوهرية والمتساوية في كل شيء بين الكلمة والروح القدس ردًّا مفحماً لجماعة المتقلِّبين، الذين يقولون بلاهوت الكلمة وينكرون لاهوت الروح القدس قائلين إن الكلمة خلقه.
ولكن لا يغيب عن بالنا أن همّ أثناسيوس الأساسي في إثبات لاهوت الروح القدس ليس من صفاته أو علاقته بالكلمة فحسب، بل ومن عمله في الخليقة القديمة والخليقة الجديدة هكذا: [بينما أن الخليقة كلها هي مجال عمل الروح القدس المتعدِّد الجوانب، فإنه يعمل بصورة خاصة جدًّا وفائقة في المعمَّدين الذين يوحِّدهم في الله: وبسبب هذه الوحدة يصيرون بحالة ما مؤلهَّين”.]([13])
(1) التقديس: [إذن فالروح القدس، الذي لا يتقدَّس هو بشيء خارجاً عن نفسه، ولا يستمد قداسته بالشركة بل هو نفسه ينبوع القداسة وفيه تتقدَّس كل الطبائع المخلوقة، كيف يمكن أن تكون طبيعته مثل طبيعة المخلوقات التي تتقدَّس به؟] (إلى سيرابيون 23:1)
(2) طقس الانضمام للكنيسة (العضوية في جسد المسيح): [لقد أوصى تلاميذه قائلاً: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس»، لكي بالروح القدس وفيه تكمل معرفتنا بالله، ويتم طقس الانضمام للكنيسة (المعمودية والتثبيت معاً)، ويكمل اتحادنا بشخصه وبالآب.] (إلى سيرابيون)
( أ ) الروح القدس لحظة العماد:
[فماذا قبلوا (لمَّا آمنوا) إلاَّ الروح القدس الذي يُعطى للذين يؤمنون ويُولَدون ثانيةً «بغسل الميلاد الثاني» (تي 5:3).] (إلى سيرابيون 4:1)
(ب) الروح القدس لحظة وضع اليد (الميرون = التثبيت):
[كذلك أيضاً بوضع أيدي الرسل كان الروح القدس يُعطى لمَنْ وُلِدُوا ثانية.] (إلى سيرابيون 6:1)
[ومتى تمَّ هذا إلاَّ عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بالنعمة؟ فروحنا تجدَّدت … يقول الله إن روحه هو الذي به تتجدَّد أرواحنا.] (إلى سيرابيون 9:1)
(3) ثم يشير أثناسيوس إلى عمل الروح القدس الأساسي في رسامة الأساقفة في الكنيسة:
[كما قال بولس الرسول: «التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه» (أع 28:20).]
(4) يمتد أثناسيوس بمفهوم قوة التقديس في الثالوث إلى عملها الخاص بالروح القدس، ويستنتج مباشرة أن الروح القدس من جوهر الثالوث أي اللاهوت لأنه يقدِّس الإنسان:
[إن الروح القدس يُدعى روح القداسة (المسيح هو القدوس ابن الله)، وأمَّا المخلوقات فهي تحتاج – بطبيعتها – إلى التقديس، أمَّا هو فلا ينال القداسة من آخر بالمشاركة بل يمنحها باشتراكه هو مع الخليقة (الجديدة)، لذلك كيف يمكن أن يُقال أنه يعتبر واحداً من الخليقة؟] (إلى سيرابيون 23:1)
(5) كذلك يستخدم أثناسيوس سر قدرة الروح القدس على إعطاء الحياة (المسيح هو الحياة) في إثبات لاهوته:
[إنه يُدعى الروح المحيي (و «روح الحياة في المسيح يسوع»، لأن منه تنال المخلوقات الحياة؛ علماً بأن الابن هو نفسه الحياة ويُدعى في الإنجيل رئيس الحياة، فكيف يُحسب الروح القدس ضمن المخلوقات وهو الذي فيه تنال المخلوقات الحياة بواسطة الكلمة؟] (إلى سيرابيون 23:1)
(6) وهكذا يرى أثناسيوس أن علاقة الابن بالروح القدس علاقة (“الابن” وروح البنوَّة)؛ (“قدوس”، وروح القداسة)؛ (“حياة” وروح محيي). كذلك يراها (“مسيح”، ومسحة)؛ (“وكلمة” وختم)؛ (“وطيب”، ورائحة زكية):
[لهذا فكما أن الرب يُدعى ابناً هكذا يُدعى الروح القدس روح البنوَّة (روح التبني)، كذلك أيضاً كما أن الابن يُدعى “الحكمة” و“الحق”، فالروح القدس يُدعى “روح الحكمة” و“روح الحق”، وكما أن الابن هو قوة الله ومجد الآب (رب المجد) فالروح القدس يُدعى روح القوة والمجد: + «لو عرفوا لما صلبوا رب المجد.» (1كو 8:2) + «إذ لم تأخذوا روح العبودية (الناموس) أيضاً للخوفِ، بل أخذتم روح التبنِّي.» (رو 15:8) + «أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً: يا أبَا الآبُ.» (غل 6:4) + «إن عُيِّرتُم باسم المسيح، فطوبى لكم، لأن روح المجدِ والله يحلُّ عليكم» (1بط 14:4) + «المعزي … روح الحق» (يو 14: 26و17).] (إلى سيرابيون 25:1)
[الروح يُدعى المسحة، ويُدعى أيضاً الختم، وبه تُختم وتُمسح الخليقة (الجديدة)، فإن كان الروح هو المسحة وهو الختم الذي به يَمسَح “الكلمة” الجميع ويختمهم، فأية مشابهة تكون بين المسحة والمخلوق الذي يُمسح، أو بين الختم والمختوم. يستحيل أن يكون الختم من عداد المختومين به أو تكون المسحة من عداد الممسوحين (الختم شيء والمختوم شيء آخر، المسحة شيء والممسوح شيء آخر، هذه قوة الطبيعة الإلهية الواهبة وهذه ضعف الطبيعة القابلة) إنه الروح الخاص بالكلمة وبه يُمسح ويُختم (المعمَّدون).] (إلى سيرابيون 23:1)
(7) ويؤكِّد أثناسيوس أن الروح القدس هو روح المسيح الخاص، ويستدل على ذلك من أن الذين يُمسحون به تصير لهم رائحة المسيح الزكية لله والذين يُختمون به تنطبع عليهم صورة المسيح الكلمة: [المسحة لها نفس رائحة الذي يُمسح بها، ولذلك فالذين يقبلون المسحة يقولون: «نحن رائحة المسيح الزكية لله».] (إلى سيرابيون 23:1)
( 8 ) [والختم يحمل نفس صورة المسيح الذي يختم، ولذلك فالذين يُختمون تصير لهم شركة هذه الصورة، ويتحوَّلون إليها بحسب كلمات الرسول: «يا أولادي الذي أتمخَّض بكم (الميلاد الجديد) إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم (بالروح القدس)».] (إلى سيرابيون 23:1)
( 9 ) [وحينما نُختم بالروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية (طبيعة الختم والخاتم) بحسب كلمات بطرس الرسول، وهكذا تصبح الخليقة (الجديدة) شريكة الكلمة في الروح القدس.] (المرجع السابق)
(10) وينتقل أثناسيوس سريعاً ليصل بالاتحاد الذي يتم بالكلمة في الروح القدس إلى الاتحاد الذي يتم في الثالوث أي الله الواحد:
[وحيث أننا نصير بالروح القدس شركاء المسيح وبالتالي شركاء الله، يتبرهن من ذلك أن المسحة والختم الذي فينا لا يُحسب أنه من طبيعة الكائنات المخلوقة، بل من طبيعة الابن الذي بواسطة الروح الذي فيه يوحِّدنا مع الآب.] (إلى سيرابيون 24:1)
(11) [فإن كان الآب هو الذي يخلق ويجدِّد الجميع بواسطة الكلمة في الروح … فإن الروح الذي فيه يخلق الجميع، كيف يكون هو مخلوقاً؟
إن قبول مثل هذا الافتراء يضطرنا أن نقول مثل هذا بالتالي عن الابن بل وعن الآب نفسه أيضاً.] (إلى سيرابيون 24:1)
ثانياً: علاقة الروح القدس الجوهرية بالآب والابن في الثالوث:
[الثالوث كله إله واحد …، ولا موضع فيه لشيء غريب عن الله.] (سيرابيون 17:1)
[هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة، لأن الرب أسَّسها في الثالوث وأصَّلها فيه عندما قال لتلاميذه: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس».] (إلى سيرابيون 6:3)
يبتدئ أثناسيوس ليثبت وحدة الروح القدس مع الآب والابن، معتمداً كلية على الكتاب المقدَّس مقدِّماً الآيات تلو الآيات، معتبراً أن إعلان الله في الكتاب المقدَّس هو المصدر الوحيد لفهم ماهية الروح القدس، مؤكِّداً إن وحدة الأقانيم الثلاثة هي وحدة جوهر ثم وحدة في صفات وفي أعمال، فكل ما يعمله الروح القدس إنما يعمله من خلال وحدته بالآب والابن.
فهو يعتمد على بولس الرسول مثلاً في قوله: إننا في الروح القدس تستنير عيوننا (انظر: أف 17:1و18)، وإننا جميعاً سُقينا روحاً واحداً (انظر: 1كو 13:12). ثم يطبِّق ذلك على ما جاء عن الآب فيقول إن الكتاب المقدَّس يقول إن الآب نور وينبوع، وكذلك الابن أيضاً الذي يتصل بالآب كما يتصل النهر بالينبوع أو الشعاع بالنور (انظر: عب 1).
[وحيث أن الآب نور والابن بهاء هذا النور، فنحن في الابن ننال الروح الذي به نستنير، وحينما نستنير بالروح القدس يكون المسيح نفسه هو الذي ينير علينا لأنه هو النور الذي يضيء لكل إنسان آتٍ إلى العالم. وبالمثل من حيث أن الآب هو الينبوع، والابن كنهر، يُقال إننا نشرب الروح …، وحينما نشرب الروح فنحن في الواقع نشرب من المسيح، لأنه هكذا قيل عن شعب إسرائيل في البرية إذ كانوا يشربون من صخرة روحية كانت تتبعهم والصخرة كانت المسيح.] (إلى سيرابيون 19:1)
ومن نفس هذه الوحدة بين الأقانيم الثلاثة نحن نقبل روح التبني: [حيث أن المسيح هو الابن الحقيقي (بالجوهر)، فنحن حينما نقبل الروح القدس نصير أبناءً “بالروح”. ولكن حينما نصير أبناء، فمن الواضح أن ذلك يتم في “المسيح”، لذلك نُدعى أبناء “لله” (بالتبني).] (سيرابيون 19:1؛ ضد الأريوسية 19:3)
ثم من نفس هذه الوحدة في الثالوث نتقبَّل روح الحكمة: [حيث أن الابن هو حكمة الله، فنحن حينما نقبل روح الحكمة، فنحن نقبل في الحقيقة الابن الذي به نصير حكماء.] (نفس المرجع السابق)
ثم بنفس هذه الوحدة في الثالوث يصير حلول الأقنوم الواحد، أي الروح القدس، لا بمعنى أنه يكون بديلاً عن الابن أو الآب بل أننا به نحقِّق حلول الآب والابن: [«إن أحببنا بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا. بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه أعطانا من روحه». وحيث أن الله يثبت فينا، فالابن أيضاً يكون فينا، لأنه هو نفسه يقول ذلك «إليه نأتي – أنا وأبي – وعنده نصنع منزلاً».] (نفس المرجع السابق)
هكذا نرى أن جميع الأعمال المنسوبة للروح القدس تكون في الواقع هي أعمال المسيح نفسه: [كل ما كان الابن يعمله، كان يقول إن الآب الحالَّ فيه هو الذي يعمله. وهكذا على هذا النمط كل ما كان بولس الرسول يعمله بالروح كان يدعوه عمل المسيح فيه.] (نفس المرجع السابق)
ومن ذلك يخرج أثناسيوس بالنتيجة الآتية: [فحيث أن الثالوث المقدَّس يمتاز بمثل هذه الوحدة وهذا الاتحاد، فمن ذا يستطيع أن يفصل الابن عن الآب، أو الروح القدس عن كل من الآب والابن؟ ومَنْ ذا يجسر أن يتكلَّم عن اختلاف أو مفارقة في طبيعة الثالوث كأن يقول إن الابن من جوهر مخالف لجوهر الآب أو إن الروح القدس غريب عن الابن؟] (سيرابيون 20:1)
هكذا يصل أثناسيوس إلى الحقيقة أن وحدة الروح القدس بكل من الآب والابن هي من نفس نوع الوحدة الكائنة بين الآب والابن، أي وحدة الجوهر والطبيعة. وهكذا يفحم أثناسيوس المعترضين على لاهوت الروح القدس بنفس برهان التحدِّي الذي قدَّمه مراراً للأريوسيين، أن الأحرى بهم أن يفصلوا الشعاع من النور أو الحكمة من الحكيم إن أرادوا أن يفصلوا الروح القدس عن الآب والابن([14]).
[يقولون – مستنكرين – كيف بمجرَّد أن يكون الروح القدس فينا يُقال إن الابن أيضاً فينا؟ أو حينما يكون الابن فينا يكون الآب أيضاً فينا؟ – ثم يستطردون: إن كان الثالوث حقـًّا من ثلاثة أقانيم، فكيف يكون وجود الواحد منهم كافياً لوجود الثالوث كله؟ إن مَنْ يتساءل مثل هذه الأسئلة فالأحرى به أن يفصل الشعاع من النور أو الحكمة من الحكيم!!] (إلى سيرابيون 20:1)
[كما أن الابن حالٌّ في الروح القدس كما في صورته الخاصة، هكذا الآب حالٌّ في الابن.] (نفس المرجع السابق)
ويوضِّح أثناسيوس هذه التعبيرات الخاصة بالعلاقة بين الأقانيم قائلاً: [إن الكتاب المقدَّس يستخدم مفاهيم الصورة والشعاع والنور والينبوع والنهر … إلخ لكي يسهِّل علينا التعبير عن هذه الحقائق الفائقة، ولكي نؤمن أنه لا يوجد إلاَّ تقديس واحد للنفس وهو الذي يأتي من الآب بالابن في الروح القدس]
وهذا الاصطلاح يعتبر تلخيصاً سهلاً لكل ما أجاب به أثناسيوس على استنكارات المنكرين لوحدة الأقانيم معاً مع احتفاظ كل أقنوم بمميزاته الشخصية، لأن وحدة القوة المقدَّسة في الثالوث هي التي تفسِّر لنا أنه بمجرَّد حلول أحد الأقانيم الثلاثة، يُقال في الحال إن الثالوث كله يكون موجوداً:
[لكي نعتقد أن هناك قداسة واحدة مستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وكما أن الابن مولود وحيد الجنس، هكذا فإن الروح القدس واحد غير متعدِّد، ليس واحداً من كثير (المواهب المتعدِّدة التي له)، بل روح وحيد. وكما أن الابن الكلمة الحي وحيد هكذا ينبغي أن يكون (روح الابن) القوة الحية والعطية، الذي به يقدِّس وينير، ينبغي أن يكون وحيداً كاملاً تاماً، وهو الذي قيل إنه ينبعث من الآب، لأنه من الكلمة المعترف أنه من الآب، وهو الذي قيل إنه يشرق ويرسل ويعطي – وكما أن الابن أُرسل من الآب، كذلك الابن يُرسِل الروح القدس «إن ذهبت أُرسل الباراكليت».] (إلى سيرابيون 20:1)
[ووحدة الثالوث كاملة، لأن الآب يصنع كل شيء بواسطة الابن في الروح القدس.] (إلى سيرابيون 28:1)
وهنا نستطيع أن نفهم سر إصرار بولس الرسول حينما يتكلَّم عن مواهب الروح القدس كيف يرجع كل شيء إلى الله الآب (1كو 6:12) وهذا يأخذه أثناسيوس ويشرحه: [فما يقسمه الروح القدس لكل واحد، يكون الآب هو الذي يمنحه بواسطة الكلمة، لأن كل ما للآب هو للابن، وبالتالي فالمواهب التي يمنحها الابن في الروح القدس هي أصلاً مواهب الآب.] (إلى سيرابيون 30:1)
ثم إن هذه الوحدة الكائنة بسبب التساوي المطلق في الثالوث – وحدانية الله – هي التي تفسِّر لنا العمل الواحد والتواجد المشترك للأقانيم فينا: [حينما يكون الروح فينا يكون الكلمة – الذي يمنح الروح – هو أيضاً فينا وفي الكلمة يكون الآب نفسه].
هكذا يؤكِّد القديس أثناسيوس أن الأقانيم الثلاثة متلازمون، ولا يمكن الفصل بينهم كما لا يمكن الفصل بين النور والشعاع أو بين الشعاع وقوته …
وهنا يكمن سر البركة المتلازمة العمل والفاعلية للثالوث التي يصر عليها بولس الرسول: «نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم.» (2كو 14:13)
[إن النعمة التي يمنحها الثالوث هي بالضرورة من الآب بواسطة الابن في الروح القدس. فكما أن النعمة تأتي من الآب بواسطة الابن، هكذا أيضاً لا يمكننا أن ننال شركة فيها إلاَّ في الروح القدس، فحينما ننال شركة الروح تكون لنا بالتالي محبة الآب ونعمة الابن.] (إلى سيرابيون 30:1)
[ومن هذا يظهر أن عمل الثالوث واحد، فالمواهب التي يتكلَّم عنها الرسول لا يقول عنها إنها تُعطى من كل واحد من الأقانيم الثلاثة على حدة، بل يقول إنها معطاة في الثالوث، وإن جميعها من الله الواحد … فالروح القدس إذن، وهو متحد بالابن، لا يوجد شيء يعمله الابن إلاَّ ويكون معمولاً في الروح. كما أن الابن وهو متحد بالآب يصنع كل ما يصنعه الآب، فالروح إذن غير منفصل عن الابن، حتى أنه حينما تتم كلمة الرب «وإليه نأتي – أنا وأبي وعنده نصنع منزلاً» يكون الروح معهما بالضرورة يأتي ويسكن فينا كما يسكن الابن تماماً.] (إلى سيرابيون 31:1)
وهكذا فإن القديس أثناسيوس، في معرض دفاعه عن لاهوت الروح القدس، يكون قد استوفى أصعب وأدق موضوع وهو علاقة الأقانيم معاً – وخاصة الروح القدس في الثالوث – وفي نفس الوقت يكون قد استوفى أيضاً عمل الروح القدس فينا من داخل الثالوث.
وهو في ذلك بينما يقدِّم تعاليمه كرجل لاهوت، لا يفوِّت علينا قط أن نلمح أنه إنما يشرح خبرته الروحية العميقة وعقيدته الإيمانية التي يعيش بها خلاصه وحياته الأبدية …
– عن كتاب حقبة مضيئة في تاريخ الكنيسة، القديس اثناسيوس الرسولي، للاب متي المسكين.
نعمة وسلام من ملك السلام الرب الكائن والذي كان والذي ياتى
نتحدث اليوم عن شيء، يثبت ويؤكد صحة واصاله وحى كتابنا المقدس (الذى يُشار اليه في الاصل اللغوى بانفاس الله)نتكلم عن ما جاز فيه رب المجد من الالام نفسيه وجسديه، فما كان الا ظهور كل تلك الظواهر عليه، فسالت قطرات عرقه كقطرات دم، وليس هنا تشبيه باستخدام كلمة (ك)او(As)او(( hóseiتلك اللفظة التي يُراد به وصف حقيقى وفعلى للحدث، مما جعلنا نقول:ـ ان هذا وصف دقيق لما حدث للمصلوب، فاجتاز السيد المسيح في الام نفسيه تفوق الوصف، اجتازه وحده ولم يكن معه احد من الشعوب ولا من تلاميذه المُحبين له، ودخل في صراع شديد مع الاب في صلاة وصفه البشير فقال(انه كان في جهاد وفى صلاة بلجاجة)(لوقا22ع44)وهونفسه قال (نفسى حزينة جدا حتى الموت)(متى26ع38)بل ويعجز الطب ونعجز نحن معه في وصف وتخيل نوعية تلك الصلاة مما دفع ابونا الحبيب القمص متى المسكين ان يقول:ـ ومهما قيل وكُتب عن صلاة جثسيماني فإنها لا تعطي أبداً تصوير هذه الوقفة للصلاة في هذه اللحظة الحرجة التي يبث فيها المسيح أحاسيسه للآب حقا صادق القول هذا، فالقلم يتوقف والخيال يعجز، عن وصف تلك اللحظة الرهيبة، التي اجتازه رب المجد يسوع وحده، والغريب (وليس غريب عنه)انه فعل كل هذا من اجلى ومن اجلك ومن اجل
كل انسان فهو من قال(الله احب العالم)ومن قبل هذا الخلاص صار ابن الله(يوحنا1) ولكن الامر المُحزن حقا اننا نجد اناس لا يعرفون لقلب المخلص طريق يقفون ويتصارعون قائلين:ـ ان هذا الامر مزيف، فلوقا اضاف هذا الامر فالقرن الخامس وحجتهم في ذلك هي ان هذا المصطلح((HEAMATIDROSIS) لم يكون متعارف عليه في ذلك الوقت(ايام المسيح)مُتدعين، مفترين، قال عنهم بطرس الرسول(سيهلكون في جهلهم) .فهل هم يرفضون حدوث تلك الظاهرة الطبية من ايام ادم حتى القرن الخامس؟؟؟!وكيف يرفضون ذلك الامر؟؟بل ويقولون كذبا ان السيد المسيح لم يكون كامل في ناسوته مُتدعين ان هذا الامر((HEAMATIDROSIS)لا يحدث الا لاناس مصابة بمرض يسبب له ذلك، ولكنهم لا يعتمدون على اى مرجع علمى بل يتحدثون من مخيلاتهم الجوعاء فقط، ونحن هنا لهذا الصدد، نوضح ما حدث للرب يسوع في البستان، ونبين اراء العلم، والطب الحديث في تلك الظاهرة الفريدة، ولعلنا ننظر الى بعض تلك الظواهر الفريدة، التي اذا وُجدت في كتب مُتدعين العلم لهللوبها فارحين، ولكننا نحن ان قولنا ان هذا اعجاز فقداخطائنا في حق الوحى المقدس، لان الوحى هو كلام الله، ويستحيل ان ياتى الله بشىء اعجازى فلا اتدعى العلم بل انا كمتلصص يطلب العلم تسلل ليلا الى ابحاث اساتذتى فتعلمت منهم الكثير، سنرد بنعمة ربنا وبصلوات ام النور الطاهرة، وبصلوات مامرقس الرسول والبابا كيرلس وجميع مصاف القدسين، وبصلوات اباء الكنيسة، راجيا صلواتكم انتم ايضا لى
1-نفسية السيد المسيح، وتوضيح بعض الامور في النص
(متى26ع36 – مرقس14ع43- لوقا22ع47)
++ يسوع يعلم ان ساعته قد جائت، فذهب الى بستان جثيمانى، ويطلب من التلاميذ السهر، ويبداء فالحزن والاكتئاب، ذلك الامر الذي يحدث لاى شخص يعلم ان وقت اعدامه قد حان .نفسه تحزن جدا الى الموت، يقف ويصلى ثلاث مرات، وتلاميذه نيام، واثناء صلاته كان يصلى بشده وبلجاجة، ويدخل في صراع نفسى عميق، وهذا ما عُرف في فكر الاباء بالالام النفسية، فادت تلك الصراعات المريرة لظهور ظاهرة فريده من نوعه، حيث (صار عرقه كقطرات دم نازلة)بما عُرف ب (HEAMATIDROSIS.)فقد تعرض الى الام نفسيه رهيبة ادت الى تساقط العرق الممتزج بالدم، وفى تلك الحالة قد ازداد الالم على السيد المسيح، وعلميا كان لا بد ان يحدث امران للسيد المسيح(فى حاله الالام النفسية)يا اما يحدث له اغماء او يزداد الضغط على الشعيرات الدموية المحيطة بالغدد العرقية، وتنفجر، وينضح الدم ويختلط بالعرف، ولك ان تتخيل ان الانسان يمكنه ان يعرق من كل جسمه وبالتالى فان العرق الخارج من رب المجد كان ممتزج بالدم في كافة انحاء الجسم، ولان لوقا طبيب فقد اشار الى تلك الظاهرة النادرة الحدوث
++واذا نظرنا الى اللفظ اليونانى المستخدم في النص:ـ
آية (44): “وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض.”
As
: ὡσεί
: hosei
Definition: as if، as it were، like; with numbers: about.
كما(AS)(HOSEI) تشير هنا الى الحاله التي كان عليه وليس مقارنة بين حالته دمه المنساب وبين قطرات العرق، فهنا امر واقعى لا مقارنة ولا تشبيه فيه، بل هو وصف دقيق حرفى صحيح
ويشير الدكتور دافيد ميلار الى ذلك فيقول:ـ ان الانجيلى يريد ان ينقل فكرة ان العرق كان ينزل مثل قطرات الدم
(1874، 1:648، italics in orig.; cf. Robertson، 1934، p. 1140).
فالسيد المسيح يقول للتلاميذ «هكذا لم تقدروا ان تسهروا معي ساعة واحدة» (متى 26:40).فالسيد المسيح استمر في التعرق اكتر من ساعه، ويمكن تقدير نسبه العرق بخمسة ليتر، ولك ان تتخيل كمية الدم الممتزج ب تلك الليترات، ومن المعروف ان فقدان 5ليتر من السوائل فالجسم يقود الى حاله من الارهاق الشديد، وفى منتصف الليل البارد، كان يسوعى يتصيب بالعرق الدموى، وتلك الاحداث وتلك الاحاسيس وهذا العرق الدامى يسبب للجلد حاله من التهرق او يكون حساس جدا فاى لمسه له تسبب له الكثير من الالام المضاعف، ولك ان تتخيل ان هذا الجلد، قد تعرض للضرب بالكرباج الذي كان يُستخدم في تلك الاوقات، انه من ثلاث سيور من اعصاب البقر او الرصاص، وتنتهى كل مجلدة بكرتين من الرصاص المسنن بالمسامير او العظام، وكان الضرب شديد على تلك البشرة الحساسة الضعيفة، ولك ان تتخيل ان علماء الكفن المقدس توصلو الى ان الذين ضربو المخلص كان عددهم اثنين واحد قصير والاخر طويل، وكان احدهم يضرب بشدة(سادى) ويحب الانتقام فاصاب الرب اكتر من الاخر، فالجلدة الوحيدة تجذب لليمين والاخرى تدفع لليسار، وكانت العادة ان يضَرب 39جلدة، ولكن علماء الكفن يؤكدون ان اكتر من 120جلدة كانت تركت اثار غائر في الظهر، فيمكن ان تقسم 120على 3=40جلدة، ونحن فقط عند دراسة هذا الامر نندهش وفى دهشتنا ننظر الى المصلوب، ونتاكد من حبه لنا، ونسرح بخيالنا في هذا الجسد الحساس، المصاب بافرازات عرقيهدمويه كيف له ان يتحمل كل هذا الامر؟؟؟؟؟!
++والغريب في هذا الامر ان يسوع بعد تلك الالام النفسية متماسك روحيا، ويقول(ان الروح نشيط اما الجسد فضعيف)(مرقس38)ويصلى ثلاث مرات، ولم يكف عن الصلاة، لعله يُريدنا ان نتعلم منه اننا في كل ضيقة نصلى،
++واخيرا لك ان تتخيل اى الم كان يشعُر به رب المجد، حتى تتساقط الدماء مع العرق، وهو لم يدخل في مرحله اللطم والبثق وحمل الصليب واكليل الشوك، ولم يُدق في يده ولا رجله المسامير، ولم يسقط بالصليب ثلاث مرات كما هو مؤكد من خلال الكفن المقدس، فنحن لم نتحرك قط من بستان جثيمانى حتى الان، فنحن فقط ننظر الى المصلوب يصلى ويتعرض لاالام نفسيه تُسقط دم مع العرق، فاذا كان مبتداء الاوجاع في جثيمانى هكذا.!؟فما هو الامر بعد ذلك؟!!
2-من الناحية الطبية(HEAMATIDROSIS)
لوقا الطبيب الذي دون تلك الحادثة النادرة، كان يعلم بكل تاكيد اسباب حدوث هذا الامر، وحتى لو لم يكن يعلم في وقته هذا الا انه دون ظاهرة طبيه فريدة!يُفسره العلم الحديث بان الغدد الجلدية التي تفرز العرق تتغذى بالدم، من خلال شبكة الشعيرات الدموية، وتغذيها من الالالياف العصبية، وتلك الالياف تفرز مادة الاستيلكولين، وتفرز الخلايا الظاهرة العرق تحت سطح الجلد، فبفعل تلك المادة يتم امتصاص االماء والاملاح من الشعيرات ويتم افراز Gland lumen، فالمسافة الفاصلة بين الشعيرات واللومين تبلغ0.03 ملم فقط، وقد تتوسع الشعيرات وتتزايد افرازات الجسم للعرق، ربما من لتر الى لترين، ونظرية العرق الدامى تتلخص في الاضطرابات الشديدة التي تحدث للشخص، فتتوسع الاوعية الدموية والشعيرات(او تتقطع) ويزداد نتاج الدم في الغدد، وبسبب استنفاذ الغدد القدرة على الاكسدة تموت، وتستطيع كرات الدم ان تمترزح بالعرق،
من الناحية الطبية يتلخص تعريف الهيماتيدروسيس(HEAMATIDROSIS) بانه افراز للدم او صبغه الدم في العرق، وهذه الظاهرة لا تحدث الا فالقليل النادر، وتحدث لعده اسباب منه الاضطراب النفسى والقلق، يمكن تلخيص الاسباب في القلق النفسى الشديد، وبالرجوع الى اى قاموس طيبى نجد ذلك،
+بعض من تلك القواميس الطبية.
hematidrosis medical definition
The excretion of blood or blood pigment in the sweat. Also called hemidrosis1.
1. Excretion of blood or blood pigment in the sweat; an extremely rare disorder.
افراز الدم او صبغه الدم في العرق، واضطراب نادر للغاية
ويقول دكتور دافيد ميلار:ـ
اننا نستنتج ان المصطلحات المستخدمة من قبل لوقا في انجيله تشير الى الاضطرابات النفسية الشديدة التي كان يعانى من يسوع المسيح، كان المقصود ان يؤخذ منه حرفيه التعبير اى قطرات عرقه كالدم(cf. Robertson، 1930، 2:272)
فحاله ال hemoTidrosisهى حاله نادرة تماما يشار اليه بالتعرق الدموى
(Hematidrosis 2002; Allen، 1967، pp. 745-747)
وتحدث لعده اسباب منه ظروف من الضغط النفسى الكبير، ويمكن ان تتمزق الغدد العرقية(Lumpkin، 1978)، وفى الحالات القصوى من التوتر تحدث تلك الظاهرة
(see Sutton، 1956، pp. 1393-1394)
|وفى القرن العشرين تم دراسة 76حاله من التعرق الدموى، وكانت تقع تحت تصنيف الخوف والرعب او الفزع (Holoubek and Holoubek، 1996).
Hobart، William K. (1882)، The Medical Language of St. Luke (Grand Rapids، MI: Baker، 1954 reprint).
Holoubek، J.E. and A.B. Holoubek (1996)، “Blood، Sweat، and Fear. ‘A Classification of Hematidrosis، ’ ” Journal of Medicine، 27[3-4]:115-33.
Lenski، R.C.H. (1961)، The Interpretation of St. Luke’s Gospel (Minneapolis، MN: Augsburg).
Lumpkin، R. (1978)، “The Physical Suffering of Christ، ” Journal of Medical Association of Alabama، 47:8-10.
Nicoll، W. Robertson، ed. (no date)، The Expositor’s Greek Testament (Grand Rapids، MI: Eerdmans).
Robertson، A.T. (1930)، Word Pictures in the New Testament (Grand Rapids، MI: Baker).
Robertson، A.T. (1934)، A Grammar of the Greek New Testament in the Light of Historical Research (Nashville، TN: Broadman Press).
Sutton، R.L. Jr. (1956)، Diseases of the Skin (St. Louis، MO: Mosby College Publishing)، eleventh edition.
Vincent، M.R. (1887)، Word Studies in the New Testament (Grand Rapids، MI: Eerdmans، 1946 reprint).
3-الشبهة والرد عليه
العرق المدمى يحدث في حلات نادره ل النساء او رجال يكون عندهم عيب خلقى في المسام الجلديه بالأضافه لضعف الشعيرات الدمويه و هنا يكون اما كذب لوقا و لم يحدث ذلك العرض للمسيح اما ان المسيح به عيب و ليس مسيح بلا عيب (حسب النبوات) الكارثه الاخرى تكمن ان اليونان لم يعرفوا هذا العرض الا منذ القرن الخامس و بذلك يكون حسب ادنى تقدير تم اضافة العدد في القرن الخامس اى العدد مزور
وللرد نقول:ـ
+العرق المدمى يحدث في حلات نادرة للنساء او الرجال ويكون عيب خلقى في المسام
هذا كلام غير سليم، فهذا الامر يحدث لعده اسباب منه….كما وضحنا في الاعلى،
+لوقا يكذب ولم يحدث هذا للمسيح او المسيح به عيب وليس كما قيل فالنبؤات انه بلا عيب
المسيح فعلا بلا عيب وهذا الامر يثبت صحة ومصداقية الكتاب المقدس، كما سنوضح فيما بعد
+اليونان لم يعرفو هذا العرض الا فالقرن ال 5اى تم اضافة هذا العدد بعد القرن الخامس
غريب هذا الادعاء فكيف يقولون ان هذا المرض لم يظهر في اليونان الا بعد القرن الخامس…فنحن نسئل هل من ادم حتى القرن الخامس لم يظهر اى ظاهرة تشبه هذاالامر؟؟؟وما دخل اليونان باليهودية التي دارات فيه الاحداث؟؟يمكن القول ان هذا المصطلح حديث(Hematidrosis)ولكن الظاهرة نفسه موجودة ومعروفة مسبقا، وحدثت بالفعل، فلم لاء؟؟بكل تاكيد يوجد اناس تساقطت عرقهم كقطرات دم، ولكن لم تُعرف بهذا المصطلح.بكل تاكيد ببساطة الطب في ذلك اليوم كان يقول الحدث كما هو وبشكل مبسط فنجد لوقا الطيب يقول
فلم نرى اى استخدام لمصطلح(Hematidrosis)بل نرى شرح لهذا المصطلح وهو عرق كقطرات دم، فهذا الامر معروف ولكن المصطلح لم يكن معروف، كان يمكن للمشكك ان يتخذ موقف القوى اذا استخدم البشير هذا المصطلح الحديث ولكنه شرح لحادث كان في جثيمانى، وهو كان يصلى بشدةوبلجاجة في جهاد، وصار عرقة كقطرات دم تنزل على الارض وكقطرات(hósei)As وكما يكون البشير يريد ان يصف الحاله التي كان عليه يسوع المسيح وليس كمقارنة بين حاله عرقه المنساب ويريد تشبيهه بانه شديد الصعوبة كاالدم، بلكان يقصد المعنى نفسه، اى نزول دماء بدل قطرات العرق
+ولعل القديس اغسطينوس الذي كان موجود فالقران الثالث، الذي اشار الى هذه الحادثة التي حدث للمصلوب اقوى دليل لتخجيل المشكك
+وايضا اشار الى تلك الحادثة القديس إمبروسيوس340ميلاديا(انتظر تفسير القمص تادرس يعقوب لنص لوقا22ع44)
فى قاموس سترونج:
Original Word: ὡσεί
Transliteration: hósei
Definition: as if، as it were، like; with numbers: about.
ويشير الدكتور دافيد ميلار الى ذلك فيقول:ـ ان الانجيلى يريد ان ينقل فكرة ان العرق كان ينزل مثل قطرات الدم، فهذا امر واضح للتلاميذ الذين كانو برفقته سواء النايم وقت ما ايقظهم او الذين كانو معه حينما تقدم عده اميال
4-السيد المسيح بلا عيب كما قال الانجيل
ولعل المُشكك يُدرك الان عظمة النص الانجيلى والوحى الالهى، حيث قال الانجيل فاكتر من موضع ان السيد المسيح بلا عيب، ولعل القارىء الجيد لتاريخ الهرطقات وردود الاباء عليه، فل م نجد اى اشارة من اى مهرطق الى ان المسيح به عيب خُلقى او غير كامل فالناسوت، فاذا نظرنا الى الانجيل نجده يؤكد تلك العصمة والا عيب في جسد السيد المسيح
(الرسالة الى العبرانيين 9ع14)
فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح ازلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من اعمال ميتة لتخدموا الله الحي
لعلنا بعد تلك الرحله الجميلة في معرفة الالام المسيح في بستان جثيمانى، نُدرك قصة الحب العجيب، ونعرف انه لا يوجد حب مثل هذا قد بدى للبشر، لعلنا نعرف ان رب المجد هو نبع كل حُب فالوجودة، ولعله هو اعظم حبيب في هذا الوجود، وربما هو من دون في قواميس اللغة كلمة الحب، ليس بحبر يبلى بل بدم كريم لا يبلى متجدد دوما على المذبح الالهى نتناوله فنثبت فيه ونقتنى المسيح داخلنا، لعلنا نتعلم منه الحب، ونتعلم منه الصلاة بلجاجة، وبشدة، فليس مع كل شدة او ضيقة نترك الصلاة ونقول لا فائدة، تعالى معى ننظر الى ابونا الحبيب القمص بيشوى كامل الذي قال عن الالام اقصد الصليب مدرسة ومن يهرب من تلك المدرسة يضيع مستقبله، ولعلنا نستمع الى تاسونى انجيل وهى تحكى عن الاولاد الاشقياء الذين كانو يضايقون ابونا الحبيب في ذهابه وايابه، وفى ذات يوم وان ابونا بيشوى ذات يوم، لم يجد الولد الذي يضايقه يوميا بالشارع واستمر غيابه، وبالتالى غياب الصليب، فابونا بيشوى كامل لا يدع فرصة ان يهرب من صليب، وقلق على الولد جدا فسائل عنه وعرف ان قدماه قد انكسرت، فما كان من هذا القلب الذي ينبض بالحب الا ان يذهب الى منزل الولد ليطمئن عليه، فكانت مفاجائة لم يشدقه الولد او يتخيلها واهل هذا الولد لم يكونو يعرفو ان ولدهم كان يضايق ابونا الحبيب فشعرو بالخجل، فالصليب مدرسة نتعلم منه الحب ونعلمه لغيرنا، فابونا بيشوى كامل ما هو الا تلميذ في مدرسة الصليب، جلس عنداقدام الصليب وتعلم منه الكثير، نظر الى المخلص في جثيمانى وتعلم منه الصلاة، فكان دائم الصلاة للكل، ويمكن ان نقول عليه انه ايضا رجل الصلاة، نظر الى جثيمانى فوجد المخلص يصلى، ففعل مثله صلى، فعل ما قاله يسوع له تعلم منى، فتعلم منه الصلاة فالشدة وفى الفرح وفكل حين، ليتنا نتعلم ان الصلاة قوة لنا، وليتنا نتعلم ان الصلاة اول طريق الراحة الروحية ولكنه مبتداء الالام، فالشيطان لا يتركنا نصلى ويذهب يلهو في الحدائق العامة، فمع كل صلاة نصليه يعقبه راحه بالوجود مع يسوع ولكنه يتبعه ايضا طريق كرب، نحمل فيه الصليب، ونذهب الى الجلجثة، فبالصلاة نعرف اننا خطاة وهو قدوس وبار، واذا عرفنا ذلك نخجل من خطايانا ومن حبه لنا، وفى خجلنا هذا نحمل صليبنا ونذهب الى الجلجلثة للصلب، وفى الجلجثة نجد السيد الرب يقول لنا، لما جاءت يا صاحب؟؟؟فقد اكمل، قد اكمل ما في النبؤات، قد اكمل خلاصك اليوم، وبعد الجلجثة قيامه، نتشارك فيه مع رب المجد، وليس قيامة فقط، بل ان الجلجثة هي العقد الوحيد الذي وقعنا عليه مع الرب هووقع بدمه الكريم، ونحن وقعنا بقبولنا الذهاب الى هناك، وفى ذلك العقد مكتوب:ـ(انت ابنى….احبك كثيرا…لا تتركنى وتخطىء مرة اخرى……فقد ورثت الملكوت من خلالى………..ولكن يبقى لك ان تدون في الجلجثة ما تشاء في ذلك العقد………فاى كلام تكتبه؟؟؟؟)
6-مقتطفات من بستان الاباء
آية (44): “وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض.”
صار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض
هذه الظاهرة ظاهرة نادرة تسمى HEAMATIDROSIS. لأنه في الأحوال العادية حين يزداد الألم بالإنسان حتى لا يستطيع أن يتحمل، ففي هذه الحالة غالباً ما يفقد الإنسان وعيه، ولكن إذا لم يحدث هذا فإن الشعيرات الدموية المحيطة بالغدد العرقية يزداد الضغط عليها فتنفجر وينضح الدم من البشرة مختلطاً بالعرق. وهذا لا يحدث من جبهة الإنسان فقط بل من الجسم كله، ويكون نتيجة ذلك أن يتسمم جسم الإنسان. ولأنها ظاهرة طبية فقد لفتت أنظار لوقا الطبيب. ونزل الدم على الأرض، وهذه أول مرة يسفك فيها دم المخلص لأجلنا. وتلطخت ثيابه بالدم. ولوقا يحدد هذه الحالة بقوله وإذ كان في جهاد= فقد دخل السيد المسيح في صراع حقيقي، حتى سال دمه وصار هابيل الجديد الذي تتقبل الأرض دمه طالباً النعمة لكل مؤمن. وبينما كان السيد في هذا الجهاد كان تلاميذه نائمون ويهوذا والكهنة يتآمرون.
(تفسير القمص انطونيوس فكرى)
خامسًا: “وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض، ثم قام من الصلاة، وجاء إلى تلاميذه، فوجدهم نيامًا من الحزن فقال لهم: لماذا أنتم نيام؟ قوموا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة” [44-46]. هذا وصف يسجله لوقا البشير بلغة الطب: “كان في جهاد“، فقد دخل السيد المسيح في صراع حقيقي حتى صار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض. لقد صار هابيل الجديد الذي تتقبل الأرض دمه، لكن الأول تقبلته كثمرة حسد وحقد في قلب قايين أخيه، أما الثاني فتتقبله ثمرة حب حقيقي نحو البشرية كلها. دم هابيل يطلب النقمة من قاتله، أما دم السيد المسيح فيطلب النعمة لكل مؤمن به.
كان المعلم يصارع بحق، وكان التلاميذ في عجز غير قادرين حتى على مقاومة النوم، لذا جاء السيد يعاتبهم ويوصيهم بالسهر مع الصلاة حتى لا يدخلوا في تجربة.
vلقد حمل في نفسه آلامي، لكي يمنحني فرحه!
بثقة اذكر حزنه، إذ أكرز بصليبه،
كان يلزم أن يحمل الأحزان لكي يغلب…
لقد أراد لنا أن نتعلم كيف نغلب الموت، بالأكثر نحطم الموت القادم (الأبدي).
لقد تألمت أيها الرب لا بآلامك، وإنما بآلامي، إذ جُرح لأجل معاصينا…
ليس بعيدًا عن الحق أنه قد تألم من أجل مضطهديه، إذ يعرف أنهم يعانون العقوبة من أجل تدنيسهم للمقدسات.
القديس أمبروسيوس
vكان العرق يتصبب كالدم وربنا يصلي، ممثلاً الاستشهاد الذي يحل بكل جسده، أي الكنيسة.
القديس أغسطينوس
vفاضت قطرات العرق منه بطريقة عجيبة كقطرات دم، كما لو أنه استنزف دمه، مفرغًا ينبوع الخوف اللائق بطبيعتنا.
v(لئلا تدخلوا في تجربة)
من يثبت في التجربة ويحتملها، فمثل هذا وإن كان بالحقيقة يُجرب لكنه لا يدخل في تجربة، ولا يسقط تحتها. هكذا اقتاد الروح يسوع لا ليدخل في تجربةk وإنما لكي يجربه الشيطان (مت 4: 1). وإبراهيم أيضًا لم يدخل في تجربة، ولا قادة الله في تجربة إنما جربه (امتحنه) دون أن يسحبه في التجربة (أي تحتها)…
الشيطان يسحبنا بالقوة لكي يهلكنا، لكن الله يقودنا بيده ليدربنا على خلاصنا.
القديس ديونيسيوس السكندري
(تفسير القمص تاردس يعقوب)
صلاة جثسيماني حوَّلت العرق دماً يتقطَّر.
وهكذا صار جهاد الصلاة فدية.
جزع من مرارة الكأس وبالصلاة صار حلواً.
وجثى ثلاث مرَّات وفي الثالثة نال قوة!
يتتبَّع ق. لوقا المسيح من العلِّيَّة حتى جبل الزيتون مع تلاميذه. ومن دراستنا في إنجيل ق. مرقس وتاريخ نزوح القديس مرقس من القيروان بليبيا إلى أُورشليم مع العائلة ذات الثروات التي جُمعت على عجل إثر غارة البربر، واستقرارهم في أُورشليم، عرفنا أنهم اشتروا البيت الكبير ذا العلِّيَّة الكبيرة، ثم حديقة في جبل الزيتون للتعايش منها كمزرعة لشجر الزيتون ومعصرة لزيت الزيتون، ومن هنا جاء اسمها جثسيماني أي معصرة الزيت. وكان فيها بيت ريفي كان يلجأ إليه المسيح للصلاة وقضاء طول الليل في الصلاة والعودة في الصباح طول مدة إقامته في أُورشليم. لذلك لمَّا وصل المسيح مع تلاميذه دخلوا هم البيت وقال لهم: » امكثوا أنتم هنا « وأخذ بطرس وابني زبدي وخرج إلى البستان وأبقاهم بجواره على مسافة رمية حجر ووقف هو يصلِّي، وكانت صلاته طبعاً مسموعة ونُقلت في مكانها.
ولكن لاحظ ق. لوقا في سلوك التلاميذ إن كان في الصلاة أو مشاركة المسيح موقفه أن سلوكهم كان معيباً، إذ لم يستطيعوا حتى أن يبقوا ساهرين بل ناموا، لذلك جاز المسيح المعصرة وحده. وكأن أول اختبار قاسٍ عانى فيه المسيح من خذلان تلاميذه، ولكنه كان قد أعدَّ نفسه لما هو أكثر. وهكذا جاز الاختبارات وراء بعضها وكل المحن ببأس شديد وإصرار على المواجهة دون خذلان. ولكن لم يستطع ق. لوقا أن يعطي صورة للمسيح كما يجب في جهاده بسبب الاختصار والحذف. وتسجيل ق. لوقا لظهور ملائكة تقوِّيه لم يذكره ق. يوحنا في إنجيله ولا ق. متى ولا ق. مرقس.
لم يذكر ق. لوقا الجزء الهام في وليمة الفصح وهي التسابيح النهائية التي أعطت لسر العشاء بهجة وجلالاً (بحسب الطقس اليهودي)، ولكن ق. لوقا لم يكن يهتم إلاَّ بالأجزاء ذات العنصر اللاهوتي والتاريخي.
ومعرفة يهوذا للمكان تأتي من أن المسيح كان دائماً يذهب إلى هناك للصلاة، والمكان يرتفع حوالي 140 قدماً عن أُورشليم، لذلك لعلوِّها كانت مكشوفة ومن الصعب الخلود إلى اختفاء كامل للصلاة والعبادة. وإنجيل ق. لوقا لم يذكر اسم جثسيماني لأنه كان يتحاشى أسماء الأماكن وخاصة إذا كان لها معنىً عِبْرِيٌّ.
ومهما قيل وكُتب عن صلاة جثسيماني فإنها لا تعطي أبداً تصوير هذه الوقفة للصلاة في هذه اللحظة الحرجة التي يبث فيها المسيح أحاسيسه للآب. إن مرارة تخلية رؤساء الكهنة والعلماء اليهود ثم وقفتهم المتحدة ضده، أفرغت إسرائيل من معناها في قلب المسيح. وكان يتحتَّم ذلك ليأخذ المسيح اسمها الجديد، فالمسيح هو لنا إسرائيل الجديد!! كذلك وقفة التلاميذ على مستوى الضعف الفظيع سلوكياً وفهماً وشجاعة جعلته يشعر بالوحدة الشديدة أمام أبيه: » وتتركونني وحدي وأنا لست وحدي لأن الآب معي «(يو 32:16). وحينما جاء ثلاث مرَّات وجدهم نائمين، ولمَّا كرَّر صلاته ثلاث مرَّات حسب إنجيل ق. متى اتضح مقدار المعاناة التي كان يحملها في قلبه ونفسه، وذهابه للتلاميذ لعلَّه يجد إنساناً واحداً يتحدَّث إليه؛ لأن ثقل البشرية بأخطائها وعيوبها كان قادماً ليحملها، ولم يوجد إنسان يقف بجواره.
+ » ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه، فوجدهم نياماً من الحزن. فقال لهم: لماذا أنتم نيام؟ قوموا وصلُّوا – “لئلا” – تدخلوا في تجربة †na m¾ e„sšlqhte e„j peirasmÒn.«(لو 22: 45و46)
كان المنظر كما رآه المسيح، أن ساعة الظلمة قد جاءت، والشيطان يجول جولته الأخيرة يجرُّ في أذياله التلميذ الذي اصطاده – يهوذا – وهو قادم لمعركته الفاصلة مع المسيح، وقد سلَّح نفسه برؤساء الكهنة وشيوخ الشعب والجند أيضاً. ورتَّب معهم مُسْبَقاً كل ما أملاه عليهم من خطته للإيقاع بالمسيح. من أجل هذا جاء المسيح إلى جبل الزيتون مع تلاميذه ليلاقيه وهو في حالة صلاة، وأي صلاة!
يكفي أن يسمع القارئ أن عرقه كان يتصبَّب كقطرات دم، وكانت أحاسيسه ملتهبة. وبالرغم من أنه عالم بأن الضربة الأساسية موجَّهة إليه، إلاَّ أنه كان يهمه أن يسلِّح تلاميذه بالصلاة حتى يستطيعوا أن يواجهوا التجربة، أما هو فكان يعدُّ نفسه للتسليم وشُرب الكأس بعد ما فرغ من تقديم مشيئته الكاملة للآب. أما تلاميذه فكان يريد لهم أن لا يفنى إيمانهم وقت التجربة.
عندما وصلوا إلى المكان كانت رؤية المسيح ترصد حركات الشيطان، فلم يكن قد تحرَّك بعد مع رؤساء الكهنة والشعب والجنود وأعوانه. لذلك نبَّههم بوضوح: » صلُّوا لكي – لا -تدخلوا في تجربة «التي جاءت باليونانية بوضوح، لأن التجربة كانت لا تزال على بُعدٍ.
ولكن بعد أن فرغ هو من الصلاة، رأى الشيطان على الباب مع كل أعوانه، إذ بدأت بالفعل ساعة الظلمة وسلطانها، فلما افتقد تلاميذه تحسَّر إذ وجدهم نياماً. فأسرع إليهم أن: “قوموا وصلُّوا – لئلا – تدخلوا في تجربة”. هنا التحذير نهائي.
واضح لدينا أن الشيطان استطاع أن يضرب التلاميذ بالنوم حتى لا يستطيعوا أن يُصلُّوا، وهو الأمر الذي أصبح واضحاً كخبرة لكل مَنْ أراد الصلاة أو الاستطالة في الصلاة. فالتثاؤب والنعاس يثقِّل الرأس حتى لا تعود أي قوة للصلاة، فإذا ترك الإنسان الصلاة ينشط في الحال ويأخذ يتكلَّم ويثرثر ويضحك دون أي حاجة للنوم. هنا النوم هو المخدِّر الذي يسقيه الشيطان للدماغ لكي يحرمه من اليقظة وبالتالي من الصلاة، كالمُسكر الذي يُوعِزْ الشيطان به للأشخاص لكي بعد أن يسكروا يسوقهم إلى الخطية بلا خوف ولا جزع ولا أي إحساس من الضمير، وبعدها يستيقظ الإنسان ليرى نفسه قد وقع في الفخ وصار صانع جريمة.
والآن نعود إلى المسيح والتلاميذ، فالمسيح لا يُريد من التلاميذ أن يُصلُّوا مجرد صلاة، بل أن يكونوا في “حالة صلاة” فلا يستطيع الشيطان أن يقترب إليهم. فإذا سألني سائل: ولماذا لم يمنع المسيح الشيطان من أن يُجرِّب التلاميذ، أقول: نرجع إلى المسيح وقوله لبطرس: » سمعان سمعان هوذا الشيطان طلبكم لكي يُغربلكم كالحنطة. ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك «(لو 31:22و32). لاحِظ هنا قول المسيح أن » الشيطان طلبكم « فهو له أن يجرِّب ولا يمنعه الله. المسيح هنا لم يَعِدْ بطرس أن ينجيه من التجربة، بل يستطيع فقط أن يطلب لكي لا يفنى إيمانه بعد أن يسقط في التجربة. وقد سقط بالفعل في التجربة بعد ساعات قليلة من تحذير الرب، فحصد ثمن نومه وعدم طاعة الوصية. معنى هذا أن المسيح لا يتدخَّل في منع التجربة لأنها تأتي بقياس دقيق بسماح من الله، ولكن الذي عمله المسيح هو أنه أعطانا أن نصلِّي باسمه فلا ندخل التجربة.
إذن بعد أن أعطانا المسيح السلاح القوي وهو الصلاة باسمه القادرة على هدم حصون الشيطان، لم يعد لنا همٌّ: » ها أنا أُرسلكم مثل حملان بين ذئاب «(لو 3:10)، ولكن الذئاب المتوحِّشة تهون، إنما يقصد الذئاب التي يُرسلها الشيطان في ثياب حملان أو ملائكة نور، سيان!!! أو حتى بقبلة!!
فالإنسان طالما هو في حالة صلاة يكون قد تسلَّح ضد التجربة ليجوزها بنجاح لحساب المسيح!!
والمسيح لمَّا علَّمنا في صلاة “أبانا الذي” أن نصلي إلى الآب لكي لا يدخلنا في تجربة، فالمقصود من ذلك أن يفتح وعينا إزاء التجربة وأعمال الشيطان لنستعين بالصلاة إلى الآب دائماً، وحينئذٍ لا يُدْخِلنا الآب التجربة إن صلَّينا، ولكن بدون الصلاة يصبح للشيطان مدخل فينا.
والقصد من هذه التوعية التي نقدِّمها للقارئ في هذه الأيام هو أن نرصد حركات الشيطان حولنا في كنيستنا وبيوتنا وأسراتنا، لأن إهمالنا للصلاة أعطى فرصاً كثيرة للشيطان أن يدخل في كل مكان ويُفسد كل علاقة، والكل لاهٍ عن نشاط الشيطان المخرِّب، لأنه يستحيل لإنسان أن يحسب أو يكشف حركات الشيطان وتدخُّلاته إلاَّ بالصلاة.
من هنا كانت وصية المسيح أن “نصلِّي كل حين”، لا بصلاة محدودة، ولكن أن نكون في حالة “وعي الصلاة”، والقلب متصل بالمسيح. وهذه حالة نعتادها بعد أن نكون قد قبلنا نعمة أن نُمارس الصلاة بالروح([1]) ولمدد طويلة، إذ ينفتح القلب والذهن لقبول نعمة الصلاة الدائمة التي بها يستطيع الإنسان في أيِّ وقت أن يحس بلهج الصلاة في قلبه الذي يسعفه بالصلاة المسموعة وقت الخطر: » أما أنا فصلاة «(مز 4:109). هذه حالة لا يَقْرُبها الشيطان بل يرتعب منها. ويلزم أن لا يكون مخفياً عنَّا أن الشيطان ازدادت أعماله ودخلت كل البيوت والكنائس. وهذه الانقسامات والعداوات والتعديات والخصومات تشهد على ذلك وتوعِّينا أننا في خطر، لأن أيَّ بيت أو كنيسة فيها إنسان كيهوذا يدخل بواسطته الشيطان ليس كضيف بل كصاحب بيت!!
ولكن ليس بالضرورة أن يكون على مستوى يهوذا، بل يكفي أن يكون قد تآخى مع الخطية ومات ضميره وصار مقوداً يعمل تحت إيحاء الشيطان.
والآن أصبح من الضروري لكل راعي كنيسة مسئولٍ عن كنيسته، أن يكرِّس أوقاتاً ثابتة مخصَّصة لجحد الشيطان الذي يتدخَّل في وسط الرعية ليستخدم ضعاف الإيمان في تبنِّي إيحاءات الشيطان للمنازعات والانقسامات والتحزُّبات والخصومات. هذه الأمور التي أصبحت عادية الآن، وهي من عمل الشيطان.
فإذا لم نقاوم الشيطان بالصلاة فسيملك علينا ويسيئ إلى أولادنا في الداخل والخارج، والنتيجة هي أن يرعاهم الشيطان لحسابه. إذن، فلابد أن يكون الأب في كل أسرة واعياً وكذلك الأم، بالمواظبة على الصلاة من أجل سلام البيت وسلام الأولاد ومحبتهم لئلا يدخل الشيطان وينقسم البيت على ذاته، وإذا تملَّك من فرد فيه فسيجعل البيت جحيماً. لذلك من نِعَمِ الله أن يكون واحد في الأسرة فدائياً له قوة الصلاة، سواء في الخفاء أو العلن، من أجل كل فرد في الأسرة حتى لا يكون فيها مدخل للشيطان. بل ويا حبذا لو كان لكل كنيسة إنسان تقي أو جماعة أتقياء يحملون همَّ الصلاة الدائمة من أجل الراعي نفسه والرعية وكل ظروف الكنيسة، حتى لا يتدخَّل فيها الشيطان بأعماله من خصام وعداوة تؤدِّي إلى الانقسامات والفرقة.
وليعلم كل إنسان أن الشيطان – كما نراه الآن – مُسيَّب يهيِّج الأمم على بعضها، بل الأمة الواحدة يقسمها على نفسها، ويثير الأحقاد وبالتالي الحروب لخراب العالم! فليس أسهل الآن من أن يُمارِس أحقاده على الكنيسة نفسها وقد ضعفت، بعد أن أذاقته العذاب بصلواتها في العصور الذهبية السابقة.
وفي النهاية نعود إلى وصية المسيح أن: » صلُّوا لكي لا تدخلوا في تجربة « هذه الوصية الإلهية هي السلاح الوحيد ضد أعمال الشيطان المنظورة وغير المنظورة، وهي الحصن المنيع الذي نلجأ إليه في أيام الضيق القادمة.
إذن، فنصيحة المسيح لكل واحد من أولاده اليوم، أنْ: صلِّ واهرب لحياتك.
والذي يقول ليس عندي وقت للصلاة، فهذا قد استطاع الشيطان أن يقنعه بذلك حتى لا يصلِّي أبداً.
وإن كنتم في حالة صلاة، فأنتم في أمان من التجربة.
وإذا وقعتم في تجربة فلا تكفُّوا عن الصلاة حتى يخزى الشيطان ويستطيع المسيح أن يخلِّصكم، ولا يضعف إيمانكم.
ولا تحزنوا إذا أصابتكم أيَّةُ خسارة، لأن الحزن هو كأس الشيطان الذي يدس فيه قَطْع الرجاء. فليذهب كل شيء ويبقى الإيمان.
ولا تناموا في وقت الخطر، بل تيقَّظوا واسهروا وصلُّوا لتُحْسَبوا أهلاً للنجاة (لو 36:21). وهذه الأيام تحمل لنا بوادر الخطر.
والذي يعتاد الصلاة يحس بقرب عمل الشيطان ويستعد له. فصلُّوا وكونوا مستعدين، فالرب قريب!
صلُّوا، صلُّوا، صلُّوا. ومَنْ لم يتعلَّم الصلاة بعد، فليبدأ أن يصلِّي.
(القمص متى المسكين)
دعنا الان يا صديقى ننهى هذا البحث بصلاة لابينا الحبيب القمص متى المسكين……..فهيا نصرخ مع ابونا الحبيب ونخاطب الراكع في جثيمانىمن اجلنا فنقول:ـ
يا من داس المعصرة وحده وانغرست فيه الالام كسهام الموت،
اناادرك مقدار ما عانيت وحدك، وتلاميذك نيام.
اسمح وعرفنى ماذا اصنع انا الان من اجلك،
جثيمانى مائلة امامى وانت جاث بركبتيك على الارض العراء،
وبالرغم من برد الليل كان عرقكك يتصبب كالدم،
-اقبلنى اليوم جاثيا معك.
-واسمح واعتبر الالامى واحزانى شركة متواضعة في الامك،
-لقد رضيت ان تشرب الكاس عنى
-سوف اخدمك كل ايام حياتى،
-فقط عرفنى كيف اكرمك،
طلبت من تلاميذك ان يسهروا ويصلوا معك ساعة واحدة فناموا،
ساسهر واصلى ولن اغفل عن ذكر الالامك في جثيمانى
سارددها بالشكر وعرفان الجميل كل ايام حياتى
(امين…يا ربى يسوع المسيح مخلصى الصالح، فلك كل قوة ومجد، وعزة، وبركة، الى الابد امين)
ثلاثة أيام وثلاثة ليالي – هل بقى السيد المسيح في القبر ثلاثة أيام وثلاثة ليالي ؟ بحث موسع | أ/ نيومان
ثلاثة أيام وثلاثة ليالي – هل بقى السيد المسيح في القبر ثلاثة أيام وثلاثة ليالي ؟ بحث موسع | أ/ نيومان
ثلاثة أيام وثلاثة ليالي – هل بقى السيد المسيح في القبر ثلاثة أيام وثلاثة ليالي ؟ بحث موسع | أ/ نيومان
يحاول الاخوة المسلمون التعرض لقضية الصليب من وجهة نظر الانجيل – في موضوع نبؤة السيد المسيح عن مدة بقائه في القبر قبل القيامة – وبالرغم من ان الكتّاب البشيرون الاربعة كتبوا من أماكن متفرقة وازمنة مختلفة ، فقد جاء تأكيدهم واتفاقهم على شخصية المصلوب أنه هو السيد المسيح ، لتتميم النبؤات والخلاص للانسان . ولان أخوتنا المسلمين لم يستطيعوا ان ينقضوا هذا الاتفاق ، فلجأوا الى التشكيك في مدة بقاء السيد المسيح في القبر.
ويهمني هنا تصحيح المفاهيم بالنسبة للبعض ، فقد تمت النبؤة تماما كما قالها السيد يسوع المسيح ، )39فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ:«جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. 40لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال ( متى 12 : 39 – 40)
ولاختلاف التوقيت اليهودي – العبري ( الذي سجل به الانجيل احداثه ) عن التوقيت الروماني الذي نتبعه الآن ، فيجب على الدارس ان يفهم الفارق بينهما لكي يتم ترجمة الحساب بطريقة صحيحة ، فسنحاول في هذه الدراسة الاجابة على هذه الاسئلة :
(1) توقيتات اليهود في حساب بداية اليوم ونهايته ، وكيف يحسب اليهود ثلاثة أيام وثلاث ليال
(2) تعريف ما هو المقصود بــ (السبت) في العرف اليهودي كيوم او كعيد ( لتحديد اليوم التالي للصلب) حيث قيل انه كان سبتا عظيما.
(3) أسم اليوم الذي تم فيه الصلب (وسنستخدم الحسابات الفلكية) .
(4) كيف سارت الاحداث في الاسبوع الأخير الذي تم فيه الصلب متزامنة مع عيد الفصح .
—
اولا : توقيتات اليهود في حساب بداية اليوم ونهايته.
(1) بالنسبة لبدايات ونهايات الايام تحسب كالاتي: اليهود يتبعون التقويم القمري ، ولكن بالنسبة لتحديد بداية اليوم فهو يبدأ من غروب الشمس ، اي ان يوم السبت يبدأ من غروب الجمعة وينتهي بغروب السبت حيث يسمي بداية يوم الاحد وهكذا ، وذلك لانه جاء في التوراة (.وكان مساء وكان صباح يوما واحدا) (تكوين 1: 5) فاعتبروا بداية اليوم هو المساء . ( راجع ايضا دائرة المعارف اليهودية )
(2) بالنسبة لساعات النهار وترقيمها: بالطبع فان ساعات النهار تختلف ايضا ، بناء على اختلاف بداية اليوم ، فكانوا يقسمون النهار الى اثنتي عشر (جزء ) أو ساعة ، بداية من شروق الشمس ( السادسة صباحا)فالساعة الثالثة من النهار عندهم تعادل التاسعة صباحا عندنا ، والتاسعة مثلا عندهم تعادل الثالثة مساءاً بتوقيتنا الحالي (وللتسهيل يوجد 6 ساعات فرق عن نظامنا الحالي) ، وذلك للتوضيح أن تسجيل الساعات وقت الصلب في الانجيل تم بالحساب اليهودي .
(3) السبت عند اليهود : وهنا ارجو الاهتمام والتركيز لانه يحدث خلطا كبيرا ، فالسبت لدي اليهود ليس فقط Saturday ، (ليس بالضرورة اليوم الواقع بين الجمعة والاحد) ، السبت يطلق على يوم الراحة الاسبوعي ، وايضا أيام الاعياد الدينية ( وتسمى ايضا محفلا مقدسا) ، بل يطلق ايضا على الاسابيع والسنين فتسمى (سبتا) ، ولا يسمح لهم بالعمل خلال راحة السبت (Sabbath) ، لذلك لا يجب ان نخلط بين يوم السبت في لغتنا العربية ( وهي قريبة النطق من اللغة العبرية اليهودية ) وبين السبت اليهودي (Sabbath ) ، ربما الترجمة الانجليزية تفيد في هذا الشأن لانها لا تترجم ( السبت ) الى (Saturday) حتى لايتم الخلط مع توقيتاتنا الحالية ، وسنناقش هذه الجزئية بتفصيل اكثر لاحقا .
(4) مفهوم اليهود لمقولة ثلاثة أيام وثلاث ليال :
وهذه نقطة هامة يجب الالتفات اليها لكي نفهم قصد السيد المسيح من قوله ( ثلاثة ايام وثلاث ليال ) وكيف فهمها اليهود ، فقد جرى العرف عند اليهود على اطلاق تسمية اليوم على اليوم الكامل او على الجزء منه ،( راجع ايضا دائرة المعارف اليهودية ، تعريف اليوم والليلة)
المثال الاول : في حوار قادة الشعب مع الملك يربعام ، قال لهم الملك (فقال لهم ارجعوا اليّ بعد ثلاثة ايام.فذهب الشعب) (2 أخبار 10: 5) ثم يقول الكتاب انهم رجعوا في اليوم الثالث وقابلهم الملك ولم يعترض على مدة الايام المحسوبة (فجاء يربعام وجميع الشعب الى رحبعام في اليوم الثالث كما تكلم الملك قائلا ارجعوا اليّ في اليوم الثالث)(2 أخبار 10 : 12)
المثال الثاني : غلاما كان مريض منذ ثلاثة ايام ، ولما قابله داود قيل انه لم يأكل خبزا ولا شرب ماء لمدة ثلاثة ايام وثلاث ليال ، بالرغم من انه تناول طعامه في اليوم الثالث ، وبدون الليلة الثالثة ؟؟
(فصادفوا رجلا مصريا في الحقل فاخذوه الى داود واعطوه خبزا فاكل وسقوه ماء 12 واعطوه قرصا من التين وعنقودين من الزبيب فاكل ورجعت روحه اليه لانه لم ياكل خبزا ولا شرب ماء في ثلاثة ايام وثلاث ليال. 13 فقال له داود لمن انت ومن اين انت.فقال انا غلام مصري عبد لرجل عماليقي وقد تركني سيدي لاني مرضت منذ ثلاثة ايام. )(1 صموئيل 30 : 11- 13)
المثال الثالث : عندما جاء اخوة يوسف لمقابلته بدون ان يعرفوا شخصيته ، امر بحبسهم ثلاثة أيام ولكنه اطلقهم في اليوم الثالث ، معتبرا جزءا من اليوم الثالث هو يوما كاملا (فجمعهم الى حبس ثلاثة ايام 18 ثم قال لهم يوسف في اليوم الثالث افعلوا هذا واحيوا.انا خائف الله.)( تكوين 42: 17 – 18)
المثال الرابع : استير طلبت من عمها مردخاي ان يصوم الشعب ثلاثة ايام وثلاث ليال قبل دخولها الى الملك لعرض طلبها ، ولكنها دخلت في اليوم الثالث وبدون الليلة الثالثة ؟؟؟(فقالت استير ان يجاوب مردخاي 16 اذهب اجمع جميع اليهود الموجودين في شوشن وصوموا من جهتي ولا تأكلوا ولا تشربوا ثلاثة ايام ليلا ونهارا.وانا ايضا وجواريّ نصوم كذلك وهكذا ادخل الى الملك خلاف السنّة.فاذا هلكت هلكت. 17 فانصرف مردخاي وعمل حسب كل ما اوصته به استير 1 وفي اليوم الثالث لبست استير ثيابا ملكية ووقفت في دار بيت الملك الداخلية مقابل بيت الملك والملك جالس على كرسي ملكه في بيت الملك مقابل مدخل البيت)(استير 4: 16و 5: 1)
مما سبق يتضح ان اليهود كانوا لا يحسبون ثلاثة ايام وثلاثة ليال بمعنى 72 ساعة ، ولكن بدون ليلة كاملة تكون المقولة صحيحة ، وبجزء من اليوم تكون ايضا المقولة صحيحة .
ثانيا : تعريف ماهو “السبت Sabbath “حسب الفكر اليهودي.
كان اليهود يطلقون تسمية السبت ( Sabbath) على ثلاثة حالات :(1) كيوم من ايام الاسابيع ( وهو الذي يسبقه جمعه ويليه أحد)(2) كيوم عيد متميز يحدده يوم الشهر ولا يشترط فيه ان يكون سبتا ( يسبقه الجمعة ويليه الأحد) ، ولكن يطلق عليه سبتا ( أو محفلا ) لانها تعني ايضا عيدا في العرف اليهودي .(3) يطلق على السنة السابعة سبتا ، وكذلك تكرار سبعة من هذه الاحتفاليات ( وهو العيد الذهبي في السنة الخمسين )
واليكم بعض الامثلة للتوضيح والشرح : المثال الاول : هذا يوم لا يشترط ان يأتي سبتا يسبقه جمعه ويلين أحد ولكنه يسمى سبتا،بالمناسبة هذا هو اليوم الذي يعيده المسلمون باسم عاشوراء تقليدا لليهود ,
المثال الثاني : السنة السابعة من سنين زراعة الارض يطلق عليها سبتا3سِتَّ سِنِينَ تَزْرَعُ حَقْلَكَ، وَسِتَّ سِنِينَ تَقْضِبُ كَرْمَكَ وَتَجْمَعُ غَلَّتَهُمَا. 4وَأَمَّا السَّنَةُ السَّابِعَةُ فَفِيهَا يَكُونُ لِلأَرْضِ سَبْتُ عُطْلَةٍ، سَبْتًا لِلرَّبِّ.) (لاويين 25 : 3 – 4)
المثال الثالث : سنة اليوبيل تسمى سبتا ( السنة الخمسون ) (وَتَعُدُّ لَكَ سَبْعَةَ سُبُوتِ سِنِينَ. سَبْعَ سِنِينَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. فَتَكُونُ لَكَ أَيَّامُ السَّبْعَةِ السُّبُوتِ السَّنَوِيَّةِ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً) (لاويين 25: 8 )
—
ثالثا : اسم اليوم الذي مات فيه المسيح :
وهذا هو سبب الخلط الرئيسي ، فالبشائر الاربعة تحدد ذلك اليوم بانه كان استعداد لسبت عظيم (وهو عيد الفصح مهما كان وقوعه في الاسبوع وليس سبت الراحة الاسبوعي ) فهذا الاسبوع كان به سبتان ، وسنناقش ذلك بالتفصيل لاحقا ، ولكن نقرأ الآن من الانجيل :
و نلاحظ هنا كلمة ان ذلك السبت كان (عظيما) او كان استعدادا للسبت ، اي انه ليس سبتا مثل اي سبت عادي ، بل هو سبت عظيم- بمعنى انه – من سبوت الاعياد وليس يوما عاديا Saturday وحسب هذا التفسير فان المسيح قد صلب قبل هذا الــ Sabbath الهام والعظيم وغير العادي بالنسبة لليهود ، فهل كان هذا اليوم هو (الجمعة) ، هذا ماسوف نناقشه بالتفصيل لاحقا ، ولكن من الواضح ان هذا السبت العظيم هو عيد الفصح الذي يحتفل به اليهود لمدة سبعة أيام كاملة ( ويسمى بداية الاحتفال سبتا او محفلا ) مهما كان اسم اليوم الاسبوعي .
بدأنا نناقش في الحقلة السابقة، كيفية حساب الايام الثلاثة والليالي الثلاثة التي قضاها السيد المسيح في القبر بحسب النبؤة التي نطق بها على فمه المبارك (لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.)(متى 12: 40)
وقد شرحنا معنى يوم ( السبت ) في الفكر اليهودي، وقلنا ان اليوم اليهودي يبدأ بغروب الشمس ويمتد حتى بداية الغروب التالي ( وهذا يسبب ارتباكا لمن يريد ان يحسب باسماء الايام الرومانية أو العربية لان اليوم اليهودي يقع فيه يومين بحسابنا، والعكس صحيح )، واخيرا فاليهودي يفهم مقولة ( ثلاثة ايام وثلاث ليال ) ليس على انها 72 ساعة ولكنه تعبير يطلق فيه اسم اليوم على اليوم كله او جزء من اليوم. ( راجع دائرة المعارف اليهودية )
رابعا: كيف سارت الاحداث التاريخية لصلب المسيح وقيامته حسب الكتاب المقدس ولكي نفهم احداث الاسبوع الذي أنتهى بالصلب، يجب أن نفهم كيف كان يحتفل اليهود بعيد الفصح، الذي يبدأ باليوم الذي أكل فيه المسيح الفصح مع التلاميذ وتم الصلب فيه أيضا.
ولمن لا يعرف نقول ان الفصح هو العيد اليهودي الذي يحتفل فيه الشعب من خروجهم من العبودية الى الحرية، ففي خروجهم من ارض مصر طلب منهم الرب ان يذبحوا خروفا (له مواصفات خاصة تشير إلى السيد المسيح ) وطلب الرب منهم رش دم الخروف على الابواب ( القائمتين والعتبة العليا) لكي يحمي هذا الدم بكر البيت الذي فيه من بطش الملائكة المهلكة (سفر الخروج 12) و (مز 78: 49 – 51)، ويتميز بعلامة الدم بيت المؤمن من غير المؤمن، فكان البيت غير المحمي بدم الخروف المسفوك يموت فيه الابن البكر، بينما ينجو الابن البكر الذي يحتمي بعلامة الدم إذ أن الرب نفسه يغطيه بحمايته وهذا هو تعبير كلمة ( فصح )، ونلاحظ في الشاهد تطابق المطلوب في اليوم التالي للفصح ( اليوم الاول لعيد الفطير الذي يبدأ في الخامس عشر ) مع ماهو مطلوب في يوم السبت (عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا) وأطلق علي اليوم (محفل مقدس ) وهو ما يطلقه الكتاب ايضا على (سبت العيد) راجع تعريف يوم السبت مرة أخرى.
والآن لنطابق أحداث الاحتفال بالفصح اليهودي مع احداث أسبوع الصلب وقد حصلت كالآتي:
لم تكن ولادة السيد المسيح في مذود للبقر من قبيل الصدفة بل هو ترتيب الهي (فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ. )(لوقا 2: 7) فقد اشار اليه يوحنا المعمدان بأنه (حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!) ( يوحنا 1: 29 و 36) وقال عنه الوحي المقدس (لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا.)(1 كورنثوس 5: 7)
كان احتفال اليهود باكل خروف الفصح يتم بين العشائين، فكان مسموحا لهم بأكل خروف الفصح بين العشاء الاول ( الذي اكله السيد المسيح مع تلاميذه ) وبين العشاء الثاني ( الذي بسببه لم يدخل رؤساء الكهنة الى دار الولاية (ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ.) ( يوحنا 18: 28) وكان اقصى وقت يستطيعون فيه ذبح الفصح هو الساعة التاسعة بالتوقيت اليهودي ( الساعة الثالثة عصرا بتوقيتنا) وهو الوقت الذي أسلم فيه السيد المسيح الروح، فكان هو فصحنا كما قال الكتاب.
وهذا هو الايمان المسيحي. فإننا نحتمي بالدم الكريم الذي سفكه السيد المسيح على الصليب من الدينونة الالهية الرهيبة في يوم الدين. كم أعلن الوحي المقدس في كلمة الله، (مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، 25 الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. 26 لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ…. فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ!)(روميه 3: 24 – 26 و 5: 9).
دخل السيد المسيح إلى بيت عنيا ستة أيام قبل الفصح (ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 2 فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ) (يوحنا 12: 1 و 2) وفي اليوم التالي دخل إلى أورشليم ودخل الهيكل وبدأ العد التنازلي لأربعة أيام خروف الفصح تحت الحفظ، ثم عاد فذكرهم بالصليب مرة أخرى قبل يومين من الفصح (تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ) (متى 26: 2) ثم جاء يوم الفصح فأكله السيد المسيح مع تلاميذه.(وَفِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ. حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ:«أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟».) (مرقس 14: 12) و (متى 26: 17) و (لوقا 22: 7) و (يوحنا 12: 1)
الآن في زمن التكنولوجيا والانترنت والحاسبات الآلية، أصبح من اليسير أن نعرف أن عيد الفصح في سنة صلب السيد يسوع المسيح ( 30 ميلادية ) يوافق أي يوم، فكما قلنا أن عيد الفصح كان يتم الاحتفال به في الرابع عشر من الشهر اليهودي ( القمري) بمعنى أن القمر كان كاملا (بدرا) في هذه الليلة، فما علينا إلا أن نعرف اسم اليوم الذي كان فيه القمر كاملا في سنة الصلب
يمكنك الضغط على هذا الرابط، فقد قمت بإعداده لعرض متى يكون القمر كاملا ( بدرا) في سنة 30 ميلادية لشهر ابريل ( نيسان)، ( اتفق معظم الباحثون على أن السيد المسيح ولد سنة 4 قبل الميلاد وصلب سنة 30 ميلادية ).http://www.obliquity.com/cgi-bin/easter.cgi?year=30
ستجد في أسفل الصفحة أن القمر كان كاملا ( بدرا) يوم الأربعاء، الرابع من ابريل في سنة ( 30 ميلادية).ولكن مهلا، هذا ليس يوم الفصح في ذلك العام، لقد اعتقدت مثلك انه اليوم الموافق 14 من الشهر الاول اليهودي الذي يؤكل فيه الفصح، ولكن عند دراسة موعد مولد هذا قمر هذا الشهر وبحسب نفس الموقع اضغط على هذا الرابط
ستجد أن مولد القمر لهذا الشهر في هذه السنة كان في يوم 22 مارس وفي تمام الساعة 5 و 49 دقيقة مساء بتوقيت جرينتش، أي 7 و 49 دقيقة بتوقيت أورشليم، وكان في زمن المسيح يتم حساب الشهر برؤية القمر بالعين المجردة، فلم يكن ممكنا أن يشاهد القمر قبل غروب الشمس ( بداية اليوم اليهودي) بحسب طريقة اليهود في حساب بداية اليوم كما اتفقنا، ولهذا فالحساب الفلكي على الموقع يتم تعديله بترحيل يوما كاملا، فيكون يوم الفصح الفعلي لذلك العام هو الخميس الموافق الخامس من ابريل في سنة ( 30 ميلادية ).
فيكون ما حدث هو الآتي: اتفقنا أن اليوم اليهودي يبدأ بغروب الشمس، ويستمر اليوم اليهودي من غروب الشمس إلى اللحظة قبل بداية غروب الشمس التالي، ( لازلت أؤكد على هذه النقطة مرارا وتكرارا، لان هذا قد يسبب خلطا لفهمنا، لان اليوم اليهودي ينقسم إلى جزئيين بالنوم ليلا، ويقع اليوم الواحد بين تسمية يومين بحسابنا ) ولذلك تسهيلا للحساب وحتى لا يتوه منّا القارئ سوف نحسب الأيام بالأرقام اليهودية، مع الأخذ في الاعتبار أن الحساب سوف يكون كما يلي:
14 من الشهر اليهودي (نيسان)،: يوم الفصح اليهودي (من غروب الخميس إلى غروب الجمعة)15 من الشهر اليهودي ( نيسان )،: أول أيام الفطير ( محفل مقدس أو سبت مقدس ) (من غروب الجمعة إلى غروب السبت )16 من الشهر اليهودي (نيسان)، (من غروب السبت إلى غروب الأحد)
والآن انظر إلى الأحداث كما ينظر إليها الشخص اليهودي: غربت الشمس لتعلن بداية اليوم الرابع عشر (حسب التقويم اليهودي) مساءا بتناول عشاء الفصح فأكل السيد المسيح الفصح مع تلاميذه بين العشاءين كما سبق ذكره في ( سفر اللاوين 23: 5) راجع ( متى 26: 17) و ( مرقس 14: 12) و ( لوقا 22: 7 – 8) و( يوحنا 13)، وبعد العشاء خرج السيد المسيح إلى البستان للصلاة حيث تم القبض عليه، ومحاكمته أمام السنهدريم، ثم في الصباح (لازال اليوم اليهودي الرابع عشر مستمرا) تمت محاكمته أمام هيرودس وبيلاطس وتم الحكم عليه بالصلب، وصلب بالفعل ومات قبل غروب الشمس بساعتين ونيف لتعلن انتهاء اليوم الرابع عشر وفيه و الاستعداد لاستقبال اليوم الخامس عشر في الشهر اليهودي، ( الذي سيكون يوم محفلا أو سبتا عظيما ) استمرار لعيد الفصح نفسه لسبعة أيام يأكلون الفطير، واستعدادا لهذا ( السبت العظيم ) تم إنزال جسد المسيح من على الصليب، ( راجع اللاويين 23: 7) ودفن في قبر يوسف الرامي، ثم استراحت النساء يوم السبت المحفل، ثم ذهبن إلى القبر فجر الأحد.
فكم يوم وكم ليلة قضاها في القبر؟؟
صلب المسيح ومات يوم 14 من الشهر الساعة التاسعة بالتوقيت اليهودي، ( إي الساعة الثالثة ظهرا بتوقيتنا في لحظة تقديم الذبيحة الأخيرة للفصح في الهيكل ) ( مرقس 15: 34 – 37) و ( متى 27: 46 – 50) و (لوقا 23: 44 – 46) ودفن قبل غروب شمس هذا اليوم وهو الجمعة اليهودي، هذا هو اليوم الأول ( والذي يصادف من غروب الخميس إلى غروب الجمعة).اليوم الثاني (والذي يصادف من غروب الجمعة إلى غروب السبت)،وهو السبت اليهودي 15 من الشهر جسد السيد المسيح في القبر. اليوم الثالث (والذي يصادف من غروب السبت إلى غروب الأحد) وهو الأحد اليهودي 16 من الشهر جسد السيد المسيح في القبر، والقيامة في فجر يوم الأحد إي في نفس اليوم الثالث كما تنبأ أيضا، (وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ قَائِلِينَ:«يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلاَّ يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى!») (متى 27: 62 – 64) و (متى 16: 21) و (متى 17: 23) و (مى 20: 19) و ( مرقس 9: 31) و(مرقس 10:34) و 0لوقا 9:22) و(لوقا 18:33) و (لوقا 24:7) و (لوقا 24:21).
أما بالنسبة لحساب الليالي، فواضح أنهم ثلاث ليال، من الغروب إلى الشروق والقيامة كانت في الفجر بعد الليلة الثالثة.
أين يقع المعترضون في خطأ حساب الأيام والليالي الثلاثة:
لا يمكن فصل نبؤه السيد المسيح عن الصلب والموت والقيامة بعضها عن بعض، هذا اسمه ( محاولة تصيد أخطاء ) فالسيد المسيح الذي تنبأ عن بقائه في بطن الأرض كما كان يونان في بطن الحوت ( ثلاثة أيام وثلاث ليال ) هو أيضا الذي تنبأ عن قيامته في اليوم الثالث، وإذا كانت هذه النبوات تتعارض أو تتناقض لكان اليهود هم أول من هبوا واتهموا المسيحيين بعدم تحقيق نبؤه المسيح الذي آمنوا به، وحيث أن اليهود هم الذين تلقوا النبوات، وهم المعنيين بفهمها وتفسيرها، فنجد أنهم قبلوا القول ( ثلاثة أيام وثلاث ليال ) على ان تحقيقها يتم في اليوم الثالث، راجع قول رؤساء الكهنة والفريسيين إلى بيلاطس، حيث طلبوا ضبط القبر ( إلى اليوم الثالث ) وليس إلى اليوم الرابع على سبيل المثال، وعلى هذا يجب حساب الأيام بطريقة اليهود، فيومهم يبدأ بغروب الشمس ويستمر إلى غروب الشمس، تسمية ساعات النهار لديهم تختلف عن تسمياتنا، إذا قال أحدا منهم قابلني بعد ( ثلاثة أيام وثلاث ليال )، وذهبت لمقابلته في اليوم الثالث لن يعترض، فهكذا هو يفهم ويتعامل على أن اليوم تسمية تطلق على اليوم كله أو على جزء منه.
السيد المسيح القائم من الأموات ظهر للتلاميذ وشرح لهم مرة أخرى (حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ:«هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ.)( لوقا 24: 45 – 47) نعم السيد المسيح قال انه سوف يعطي آية يونان للشعب (لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.)(متى 12: 40)، وقد خرج السيد المسيح من القبر حيا، و هو أيضا القائل قبل الصليب، انه في اليوم الثالث سيقوم ( متى 16: 21) و (متى 17: 23) و متى 20: 19) و (مرقس 10: 34) و( لوقا 9: 22) و(لوقا 18: 33) – ولا يمكن أن ينقض المكتوب (يوحنا 10: 35)