الآب يُدعى ينبوعًا ونورًا لأنه يقول: ” تركونى أنا ينبوع المياه الحية” (إر13:2). وأيضًا فى باروخ: ” لماذا أنت يا إسرائيل فى أرض أعدائك؟ لقد تركت ينبوع الحكمة” (باروخ10:3ـ12)، وأيضًا حسب يوحنا ” إلهنا نور” (1يو5:1).
وأما الابن فمن جهة علاقته بالينبوع يُدعى نهرًا: ” نهر الله ملآن ماء” (مز9:64)، ومن جهة علاقته بالنور يُدعى إشعاعًا[2] ـ إذ يقول بولس: ” هو شعاع مجده ورسم جوهره”(عب3:1). ومن ثمَّ حيث إن الآب نور والابن هو شعاعه، فلا ينبغى أن نتحاشى تكرار نفس الأشياء عنهما مرات كثيرة. ويمكننا أن نرى فى الابن، ”الروح” الذى بواسطته نستنير[3]: ” لكى يعطيكم روح الحكمة والإعلان فى معرفته مستنيرة عيون قلوبكم” (أف18،17:1).
ولكن حينما نستنير بالروح، فالمسيح هو الذى ينير فيه (أى فى الروح) لأنه يقول: ” كان النور الحقيقي الذى ينير كل إنسان، آتيًا إلى العالم” (يو9:1) وأيضًا، حيث إن الآب ينبوع، والابن يسمى نهرًا، لذلك نقول إننا نشرب الروح. لأنه مكتوب: ”جميعنا سقينا روحًا واحدًا” (1كو13:12) ولكن حينما نشرب الروح، فإننا نشرب المسيح. ” لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح” (1كو4:10). وبالإضافة إلى ذلك، كما أن المسيح ابن حقيقي، فإننا عندما نأخذ الروح، ”نصير أبناء” [4].
لأن الكتاب يقول: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبنى” (رو15:8). وإن كنا بالروح قد صرنا أبناء فواضح أننا فى المسيح نُدعى أولاد الله لأن: ” كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يو12:1). وعلى ذلك، فكما أن الآب هو ”الحكيم الوحيد”، كما قال الرسول بولس، فإن الابن هو ”حكمته”: ” المسيح قوة الله وحكمة الله” (1كو24:1). وحيث إن ابن الله هو الحكمة وابن الحكمة، فإننا إذ نأخذ روح الحكمة، نملك الابن، وبه نصير حكماء.
لأنه هكذا هو مكتوب فى المزمور المئة والخامس والأربعون: ” الرب يحل المأسورين، الرب يفتح أعين العميان” (مز8،7:145س). وحينما يعطى لنا الروح القدس، (قال المخلص: ” اقبلوا الروح القدس”)، يقيم الله فينا، لأنه هكذا كتب يوحنا: ” إن أحب بعضنا بعضًا فالله يقيم فينا، بهذا نعرف أننا نقيم فيه وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه” (1يو13،12:4). وحيث إن الله يوجد فينا، يكون الابن أيضًا فينا.
لأن الابن نفسه قال: ” الآب وأنا نأتى ونصنع عنده منزلاً” (يو23:14). وأيضًا، حيث إن الابن هو الحياة ـ لأنه يقول: ” أنا هو الحياة” (يو6:14). فإننا نحن أيضًا سنحيا بالروح، لأنه يقول: ” الذى أقام المسيح من بين الأموات سيُحي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم” (رو11:8). وحيث إننا محيون بالروح، فالمسيح نفسه يحيا فينا، لأنه يقول: ” مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىَّ ” (غلا20:2).
وأيضًا، قال الابن إن الأعمال التى عملها هو، عملها الآب ـ لأنه يقول: ” الآب الحال فىَّ هو يعمل أعماله. صدقونى إنى فى الآب والآب فىَّ وإلاّ فصدقونى بسبب أعماله” (يو10:14ـ12). وهكذا أيضًا قال بولس إن الأعمال التى عملها بقوة الروح هى أعمال المسيح: ” لأنى لا أجسر أن أتكلم عن شئ مما لم يفعله المسيح بواسطتى لإطاعة الأمم بالقول والفعل بقوة آيات وعجائب، بقوة الروح القدس” (رو19،18:5).
1 عن كتاب “الرسائل عن الروح القدس” إلى الأسقف سرابيون للقديس أثناسيوس الرسولى، ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحى عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء مايو 1994، ص65ـ67.
2 “يُدعى (الابن) إشعاعًا”، أى نور يشع نورًا، أى أن الابن نور مُشع من الآب، وهكذا نفهم نص قانون الإيمان “نور من نور”. بعكس فهم “إشعاع” بمعنى نور مقتبس من نور آخر مثلما يأخذ السراج نور من سراج آخر فيكون تعبيرًا عن الانقسام والتجزئة فى عالم المخلوقات، والتى لا وجود لها فى طبيعة الله الثالوث.
3 “نرى فى الابن، الروح الذى به نستنير”. يوضح القديس أثناسيوس هنا أننا يمكن أن نرى الروح فى الابن، وهذا ما يذكره صراحة فى الرسالة الأولى عندما يقول: [ وكما أن الابن، الكلمة الحى، هو واحد، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التى بها يقدس ويضيء ينبغى أن تكون واحدة كاملة وتامة ] (رسالة20:1). ويقول أيضًا: [ لأنه حيث يكون النور فهناك الشعاع أيضًا، وحيث يكون الشعاع فهناك أيضًا فاعليته ونعمته المضيئة] (رسالة30:1).
ومع تأكيد القديس أثناسيوس على وحدة الروح والابن، فإنه يهتم أن يؤكد أيضًا تميز الأقانيم كما يبدو فى كلماته فى الفصل 28 من هذه الرسالة إذ يقول: [ الآب بالكلمة فى الروح القدس يعمل كل الأشياء.. وهكذا يُكرز بإله واحد فى الكنيسة “ الذى على الكل وبالكل وفى الكل “ (أف6:4). “ على الكل” كآب وكبدء وكينبوع، و” بالكل” أى بالكلمة، “وفى الكل” أى فى الروح القدس.
هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعلى. لأنه كما أن الآب هو الكائن الذى يكون، هكذا أيضًا الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود حقيقي، بل هو يوجد وله كيان فعلى. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة، تعتقد الكنيسة الجامعة لئلا تنزلق إلى أفكار اليهود المعاصرين الرديئة وإلى أفكار سابيليوس، كما أنها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة، لئلا تتدحرج إلى تعدد الآلهة عند اليونانيين] (رسالة28:1).
4 “نصير أبناء” أنظر Contr. Ar. III 19 المقالة الثالثة ضد الآريوسيين للقديس أثناسيوس، وديديموس على الثالوث Didymus, de Trin. II 748C.، حيث “نصير أبناء”، “نصير آلهة” يُقال أنهما عمل الروح. وهذان التعبيران يعبران عن فكرة واحدة، والقديس أثناسيوس عمومًا يُفضل تعبير “ نصير آلهة “.
للقديس أثناسيوس عدة رسائل إضافة إلى مصنفات مختلفة له أو منسوبة إليه وتقريباً لا يخلو أي منها من الحديث عن التجسد. وقد وجدنا من المناسب عرض تعليم هذا القديس العظيم في فترة الاستعداد لاستقبال عيد تجسد الرب أي عيد ميلاده.
حقيقة الخلاص هي برهان القديس أثناسيوس على ألوهية الكلمة المتجسد لأنه فقط بتجسد الولد الوحيد يكون الخلاص. فهو يرى معنى الخلاص في حقيقة اتحاد الطبيعة البشرية المخلوقة بالله وهذا ممكن فقط إذا اتخذ الله جسداً وصار إنساناً. فبالنسبة للقديس أثناسيوس، الكلمة كان في العالم منذ البداية. وكان بإمكانه أن يضع الشر خارجاً ولا يدع الإنسان يخالف مشيئته.
حتى بعد سقوط الإنسان كان بإمكان الكلمة أن يطرد الشر خارجاً لكن هذا ما كان ليشفي الإنسان الذي ذاق الخطيئة ولهذا تجسد الكلمة لكي يعطي نعمة الله للإنسان بشكل ثابت. قد لبس الكلمة جسد الإنسان لكي يُلبس الحياة لهذا الجسد من جديد ولكي يحفظه من البلى ليس فقط خارجياً ولكن ليتحده أيضاً بالحياة. يصور القديس أثناسييوس العالم كأنه جسد وتجسد الكلمة أعطى هذا الجسد الحياة. هو كان في العالم بصورته المغروسة في الإنسان وتجسده أصلحها بعد أن أخفاها الوسخ الناتج عن السقوط.
والكلمة تجسد وأصبح إنساناً شبيهاً بكل الناس بكل الوجوه. ويستعمل القديس أثناسيوس كلمة تجسد ليعني أن الكلمة بأخذه جسداً أصبح إنساناً كاملاً بجسد كامل، له إحساساته وبهذا تحرر الجسد من ضعفه. هذا الجسد إختبر الضعف ولكن بإرادة وإذن الكلمة وليس بحكم الحاجة أو بدون إرادته. إحتمل الرب كل ما هو متعلق بالجسد: العطش، البكاء وحتى الموت. ولكن هذا الموت حدث بسبب تواضعه ومحبته مع أنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. لكن هذا الجسد لم يكن يستطيع أن يبقى ميتاً لأنه أصبح هيكل الحياة.
ولهذا فقد قام من الموت وعاد إلى الحياة بفضل الحياة التي فيه. والكلمة لم يكن مرتبطاً بجسده لكنه حرر هذا الجسد من محدوديته وميله نحو الخطيئة. “ألحكمة جعلت الإنسانية تزهر والإنسانية ارتفعت تدريجياً فوق الطبيعة البشرية وأصبحت مؤلهة وقامت بمهمة وكيل الحكمة في خدمة الألوهة وإشعاعها. “الجسد قد تأله في خدمة أعمال الرب والبشرية صارت بلا خطيئة في المسيح. وجسد الرب لم يختبر الفناء بل نهض بكليته لأنه كان جسد الحياة نفسها.
ولأن الكلمة اتخذ جسداً أصبحت الطبيعة البشرية روحية وفعلاً إكتسبت الروح. فالكلمة حصل على الجسد والبشر حصلوا على الروح وأصبحوا حاملين له. و لأن الكلمة صار جسداً صار الإنسان مشاركاً دائماً في الله. فالفناء انغلب والخليقة حصلت على ثباتها النهائي من خلال جسد الرب. ويرى القديس أثناسيوس أنه قبل بدء الوقت، أُعلنت الخليقة والخلاص بالكلمة ومن خلاله، فالتجسد الخلاصي للكلمة هو مصدر الخليقة الجديدة وهو أعلى من الخليقة الأصلية.
التجسد في رده على الأريوسية
لم يترك اريوس بشرية المسيح في كمالها الإنساني بل جعل الكلمة قادراً على الإتحاد المباشر بالجسد البشري دون أي داعٍ لوجود نفس بشرية وهكذا كأنه يقول أن المسيح لم يكن إنساناً كاملاً حقيقياً.
حكى القديس أثناسيوس عن التجسد للإجابة على الآريوسية التي قالت بأن “الولادة تعني وحدة الطبيعة بين الآب والإبن وهذا يعني تحطيم وحدانية الله وبالتالي تضيف إلى الآب صفات الجسدانية والتألم التي هي صفات البشرية الخاصة وتخضع الله إلى العوز وهو القادر على كل شيء”.
وقد رد القديس أثناسيوس على هذا بأن إتحاد الكلمة بالطبيعة البشرية في التجسد هو كامل وأقنومي ولهذا تدعى العذراء والدة الإله لأن الجسد البشري الذي أخذه الكلمة منها صار جسده الخاص. واعتبر القديس أثناسيوس أن تجسد ابن الله وموته خاصة هو رأس ومبدأ الإيمان وأنه لأجل خلاص البشر صار الكلمة إنساناً ومات. فجسد المسيح هو تقدمة لرفع الدين الذي علينا. ويتساءل أثناسيوس كيف للرب أن يثبت أنه الحياة وإن لم يقم الجسد المائت.
ويقول في إحدى مواعظه ضد الأريوسيين أن تجسد الكلمة أبطل عضة الحية إذ صارت بلا مفعول. وبتقديم الجسد وضع الكلمة حداً للموت ومبدأ للحياة. فبنتيجة التجسد صار للإنسان نصيباً في الطبيعة الإلهية لأن الكلمة لم يكن إنساناً وصار إلهاً بل إلهاً وصار إنساناً ليصيرنا آلهة. وباتحاد الإنسان بجسد الكلمة صار الإنسان هيكلاً لله وبالتالي إبناً له بالتبني. ولأنه لم يكن مستطاعاً للإنسان أن يتحد إلا بما هو بشري فقداختار الكلمة أن يأخذ جسداً بشرياً ليقدس ويؤله (يتحد بالله) الإنسان.
الرد على اليونانيين
أيضاً يرد القديس أثناسيوس على اليونانيين: إن كان الكون كله جسماً واحداً كما يزعمون وكلمة الله فيه واتحد بكل أجزائه فلماذا لا يتحد بالإنسان؟ ولماذا يكون غير لائق الإتحاد بالإنسان? فكما يستخدم الكون كله لإظهار مجده، فهو يستخدم الجسد لإظهار مجده أيضاً. فهو بسلطانه متحد بكل الأشياء وهو قادر أن يعلن نفسه في أي منها ويجعلها تتكلم عنه.
وهو لم يظهر إلا في الإنسان لأنه أراد أن يظهر ليشفي الذين تحت الآلام ويعلمهم، وليس ليتعالى ويتباهى ويبهر الناظرين. وكون المخلوقات جميعاً لم تتخلَ عن معرفتها الله بل الإنسان وحده هو الذي خرج عن هذه المعرفة، فكان على الله أن يتخذ جسداً، من خلاله يساعد المحتاجين الذين يستطيعون أن يعرفوه في جسد مشابه لهم ولكن بأعمال يعجزون عنها فيعرفون أنها أعمال الله. وليس سخافة أن يُعرف الكلمة بأعمال الجسد وإلا فأيضاً هو سخافة أن يعرف في أعمال الكون.
الله خلق الإنسان بكلمة من العدم ولكن هذه المرة لم يكن مطلوباً خلق من العدم بل كان ضرورياً أن يأتي بشكل يعرفه الناس خاصة أن الفساد لم يكن خارج الجسد بل لصق به فكان ضرورياً أن تلتصق به الحياة من جديد حتى تطرد الموت منه. وعليه يجب أن تكون غلبة الحياة على الموت في الجسد لأنها أصلاً خارجه بالطبيعة (طبيعة الله). والجسد كان ضرورياً لكي يكون دليلاً على أن الرب هو الحياة الذي أقام المائت. فلو أن الله أبعد الموت عن الجسد بمجرد أمره لكان بقي الإنسان معرضاً له ولكن عندما لبس كلمة الله الجسد أبعد الموت كلياً.
وفي النهاية يقول القديس أثناسيوس أن التجسد أبطل عبادة الأوثان إذ أنه بتأنس الكلمة عرفت العناية العامة، كما عرف واهبها وبارئها، كلمة الله نفسه. فهو صار إنساناً لكي يصير الناس آلهة. وظهر بالجسد ليكون عندنا فكرة عن الآب الغير منظور. واحتمل الإهانة من الناس لنرث عدم الموت.
رسالة القديس أثناسيوس في التجسد
يبدأ القديس أثناسيوس رسالته بتعريفها بأنها رد على اليهود واليونانيين الذين يسخرون من التجسد ويعتبرون الصلب ضعفاً. ويقول بأن لبس الجسد لم يكن من مستلزمات طبيعة السيد بل برضاه لبسه وذلك بسبب سقوط الإنسان الذي كان مخلوقاً مميزاً عن غيره من المخلوقات إذ أنه كان يحمل صورة الله ومخلوقاً على مثاله. فالله خلق الإنسان ليبقى في عدم الفساد ولكن الإنسان لم يلتزم بالله فساد عليه الموت وهكذا اختار العودة إلى أصله أي العدم.
فهو يستمد وجوده من الله وبإختياره أن لا يكون معه اختار العدم أو اللاوجود وقد استمر الناس وتمادوا في خطئهم فصارت الطبيعة البشرية مثقلة ومشبعة بالخطايا. وعليه فقد عم الفساد وقويت سيادة الموت وراحت صورة الله تضمحل وصارت النتيجة غير لائقة. فقد كان لزوماً أن يموت الإنسان لأن الله صادق عندما قال له أنك موتاً تموت في أكلك من الشجرة وفي الوقت نفسه كان غير لائق أن يفنى الناس الذين خلقهم الله لمشاركته. وهذا الفناء المحتم لا يتفق مع صلاح الله خاصة أن سبب الخطيئة هو غواية الشيطان.
قد يكون لائقاً بالله أن يطلب التوبة من الإنسان ولكن هذا لم يكن حلاً لأن الخطأ الذي ارتكبه أعقبه فساد بالطبيعة وبالتالي فهو ليس خطأً صغيراً. فكان على كلمة الله الذي أوجد كل شيء في البدء أن يتدخل من جديد فيعيد الفاسد إلى عدم الفساد ويكون شفيعاً له عند الله.
لما استفحل الأمر وصار الفساد متمكناً من الطبيعة البشرية وخليقة يدي الله في طريق الفناء و السيادة على الناس هي للموت، عندها رثى الله لضعف الناس وأخذ لنفسه جسداً إنسانياً لئلا تفنى الخليقة وتكون هباء. وهذا التجسد لم يكن من أجل الظهور لأنه باستطاعته الظهور بشكل أسمى وأليق بالظهور الإلهي. وهكذا أعد هذا الجسد في عذراء طاهرة ليكون هيكلاً له وحل فيه وأعلن ذاته واتخذه أداة له، جسداً من الجنس البشري ولكن خالٍ من الزرع. وفي اتخاذه جسداً خاضعاً للموت بذل جسده عن الجميع وذلك لشفقته على الناس ولكي يبطل الناموس القاضي بموت البشر. إذ أن سلطة الموت انحصرت في جسد الرب الذي ناب عن البشر. فينقذ الناس من الموت ويعيدهم إلى عدم الفساد.
ولما كان الكلمة فوق الكل ولكن في الوقت نفسه ليس من إبطال للفساد إلا بالموت فقد اتخذ الكلمة جسداً قابلاً للموت لكي باتحاده بالكلمة يموت نيابة عن الكل ويبقى في عدم الفساد بسبب هذا الإتحاد. وبذلك يكون قد رفع حكم الموت عن كل الذين ناب عنهم إذ قدم جسداً مماثلاً لأجسادهم. وهذا الإتحاد بين الكلمة العادم الفساد والبشر الفاسدين ألبسهم عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. فلم يعد الموت يستطيع المساس ببني البشر لأن الكلمة حل بينهم.
فكما أن وجود أحد الملوك في إحدى المدن يعطيها كرامة وحماية كذلك وجود الكلمة بين الناس. يشبه أثناسيوس الرب بملك بنى مدينة فأهملها أهلها وتركوها لعبث البعض لكن الملك إنتقم من العابثين ولم يهتم بإهمال أهل المدينة. فالمسيح غيَّر طبيعة الموت البشري بموته إذ أن الناس لم يعودوا يموتون خاضعين للدينونة بل يموتون بانتظار القيامة العامة.
أيضاً من أسباب التجسد أن الله رأى الإنسان يعجز عن معرفة الله بسبب طبيعته فتجسد حتى يعرف الناس كلمته التي أوجدتهم. فكونهم مخلوقين على صورته أعطاهم نصيباً منها ولكنهم ضلوا حتى بات كل شيء معروفاً إلا الله وكلمته. فلم يبقَ لدى الله إلا “تجديد الخليقة” التي تحمل صورته حتى يعرفه الناس مرة أخرى.
هذا لم يكن مستطاعاً من خلال البشر لأنهم مخلوقون على مثال الصورة، ولا من خلال الملائكة غير مخلوقين على الصورة فأتى كلمة الله الذي هو صورته. واتخذ جسداً أباد الموت فيه حتى يصبح تجديد البشر ممكناً. ويعطي القديس أثناسيوس مثلاً رائعاً على هذه الفكرة ويقول أنه إن فسدت صورة وجب عودة صاحبها حتى يستطيع الرسام إصلاحها.
سبب آخر للتجسد هو الحاجة إلى تعليم الناس عن الله وهذا ليس ممكناً من قبل الناس لأنهم فاسدون فكان ضرورياً مجيء الإبن. وهذا التعليم لم يكن ممكناً من خلال الخليقة كما فعل في المدة الأولى بل كان ضرورياً أن يعلمهم بأعمال جسده أي من الأمور الأرضية. وعليه يكون قد نزل إلى مستوى الناس كما المعلم ينزل إلى مستوى التلاميذ والسبب أن الناس صاروا يبحثون في المحسوسات عنه. فالكلمة توارى في الجسد لكي ينقل الناس إلى معرفته.
وهو قد ملأ الكل فهو فوق في الخليقة وتحت في التأنس وفي العمق بنزوله إلى الجحيم وفي العرض أي في العالم. وما ساعد على ظهوره كالله ليس فقط مجيئه وموته بل أيضاً الأعمال التي صنعها في الجسد.
أيضاً هو تمم عملية المحبة وعملية التجديد ثانية بتجسده. الكلمة لم ينحصر في الجسد أي أنه في حلوله في الجسد بقي في كل شيء من الأشياء وبقي مستقراً في أبيه. كان يستخدم الجسد. وكان في نفس الوقت يمنح الحياة لكل شيء بما فيه جسده. فإذا كان يُحكى أنه أكل ووُلد فلأنه أخذ جسداً بالحق لا بالخيال.
هو ولد من عذراء ليؤكد أن المولود هو رب وأيضاً بالجسد طرد الأرواح وأطعم الكثيرين. وكان يجب أن يموت الجسد لأنه مثل غيره من الأجساد ولكنه باتحاده بالكلمة لم يعد خاضعاً للفساد. وكون الكلمة غير خاضع للموت كان ضرورياً أن يأخذ جسداً يقدمه عن الجميع.
لم يختر الرب الطريقة التي يموت فيها، لكي يبرهن أنه قاهر للموت بكل أشكاله وهو لم يمت بعد مرض لأن جسده أخذ قوة منه وهو القوة. وهو أيضاً قام بجسده ليبرهن بأن الموت لم يصب هذا الجسد بسبب ضعف الكلمة بل لكي يبيد الموت في هذا الجسد. فإن كانت الأرواح التي ترى ما لا يراه الناس تؤمن أنه هو قدوس الله، فيجب على كل من الناس أن يعترف ذلك أيضاً وخاصة اليهود إذ أن نبؤاتهم حكت عنه كإله فتأنس وحكت آلامه وموته وصلبه.
من مصر دعوت ابني – هل لفق القديس متى النبوات؟ قراءة نقدية متى 15:2
من مصر دعوت ابني – هل لفق القديس متى النبوات؟ قراءة نقدية متى 15:2
وماذا كان يقصد متى بالاشارة ليسوع فى نبوة هوشع
نقرا فى سفر هوشع ” وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي ” ونقرا فى انجيل متى “وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني ” ولكنا بقراءة النصف الاول فى نبوة هوشع نجد ان الكلام هنا عن اسرائيل وليس عن المسيا فالنصف الاول من النبوة يقول ” لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي ” وهى فى الحقيقة ليست نبوة من الاساس لكنه يتكلم عن حدث تاريخى فى اسرائيل هو خروجهم من مصر ودعا هنا اسرائيل بالابن الذى دعاه الرب من مصر
Hosea is, of course, alluding to the historical exodus and not making a prophecy about the future.[1]
لكن دعونا الاول نعرف معلومة بديهية ان القديس متى كتب انجيله فى الاساس بالعبرانية وبالاخص لليهود الذين امنوا بالمسيح فاغلبهم يعرفون الكتب المقدسة عن ظهر قلب ويعرفون بداية النص فى نبوة هوشع واقتباس جزءا من عدد فى الكتاب المقدس هى كانت ممارسة يومية لليهود فمنطقيا القديس متى يعرف جيدا ان العبارة فى صيغتها المباشرة اشارة لاسرائيل وليس لشخص المسيا لكن هنا اخرج النص من سياقه التاريخى فى اشارته لكنيسة العهد القديم ” الابن المحلى او القومى ليهوه ” الى ” الابن الحقيقى لاله اسرائيل ” المسيا لان كلاهما دعيوا من مصر فى طفولتهما.
When Matthew quoted the second half of Hosea 11:1, he took for granted that his Jewish readers would know the whole verse. (Remember that many of Matthew’s intended readers knew large portions of the Hebrew Scriptures by heart, and quoting just part of a verse was a common Jewish practice of the day.) What he was saying was clear: Just as it happened to Israel, God’s national “son,” so also it happened to Jesus, God’s Messianic Son, and the ideal representative of the nation. Both were called out of Egypt in their childhood.[2]
وقبل ان نبدا لابد وان نفرق بين مصطلحين بين الشرح exegesis والتفسير herminia اذ ان الشرح يرتبط بفهم النص كما كتب بينما التفسير هو نقل هذا النص القديم الى الواقع اليومى المختلف جذريا عن وقت كتابة النص وتلك العملية يجب ان تتم دونما تغيير جوهرى فى مفهوم النص وبوعى كامل من جانب القرائ المعاصر للنص القديم وكل تبعاته [3]
فنهاك فرق بين فهم النص فى سياقه التاريخى وشرحه كما هو ورؤية النص بغاية اخرى حديثة لزمن الكتابة والقضية هنا تتلخص فى ” الغاية ” فغاية الناموس والانبياء كله هو المسيا والغاية هو الفعل الختامى الذى يحقق ما قبله فالمسيح لا يمكن ان يتواجد مجاورا للناموس لانه تحقيق الناموس لهذا صارع بولس ضد حركات التهود الاولى التى ارادت ان تستبقى الناموس بجوار المسيح [4]
لو نظرنا للنص السبعينى فمن المؤكد ان القديس متى لم يعتمد عليه فى عرض نظرته المسيانية للنص لان النص السبعينيى يتكلم عن ” من مصر دعوت اولادى ” out of Egypt have I called his children وليس تحديدا عن ” ابنى ” لذلك فهو قد استخدم النص العبرى مباشرة لان النص يتطابق مع النص العبرى.
[5] وليس السبعينى او استخدم ترجمة يونانية حرفية للنص العبرى
وايضا:
Note also that Matthew does not follow the LXX here, which translates Hosea 11:1b with “children” rather than “son.” Rather,he translates directly from the Hebrew[6]
لكنا بداية دعونا نزيد ان اقتباس جزاءا من النص ليس ابتداعا من القديس متى لكنها كان عرفا يهوديا فى الكتابات اليهودية ومتى كيهودى كان معتادا على هذا الامر
It is very common—often the norm—in the Talmud and Rabbinic literature to cite a key part of a verse, sometimes even a short phrase Matthew, a Jew well-versed in the Hebrew Bible, was writing to fellow Jews, also presumably well-versed in their Scriptures, and the last thing he was trying to do was pull the wool over the eyes and ears of his readers[7]
كما قولنا ان القضية كلها تتلخص فى غاية النص بل غاية العهد القديم كله وهو المسيا فكل من قصة كل من اسرائيل ودعوتها من مصر ك ” ابنى ” وقصة يسوع تحوى تشابهات جوهرية فيما هو معروف ب typological correspondence وهو تشابهات جوهرية بين حدثين فبيعتبروا فى ارتباط وبيكونوا استمرارية كبيرة وفى هذة الحالة تحديدا يطلق عليها Messianic typology
What we have here is a matter of typological correspondence—that is, a substantial similarity is seen to exist between two moments of redemptive history, and therefore the two are regarded as interconnected, forming one larger continuity[8]
فالحدث الاقدم انذر او توقع ما سيحدث فيما بعد الذى اصبح نوعا من الادراك او الاكمال لسابقه ” الحدث الاقدم “
the earlier is thus seen to foreshadow or anticipate the latter, which then becomes a kind of realization or fulfillment of the former[9]
اذن فما هى التشابهات بين كلا القصتين ؟
1- كلاهما فى طفولته ” طفولة شعب الله فى اختباره له ” وطفولة يسوع ذهبوا الى مصر
Israel in its infancy went into Egypt, just as Jesus did (Gen. 46:1–7; 47:27—Israel; Exod. 4:19—Moses; Matt. 2:13–15—Jesus),[10]
2- كلاهما خرجوا من مصر الى ارض الموعد
and then both were called out of Egypt back to the Promised Land (Exod. 3:8; Matt. 2:21; note also the parallels between “those who were seeking your life are dead” in Exod. 4:19 [nrsv]—Moses to go into Egypt; Matt. 2:20—Joseph to bring Jesus out[11]
3-دعوة كل منهما بابن الله اسرائيل كالشعب المختار من بين شعوب الارض ليكون الشعب الخاص للرب الاله ويسوع هو الابن الوحيد والفريد لله
Israel was called God’s son, and Jesus was called God’s Son (see, e.g., Exod. 4:22; Matt. 3:17; 17:5)[12]
4-كلاهما وجدوا فى مصر للضرورة وكلاهما تمتعوا بالعناية الالهية
both in Egypt of necessity and both delivered by divine provision[13]
وكثير من التشابهات الاخرى فى تيه الشعب فى البرية 40 سنة قبل ان يدخلوا ارض الموعد وبداية خدمة يسوع ب40 يوما فى البرية قبل ان يبدأ خدمته الجهارية واستلامهم التوراة كلمة الله السلطوية كشعبه المختار ويسوع الذى اصبح هو نفسه الكلمة المتجسد بين شعبه وكثيرا من الموازيات فى حياة كلاهما الذى جعلت القديس متى ينظر للمسيا ان فيه قد جمعت الاحداث التاريخية لاسرائيل
Matthew sees Jesus as living out and summing up the history of Israel[14]
لنعيد مرة اخرى وهو الغاية … وهو غاية اسرائيل وتاريخها ونبواتها وكل شئ هو المسيا محور اليهودية
فمتى كان ينظر ببعد اخروى ان مركز تميم الهدف هو المسيا الذى هو هنا الابن الفريد لله وليس البعد التاريخى للنص بانه مجرد خروج شعب اسرائيل من مصر
The fulfillment motif is of course central to Matthew’s whole perspective, given the eschatological significance of the Christ, here seen as God’s unique Son[15]
ومن المرجح ان هذة النظرة المسيحية للكنيسة الاولى لقراءة نصوص العهد القديم بنظرة مسيانية كنوع من التأملات فى الاحداث التى تمت لشعب الله
Dodd, Scriptures, p. 103, suggests that the words of Hosea’s prophecy might first have been applied by Christians to the deliverance of God’s people in Christ for, according to Rev 11:8, the place where Jesus was crucified is spiritually called ‘Egypt’. This is highly speculative. [16]
وهناك ايضا ملامح من الترجمة السبعينية ان هذا النص له نظرة مسيانية فنقرا فى سفر العدد “ الله اخرجه من مصر له مثل سرعة الرئم ” وهو يتكلم عن شعب اسرائيل والعدد السابق له يقول ” يجري ماء من دلائه و يكون زرعه على مياه غزيرة و يتسامى ملكه على اجاج و ترتفع مملكته ” لكن فى السبعينية نجد ان النص تحول قليلا ليتكلم عن رجلا سيخرج وليس عن الشعب ويوصفه بنفس الوصف فى العدد التالى ويقول ” الله اخرجه من مصر له مثل سرعة الرئم ”
There shall come a man out of his seed, and he shall rule over many nations; and the kingdom of Gog shall be exalted, and his kingdom shall be increased[17]
ذلك اشارة للمسيا
A messianic interpretation of this verse already lies to hand in the LXX, for the opening line of 24:7 (‘water shall flow from his buckets’, so MT) becomes in the LXX, ‘a man will come forth from his seed’. This makes 24:7 a potential reference to the Messiah[18]
ونفس المفهوم نجده فى البشيطا والترجوم انه ملكا
who also calls attention to the Peshitta (‘a mighty man shall proceed from his sons’) and Targum Onkelos (‘a king shall grow great, who shall be reared from his sons’), both of which appear to him to be independent of the LXX. [19]
فربط هوشع بما ورد فى السبعينية عن نص العدد هو تقريبا ما كان فى عقل متى عن ربط ما تم لشعب الله فى مصر لخروج ملكا من نسلهم اشارة للمسيا
لذلك نقرا فى Fragmentary Targum على النص الوارد فى سفر العدد ” يجري ماء من دلائه و يكون زرعه على مياه غزيرة و يتسامى ملكه على اجاج و ترتفع مملكته ” انه الملك المسيا
Their king shall arise from among them, and their deliverer shall be of them and with them, He shall gather in their exiles from the provinces of their enemies, and their sons shall have dominion over the nations. He shall be mightier than Saul, who spared Agag, king of the Amalekites. Exalted shall be the kingdom of the King Messiah [20]
والنقطة الاخيرة ان بجنب النص فى متى كتب هامش فى المخطوطة السينائية هو εν αΡιΘΜΟις اشارة لسفر العدد وليس هوشع ودا تأكيد اخير ان المسيحين فى العصور الاولى فهموا ان النص يشير لمجئ المسيا الذى قيل عنه فى سفر العدد الله اخرجه من مصر
This explains the scribal note in the margin of א, which ascribes the text to Numbers [21]
ودى صورة المخطوط فيها الهامش جنبها سفر العدد
انتهى …..
[1] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary : Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (36). Dallas: Word, Incorporated.
[2] Brown, M. L. (2007). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 4: New Testament objections. (21). Grand Rapids, Mich.; Baker Books.
[3] د.جورج عوض ابراهيم الاباء والكتاب المقدس ص12
[4] مدخل الى فهم كلمة الله الراهب سارافيم البراموسى ص246
[5] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary : Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (36). Dallas: Word, Incorporated.
[6] Brown, M. L. (2007). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 4: New Testament objections. (22). Grand Rapids, Mich.; Baker Books.
[7] Brown, M. L. (2007). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 4: New Testament objections. (22). Grand Rapids, Mich.; Baker Books.
[8] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary: Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (36). Dallas: Word, Incorporated.
[9] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary: Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (36). Dallas: Word, Incorporated.
[10] Brown, M. L. (2007). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 4: New Testament objections. (23). Grand Rapids, Mich.; Baker Books.
[11] Brown, M. L. (2007). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 4: New Testament objections. (23). Grand Rapids, Mich.; Baker Books.
[12] Brown, M. L. (2007). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 4: New Testament objections. (23). Grand Rapids, Mich.; Baker Books.
[13] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary: Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (36). Dallas: Word, Incorporated.
[14] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary: Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (36). Dallas: Word, Incorporated.
[15] Hagner, D. A. (2002). Vol. 33A: Word Biblical Commentary: Matthew 1-13. Word Biblical Commentary (36). Dallas: Word, Incorporated.
Dodd, C. H. Dodd, According to the Scriptures, London, 1952.
[16] Davies, W. D., & Allison, D. C. (2004). A critical and exegetical commentary on the Gospel according to Saint Matthew. London; New York: T&T Clark International.
[17] Brenton, L. C. L. (1870). The Septuagint Version of the Old Testament: English Translation (Nu 24:7). London: Samuel Bagster and Sons.
[18] Davies, W. D., & Allison, D. C. (2004). A critical and exegetical commentary on the Gospel according to Saint Matthew(262). London; New York: T&T Clark International.
[19] Lindars, Apologetic, pp. 216–17
[20] Huckel, T. (1998). The Rabbinic Messiah (Nu 24:7). Philadelphia: Hananeel House.
[21] Davies, W. D., & Allison, D. C. (2004). A critical and exegetical commentary on the Gospel according to Saint Matthew. London; New York: T&T Clark International.
من مصر دعوت ابني – هل لفق القديس متى النبوات؟ قراءة نقدية متى 15:2
وُجِدت نظرِة القديس إكليمنضُس الأسكندري بوجه خاص في الكتاب الخامِس من ” المُتفرقات أو ما يُسمَّى بالبديعيات “ ( Stromata ) ، حيث أعطى إيماناً ورجاءاً في إدراك الذهن للأمور غير المنظورة ، والتي لا تستطيع الحواس أن تُدرِكها .
تحدَّث إكليمنضُس بدقة عن الله الذي لا يمكن الحديث عنه ، فهو بلا شكل ولا اسم وكل ما لُقِبَ به من أسماء مثل الواحِد ، الصَّالِح ، العقل ، الابن ، الله الخالِق ، أو الرب … كلها أسماء فقيرة لا يمكنها أن تصِف الأبدي ، لأنَّ أي اسم ينزل إلى عالم الأمور المحدودة العادية ، وهذه الأسماء أُعطِيَت لنا من أجل قصورنا حتى نقدِر أن نُدرِك سُلطان قُدرته . الله فوق كل لغة ، لهذا إنما نتحدَّث عنه من خلال الرموز ، ولا يمكن معرفة الله بدون
عمل نِعمِته ، فالمعرفة هِبة إلهية فوق حدود الفِكر المنطقي .. والله الغير معروف يصير معروفاً خلال اللوغوس ، فمن يرفُض نعمة الله ويتجاهل اللوغوس يبقى الله بالنسبة له غير معروف ..
فاللوغوس هو سِر المعرفة الإلهية ، هو معرِفتنا وفِردوسنا الروحي ، هو مُخلِّصنا الذي فيه نُزرع بعد أن نُقِلنا من الحياة العتيقة إلى التربة الصَّالِحة ، الرب نفسه هو معرِفتنا لنتأصَّل فيه ونتحرَّر لندخل الحياة الجديدة .
ويتحدَّث القديس إكليمنضُس السكندري عن نوعين من الثيولوچيا : ” ثيولوچيا الأوثان “ و ” اللاهوت الحقيقي أو الصحيح “ ، ويقع لاهوت الأوثان بين نقيضين ، الالحاد والخُرافة ، فالالحاد هو الجهل بالله الحقيقي ، والخُرافة هي توقير الآلهة الزائِفة بدلاً من الله الواحد (1) .
فالمُلحِد يُؤمِن بعدم وجود إله ، والشخص الذي يتبع الخُرافات السخيفة يخشى الشياطين ويعتبِر كثير من الأشياء آلهة : الخشب ، الشمس ، الحجارة ، والروح (2) .
وثيولوچيا الأوثان (3) هي في الواقِع انتقال من الحق يسحب الإنسان ليهبِط به من السماء إلى الهاوية (4) .
لذلك يُميِّز القديس إكليمنضُس الأسكندري سبعة أنواع للاهوت الصنميات :
(1) ثيولوچيا النجوم أي الشمس ( الهنود ) ، والقمر ( الفرجيون ) .
(3) ثيولوچيا أُجرِة الشر أو ثيولوچيا القَدَر والمصير ( مثل إرينيس Erinyes وإيومنيدس Eumanidesوألاستورس Alastores ) .
(4) ثيولوچيا العاطِفة البشرية ( الخوف ، الفرح ، الفشل ، الرجاء ) . هذه اللاهوتيات تقود إلى الثيولوچيا البشرية . ( دايك Dike وكلوتو Clotho ولاخيسيس Lachesisوأثروبوس Athropos وإيمارمين Emiarmene وإكسو
(1) Auxo وثالو Thalo أو الأثينيون Atticists ) .
(2) اُسطورِة الاثنى عشر إلهاً : اُسطورِة هيسود Hesiod وهومر Homer و….. إلخ .
(3) ثيولوچيا صانِع الخير ( ديوسقوري وهيراقلس وإسكلابيوس ) ، ويُميِّز إكليمنضُس بعضاً من هذه الثيولوچيات بأنها ” ثيولوچيات الغطرسة “ (5) ( هبريس Hybris ) .
أمَّا اللاهوتيون المسئولون عن هذه اللاهوتيات فهم قُدامى الشُّعراء الإغريق ، ويذكُر إكليمنضُس العلاَّمة من بينهم :
أورفيوس Orpheus ( اُسطوري ) وبيندار ( 518 – 438 ق . م ) وهومير ( القرن الثَّامِن ق . م ) وهسيود ( الثَّامِن ق . م ) ولينوس Linos ( اُسطوري ) وموسايوس ( السَّادِس ق . م ) وفرسيدس ( تقريباً 456 ق . م )
وإن كان إكليمنضُس يعتبِر عمل هؤلاء اللاهوتيين تمهيداً للاَّهوت المسيحي إلاَّ أنه ينتقده على وجه الاجمال بل ويعتبره خُرافة لا تُوقِر الله . ويُحاجِج إكليمنضُس مُؤكِداً أنَّ اللاهوتيات الوثنية تحوي عناصِر الحق ويُدلِّل على ذلك بالإشارة إلى كِتابات كليانثس وفيثاغورث وهسيود وكِتابات أوريبوس ( 484 – 406 ق . م ) وسوفوكليس ( 496 – 406 ق . م ) وأورفيوس …
ويُشير إلى أنَّ الحق دائِماً مستور وراء الرموز والاستعارات وعلى الإنسان أن يتعمق فيما وراءها ليكتشفه ، أمَّا عن أصل هذه الحقائِق في اللاهوتيات الوثنية ، فإنَّ إكليمنضُس لا يشُك في أنه الكتاب المُقدس ! ( بمعنى أنَّ الحق
فقط في هذه اللاهوتيات هو المُستمد من الكتاب المُقدس ) وأنَّ اللاهوتيين الإغريق قد سرقوا فِعلاً الكثير من الحقائِق من اليهود .
وهذا الرأي من المُحتمل أن يكون إكليمنضُس قد استقاه من دوائِر اليهود وأعمالِهِم الدِفاعية ضد اليونانيين ، وقد كان هناك فيلسوف فيثاغورثي هو نوينيوس ( القرن الثَّاني الميلادي ) يعرِف الكثير عن هذه الدفاعيات اليهودية ، ويُؤكِد أنَّ أفلاطون ليس إلاَّ موسى يكتب باليونانية القديمة !! واعتبر أنَّ المسيح هو نهايِة كل فلسفة ونُبوة ، وقد جاء ليسترجِع الحكمة الحقيقية ، لأنَّ الإيمان يفوق المعرِفة وهو مقياسها .
ويُؤكِد القديس إكليمنضُس على مصدرين كِتابِيين للحق أو اللاهوت الحقيقي :
· لاهوت الأنبياء .
· ولاهوت موسى ، الذي هو أساسها كلها .
ويُقسِّم القديس إكليمنضُس الثيولوچيا الموسوية إلى أربعة أجزاء :
(1) التاريخية .
(2) والشرعية ( الأخلاقية ) .
(3) والليتورچية الكهنوتية .
(4) وأخيراً اللاهوتية .
والتي تُسمَّى ( Έποπτεια ) ( بحسب أفلاطون ) و( Θεολογική Φιλοσοφία ) ( أرِسطو ) ، ومن الواضِح تماماً أنَّ إكليمنضُس قد استعار هذه التصنيفة الرُباعية من ڤيلو جوداوس أحد المصادِر الأولية على ما يبدو ، ويربُط إكليمنضُس تصنيفِة ڤيلو اليهودي بتقسيمِة أفلاطون الثُّلاثية التي ذَكَرَها ديوجينيس ليرتيوس ( أي الفيزيائيات والأخلاقيات والجَدَلِيات ) في القرن الثَّالِث الميلادي ، ويربُط إكليمنضُس النوعين الأولين لثيولوچيا ڤيلو بالنوع الأوَّل لأفلاطون والنوعين الأخريين بالترتيب .
ومن الواضِح أنَّ أهمها جميعاً أو الجزء الأخير الذي يرتبِط بالرؤية الموسوية لله ، والمُشابِه للجدلية الأفلاطونية الحقيقية والميتافيزيقا الأرسطوطالية ، لكن إكليمنضُس يتعمق
أكثر من هذه التعريفات الثَّلاثة ويُعيد تعريفها بربطها كلها باستعلان السِر في المسيح .
إذن فاللاهوت الحقيقي والنهائي هو اللاهوت الذي أعطاه وكشفه لنا المُخلِّص .
أمَّا الجزء اللاهوتي للتقليد الموسوي فهو ليس مجرد التعليم النَّبوي لموسى بل الاستعلان الكامِل لهذه النُّبوة المُعطى في المسيح يسوع ، وبالنسبة للأكليمنضُس فإنَّ اللاهوت هو الذي علَّمه لنا ابن الله .
وهذا التأكيد على تمركُز اللاهوت حول شخص المسيح سِمة تُميِّز القديس إكليمنضُس ، ومن الناحية التاريخية ( أي بالمفهوم الإصطلاحي التقني ) فإنَّ إكليمنضُس السكندري هو أوِّل من أدخل هذا الفارِق المُميَز الذي يُميِّز اللاهوت المسيحي عن غيره تماماً ، فقد ربط الثيولوچيا بالكريستولوچيا ( طبيعِة المسيح ) دون أن ينبِذ تماماً اتصالات الثيولوچيا بالكوزمولوچيا والكوزموچونيا وتدبير الخليقة ، والعنصر الجديد هنا هو الطبيعة المِعطاءة الانعامية للحق اللاهوتي وارتباطه الوثيق والصميمي وتحقيقه وكماله النهائي في شخص المسيح .
ونستطيع أن نقول أنَّ الكلمة اللوغوس هو قطب الدائِرة في لاهوت القديس إكليمنضُس النظري ، فالكلمة خالِق العالم كاشِف سِر الله في العهد القديم وفي فلسفة اليونان هو ليس جِنساً ولا نوعاً ولا عدداً ولا عرضاً ، إنه أبو عموم الأشياء ، الذي لا يبحث فيه عن تركيب ، العقل الإلهي مُعلِّم العالم ومُعطي الشرائِع مُخلِّص البشر … وهذه الرؤى اللاهوتية للقديس إكليمنضُس قد أخذها وطوَّرها لاحِقه العلاَّمة أوريجانوس ، الذي يُعتبر منهجه نقطة البدء للأبعاد والركائِز الثيولوچية الواضِحة والدقيقة للآباء النيقاويين بدءاً بالبابا أثناسيوس الرسولي وانتهاءً بالآباء الكبادوك .
دعا القديس إكليمنضُس في كِتابه ” نُصح الوثنيين Protrepticus “ ، البشرية كلها لقبول السيِّد المسيح قائِلاً :
” اسمعوا أيها البعيدين ، ويا أيها القريبين ، فإنَّ اللوغوس ليس مخفياً عن أحد ، إنه النور العامالذي يُضِئ للكل ، لم يعُد في العالم ظُلمة ، لنُسرِع إلى خلاصنا ولنُسرِع إلى تجديدنا “ (6) . ميَّز القديس إكليمنضُس بين اللوغوس الإلهي كهادي Protrepticus ، وكمُربِّي وكمُعلِّم
، فهو الهادي الذي يدعو الناس للخلاص ، وهو اللوغوس المُربِّي Paedagogus الذي يحِث المؤمنين على الحياة الأفضل ويشفيهم من آلامهم مُمارِساً عمله الروحي فيهم ، وهو اللوغوس المُعلِّم (7) الذي يُعلِّم الأُسُس العامة ويشرحها مُفسِراً الرمزية لأنه المرموز إليه مُشتهى الأجيال .
وبحسب كلمات القديس نفسه فاللوغوس ” المُرشِد السماوي “ يُدعى الهادي عندما يدعو البشرية للخلاص .. لكنه إذ يعمل كطبيب أو مُربِّي يصير اسمه المُربِّي . فإنَّ النَّفْس المريضة تحتاج إلى مُربِّي يشفي آلامها . ثم تحتاج إلى المُعلِّم الذي يُعطيها الإدراك ( إعلان اللوغوس ) . هكذا إذ يُريد اللوغوس خلاصنا خطوة فخطوة يستخدِم وسيلة مُمتازة ، إنه في البِداية يُهدي ، ثم يُصلِح ، وأخيراً يُعلِّم (8) .
وبالرغم من أنَّ البعض يرى أنَّ إكليمنضُس كان مُتأثِراً بالأفلاطونية الحديثة ( new – Platonism ) ، إلاَّ أنه وجَّه دعوة للوثنيين أن يتحوَّلوا ويهتدوا خلال انصاتهم إلى اللوغوس الذي يُدعى (Protrepticus ) السيِّد الوحيد الذي لا يدعونا فقط لنبذ الوثنية ، وإنما لنأخذ أيضاً استنارة روحية فعَّالة .
تركَّز لاهوت إكليمنضُس حول التعليم المسيحي ، فيرى في الله الكلمة ( اللوغوس ) مُعلِّماً أوَّلاً وقبل كل شئ ، مُعتبِراً أنَّ الله يعمل معنا كما نفعل نحن بأولادنا ، إنه كلمة الحق ، كلمة عدم الفساد ، طارِد الموت ، يبني هيكل الله في الناس ، فيأخذهم الله مسكناً له ، فالمريض يحتاج إلى مُخلِّص ، والضَّال إلى مُرشِد ، والأعمى يحتاج إلى من يقوده إلى النور ، والعِطَاش إلى الينبوع الحي الذي من يشرب منه لا يعطش أبداً ، والموتى إلى الحياة ، والخِراف إلى راعي ، والأبناء إلى مُعلِّم ، تحتاج البشرية كلها إلى المسيح (9) .
وعلى هذا الأساس دُعِيَ اللوغوس المُخلِّص ، ابن الله الذي بلا خطية ولا عيب .
رأى إكليمنضُس أبو الفلسفة المسيحية الإسكندرانية أنَّ اليونانيين قد استعادوا الكثير من العهد القديم ، مُشيراً إلى أنَّ أفلاطون انتحل آراء موسى والأنبياء ، لذلك علَّمنا أنَّ الغنوسية الحقيقية وحياة الكمال ليست مجرد معرفة نظرية لكنها دخول إلى كمال المسيح ، دخول من الناموس إلى السيِّد المسيح مُكمِّل الناموس .
حقاً لقد كان إكليمنضُس مُهتماً بشغف بكل الفلسفات والديانات السِّرِّية والغوامِض القديمة ، حتى وهو يُفنِّدها ، وكان يرى في المسيحية ليس أنها فلسفة ، بل حقيقة وقُوَّة سِرِية تُغيِّر وتُعلِّي كل كيان الإنسان ، وبحماس بالِغ كان إكليمنضُس يُخاطِب قارِئه البعيد عن الإيمان ، ليُصغِ السمع للأنشودة الجديدة التي ألَّفها وأنشدها ” أوفيوس الجديد “ ، أي ” الكلمة “ المُشرِق من صهيون ، إنَّ الحقي النسبي الذي تحتويه مقالات الفلاسِفة أمر معروف …
أمَّا المعرِفة الكامِلة غير المشكوك فيها فهي موجودة فقط في الأنبياء ، وفوق الكل في اللوغوس ( الكلمة ) الذي يقود إلى الحق كل الحق .
قال إكليمنضُس إنَّ اليونانيين مديونون للعبرانيين في قصة ” طيماوس “ ، وجماعِة الفلاسِفة مُدانون لأنهم ألَّهوا الكون بدلاً من البحث عن خالِق الكون ، وقد كانوا مُحتاجين إلى من يُخبِرهم أنَّ :
” المشيئة الخاصة لله كانت أن يخلِق الكون ، لأنَّ الله وحده صنعه ، فهو الإله الواجِب الوجود بذاته ، وبِفِعْل مشيئته خلق الكون ، إذ شاء فأتت الأشياء للوجود “ .
ورأى إكليمنضُس أنَّ ” الفلسفة كانت ضرورية لليونانيين لإدراك البِّر ، كإعداد لأولئِك الذينَ سوف يجدون الإيمان الحقيقي “ ، وقد فسَّر ذلك على أنه من عنايِة الله الذي هو ” كنز الصَّالِحات “ ، قائِلاً : ” إنَّ الفلسفة كانت هي المُربِّي الذي أعد الفِكْر اليوناني لقبول المسيح مثلما أعد الناموس اليهود للإيمان بالمسيح “ (10) .
حذَّر القديس إكليمنضُس من التفكير في الله بطريقة مادِّية جِسدانية ، لأنه فوق المكان والزمان ، فوق كل المفهومات الزمنية ، لذلك نجده يرسِم طريق معرِفة الله ، تلك التي يبدأها بالتطهير من الخطية والأهواء ثم الابتعاد عن حرفية التفكير في الله لتأتي مرحلِة الرؤيوية بالنعمة الإلهية وحدها فوق حدود القياسات والصِيَغ ، حيث الاتحاد مع اللوغوس المولود من الآب ، الذي هو سِر المعرفة اللاهوتية ، الذي كل من يتجاهله يبقى الله بالنسبة له غير معروف .
ونُجمِل نظام القديس إكليمنضُس اللاهوتي الذي يقوم على شخص اللوغوس ، فما يُريده اللوغوس يصير حقيقة اسمها العالم ، إنه خالِقه وأساس وجوده المُطلق ، مصدر النور والحياة بلا بِداية ولا نِهاية ، لا يخضع للزمن ، ولا يمكن البرهنة عليه ، ولا يمكن أن يكون
موضوع معرِفة ، لأنه هو الحكمة والمعرِفة والحق ، الاعلان العقلي للآب وخِتم مجده الذي يُعلِّمنا الحق ، صورِة الله وفِكره ووجهه ونوره الذي به نُعايِن النور ، شمس البِّر الذي يقود مركبته ويُشرِق على كل البشر لينتزِع الهالِك رافِعاً إياه إلى السماويات ، غارِساً المائِت في الخلود ، مُحوِّلاً الأرض إلى سماء ، الزَّارِع الإلهي الذي أعطانا ميراث الآب ..
ويعتبِر العلماء أنَّ إكليمنضُس هو أوِّل لاهوتي مسيحي يُثبِت وجود الله وقُدرته من خلال العقل ، وعن وحدانية الله يقول : ” من يُؤمِن بآلهة كثيرة وليس بالله الواحِد الحقيقي يُشبِه اللقيط الذي لا يعرِف أباه الواحِد الحقيقي “ ، ومن أبرز سِمات القديس هو حديثه عن الله كصالِح ومُحِب البشر لا عن اللاهوت النظري ، فنجده يتحدَّث عن الله كُلي الصَّلاح ، الذي في حُبُّه احتضن كل البشرية بلا تمييز ، كشافي للمرضى ومُرشِد للتائهين وقائِد للعُميان وينبوع للعِطاش ومُقيم للأموات وراعي للخراف .
ربط القديس إكليمنضُس بين الثيولوچيا والإكلسيولوچي ، عندما قال :
وكما أنه لا يوجد إلاَّ إله أب واحِد وكلمة واحِد وروح واحِد ، فإنه لا يوجد سِوَى كنيسة واحدة التي تُعرِّفنا وتُغذِّينا بلبن الكلمة الإلهي ( الثيولوچيا ) …
اعتبر القديس أنَّ الكنيسة عروس المُعلِّم وأُمُّه هي المدرسة التي يُعلِّم فيها المسيح ، وهنا تتضِح صِلةالثيولوچيا بالأكلسيولوچي ( اللاهوت بالكنيسة ) .
إن هذا الإيمان قد سلمه الرسل القديسون إلى الكنيسة في المدينة المقدسة بفم الأساقفة الذين اجتمعوا معاً (في نيقيه) وعددهم 318، وفي جيلنا هذا، أعني في أيام فالنتينوس وفالنس وفي السنة التسعين بعد ديوكلينتيان الطاغية (وهذه توافق سنة 374، أي قبل انعقاد المجمع المسكوني الثاني بسبع سنوات) فأنت ونحن وكل الأساقفة الأرثوذكسيين في كل الكنيسة الجامعة نوجه معاً هذا الخطاب إلى الذين يقبلون إلى المعمودية لكي يعلنوا قائلين ما يلي:
[ نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق كل شيء، كل ما يُرى وما لا يُرى. وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله، ابن الآب الوحيد الذي هو من جوهر الآب. إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق. الذي هو والآب من جوهر واحد. الذي به كان كل شيء، ما في السماء وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى.
الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، أعني أنه حُبِلَ به تماماً بواسطة الروح القدس من مريم العذراء. وتأنس أعني صار إنساناً كاملاً، له نفس وجسد ونطق وكل ما يتألف منه الإنسان، ولكن بدون خطية وليس من زرع بشري. ولا يعني هذا أنه حلَّ في إنسان، بل اتخذ لنفسه جسداً وصار كائناً واحداً مقدساً. ليس كأنه أوحى للأنبياء وتكلم وعمل بهم، ولكنه صار إنساناً تاماً، لأن الكلمة صار لحماً ولم يجري عليه أي تغيير ولم يحوِّل طبيعته الإلهية إلى طبيعة بشرية، ولكنه ضمها إلى وحدته الكاملة المقدسة وإلى لاهوته.
فأنه لا يوجد إلا رب واحد يسوع المسيح، لا اثنان. وهو نفسه إله. هو نفسه رب. وهو نفسه ملك. أنه تألم بالجسد وقام، وصعد إلى السماء بالجسد نفسه، وجلس بمجد عن يمين الآب، وبالجسد ذاته سيأتي بمجد ليُدين الأحياء والأموات. الذي لا فناء لملكه.
ونؤمن بالروح القدس الناطق بالناموس والمُعلِّم بالأنبياء، الذي نزل إلى الأردن، ونطق بالرسل، وهو يحل في القديسين. وهكذا نؤمن به، أي أنه الروح القدس روح الله الكامل، الروح المعزي غير المخلوق. المنبثق من الآب والمُرسل من الابن، والمؤمن به.
ونؤمن بكنيسة واحدة جامعة رسولية، وبمعمودية واحدة للتوبة. وبقيامة الموتى. وبدينونة النفوس والأجساد العادلة، وبملكوت السماوات وبالحياة الأبدية.
والذين يقولون أنه كان وقت لم يكن فيه الابن أو لم يكن فيه الروح القدس، أو أن كلاً منهما قد خُلِقَ من العدم، أو أنه من طبيعة أو جوهر مختلفين (عن طبيعة وجوهر الآب). ويؤكدون أن ابن الله والروح القدس هما عرضة للتغيير والتبديل، كل هؤلاء تبسلهم (تحرمهم أو تقطعهم من الشركة) الكنيسة الجامعة الرسولية أُمكم وأُمنا كلنا. ثم اننا نبسل أيضاً الذين لا يعترفون بقيامة الموتى كما نرفض كل البدع التي لا تتفق مع الإيمان الحقيقي.
وأخيراً انكم وأولادكم إذ تؤمنون هكذا وتُحافظون على وصايا هذا الإيمان نفسه، نثق بانكم تصلون دائماً لأجلنا حتى نتمكن من أن يكون لنا شركة ونصيب في الإيمان نفسه وفي حفظ الوصايا نفسها. قدموا شفاعتكم (ابتهالاتكم) لأجلنا انتم وكل الذين يؤمنون الإيمان ذاته ويحفظون وصايا ربنا يسوع المسيح الذي به ومعه المجد للآب والروح القدس إلى الأبد آمين
دستور الإيمان لإبيفانيوس كما وجد في كتابة ((انكوراتس))
(فصل 120 حسب طبعة بيتافيوس في كولونيا سنة 1682)
عن كتاب مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة
المفهوم الصحيح لتكريم الشهداء والقديسين في الكنيسة
المفهوم الصحيح لتكريم الشهداء والقديسين في الكنيسة
المفهوم الصحيح لتكريم الشهداء والقديسين في الكنيسة
يظن بعض البسطاء قليلي الخبرة، وبعض من ليس لهم دراية بسر الإنجيل ودائمي البحث السطحي، أن تكريم الكنيسة الأرثوذكسية للشهداء يدخل في مضمون العبادة، وأيضاً بعض المهاجمين للكنيسة الأرثوذكسية الذي يعتقدون أننا نترك عبادة الله الحي ونعبد أجساد القديسين، وبالطبع نعذر الكثيرين في هذا المعتقد لأن بعضاً من البسطاء أعطوا هذه الصورة عن دون دراية منهم أو قصد لأنهم يتصرفون ببساطة مقبولة عند الله مع أنها غير منضبطة بحسب تعليم الكنيسة الصحيح والواضح.
عموما لقد وصلت هذه الصورة لدى الكثيرين بسبب تعظيم بعض البسطاء المبالغ فيه للقديسين، وتركهم المذبح والصلاة من أجل معجزة أو ظهور قديس، أو تقديس الملابس أو الأدوات التي استخدمها القديسين [ طبعاً هذا منحصر في البسطاء والله يتعامل مع الكل ويعطي للجميع، ولا يصح أن ندينهم أو ننتقدهم لأن قلوبهم في يد الله.
فليس القصد من الموضوع الانتقاد على قدر التصحيح ]، ولكننا سوف نكشف عن المعتقد الأساسي في الكنيسة والعبادة الحقه التي لنا ونوضح الصورة لتكتمل لنا حتى نعي كنيستنا وأصولها المعتمدة على الإنجيل الحي فيها، بل والناطق فيها بروح الحق، لأن الإنجيل حي في الكنيسة يشع منها قوة الله ونصرته وعبادته الحقه بالحب والإيمان.
يقول يوسابيوس القيصري في كتابه تاريخ الكنيسة عن مثل ذلك الادعاء لما هاجم اليهود مندوبي كنيسة سميرنا عندما طلبوا جسد القديس پوليكاربوس الأسقف الشهيد (بقايا حريق الجسد) من الوالي ليكرموا ذكراه متهكمين عليهم قائلين لهم أنهم سوف يتركون المصلوب ويعبدون جسد پوليكاربوس. فكان رد الكنيسة كالآتي :
[ إننا نعبد ابن الله، أما الشهداء والقديسين فهم كتلاميذ الرب الذين اقتفوا آثاره، فإننا نحبهم لأنهم خليقون بهذا السبب: محبتهم المنقطعة النظير لملكهم ومُعلمهم، فليتنا نحن أيضاً نُصبح شركاءهم وزملاء لهم في مثل هذه التلمذة. ولما رأى قائد المائة منازعة اليهود أقامه في الوسط وأحرقه كعادتهم ومن ثم جمعنا فيما بعد عظامه التي كانت أثمن من الحجارة الكريمة وأغلى من الذهب ووضعناه في مكان مناسب، هناك نرجو أن يسمح لنا الرب بأن نجتمع معاً في غبطة وانشراح لنحتفل بذكرى استشهاده، إحياءً لذكرى من سبقوا أن جاهدوا، وتدريباً وإعداداً لمن سوف يتمثلون بهم ] (تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري – الكتاب الرابع فصل 15)
ويقول الأسقف أوستين في المحاجاة ضد فوستوس (1: 20 الفصل 21 ): [ كوننا نُحيي ذكرى شهدائنا بطقوس رسمية كنسية، فذلك لكي نرتفع إلى مستوى اقتفاء سلوكهم، ولكي نحسب أنفسنا شركاء معهم في ذلك النصيب والاستحقاق الذي نالوه، ولكي ننال ضمناً منفعة بصلواتهم، على أننا لا نُقدم عبادة أو ذبيحة لأي شهيد بأي حال من الأحوال، سوى لإله الشهداء والقديسين والقديسين وحده.
وذلك بالرغم من أننا نُقيم بالفعل هياكل ومذابح بأسماء الشهداء والقديسين والقديسين كتذكار لهم فقط، ولم يحدث قط أن وقف كاهن يقدم لجسد الشهيد الراقد تحت الهيكل عبادة أو ذبيحة، كأن يقول (مثلاً): لك نقدم هذه الذبيحة أيها القديس بطرس والقديس بولس أو كبريانوس، وإنما ما يُقدم من عبادة وذبيحة يُقدم كله للرب الإله وحده، الذي يُكرم شهداءه ” كريم في عيني الرب موت أتقيائه ” ]
عموماً وبتعبير إنجيلي دقيق يوضح أننا نتمثل بالمعلمين الأتقياء وشهداء الرب نقرأ معاً ما هو مكتوب :
فاطلب إليكم أن تكونوا متمثلين بي (1كو 4 : 16)
كونوا متمثلين بي كما أنا أيضاً بالمسيح (1كو 11 : 1)
كونوا متمثلين بي معا أيها الإخوة ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة (في 3 : 17)
وأنتم صرتم متمثلين بنا وبالرب إذ قبلتم الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس (1تس 1 : 6)
فإنكم أيها الإخوة صرتم متمثلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في المسيح يسوع لأنكم تألمتم انتم أيضاً من أهل عشيرتكم تلك الآلام عينها كما هم أيضاً من اليهود (1تس 2 : 14)
لكي لا تكونوا متباطئين بل متمثلين بالذين بالإيمان والأناة يرثون المواعيد (عب 6 : 12)
اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم(عب 13 : 7)
عن الكلمات رفعه و اعطاه و مجده للقديس اثناسيوس الرسولي
بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ
إِلَهٌ وَاحِدٌ
+آمين+
45ـ وبما أنه يقال إنه “مجّده ورفّعه”، وأن الله “أعطاه” فالهراطقة يظنون أن هذا نقيصة، أو عيبًا خاصًا بجوهر اللوغوس. فمن الضروري أن نقول، بأي معنى تقال هذه الكلمات. إذ يقول إنه رُفِعَ وأُصعِدَ من أقسام الأرض السفلى. لأن الموت صار خاصًا به أيضًا. وكلا الأمران يقالان عنه حيث إنهما خاصان به وليس بآخر غيره. إذن فالجسد الذي أقيم من بين الأموات هو الذي رُفِعَ إلى السموات. وحيث إن الجسد كان يخصه ولا يوجد للجسد كيان إلاّ باللوغوس نفسه، لذى فمن الطبيعي أنه بتمجيد وترفيع الجسد يقال أيضًا إنه كإنسان قد ارتفع بسبب الجسد.
إذن فلو لم يكن قد صار إنسانًا، لما كانت لتقال عنه هذه الأقوال. أما عبارة “الكلمة صار جسدًا” فإنه كانت هناك ضرورة، أن يقال عنه إنه قام وتمجّد كما يقال عن إنسان، لكي يكون هذا الموت الذي يشار به إليه، فداءًا لخطية البشر، وأبطالاً للموت، أما القيامة والتمجيد فإنهما يدومان فينا بالضرورة بسببه.
وفى كلتا الحالتين قال عنه “مجده الله مجدًا عاليًا”، و “الله أعطاه” كي يبين بهذا أنه ليس الآب هو الذي صار بل كلمته هو الذي صار إنسانًا، فإنه بحسب النمط البشرى، يأخذ من الآب ويتمجد منه. كما سبق أن قال.
فيكون واضحًا ـ ولا يستطيع أحد أن يشكّك في ذلك ـ أن تلك الأشياء التي يعطيها الآب، إنما يعطيها عن طريق الابن، ويكون عجيبًا، وأمرًا مثيرًا للاستغراب حقًا أن النعمة التي يعطيها الابن من لدن الآب، نفس هذه النعمة، يقال أن الابن ذاته قد قبلها. والرفعة التي حققها الابن من لدن الآب، بهذه الرفعة نفسها يُرفّع الابن نفسه.
إذن فإذ هو ابن الله نفسه قد صار ابن الإنسان أيضًا، ولأنه هو اللوغوس فهو يعطى الأشياء من لدن الآب، لأن كل من يصنعه ويعطيه الآب، إنما يصنعه ويعطيه من خلاله.
وكابن الإنسان فيقال إنه بحسب بشريته ينال ما يخصه من ذاته، بسبب أن جسده ليس سوى جسده الخاص به الذي هو بطبيعته أن يتقبل النعمة كما قد قيل.
وبحسب هذه الرفعة إذن، أخذ الإنسان فى داخله. وكانت هذه الرفعة من أجل تأليه الإنسان أما اللوغوس فله خاصية (التأليه) هذه بحسب الألوهية والكمال الأبوي الخاصين به.
هل أخطأ القديس متّى في نسب نبوة الثلاثين من الفضة إلى أرميا النبي؟ أرميا أم زكريا النبي؟ (متى 27: 9)
هل أخطأ القديس متّى في نسب نبوة الثلاثين من الفضة إلى أرميا النبي؟ أرميا أم زكريا النبي؟ (متى 27: 9)
الإعتراض:
يقرأ الشخص النص الوارد في بشارة القديس متى 27: 9
Mat 27:9حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي: «وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل
Mat 27:10وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب».
ثم يذهب إلى سفر أرميا النبي فيبحث عن هذه النبوة، فلا يجدها، فيعود فيقول لنا أن القديس متى قد أخطأ أو أن الكتاب المقدس محرف، لأن هذه النبوة ليست في سفر أرميا النبي، بل في سفر زكريا النبي، فإما أن يكون القديس متى نفسه أخطأ، متمثلاً في أنه الموحى إليه، أو أن الوحي قد أصاب ولكن الكتاب المقدس محرف!
للأسف، مثل هذه الاستنتاجات الساذجة والمتهورة وغير المبنية على بحث نقدي دقيق، غالباً ما تؤدي بصاحبها إلى نتيجة خاطئة!، وها نحن هنا في هذا الرد السريع نرد على هذه الشبهة البسيطة.
في البداية علينا أن نسأل أنفسنا:
هل القديس متى قد نسب الكلام “وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب” فقط إلى أرميا النبي، أو هل هو ينسب ما قد رواه قبل هذا النص لأرميا النبي ثم عندما إنتهى من سرده، ذكر ان هذا مذكور في أرميا النبي؟
الحقيقة أن القديس متى لا يتكلم عن النص رقم 9 و10 فقط!، بل أنه يتكلم عن الأحداث التي ذكرها قبل النص 9 أيضاً، حتى أنه عندما ذكرها لنا، ذكر لنا أيضاً، أن هذا هو ما أخبر به أرميا النبي، فهو لا يتكلم عن كلام محدد ذكره أرميا في النص 9 و10، بل عن أحداث كثيرة ذكرها أرميا النبي، وذكرها لنا القديس متى من النص 3، فعلينا أن نرى أين هذه الإقتباسات بداية من النص 3، لذا فعلينا أولاً، تصحيح سؤال المعترض، عن طريق إيراد ما أشار إليه القديس متى:
Mat 27:3حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ
Mat 27:4 قائلا: «قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا». فقالوا: «ماذا علينا؟ أنت أبصر!»
Mat 27:5 فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه.
Mat 27:6 فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: «لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم».
Mat 27:7 فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء.
Mat 27:8 لهذا سمي ذلك الحقل «حقل الدم» إلى هذا اليوم.
Mat 27:9 حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي: «وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل
Mat 27:10 وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب».
من أين أتى القديس متى بهذه الأحداث والأقوال؟
الحقيقة أن القديس متى أتى بها من سفري أرميا وزكريا النبيان، وليس من أرميا وحده أو زكريا وحده!، فالإقتباس هو إقتباس مُرَكَّب وليس إقتباس مباشر بسيط من نص واحد، وهو ليس إقتباس لنصوص فقط، بل إقتباس لنصوص ومواقف في سفر أرميا النبي مع موقف في سفر زكريا النبي، وتحديداً:
أمر الرب بأخذ الثلاثين من الفضة، (متى 27: 9، 10) مِن (زكريا 11: 13).
إذن، فالإقتباسات الأكثر، بل والفكرة العامة، من سفر أرميا، وهذا ما يتفق فيه عدد كبير من علماء الكتاب المقدس (إن لم يكن غالبيتهم)، فكيف لا يذكر القديس متى أرميا النبي؟
ولكن، ربما يسأل شخص آخر ويقول: حتى إن سلمنا أن الأحداث هنا مأخوذة بوجةٍ عام من أرميا النبي، وبوجةٍ خاص من زكريا النبي، فكيف يَنسِبُ القديس متى النبوة المُرَكَّبة إلى أرميا النبي فقط؟
أولاً: قد يبدو السؤال وجيهاً لأول وهلة، وبالطبع هو سؤال مشروع، والإجابة على هذا السؤال تحتاج أن يكون الشخص عارفاً بأن هذه الطريقة المزدوجة في الإقتباسات ونسبها إلى شخص واحد فقط، هي طريقة معروفة جداً في العصر المسيحي الأول، بل واليهودي أيضاً، ففي العهد القديم، وتحديداً في سفر أخبار الأيام الثاني 36: 21 | لإِكْمَالِ كَلاَمِ الرَّبِّ بِفَمِ إِرْمِيَا حَتَّى اسْتَوْفَتِ الأَرْضُ سُبُوتَهَا لأَنَّهَا سَبَتَتْ فِي كُلِّ أَيَّامِ خَرَابِهَا لإِكْمَالِ سَبْعِينَ سَنَةً) فهنا سنرى أن النبوة نُسِبت إلى أرميا النبي، بينما هذه النبوة مأخوذة من ثلاثة إقتباسات في سفرين وإثنين منهم فقط هما من سفر أرميا النبي، وهم (لاويين 24: 36) و(أرميا 25: 12) و(أرميا 29: 10)، وفي العصر المسيحي، في (مرقس 1: 2-3 | بدأت كما كتب النبـي إشعيا: ((ها أنا أرسل رسولي قدامك ليهيّئ طريقك،صوت صارخ في البرية:هيئوا طريق الرب،واجعلو سبله مستقيمة) (ترجمة الأخبار السارة، راجع بحثنا: التَفسِير و النَقد النَصّي يُؤكِدان عِصمَة و وَحي و ثَبات الكِتاب المُقدَس، هنا: ++) فمع أن الإقتباس الذي أورده مارمرقس هو من سفري أشعياء 40: 3 وملاخي 3: 1 (والبعض يضيف: سفر الخروج 23: 20)، والجزء الأول من إقتباس مارمرقس كان من ملاخي النبي، إلا أنه نسب هذا الإقتباس المركب كله إلى أشعياء النبي! والسبب في هذا لشهرة النبي أشعياء وأرميا في الأوساط اليهودية والمسيحية وأيضاً لكِبر حجم سفريهما، لذا فمن هذين المثالين نعرف أن ما فعله القديس متى هو ليس بالأمر الغريب في الأوساط اليهودية، وهو كيهودي يعرف ويستعمل هذا الأسلوب بلا إشكال، فأين الخطأ هنا؟
ثانياً: لم يذكر إسم سفر زكريا في العهد الجديد ولا مرة واحدة على الرغم من أن العهد الجديد قد إقتبس منه، وأحياناً كان الإقتباس من سفر زكريا فقط، ومع ذلك لا ينسب له الإقتباس عن طريق الإسم مثل: (متى 21: 4،5 | 4 فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل 5 قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعا راكبا على اتان وجحش ابن اتان) مِن (زكريا 9: 9)، و (متى 26: 31 | 31 حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكّون فيّ في هذه الليلة لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية) مِن (زكريا 13: 7)، بالإضافة إلى النص محل البحث (زكريا 11: 13)، وفي كل منها لم يذكر إسم زكريا على الإطلاق، ومن هذه الثلاثة، مرتان للقديس متى، مما يدل أنه لم يخطيء، وإنما فعل هذا متعمِّداً.
بعض القراءات:
Hendriksen, W., & Kistemaker, S. J. (1953-2001). Vol. 9: New Testament commentary : Exposition of the Gospel According to Matthew. Accompanying biblical text is author’s translation. New Testament Commentary (947-8). Grand Rapids: Baker Book House.
Davies, W. D., & Allison, D. C. (2004). A critical and exegetical commentary on the Gospel according to Saint Matthew (568-70). London; New York: T&T Clark International.
Chouinard, L. (1997). Matthew. The College Press NIV commentary (Mt 27:9). Joplin, Mo.: College Press.
Bergant, D., & Karris, R. J. (1989). The Collegeville Bible commentary : Based on the New American Bible with revised New Testament. Previously published in 36 separate booklets. (900). Collegeville, Minn.: Liturgical Press.
Beale, G. K., & Carson, D. A. (2007). Commentary on the New Testament use of the Old Testament (95). Grand Rapids, MI; Nottingham, UK: Baker Academic; Apollos.
Hoeber, R. G. (1997, c1986). Concordia self-study Bible. “Lutheran edition of the NIV study Bible” –Foreword. (electronic ed.) (Mt 27:9). St. Louis: Concordia Pub. House.
Brown, R. E. (1994). The death of the Messiah, Volume 1 and 2: From Gethsemane to the grave, a commentary on the Passion narratives in the four Gospels (647-52). New York; London: Yale University Press.
Crossway Bibles. (2008). The ESV Study Bible (1884). Wheaton, IL: Crossway Bibles.
Elwell, W. A. (1996, c1989). Vol. 3: Evangelical commentary on the Bible. Baker reference library (Mt 27:3). Grand Rapids, Mich.: Baker Book House.
MacEvilly, J. (1898). An Exposition of the Gospels of Matthew and Mark (547-48). Dublin; New York: M. H. Gill & Son; Benziger Brothers.
Barker, K. L. (1994). Expositor’s Bible Commentary (Abridged) (125). Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House.
France, R. T. (2007). The Gospel of Matthew. The New International Commentary on the New Testament (1042). Grand Rapids, MI: Wm. B. Eerdmans Publication Co.
Tom Constable. (2003; 2003). Tom Constable’s Expository Notes on the Bible (Mt 27:9). Galaxie Software.
Hagner, D. A. (2002). Vol. 33B: Word Biblical Commentary : Matthew 14-28. Word Biblical Commentary (813-14). Dallas: Word, Incorporated.
The Reformation Study Bible: English Standard Version. 2005 (R. C. Sproul, Ed.) (1408). Orlando, FL; Lake Mary, FL: Ligonier Ministries.
Morris, L. (1992). The Gospel according to Matthew (696-98). Grand Rapids, Mich.; Leicester, England: W.B. Eerdmans; Inter-Varsity Press.
Wilkins, M. J. (2004). The NIV Application Commentary: Matthew (871). Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House.
Blomberg, C. (2001, c1992). Vol. 22: Matthew (electronic ed.). Logos Library System; The New American Commentary (408-9). Nashville: Broadman & Holman Publishers.
Biblical Studies Press. (2006; 2006). The NET Bible First Edition Notes (Mt 27:10). Biblical Studies Press.