الحياة الأفضل في العهد الجديد

الحياة الأفضل في العهد الجديد

الحياة الأفضل في العهد الجديد

الحياة الأفضل في العهد الجديد (2)[1] دكتور وهيب قزمان بولس

2 ـ الحياة عند القديس يوحنا:

أ ـ إعلان وشهادة للمسيح:

يعتمد مفهوم القديس يوحنا اللاهوتي عن الحياة على أساس قيامة الرب يسوع، لأن كلمة الله اللوغوس، وابن الله الأزلي هو الحياة، وله الحياة في ذاته (يو4:1، 6:5، 57:6، 1يو1:1، 11:5ـ20). وحياة المسيح هى ” نور الناس” (يو14:1) فاعتماد كل الخليقة على يسوع المسيح كشف أنه هو نور (Φῶς) الحياة ونور العالم (يو12:8، 46:12، 5:1) باعتباره النور المُعلن لله الآب، وإذ يتمم إرسالية الآب، تصير وصية الآب هى حياة أبدية.

وبهذا المفهوم يدعو السيد المسيح نفسه بأنه الحياة (يو25:11، 6:14)، وخبز الحياة (ἄρτος τῆς ζωῆς) (يو35:6، 48). ويعلّق القديس كيرلس على خبز الحياة قائلاً: [الآن أنا حاضر أحقق وعدي في حينه: ” أنا هو خبز الحياة“، ليس خبزًا جسدانيًا، فهو لا يسد الاحساس بالجوع فقط، ويحرر الجسم من آثاره، بل يُعيد تشكيل الكائن الحيّ بأكمله إلى حياة أبدية… “مَنْ يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا“.

يتمم ذلك بسر ـ الأولوجية ـ في شركة جسده ودمه الأقدسين، فيستعيد الإنسان بكليته عدم الفساد، فلا يحتاج بعد إلى الطعام والشراب، كأشياء تدفع الموت عن الجسد ][2]. كما يدعو نفسه بأنه نور الحياة (يو12:8)، وهو المعطي الماء الحيّ (يو10:4، 38:7)، والخبز الحيّ (يو51:6)، وهو المعلن والمخبّر، وكلماته روح وحياة (يو63:6) وعنده كلام الحياة الأبدية (يو63:6) وقد أتى ليعطي الحياة للعالم (يو33:6، 10:10، 1يو9:4).

ولما كان المسيح هو الحياة، ومعطي الحياة ومعلنها، ولما كانت الحياة تظهر بقدومه (1يو1:1) فإن المؤمنين باسمه لهم حياة في الإيمان به (يو15:3، 36، 40:6، 47، 31:20، 1يو15:3) والشهادة باسمه إلى أقصى الأرض (أع8:1). وكل من يؤمن قد انتقل من الموت إلى الحياة (يو24:5، 1يو14:3)، وحين يتكلم (المسيح) فإنه وبحسب مفهوم القديس يوحنا، تكون الساعة الأخيرة حاضرة (يو25:5)، وهو ” القيامة والحياة” حتى أن كل من يؤمن به ولو مات فسيحيا (يو25:11)، وبظهوره يمنح تابعيه المجد (يو22:7).

وكل من يؤمن به يحيا (يو14:4، 25:5، 51:6). وهى حياة تُكلل بمجد الأبدية، ومعاينة مجد الابن (يو24:7)، حيث شركة عشاء الرب هى ضمانة القيامة (يو39:6، 40، 44، 48:2): “كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير“.

 

ب ـ الحياة الأفضل في ملء المحبة والفرح:

من المهم أن نفهم الطريقة التي تأسست بها الحياة الحاضرة، فالقديس يوحنا لم يقدم ألفاظًا روحية فقط في كلامه عن الاسخاتولوجي في بواكير المسيحية، بل مثلما فعل الرب يسوع، والقديس بولس، قد أصّلها، أى تحدث عنها في واقعية شديدة، إذ أن مجيء الرب يسوع كمعلن للآب، وللأبدية هو الحدث الأخروي والحاسم للدينونة (κρίσις): “ الذي يؤمن به لا يُدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد” (يو18:3، 27:5، 31:12).

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [ إن المسيح هنا يتقدم فيذيع ما سيكون مستقبلاً، فكما أن القاتل وإن كان لا يحكم عليه بمجرد وجود القاضي، بل بطبيعة فعله، كذلك فإن غير المؤمن يُحكم عليه بطبيعة إنكاره للإيمان وكفره. فقد مات آدم (روحيًا) في اليوم الذي أكل فيه من الشجرة، حسب حكم الموت (تك17:2). على أن آدم عاش بعد أكله من الشجرة، فكيف مات؟ لقد مات بموجب الحكم الإلهي السابق، نتيجة ممارسته للمعصية، التي ارتكبها][3].

إن الحياة في المسيح هى حياة المحبة والثقة، حيث انهزم الخوف (1يو18:4) وأصبح هناك فرح الصلاة (χαρά) (يو13:14، 7:15 و16، 1يو15:5) وفرح القلب (يو11:15، 20:16ـ24، 1يو4:1): ” كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم، ويكمل فرحكم.. فأنتم عندكم الآن حزن، ولكني سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم“. فالإعلان يُزيح كل اضطراب وغموض (يو23:16 و25 و29)، وهكذا يمكن تعريف الحياة في المسيح بأنها معرفة الله، ومعرفة الابن الذي أرسله (يو3:17).

والذي له هذه الحياة والمعرفة يملك كل شئ (يو1:10)، بل وتكون له الحياة الأفضل حقًا ” أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، ولتكون هذه الحياة أفضل” (يو10:10) ويشرح القديس أوغسطينوس هذه الحياة الأفضل قائلاً: [ ” قد أتيت لتكون لهم حياة“، أى الإيمان العامل بالمحبة (غلا6:5) ” ولتكون لهم هذه الحياة أفضل“، هؤلاء الذين يصبرون حتى المنتهى، فإنهم يخرجون بهذا الباب عينه، أى بالإيمان الحقيقي بالمسيح، فإنهم كمؤمنين حقيقيين يموتون، وتكون لهم الحياة الأفضل عندما يذهبون إلى حيث يقيم الراعي، ولا يموتون بعد][4].

3 ـ الإفخارستيا سر حياة الشركة والتجديد:

وفي الصلاة الليتورجية للإفخارستيا في القرون الأولى تصلي الكنيسة ” نشكرك أيها الآب القدوس من أجل الحياة والمعرفة، التي أظهرتها لنا بابنك يسوع “. لأن الحياة هى معرفة الله الحقيقية “ هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17)، وهى معرفة ليست بشرية، بل معرفة الحق وبالحق، لأن الله وحده هو الحق ” أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو6:14)، الذي يعطي للإنسان كل راحة وسلام، وعزاء وفرح؟

وهى حياة التجلى.. ولأن الحق إلهي، فهو حق حيّ، وشركتنا مع هذا الحق الحيّ هى شركة حياة في جسده ودمه، فاتحاد النفس بالمسيح يعطيها إمكانية التشبه به. وعلينا أن نكون أعضاء حية فيه، كما يقول: “ أنا هو خبز الحياة، الخبز النازل من السماء، أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد” (يو48:6، 50، 51). ويعلّق القديس كيرلس الكبير على شركة الحياة في المسيح قائلاً: [ أنا خبز الحياة، النازل من السماء، أنا حبة الحنطة الواهبة للحياة. من يأخذني في نفسه بالاشتراك في جسدي سيحيا، ويُطعم بالكامل فيّ، انا القادر أن أهب حياة][5].

وللخبرة الافخارستية في المسيحية، والحياة النسكية عمومًا مغزى عميق: أن يفتح الإنسان بملء إرادته باب قلبه للمسيح الواقف يقرع، حتى يدخل ويتعشى معه، لأنه يقول: ” هاأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ20:3).

ويشرح القديس كيرلس ذلك في نص من أعمق ما كتب عن الافخارستيا على الاطلاق، إذ يقول: [ لأننا في الافخارستيا نأخذ جسد المسيح ودمه الحقيقيين، وليس بصورة رمزية أو روحية، الافخارستيا هى أكل جسد المسيح. إنها البذرة المحيية وهى بذرة الخلود. إنها تعمل فينا كما تفعل الخميرة في العجين. إن تأثيرها فينا ليس فقط تأثيرًا روحيًا، بل وأيضًا تأثير جسدي. إن تذوق الافخارستيا هو تلامس مع المسيح الحيّ، كما حدث لمس أو تماس بيد المسيح، عندما شفى حماة سمعان، أو عندما أقام ابنة يايرس، أو ابن أرملة نايين. من خلال الافخارستيا يصير المؤمن متحدًا مع المسيح][6].

والإفخارستيا تحقق أسمى نموذج للاتحاد الممكن مع المسيح. إنها تحقق المشاركة في حياة الكلمة المتجسد، ليس فقط على مستوى روحي، بل أيضًا على مستوى جسدي: أن نشترك ونتناول يعني أن نُزرع ونُغرس في حياة الإله المتأنس.

إن حياة المسيحي كمعركة ضد قوى وأهواء الجسد لا تكتمل إلاّ في مائدة الافخارستيا، فهى مكان لإعادة الإنسان لوضعه السابق (في الفردوس)، ولإحيائه ولتجديده وإصلاحه، ولراحته، إنها المكان، حيث قوة الكلمة (اللوغوس تجابه نزوات الجسد وتتغلب عليها.

ومن خلال الشركة في مائدة الافخارستيا نحصل على ما نصلي من أجله في ليتورجية سرابيون[7]: [ يا إله الحق، ليأت كلمتك القدوس على هذا الخبز، ليصبح الخبز جسد الكلمة، وعلى هذه الكأس، لكي تصبح الكأس دم الحق. اجعل الذين يتناولون يتلقون دواء الحياة، لشفاء كل عاهة، ولتقوية كل نمو وكل فضيلة، ولا لدينونتهم، يا إله الحق، ولا للحكم عليهم أو لخزيهم ].

[ إن ثمرة ومكافأة الإيمان بالمسيح هى ـ بالتأكيد ـ الحياة الأبدية. فليس هناك طريق آخر تنال به النفس هذه الحياة. فرغم أن المسيح سيُقيم الجميع إلاّ أن الحياة الأبدية التي تُعطى للمؤمنين هى الحياة الحقيقية أى أن نعيش بلا نهاية في الغبطة؛ لأن العودة إلى الحياة لأجل نوال العقاب فقط لا يختلف عن الموت. فإن من يلاحظ أنه حتى القديسين الذين نالوا مواعيد الحياة، يموتون، فهذا ليس شيئًا (غريبًا) لأن هذا هو الأمر الطبيعي، إذ أن إظهار نعمة القيامة سيتم في حينه، فالقيامة ستكون للجميع وليس للبعض، وهى فعّالة لجميع البشر.

فالقديسون الذين سبق أن ماتوا أو الذين ذاقوا الموت لفترة قصيرة (قبل نعمة القيامة العامة) كل هؤلاء سيقومون في القيامة العامة. فالكل معًا سيتمتعون بالصالحات. وبقول المخلّص: « ولو مات فسيحيا » فإنه لم يلغِ الموت الذي يحدث الآن، لكنه يوضّح أن الموت له قوة على المؤمنين، فهم يعانون الموت بشكل طبيعي؛ لأنه قد حفظ نعمة القيامة إلى الوقت المناسب، وهو يقول: ” إن مَن يؤمن بي، فرغم أنه سيجتاز موت الجسد بطريقة طبيعية إلاّ أنه لن يعانِ شيئًا يستحق الخوف في هذا الأمر، لأن الله يستطيع بسهولة أن يحيي مَن يشاء. لأن مَن يؤمن به سينال في الدهر الآتي، حياة لا تنتهي في الغبطّة والخلود الكامل ” ][8].

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

 

 

[1] بتصرف عن المرجع الرئيسي، غالبية تعليقات الآباء عن كتب تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب، كنيسة مارجرجس سبورتنج الأسكندرية سنة 1991ـ2003.

[2] عن تفسير القديس كيرلس عمود الدين لإنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد.

[3] Hom. 28. PG 29:195.

[4] St. Augustine: On the Gospel of St. John, Tractate 45:15.

[5] Meditation on the Mystical Supper, Hom. 10 PG 77, p. 155-157.

[6] بتصرف عن الافخارستيا وفاعليتها الروحية ” عند القديس كيرلس الأسكندري، للدكتور موريس تاوضروس، كتاب كلمات حول الافخارستيا، بيت التكريس لخدمة الكرازة، ديسمبر سنة 1998.

7 خولاجي سرابيون، تعريب جورج نصور ويوحنا ثابت، سلسلة النصوص الليتورجية سنة 1970 ص 90.

8 عن كتاب ” شرح إنجيل يوحنا ” للقديس كيرلس الأسكندري، الجزء السادس، الإصحاح الحادي عشر.

الحياة الأفضل في العهد الجديد

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

من كتاب الكنوز في الثالوث للقديس كيرلس الإسكندري ترجمة د.جورج عوض إبراهيم مراجعة د.جوزيف موريس فلتس – إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

تفسير آية:” إلهي إلهي لماذا تركتني” (مت 27: 46)

 

نحن نفتخر بصليب مخلِّصنا المسيح، ونؤمن أننا خَلُصنا؛ لأن كلمة الله صار إنساناً لأجلنا وصُلِب لأجلنا، لكي يُبطِل الموت الذي يسري علينا ([1])، ولكي يُقيمنا أيضاً بذاته محوِّلاً إيانا من حالة الفساد إلى حالة عدم الفساد([2]).

لذلك كان ينبغي عليه أيضاً أن يبرهن – وقت الألم – على أنه صار حقاً إنساناً، وليس بحسب الخيال، ولأجل هذا السبب بالضبط، صرخ وتحدث بما يتناسب مع إنسان، وقال: “إلهي إلهي لماذا تركتني” (مت 27: 46)، “فلتعبر عني هذا الكأس” (مت 26: 39). بينما بأعماله برهن على أنه هو الله، هذا الذي لأجلنا صار إنساناً، واحتمل هذه الأمور البشرية على الصليب لأجل خلاصنا جميعاً. لأن الشمس أخفت شعاعها ولفَّ الظلامُ السماءَ، وانشقت الصخور وحجاب الهيكل.

 

وصنع أموراً أخرى عظيمة مثل هذه لكي يبرهن أنه هو الله الذي صار إنساناً. لذلك أيضاً، فإن صالبيه، الذين كانوا يستهزئون به من قبل، وهم يرون كل ما صار بطريقة إلهية، قالوا: “حقاً كان هذا هو ابن الله” (مت 26: 24).

 

كلمة الله صار إنساناً، لا لكي يتصرَّف ويتحدَّث مثلما كان قبل تأنُّسه كإله، لكن لكي يقول ويتصرَّف كإنسان بالشكل الذي يتناسب مع احتياجات خطة التدبير الإلهي. فإذا كان هذا هو مفهوم سرَّ التأنُّس، فكيف يُعقل أن يَعثُر فيه كل الذين يسمعونه يتحدَّث بشرَّياً؟ لأنه يتحدَّث كإنسان، بل ويتحدَّث أيضاً كإله آخذاً سلطة الاثنين معاً. فكإنسان قال: “الآن نفسي قد اضطربت”، بينما كإله: “ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضاً” (يو 10: 18).

الاضطراب إذن هو من ضمن أوجاع الجسد الخاصة، بينما السلطان الذي له ليقدَّم حياته ذبيحةً، وأيضاً ليأخذها، هو من عمل قوة الكلمة. فإذا كنا لا نعثر عندما يقول شيئاً بكونه إلهاً، بالرغم من أنه يبدو كإنسان، بل أيضاً نقصد الكلمة الذي اتخذ جسداً. هكذا الأمر عندما يقول شيئاً كإنسان، علينا أن لا نعثر متفكرين في أنه لأجلنا صار إنساناً، ولذلك يقول هذه الأقوال التي تتناسب مع الطبيعة البشرية([3]).

بسبب محبته العظيمة والفائقة أتحَدَ كلمة الله ذاته بنا، لا لكي يصير مثلنا؛ لأنه هو غير المتحول ولا يعرف التغيير، لكنه اتَّحد بنا بذاته لكي يغيِّرنا نحن ([4]) إلى ما هو عليه. لأنه مثلما أصبح لدينا – نحن الذين قبلناه – كل ما يخصه؛ لأنه سكن في داخل الجسد (إذ قد دُعينا “أبناء” (1 يو 3: 1)، و”آلهة” (مز 82: 6، يو 10: 34)، ليس بحسب الطبيعة مثله، بل بحسب النعمة)، هكذا أيضاً عندما اتحد بنا وصار إنساناً، لَبِسَ ضعفاتنا. هكذا تألم لأنه جعل الجسد الذي أخذه واحداً معه، لكي تُمَات أوجاع الجسد بالنسبة لنا، نحن الذين نُسرع لكي نصير متشبِّهين بالمسيح الذي أخذ لأجلنا كل أوجاعنا في ذاته.

 

يدين الله الإسرائيليين بسبب خطاياهم بواسطة الأنبياء، فيقول: “وَبَنَوْا مُرْتَفَعَاتٍ لِلْبَعْلِ لِيُحْرِقُوا أَوْلاَدَهُمْ بِالنَّارِ مُحْرَقَاتٍ لِلْبَعْلِ، الَّذِي لَمْ أُوْصِ وَلاَ تَكَلَّمْتُ بِهِ وَلاَ صَعِدَعَلَى قَلْبِي” (أر 19: 5). أيضاً يقول لأورشليم: “سببت لي حزناً بكل ما فعلتِ” (أر 16: 43 س). وأيضاً لأجل شرور أخرى: “أَفَمَا أُعَاقِبُهُمْ عَلَى هذِهِ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمْ لاَ تَنْتَقِمُ نَفْسِي مِنْ أُمَّةٍ كَهذِهِ؟” (أر 9: 9). إذن، لأنه من الواضح للجميع، أن كلمةالله كان هو من قال هذه الأقوال للأنبياء، فما الذي يمكن أن يصنعه محاربو المسيح؟ هل يعتقدون أن كلمة الله – مثل البشر – له نفساً وقلباً، ويقولون إن ألَمَ الحزن والغضب قد استحوذا عليه، فيظهر وكأن لا شيء لديه أكثر من أنه إنسان، في حين أنه هو مثل الآب فوق أي طبيعة مخلوقة؟

لكن ربما يتجنبون هذا ويقولون إن هذه الأقوال قيلت من الكلمة بطريقة رمزية وبشرية. وأنا أقول لكم إذا كنتم تحفظون لابن الله مكانته التي تليق به – عندما يقول هذه الأقوال – مؤكدين على أنه فوق الحزن والغضب والهوى، بالرغم من أنه ظهر محتملاً كل هذا لأجل شيء مفيد، فكيف يُعقل ألاَّ نسمح له – وقد صار إنساناً واتخذ جسداً – بأن يقول مثل هذه الأقوال لكي يظل غير متألم، بالرغم من أن هذه الأمور تُعد من خصائص الجسد بحسب طبيعته، أي ذلك الجسد الذي أخذه لأجلنا مع كل صفاته الطبيعية؟ أي أن يبكي، ويضطرب، ويصارع، ويتجنب الموت، ويتألم بكل ما هو شبيهٌ بتلك الأمور؛ لأن هذه الأمور كلها مِن صفات الطبيعة الإنسانية.

 

([1]) يؤكد دائماً القديس كيرلس – أثناء حديثة عن معجزة تحويل ماء النهر إلى دم بيد موسى – على ما سبق وأكده الرسول بولس بأن موت المسيح هو ربح، إذ يقول: “يقول: “وَيَكُونُ إِذَا لَمْ يُصَدِّقُوا هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وَلَمْ يَسْمَعُوا لِقَوْلِكَ، أَنَّكَ تَأْخُذُ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ وَتَسْكُبُ عَلَى الْيَابِسَةِ، فَيَصِيرُ الْمَاءُ الَّذِي تَأْخُذُهُ مِنَ النَّهْرِ دَماً عَلَى الْيَابِسَةِ” (خر 9:4). الماء هو رمزٌ للحياة، لأنه هو عملياً ضروري ومفيد جداً للبشر.

 

إذن، الابن حقاً هو ذاته الحياة، أتى عملياً كأنه مِن نهر، أي مِن الآب. لأنه كما هو نور أتى من نور، هكذا هو أيضاً حياة من حياة. كون أنه لم يأخذ وجوده من الخارج، بل أتى بحسب الطبيعة من الله الآب، هذا تعلّمه موسى وليس أقل أبداً مما نعمله نحن. لأنه يقول: “إنك تأخذ من ماء النهر” ثم أمره أن يسكب على الأرض. هذا رمزياً يعني سر التأنس.

 

أي حقاً وحيد الجنس هو الحياة، ومولود من الله الآب الذي هو الحياة اتحد بطريقة ما بالبشرية التي أتت من التراب بالضبط مثل اتحاد الماء بالتراب: “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 9:2)، وصار مثل الطبيعة البشرية، هكذا لا يستطيع أحد أن يدرك هذا الأمر بذهنه أو يعبر عنه. لكن الماء تحول إلى دم. بمعني أن الحياة بحسب الطبيعة، كلمة الله الآب بالاتحاد الذي تم بحسب التدبير، أقصد اتحاده بالجسد أي بكل البشرية وبكل طبيعتنا، تحمّل الموت بالجسد.

 

بمعني أننا نقول إنه مات لأجلنا بدون أن تعاني طبيعته (الإلهية) لأنه لم يكن من الممكن أن يموت طالما أنه الحياة ذاتها بل مات بجسده”. جيلافيرا، ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، الكتاب الشهري، عدد أغسطس 2010.

 

([2]) أثناء حديثة عن التابوت يؤكد القديس كيرلس على أن جسد المسيح بسكنى الكلمة فيه ارتفع فوق الفساد، إذ يقول: [التابوت، يا بلاديوس، يمكن أن يكون مثالاً وأيقونةً للمسيح. لأنه في تفسيرنا لطريقة تأنس الوحيد الجنس روحياً، سوف نرى أن اللوغوس ساكن في هيكل العذراء كما لو كان داخل التابوت. لأنه وفق الكتب المقدسة “فإنه يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً” (كو 9:2).

 

إذن، اللوغوس – بالتأكيد – هو ما يشير إليه لوحا الشهادة بالتابوت. والخشب أيضا كان من النوع الذي لا يصاب بالفساد، وكان مغطىً بذهب نقي وخالص من الداخل والخارج. لأن جسد المسيح غير فاسد محفوظٌ في عدم الفساد بقوة وبهاء اللوغوس الذي يسكن داخله بطبيعته والفعل المحيي للروح القدس.

 

لأجل هذا بالتأكيد يُقال إن المسيح يُحيي. فلأن اللوغوس – باعتباره كلمة الله الآب – حي بحسب طبيعته، فإنه بقوة الروح يُعيد إحياء هيكله جاعلا إياه أسمى من الفساد. لأن “جسده لم يرَ فساداً” وفقاً لكلام بطرس القديس (أع 31:2)]. السجود والعبادة بالروح والحق، ج: 5، المقالة التاسعة ص 65.

 

([3]) لقد أراد الابن أن يحرر الطبيعة البشرية من أوجاعها لذلك اجتاز – بكونه إنساناً – كل الآلام التي تجتازها هذه الطبيعة، وهذا ما سبق إن ذكره القديس كيرلس في نفس السياق، إذ يقول: “كما أن إبادة الموت لم تتم بطريقة أخرى غير موت المخلّص، هكذا أيضاً من جهة كل ألم من آلام الجسد: فلو لم يشعر بالخوف، لما أمكن للطبيعة البشرية أن تتحرر من الخوف، ولو لم يكن قد اختبر الحزن، لما كان هناك تحرر من الحزن على الإطلاق؛ ولو لم يكن قد اضطرب وانزعج، لما وُجِدَ أي مهرب من هذه المشاعر.

 

ومن جهة كل انفعال من الانفعالات التي تتعرض لها الطبيعة البشرية، فإنك ستجد المقابل لها بالضبط في المسيح. فانفعالات الجسد كانت تتحرك، لا لكي تكون لها السيطرة كما يحدث في حالتنا نحن، بل لكي حينما تتحرك، فإنها يتم إخضاعها كلية بقوة الكلمة الساكن في الجسد، وهكذا فإن طبيعة الإنسان تجتاز تغيّراً نحو الأفضل”. شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق، الجزء السابع، الإصحاح الثاني عشر ص 38.

 

([4]) أكد هذه الحقيقة القديس كيرلس في موضع آخر، قائلاً: “فإن كلمة الله وحَّد الطبيعة البشرية بكليتها مع نفسه، لكي، بذلك يخلّص الإنسان بكليته. فما لم يتخذه للاتحاد بطبيعته (الإلهية)، لا يحصل له خلاص”. شرح إنجيل يوحنا، المرجع السابق، الجزء السابع، الإصحاح الثاني عشر، ص 35.

إلهي إلهي لماذا تركتني (مت 27: 46) للقديس كيرلس الكبير

طبيعة المسيح و لقب والدة الله بين هرطقة نسطور و رد البابا كيرلس

طبيعة المسيح و لقب والدة الله بين هرطقة نسطور و رد البابا كيرلس

طبيعة المسيح و لقب والدة الله

طبيعة المسيح و لقب والدة الله بين هرطقة نسطور و رد البابا كيرلس

زادت فى الآونة الآخيرة الحديث عن هرطقة نسطور سواء من خلال رواية الكاتب يوسف زيدان أو من خلال كتابات الأخ حنين عبد المسيح ولذلك قمتُ بإعداد كتيبٍ بسيطٍ لشرح هرطقة نسطور وهي:

  • نادى بأن للسيد المسيح طبيعتين ، طبيعة إلهية والأخرى إنسانية، وأن الطبيعة الإلهية لم تتحد بالطبيعة الإنسان، وحتى قوله أن اللاهوت قد حل فيه لم يكن بمعنى الإتحاد الأقنومي ، وإنما حلول بمعنى المصاحبة أو حلول كما يحدث للقديسيين_سنشرح ذلك بالتفصيل لاحقًا _ أي أن المسيح صار مسكنًا لله، كما صار مسكنًا للروح القدس في عماده، فهو بهذا الوضع يعتبر حامل لله كاللقب الذي أخذه القديس أغناطيوس الأنطاكي، وقد قال صراحة: سوف نفرق الطبائع ونوحد الكرامة، سوف نعترف بشخص مزدوج ونعبده كواحد “
  • رفض أن يدعو العذراء والدة الإله ، وقال أنه ينبغي أن ندعوها والدة المسيح.
  • وأعتبر نسطور أن الله الكلمة قد سكن في شخص إنسان، وبذلك يكون المسيح من شخصين، ولقب الإتحاد الحادث بينهما بالإتحاد البروسوبوني ( الشخصاني )، أي أشخاص في الصورة وفي الكرامة وفي السلطة، ولكننا نؤمن بشخص واحد للسيد المسيح وليس شخص واحد من شخصين كما قال نسطور.

 الرد عليه تجدونه على هذا الرابط : اضغط هنا

أتمنى أن يفيدكم هذا الكتيب المتواضع في حياتكم الروحية وكذلك في حياتكم العملية في مناقشاتكم مع الآخرين سواء مع من اقتنعوا بكلام الكاتب يوسف زيدان أو من خلال كتابات الأخ حنين عبد المسيح.

المقال للكاتب : صموئيل طلعت أيوب 

طبيعة المسيح و لقب والدة الله بين هرطقة نسطور و رد البابا كيرلس

كتاب عن المرأة وغطاء الرأس – دراسة وشرح القمص كيرلس عبد المسيح حنا

كتاب عن المرأة وغطاء الرأس – دراسة وشرح القمص كيرلس عبد المسيح حنا

كتاب عن المرأة وغطاء الرأس – دراسة وشرح القمص كيرلس عبد المسيح حنا

كتاب عن المرأة وغطاء الرأس – دراسة وشرح القمص كيرلس عبد المسيح حنا

احكموا في انفسكم  : هل يليق بالمراة ان تصلي الي الله و هي غير مغطاه؟ 

 

محتويات الكتاب

الباب الاول :

  • الكرامة الانسانية اساسها نعمة الصورة الالهية في الانسان
  • الجسد و الروح ثنائية ام وحدة كيان ووجود ؟
  • اهمية ادراك معنى الجسد و الوعي به في حياتنا المعاصرة
  • المجتمع المصري و ظاهرة التحرش الجنسي بالمراة ( المشكلة – تفسير – معالجة )
  • افكرا حول الحياة المسيحية و الحشمة

الباب الثاني

  • الاساس اللاهوتي لتغطية راس المراة اثناء الصلاة الليتروجية
  • المراة مثال للكنيسة
  • لهذا ينبغي ان يكون للمراه سلطان على راسها من اجل الملائكة

الباب الثالث

  • النص و احتمالات التفسير
  • الراس في التراث الانساني و الكتابي و الليتروجي
  • الوجة في التراث الانساني و الكتابي و الليتروجي
  • الشعر  في التراث الانساني و الكتابي و الليتروجي
  • الغطاء في التراث الانساني و الكتابي و الليتروجي –
  • غطاء راس المراه  <<  كعلامة >> في الصلاة الليتروجية
  • احكموا في انفسكم : هل يليق بالمراة ان تصلي الي الله و هي غير مغطاة

اضغط هنا للتحميل

كتاب عن المرأة وغطاء الرأس – دراسة وشرح القمص كيرلس عبد المسيح حنا

 

الصراع الاهوتي بين القديس كيرلس السكندري ونسطوريوس

الصراع الاهوتي بين القديس كيرلس السكندري ونسطوريوس

الصراع الاهوتي بين القديس كيرلس السكندري ونسطوريوس


Cyril Of Alexandria And The Nestorian Controversy

الصراع الاهوتي بين القديس كيرلس السكندري ونسطوريوس


الصراع الاهوتي بين القديس كيرلس السكندري ونسطوريوس

من سلسلة

oxford early christian studies

لتحميل الكتاب إضغط هنا

Exit mobile version