تجسد الكلمة واسطة لمعرفة الله.

في الحقيقة من جهة الخبرة، فأننا جميعاً حاولنا أن نعرف الله، وذلك كان بحسب سعي كل واحد وإدراكه من جهة قراءاته وانتماءاته الدينية وميوله العقائدية، كما أن البشرية كلها على مر العصور حاولت أن تصل لله وتصنع معه سلاماً بكافة الطرق ولم تفلح بل فشلت تماماً وكان فشلها عظيماً، لأنه ليس بار ولا واحد، وحتى من لهم الإيمان بالله الحي وسمعوا صوته ونالوا منه رسائل وأخذوا مواهب، لم يستطيعوا أن يثبتوا في البرّ، وابتعدوا عن الشرّ وعاشوا في عدم خطية، بل الكل زاغ وفسد تماماً، ولم يعد هناك طريق إلى الله يستطيع إنسان أن يسير فيه، وهو عالم أن [ من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه إلا الطاهر اليدين والنقي القلب الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذباً ] (أنظر مزمور 24: 4و 5)، فالله قدوس ولا يدنو من محضره إلا من هو في حالة قداسة وطهارة خاصة، والإنسان بطبعه الساقط كله ظلمه، وعلى مر تاريخه تيفن أنه لا يصلح أن يقرب من الله، أو يتسطيع أن في مواقفه مع الله أو حتى يستطيع أن يثبت في حفظ الوصية… 
  • ومن هنا يأتي السؤال: ما هو السبيل لمعرفة الله كشخص قريب مني وانا قريب له، وكيف يثبت إنسان بدون أن يهدده خطر الطرح بعيداً عن الله الحي، هذا سؤال جوهري أتعب البشرية كلها على مر التاريخ الإنساني كله، والصراخ الذي يصرخه الجميع، أين الطريق وكيف أعرف الله وأُقيم شركة حقيقية معه !!!

في الحقيقة لم ولن يكون هناك حلاً بشرياً يستطيع أن يحل هذه المعضلة، لأن كل الطرق تطرقها الإنسان وفشلت، وحينما يأس الإنسان تماماً ولم يجد ضالته المنشودة حتى عند المؤتمنين على التعليم الإلهي الظاهر في كهنة الله في العهد القديم وأنبياؤه، صرخ الإنسان [ ويحي أنا الإنسان الشقي من يُنقذني من جسد هذا الموت – أرحمني يا الله كعظيم رحمتك – أغسلني كثيراً من إثمي (خياتني لك وتعدياتي على وصياك) ومن خطيئتي طهرني – قلباً جديداً أخلقه فيَّ وروحاً مستقيماً جدد في أحشائي ]، وهذا هو نداء البشرية كله، وكل من هو بعيد عن الله الحي، حتى ولو كانت عنده وصاياه كشعب إسرائيل الذي خان خيانة للعهد القائم بينه وبين الله، ولكن في النهاية، في ملء الزمان، حينما لم يعد ذكر لله والكل في حالة تيه تام وصل لزروته، ولم يعد هناك زمان فرصة للعودة، والله نظر وتطلع من السماء وأشرف ولم يجد من هو فاهم طالب الله، إلا قلة قليلة منتظره تحقيق وعده، فقد أتى الحل من فوق من عند أبي الأنوار كالتدبير، فارسل وحيده مولوداً من امرأة تحت الناموس للنال التبني وندخل في معرفة الله الحقيقية، فالتجسد كان من الأسباب الهامة لمعرفة الله في ذاته، لأن الإنسان ، بسبب الخطية المدمرة للقداسة التي بدونها لا يُعاين أحد الله أو يستطيع أن يقف أمامه قط، أتحجبت عنه معرفة الله كخالق حقيقي للعالم وكمخلَّص للإنسان.

  • فلا ناموس موسى، ولا تعليم الأنبياء، ولا الناموس الطبيعي في ضمير الإنسان، ولا الفلسفة العميقة المعتمدة على العقل الحرّ؛ ولا القدرة على البحث والمعرفة من جهة العقل والإدراك، استطاعت أن تكشف الله في ذاته لفكر الإنسان وضميره على مستوى ” معرفة الله ” كخبرة وحضور محيي ينقل الإنسان من الظلمة للنور، ومن الخزي للمجد الأسنى !!!
أما عجز الإنسان عن بلوغ ” معرفة الله في ذاته “، بالرغم من هذه الوسائط أي الناموس والأنبياء والعقل والضمير، فهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى أن الإنسان تورط في التعدي وتوغل في البُعد عن الله، والانحراف عن مساره السليم، ففقد القدرة على خلاص نفسه أي إدراك النور الحقيقي. لهذا تم التجسد ليُستعلن كلمة الله، لكي بواسطته يبلغ الإنسان إلى معرفة الله في ذاته، أي الدخول في النور، وهي المعرفة التي فيها يكمن سرّ خلاصه الأبدي: [ في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله و كان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان، فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس … كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان أتياً إلى العالم ] ( يوحنا 1 )
  • يقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[ كلمة الله أخذ لنفسه جسداً، وسلك بين الناس كإنسان، وجذب أحاسيس كل البشر نحو نفسه؛ حتى يستطيعوا رؤية الله جسدياً، فيدركوا الحق عن طريق الأفعال التي يعملها الرب بواسطة جسده، فيدركوا الآب فيه ( أو عن طريقه يعرفون الآب ) ] (تجسد الكلمة فصل 15)

 

[ لأنه إذ انحط فكر البشر نهائياً إلى الأمور الحسية، فالكلمة أيضاً تنازل وأخفى نفسه بظهوره في جسد لكي يجذب البشر إلى نفسه كإنسان ويركز إحساسهم في شخصه، ومن ثَمَّ إذ يتطلع إليه البشر كإنسان، فأنهم بسبب الأعمال التي يعملها يقنعون أنه ليس مجرد إنسان، بل هو الإله وكلمة الله الحق وحكمته.
لهذا السبب أيضاً لم يتمم ذبيحته عن الكل ( الخلاص ) بمجرد مجيئه مباشرة، بتقديم جسده للموت ثم أقامته ثانية؛ لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيَّر نفسه ظاهراً جداً ( أعلن نفسه ) بالأعمال التي عملها وهو في الجسد والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفاً أنه ليس بعد مجرد إنسان فقط بل أنه هو (( الله الكلمة )).
لأن المخلَّص تمم بتأنسه عملين من أعمال المحبة :
( أولاً ): أباد الموت من داخلنا وجدَّدنا ثانية 
( ثانياً ): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرَّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدبر وملك الكون. ] (تجسد الكلمة فصل 16)

 

[ وأرسل ابنه الخاص، وهذا باتخاذه لنفسه جسداً من خليقته صار ابناً للإنسان. وبينما الكل ساقط تحت حكم الموت، إلا أنه كونه غير هؤلاء جميعاً، وقد قدم للموت جسده الخاص؛ صار الكل فيه وكأنهم ماتوا جميعاً، وهكذا كملت الكلمة القائلة (( لأن الكل مات في المسيح )) ( 2كورنثوس 5: 14 )، والكل أصبح فيه أحراراً من الخطية ومبرأين من اللعنه التي أتت على الجسد، يقومون من الموت لا بسين عدم الموت في غير فساد ليدوموا إلى ألأبد.

لأن الكلمة لما لبس جسد صارت كل عضة للحية عديمة الفاعلية، إذ أوقف مفعولها نهائياً منه، بل وكل شرّ ناتج من حركة الجسد انقطع تياره في الحال، ومع هذا أو ذاك، أبطل مفعول الموت الذي هو رفيق الخطية، كما قال الرب نفسه ” رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء ” (يوحنا14: 30)، وأيضاً ” من أجل هذا أُظهر حتى ينقض أعمال إبليس ” (يوحنا 14: 30) . ولما أُبطلت ونُقضت هذه من الجسد، تحررنا جميعاً بالتالي بسبب قرابتنا واتصالنا بهذا ” الجسد ” وصرنا متحدين بالكلمة، خاصة من جهة المستقبل ]Discours. Against Ar. II. 69

دعوة الله العليا معلنة لنا في الثالوث القدوس – الطريق الصحيح لمعرفة الله.


إخوتي الأحباء في الرب

أردت اليوم أن أكتب ما سبق وكتبت من جهة الخبرة والإعلان حسب مقتدى القصد الأزلي الذي لله الحي الذي أراد أن يكشف سره لأحباءه الأخصاء الذين يؤمنون به، أي حبيبه الإنسان الذي خُلق ليدخل في شركة حيه معه، فهذه هي دعوة الله هي معرفته كإله حي وحضور مُحيي، ولكي ندخل في سره العظيم أشرق لنا في ملء الزمان بيسوع المسيح الذي أعلنه لنا لأن الله لم يراه أحد قط بل الابن الوحيد الذي في حضنه هو خبر لذلك مكتوب: [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمةهو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كو4: 6)، لذلك أرجوكم لا أنا بل محبة الله أن تدخلوا هذا الموضوع وقلوبكم تحمل شوق معرفة الله حسب إعلانه الخاص عن نفسه، تاركين شهوة معرفة العقل لحفظ المعلومات، بل انتبهوا بقلوبكم لهذا السر العظيم، أي الدخول في معرفة الله القدوس كشركة وحياة وليس معلومة وفكر ومجادلة…

+ دعوة الله وإعلانه عن نفسه خبرة وحياة شركة +

أحباء الله المدعوين دعوة عُليا مقدسة حسب تدبير الله السابق خالق الكل [ الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية (2تيموثاوس 1: 9) ]، فدعوة الرب لنا هي دعوة سماوية لحياة الشركة المقدسة بالمحبة في الثالوث القدوس كأبناء لله في الابن الوحيد الذي خلصنا [ ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولوداً تحت الناموس. ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني. ثم بما إنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخا يا أبا الآب (غلاطية 4: 4 – 6 ) ]، ودعوة الله مصدرها الله نفسه، ومُعلنه لنا بالله نفسه، ومعطاة لنا بالله نفسه. [ إعلان واحد، عطية واحدة ونعمة واحدة من الآب بالابن في الروح القدس ] ( من رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى سرابيون عن الروح القدس )

وعندما ننضم للمسيح يسوع بالمعمودية والتوبة والإيمان الحي، فإننا ننضم إلى الكنيسة جسد المسيح [ وأما انتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادا (1كورنثوس 12: 27) ]، لكي نصبح مع الرب ومع الإخوة والأخوات الذين ولدوا من الله في المسيح جسداً واحداً وروحاً واحداً [ هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضاً لبعض كل واحد للأخر (رومية 12: 5)؛ جسد واحد وروح واحد كما دعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد (أفسس 4: 4) ]. وهنا نتعلم سرّ الثالوث القدوس، أي نتعلم ونفهم ونستوعب على مستوى الخبرة والحياة والممارسة الحية في واقعنا المُعاش…
ومن تذوق الإعلان الإلهي، ومن معرفتنا بالرب يسوع المسيح ابن الآب الوحيد، الذي عندما نقبل فيه التبني [ إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم 
روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب (رومية 8: 15) ]، ونسعى فيه وبه لإدراك الأسرار الإلهية، ننال – بتلقائية وبساطة – معرفة الثالوث القدوس من خلال الممارسة، أي المعرفة الحية الآتية من الشركة والتي ليست قاصرة علينا، ولا هي خاصة بفرد دون فرد آخر، بل بواسطة الشركة يتم التطهير من المعرفة الذاتية الشخصية النابعة من خوف الموت وسلطان الخطية، أي من الداء القديم حسب الطبيعة الساقطة التي لا تقدر أن تتعرف على الله الحي القدوس، فالمعرفة التي حسب الجسد والتي تتوقف على قدرات العقل البشري في التفكير والاستنتاج والتي يكون دائماً بعضها صحيح والبعض الآخر خطأ الذي ينبع من الفكر المتغرب عن محبة الله، وهي خطر كبير للغاية يهدد الشركة والمعرفة حسب قصد الله – لأنها حتماً تقود للانفرادية وطبيعتها الانقسام 
– لذلك كل من يسعى للانقسام داخل الكنيسة فهو لم يعرف بعد الله القدوس ولازال متغرباً عن محبة الله وبالتالي الكنيسة، فأي خادم أو أياً من كان وضعه أو رتبته في داخل الكنيسة يصنع خصومات وتحزبات وانشقاقات، أو يصنع فرقة بناء على رأي أو فكر شخصي أو فلسفة أو مجادلة أو يسعى للوشاية وحرمان الآخرين وعزلهم من الكنيسة، فهو غريب عن الله ولم يعرفه قط، بل لازال الله – بالنسبة لهؤلاء – هو الإله حبيس العقل، وهو بذلك أصبح وثن وتمثال مصنوع من الأفكار البشرية التي بحسب الإنسان وذكائه الخاص ليعبده ويشرك الناس في عبادته، لذلك يتم رفض الآخر الذي لم يشترك في عبادة هذا الإله صُنع الفكر حبيس العقل، وبذلك حقاً فأن هؤلاء لم يعرفوا الله الحقيقي من جهة الرؤيا والإعلان، بل يعرفون إلههم الخاص حسب معرفة عقلهم لذلك يحبسون إلههم في اعتقادهم حسب رأيهم الشخصي حتى لو كان كلامهم صحيح، فهم في الواقع لم يروا الله ولم يسمعوا صوته قط، بل ينقلون ما تعملوه من الناس وما يميلوا إليه من حيث الراحة النفسية أو المعتقد والطائفة والمعاجم والقواميس بدون رؤية ولا إعلان ولا شركة حقيقية !!!
فالله يُعرف بالاستعلان، أي هو من يُعلن ذاته في القلب بالروح وفي الذهن بالاستنارة، أي إشراق النعمة في العقل والقلب معاً، فيتعلم الإنسان من الله وسط الكنيسة التي تحيا بنفس ذات الروح عينه، روح التبني، حيث يحيا الكل حسب الدعوة التي دُعيَّ إليها [ فاطلب إليكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها. بكل تواضع ووداعة وبطول أناة محتملين بعضكم بعضاًفي المحبة. مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسد واحد و روح واحد كما دُعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة. إله وأب واحد للكل الذيعلى الكل وبالكل وفي كلكم. ] (أفسس 4: 1 – 6)
نحن نُعطى معرفة الثالوث باختبار المحبة الإلهية والتي تأتي من الشركة لكي تقوي الشركة، أي تبدأ منها وتعود إليها، لأنه لا محبة بلا شركة ولا معرفة طاهرة بدون المحبة؛ لأننا لا نعرف شيئاً معرفة حقيقية إلا إذا كانت لنا محبة ترتفع فوق الشهوة، ونتقدس بالروح القدس لكي تُفتح حواس الإنسان بالتقديس، فنرى بالمحبة كل شيء رؤية صحيحة كاملة ] (الأب صفرونيوس – الثالوث القدوس توحيد وشركة وحياة)

وسوف نتحدث – في الجزء الثاني – عن المحبة شركة تقود لمعرفة الثالوث
غنى نعمة الله تملأ قلوبكم فرح ومسرة آمين
Exit mobile version