الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

الوحي الذاتي للإله في التاريخ البشري – حوار من الأسقف إن. تي. رايت

THE SELF-REVELATION OF GOD

IN HUMAN HISTORY

نقاش حول المسيح مع رايت

أنتوني فلو: أسئلة عن الوحي الإلهي

حتى الآن ناقشت المعلومات التي قادتني للقبول بوجود العقل الإلهي. أولئك الذين يسمعون هذه الحجج حتما سيتسألون عن رأيي بخصوص ادعاءات الوحي الإلهي. في كل كتبي ضد الألوهية ومناظراتي المتعددة وقفت موقفا مؤيدة لادعاءات الوحي الإلهي أو التدخل الإلهي. موقفي الحالي هو أكثر انفتاحا تجاه هذه الادعاءات. في الواقع، أنا أعتقد أن الدين المسيحي يستحق بكل وضوح الاحترام والتقدير بغض النظر عما إذا كان موقفه من الوحي الإلهي صحيحاً.

ليس هناك أي دين يمتلك مزيجاً من شخصية لها جاذبية مثل جاذبية السيد المسيح ومفكر من الطراز الأول مثل القديس بولس Paul St-. تقريباً، كل الحجج المتعلقة بالمحتوى الديني تمت صياغتها من قبل القديس بولس، الذي كان يمتلك عقلاً فلسفياً ذكياً، وكان بمقدوره التحدث والكتابة بكل اللغات ذات العلاقة بالمحتوى الديني. إذا كنت تريد من الإله المقتدر أن يصنع لك دينا، فإن الدين المسيحي هو ذلك الدين.

ناقشت في الطبعات الأولى من كتاب «الإله والفلسفة» الادعاءات المسيحية إلى حد ما، وذهبت إلى أن التقدم الهائل الذي أحرز في الدراسات النقدية للعهد الجديد وغيرها من المصادر لتاريخ نشأة المسيحية لا يدع لأولئك الذين يقدمون ادعاءات واسعة وكبيرة مجالا للاختباء. ثانياً، أنه لا يمكن معرفة المعجزات من خلال دليل تاريخي، وهذا يخل بمصداقية الادعاء بأن قيامة المسيح يمكن معرفتها باعتبارها حقيقة تاريخية.

في مناظراتي المختلفة عن عودة المسيح، قدمت نقاطاً إضافية. النقطة الأولى، هي أن الوثائق التي تؤرخ للحدث المُدعى كتبت قبل ثلاثين أو أربعين سنة بعد ذلك الحدث. ليس هناك دلائل معاصرة، وإنما مجرد وثائق كتبت بعد وقوع الحدث. النقطة الثانية، هي أننا لا نملك وسيلة للتحقق من أن المسيح العائد هو نفسه الذي ظهر للمجموعات التي ادعت رؤيته، لأن ما عندنا من وثائق يقول فقط أن هذا الحدث غير الاعتيادي قد وقع بالفعل. والنقطة الأخيرة هي إن الدلائل على عودة المسيح محدودة جداً. في الواقع أن وثائق العهد الجديد New Testament عن عودة المسيح كانت رسائل القديس بولس، ولم تكن نصوصا إنجيلية Gospels، وفي هذه الوثائق هناك القليل جدا من التفاصيل الحسية على عودة المسيح.

اليوم أقول بأن التحدي المتعلق بفكرة عودة المسيح أكثر تأثيراً من أي تحدي ديني أخر. لا أزال أعتقد بأنه عندما ينظر علماء التاريخ بطريقة احترافية إلى دلائل عودة المسيح فإنهم يحتاجون إلى أكثر بكثير مما هو متوفر، فهم يحتاجون إلى دلائل من أنواع مختلفة. أعتقد أن الادعاء بأن الإله تجسد في المسيح هو ادعاء فريد من نوعه، ولا أعرف كيف يمكن الحكم على ذلك سوى بالإيمان أو عدم الإيمان بصحته. لا أرى أية مبادئ عامة يمكن أن ترشدنا إلى ذلك. في سياق منظوري الفكري الجديد، شاركت في نقاش عن المسيح مع الفقيه التاريخي المعروف الأسقف رایت Bishop N. T. Wright أسقف دورهام، والباحث في العهد الجديد، وفيما يلي ردوده على بعض المواضيع التي طرحتها في كتاباتي.

رد نيكولاس توماس رايت

  1. T. Wrights Response

لا أعرف من أين أبدأ، فالدلائل على وجود المسيح كثيرة جدا، بحيث أنني كعالم تاريخ أجد أن لدينا دلائل كثيرة على المسيح أكثر من أي شخص في العالم القديم. من الواضح أن هناك بعض شخصيات من العالم القديم لدينا لها تماثيل ونقوش. من ناحية أخرى، لدينا أيضا تماثيل للآلهة والإلهات في العالم القديم جداً، ومع ذلك لا يمكنك أن تكون متأكداً من وجود هذه الشخصيات. ولكن فيما يخص المسيح فإن كل الدلائل تشير بشكل قاطع إلى وجود هذه الشخصية العظيمة في العشرينات إلى الثلاثينات من القرن الأول، والأدلة تتسق مع ما نعرفه عن اليهودية في تلك الحقبة (على الرغم من أن الكثير منه كتب لاحقا) بحيث أنه من الصعب على أي باحث تاريخي -لا أعلم أي باحث تاريخي-أن يشك في وجود المسيح. ربما يكون هناك شخص أو شخصين. هناك رجل أسمه ويلس Wells هو الوحيد الذي شكك في ذلك حديثاً. من وقت لآخر تجد شخص مثل اليغرو J. M. Allegro الذي كتب قبل جيل من الآن كتاباً استناداً إلى مخطوطات البحر الميت، واستنتج أن المسيحية ليست سوى عبادة الفطير المقدس[1].

لا يوجد عالم يهودي أو مسيحي أو لا أدري Agnostic على الإطلاق أخذ هذا الكلام على محمل الجد. من الواضع جداً أن المسيح شخصية موثقة جداً في التاريخ الحقيقي، ولذلك لا بد لهذا السؤال أن ينحى جانباً.

ما هي الأسس للادعاء من خلال النصوص بأن الإله تجسد في المسيح؟

إيماني بالمسيح كابن الإله المتجسد لا يستند إلى النصوص الواردة في الإنجيل التي تزعم ذلك، بل إن إيماني بذلك أعمق من ذلك بكثير، بل يعود إلى سؤال مهم جدا حول كيف فهم يهود القرن الأول وجود الإله، وفعل الإله في العالم، وحتما أن ذلك يعود إلى المزامير[2]، وإلى إشعيا[3]، وإلى سفر التثنية[4] وسفر التكوين[5] وهلم جرا. ونستطيع أن نرى كيف أن التراث اليهودي من أيام المسيح فسر هذه النصوص. لقد تكلموا عن الإله الذي صنع الكون، وهو أيضا إله إسرائيل[6] ويتكلمون عن هذا الإله على أنه مؤثر في العالم، وموجود ويفعل أمور في العالم وداخل إسرائيل، ويتحدثون عن ذلك بخمسة طرق (لا علاقة لذلك بطرق توما الأكويني الخمسة[7]).

يتحدثون عن كلمة الإله: لقد تكلم وكفى، لقد قال الإله «ليكن نور» فأصبح هناك نور. كلمة الإله حية وفاعلة، وفي سفر إشعيا لدينا صورة قوية جدا عن كلمة تنزل من الأعلى كالمطر أو كالثلوج وتفعل أشياء في هذا العالم. يتحدثون عن حكمة الإله، ونحن نرى ذلك في الأمثال بشكل خاص، وفي عدة روايات في الإنجيل كذلك. الحكمة تصبح نوعا من التجسيد لذات الإله الثانية. حكمة الإله فاعلة في العالم، وتتواجد في إسرائيل، وهي تقوم بأعمال تساعد الناس أنفسهم حتى يعرفوا كيف يصبحوا حكماء.

يتحدثون عن مجد الإله الحاضر في المعبد. علينا أن لا ننسى بأن المعبد بالنسبة لليهود في القرن الأول، كان رمزا للتجسيد وهم يؤمنون بأن خالق الكون وعد بالعودة، وأن يكون مسكنه في المعبد بالقرب من الطريق إلى القدس. قبل أن تذهب بالفعل إلى القدس وتفكر في هذا الأمر فإنك لن تدرك ذلك، وهو أمر غير عادي على الإطلاق. ويتحدثون عن قانون الإله الكامل الذي ينعش الروح (كما في المزمور ۱۹). القانون مثل الحكمة، ليس مجرد قانون مكتوب. إنه قوة وجودية موجودة وحاضرة عندما أراد الإله أن يظهر ذاته. ثم، أخيراً يتحدثون عن روح الإله، الروح التي تسرع إلى شمشون[8] في سفر القضاة[9].

روح الإله التي تمكن الأنبياء أن يصبحوا أنبياء. روح الإله التي تسكن البشر حتى يتمكنوا من القيام الاستثنائي بتمجيد الإله.

هذه الطرق الخمسة عن فعل الإله في العالم هي الطرق التي كان اليهود في القرن الأول يعبرون فيها عن إيمانهم بالواحد الذي يعرفونه على أنه هو الإله الأبدي خالق العالم حيث كان موجوداً وفاعلاً في العالم، وبشكل خاص داخل أرض إسرائيل. ونستطيع أن نرى ذلك ليس في العهد القديم فحسب، وإنما نستطيع رؤيته في الأثار التي خلفها العهد القديم في يهودية القرن الأول وفي كتابات الحاخامات[10]، وفي مخطوطات البحر الميت[11]، وفي نصوص أخرى.

الآن، عندما نأتي إلى هذه الطرق الخمسة في الأناجيل نكتشف أن يسوع لا يتحدث فقط بل يتصرف، ولكن يتصرف كما لو أن هذه الطرق الخمسة تصبح حقيقة بطريقة جديدة من خلال ما يقوم به. ونرى ذلك بشكل خاص في مثال الزارع. الزارع يزرع الكلمة والكلمة تقوم بعملها، ولكن من الذي يقوم بعملية التعليم، إنه يسوع ذاته.

يتحدث يسوع كذلك بطرق مختلفة حول الحكمة: حكمة الإله حيث يقول: «أنا أفعل هذا، وأنا أفعل ذلك». ويمكنك تتبع تقاليد وحكم العهد القديم، ليس فقط في الأقوال الفردية ليسوع، ولكن في الطريقة التي يمارس فيه ما كان يقوم به، ونقاشاته مع الرجل الحكيم الذي بنى بيته على الحجارة والرجل الجاهل الذي بني بيته على الرمال، وهي نموذج لتعليم الحكمة. الرجل الحكيم هو الشخص الذي يسمع هذه الكلمات من الألغام (الحكم الرمزية) ثم يفعلها. وهكذا فإن الحكمة ويسوع متلازمان معا بشكل وثيق جداً.

ومن ثم، هناك المعبد حيث يتصرف يسوع كما لو كان هو المعبد شخصياً. عندما يقول يسوع إن «خطاياك مغفورة» فهي صدمة حقيقية، غفران الخطايا يعلن عادة عندما تذهب إلى المعبد وتستغفر، ولكن يسوع يقول لك أنك تستطيع أن تستغفر في الشارع، عندما تكون مع يسوع وهو يحدق في مجد الإله.

عندما نعود إلى الشريعة اليهودية، نكتشف شيئا رائعا. أحد العلماء اليهود الكبار في يومنا هذا، يعقوب نوسنر Jacob Neusner، وهو الذي كتب العديد من الكتب الرئيسية في اليهودية، كتب كتابا عن يسوع. في ذلك الكتاب، يقول نوستر إنه عندما يقرأ أن يسوع قال أشياء مثل «لقد سمعت أنه قيل كذا وكذا، ولكن أقول الكم: هذا وهذا وهذا»، أريد أن أقول ليسوع هذا: من تعتقد نفسك؟ الإله؟

لقد قدم يسوع قانون جديد، وقدم تفسيراً جذرياً جديداً للقانون، ويدعي بمعنى ما بأنه تجاوز الطريقة التي كان يفهم أو يفسر بها القانون. وأخيرة هناك الروح، يقول يسوع «إذا كنت أنا روح الإله أتخلص من الشياطين فإن مملكة الإله نزلت علي». فما نراه ليس كثيراً، فيسوع يدور بين الناس قائلاً: «أنا هو الشخص الثاني من الثالوث. إما أن تؤمنوا بذلك أو لا». وهذه في الحقيقة ليست وسيلة لقراءة الإنجيل. بدلا من ذلك، يجب أن تقرأ كما قرأها المؤرخون في القرن الأول، بحيث يمكننا أن نرى يسوع يتصرف بحيث نقول جميعا: الطريقة الرائعة التي يتعامل بها الإله مع البشر قد حدثت بالفعل.

إنها ليست من خلال كلمة أو حكمة أو غيرها، إنها من، وفي، ومن خلال شخص. الشيء الذي يجمع كل ذلك معاً (كتبت هذا في الفصل قبل الأخير من كتابي يسوع ونصر الإله Jesus and the victory of God) هو أن الكثير من اليهود في أيام يسوع كانوا يعتقدون أنه في يوم ما سوف يعود إله إسرائيل Yahweh في شخص للعيش داخل الهيكل. تجد ذلك في سفر حزقيال، وسفر إشعيا، وسفر زكريا[12]، والعديد من النصوص اللاحقة. ولذلك هم يعيشون على أمل أنه في يوم من الأيام سوف يعود الإله، لأنه إذا عاد سوف يعيد بناء الهيكل، ولكن ليس بالطريقة التي فعل بها هيردوس[13] Herod ذلك. هناك سلسلة من التوقعات تتعلق بعودة الإله. كما نجد في الأناجيل صورة استثنائية عن يسوع عند قيامه بالرحلة الأخيرة إلى القدس وهو يحكي قصص الملك الذي عاد.

لقد وجدت كما وجد الأخرون بأن يسوع عندما كان يحكي قصص الملك الذي عاد إلى شعبه، أو السيد الذي عاد إلى خدمه، لم يكن يتحدث عن العودة الثانية في المستقبل. لم يكن التلاميذ مهيئين لذلك، كما إنهم لم يكونوا يعلمون بأنه ذاهب ليصلب. كان يسوع يتحدث عن أهمية رحلته إلى القدس، وهو كان يدعو من لهم آذان إلى أن يسمعوا وأن يأخذوا صورة الإله Yahweh في العهد القديم إلى صهيون Zion ويضعوها في عقولهم وهم يرون النبي الصغير وهو يسافر إلى القدس راكبا حمار. أعتقد أن يسوع راهن على حياته، على أساس الاعتقاد بأنه دعي لتجسيد عودة الرب إلى صهيون[14].

كلمة تجسد Embody كلمة إنجليزية، أما المقابل اللاتيني لها فهو Incarnation ولكنني أفضل كلمة Embody على الأقل في الأماكن التي أقوم فيها بالوعظ حيث يمكن للناس استيعابها أكثر من اللفظ اللاتيني، ولكنها تؤدي نفس المعنى.

أنا لا أظن أن يسوع يعتقد أنه طلب منه أن يتصرف على أساس هذا الافتراض. وأعتقد أن هذا كان مخيفاً بشكل كبير ليسوع. أعتقد أنه كان يعلم أنه قد يكون في الواقع مخطئ. ولكن في نهاية الأمر هناك أناس يصدقون بأن شيء ما يمكن أن يتحول، مثل الرجل الذي يعتقد بأنه إبريق من الشاي. أعتقد أن يسوع كان يعلم أن هذه دعوته، وأنه يجب أن يتعامل على هذا الأساس، وأن عليه أن يعيش ويعمل على أساس أن يجسد عودة الرب إلى شعبه.

لهذا السبب أود أن أقول إن يسوع، بعد موته وقيامته (وهذه قصة مختلفة تماماً. سنأتي إليها قريبا) تم التعرف عليه بسرعة كبيرة جداً من قبل أتباعه على أنه المجسد لإله إسرائيل. واجهوا قيامته، ولكن بعد أن عادوا إلى عقولهم، إلى كل ما شاهدوه وسمعوه وما عرفوه عن يسوع، صفعوا وجوههم «هل كنتم تعرفون مع من كنتم كل هذا الوقت؟ لقد كنا مع شخص تجسد فيه إله إسرائيل، ثم راحوا يحكون القصص مراراً، بشيء من الرهبة والهلع والإدراك المتأخر، متفكرين في كل ما حدث طوال الوقت الفائت.

هذه فكرة استثنائية جبارة، ومع ذلك فإن هذه الفكرة تعطي معناً عميقاً ومتجذراً تاريخياً لطريقة رؤية يسوع لنفسه. والآن بالتأكيد يمكن لأي شخص أن يقول لي: قد تكون على حق، وقد يكون يسوع بالفعل نظر إلى نفسه على هذا النحو، وقد يكون تلاميذه وصلوا للتفكير بذلك أيضاً، ولكن بالتأكيد أن يسوع كان مخطئ، إما لأننا نعلم مسبقا بأنه إذا كان هناك إله فإنه لا يمكن أن يكون إنساناً، وإما لأننا نعلم بشكل مسبق بأن أي شخص يتكلم عن نفسه بهذه الطريقة يجب أن يكون مجنوناً أو مختلاً عقلياً أو مخدوعاً.

لهؤلاء أريد أن أقول حسناً، أتركوا هذه المسلمات جانباً في الوقت الحالي، وحاولوا أن تستحضروا صورة يهود القرن الأول وهو يعتقدون بذلك ويتصرفون على هذا الأساس، وبعد ذلك اطرحوا السؤال عن قيامة المسيح، وبعدها اطرحوا جميع أسئلتكم عما نعنيه بكلمة «إله»، لأن المسيحيين الأوائل قالوا بأن كلمة «الإله» لازالت غامضة وأنها تصبح واضحة فقط عندما ننظر إلى يسوع. يقول القديس يوحنا الإنجيلي [15]«لم ير أحد الإله في أي وقت، ولكن الابن الوحيد الذي يعيش في حضن الأب جعل منه معروفاً». وفقا للغة اليونانية، فإن المعنى الحرفي لهذا الكلام هو «قدم لنا تفسيرا لما هو الإله، وأرانا من هو الإله على وجه الحقيقة». إنه جواب طويل لسؤال جوهري، ولكنني لا أستطيع اختصاره أكثر من ذلك. معظم الناس حسب خبرتنا يفكرون في الإله والمسيح بهذه الطريقة، ولكن هذه الطريقة التي أفكر بها أنا وهي الطريقة التي فكر بها المسيح والمسيحيون الأوائل، وكذلك الذين كتبوا الأناجيل، ونحن نقوم بعمل جيد في أن نجعل عقولنا تلتف حول هذا الفهم.

ما هي الدلائل على قيامة يسوع؟

دعوني أختصر قدر الإمكان. لقد قرأ والدي كتابي المطول «قيامة أبن الإله» The Resurrection of the Son of God عندما كان في الثالثة والثمانين من عمره. استغرقت منه قراءة الكتاب المكون من ۷۰۰ صفحة ثلاثة أيام فحسب. لقد ركز على قراءة الكتاب بشكل كامل خلال هذه الأيام، وبعدها أتصل بي تلفونيا وقال لي: لقد انتهيت من قراءة الكتاب، فتعجبت من ذلك، فقال «نعم لقد قرأته وقد بدأت أستمتع بقراءته بعد الصفحة رقم 600». اعتقدت أن كلامه نوع من المجاملة الفاترة. لقد كان والدي يعمل في صناعة الأخشاب. قلت لوالدي «هل تعلم يا أبي أن الصفحات الخمسمائة هي جذع النظام Root system، وإن الشجرة إذا لم يكن لها جذع رئيسي فإنها لن تكون قادرة على الانتصاب ولن تعطي أية ثمرة. رد والدي قائلا «لقد أدركت ذلك ولكنني أفضل دائما الفروع العليا من الشجرة». .

أعود للحديث عن جذع النظام Root system قليلاً. من الأمور التي استمتعت بها عند تأليف الكتاب هو العودة إلى الأسس التقليدية والبحث عن معتقدات الحياة بعد الموت لدى الشعوب. يعتقد اليونانيون والرومان والمصريون بالحياة بعد الموت، وهناك تنوع كبير في المعتقدات بهذا الشأن، ولكن فكرة القيامة ليست موجودة في العالم اليوناني الروماني.

في الواقع، يقول بليني Pliny، وإسخيلوس Aeschylus، وهوميروس Homer وشيشرون Cicero، وجميع أطياف الكتاب الأوائل بأننا «نعرف بالتأكيد أن القيامة لم تحدث». وفي الوقت نفسه طور اليهود اعتقاداً لاهوتياً محدداً عن القيامة (المقصود قيامة المسيح)، وهو «أن شعب الإله سوف يعود جسديا إلى الحياة بعد الموت في النهاية». عامل الوقت مهم، لأن معظم المسيحيين في العالم الغربي يستخدمون كلمة «القيامة» Resurrection بشكل غامض على أنها تعني «الحياة بعد الموت»، وهو ما لم يحدث أبدأ في العالم القديم. لقد كان المصطلح يستخدم بشكل دقيق جدا، وهو ما أسميه الحياة بعد الحياة بعد الموت. وبعبارة أخرى، فأنت أولاً تموت وتصبح ميتاً وجسدك غير حي، وبعد ذلك تبعث بمعنى أنك تعيش حياة جسدية، وهي حياة جديدة بعد «الحياة بعد الموت».

نستطيع تتبع الطريقة التي يتكلم بها عن معتقد «القيامة» في الديانة اليهودية. القيامة هي سلسلة من مرحلتين: بعد وفاتك مباشرة تدخل في مرحلة انتظار[16]. وبعد ذلك تنتقل إلى مرحلة حياة جديدة تماما تسمى «القيامة». في الكتاب الذي استمتعت بكتابته، رسمت خريطة عن المعتقدات اليهودية في موضوع الحياة بعد الموت على ضوء خريطة أكبر من المعتقدات القديمة لموضوع الحياة بعد الموت، وهناك ضمن الديانة اليهودية تباينات بهذا الخصوص.

آمن الفريسيون[17] Pharisees بالقيامة، ويبدو أن هذا كان هو الاعتقاد الشائع في فلسطين اليهودية أيام يسوع. أما الصدوقيين[18] Sadducees فلم يعتقدوا بالحياة بعد الموت على الإطلاق، وقد أعتقد أشخاص مثل فيلو Philo وربما إسنس Essenes بوجود حياة جسدية خالدة واحدة، بحيث أنك بعد الموت تذهب إلى حيث تذهب وتبقى هناك، بدلا من أن تمر بتجربة «القيامة» أكثر من مرة[19].

أكثر ما يثير الاهتمام أنه في كل المجتمعات التي خضعت للدراسة في هذا الصدد، تجد الناس محافظين جدا في معتقدات الحياة بعد الموت. وفي مواجهة الموت، يميل الناس إلى المعتقدات والممارسات التي يعرفونها والتي أخذوها عن عوائلهم ومن عاداتهم ومن قراهم، وهكذا تتم طقوس الدفن. ولذا فإنه من اللافت للنظر حقاً أن المسيحيين الأوائل المعروفين لدينا في الفترة حتى نهاية القرن الثاني عندما بدأ الغنوصيين[20] Gnostics باستخدام كلمة القيامة بمعنى مختلف تماماً فإن كل المسيحيين الأوائل المعروفين لدينا خلال الأجيال الأربعة أو الخمسة الأولى يعتقدون بالحياة الجسدية بعد الموت، رغم أن أغلب ما جاء في هذه القصص جاء من أيام العالم الوثني حيث كانت فكرة القيامة تعتبر هراءاً مطلقاً.

هناك أسطورة حديثة هذه الأيام تقول إننا نحن فقط ممن يمتلك علماً معاصراً لفترة ما بعد التنوير[21] أكتشف أن الأموات لا يبعثون. هؤلاء الناس يؤمنون بالمعاجز الخيالية، ولكنهم بالتأكيد مخطئون، وهناك نص جميل للويس C. S. Lewis متعلق بهذا الموضوع.

هذا النص يتكلم عن حمل العذراء بالمسيح، وكيف أن جوزيف[22] Joseph لم يكن قلقا بشأن حمل العذراء، ليس لأنه لم يكن يعلم مصدر هذا الحمل، وإنما كان قلقا لأنه كان يعلم بذلك. وكذلك الحال مع قيامة المسيح، فالناس في العالم القديم كانوا يشعرون بالاضطراب من الادعاء المسيحي، لأنهم كانوا يعتقدون أن من يموت يظل ميتاً إلى الأبد.

وكخلاصة، نستطيع تتبع صيغ مختلفة من الديانة اليهودية في فترة المسيحية الأولى فيما يخص القيامة.

 أولاً: أنه بدلاً من قيامة تحصل لجميع البشر في النهاية، فإن المسيحيين الأوائل كانوا يعتقدون أن القيامة تختص في البداية برجل واحد فقط. وحسب علمي لا يوجد يهودي في القرن الأول يعتقد بأن القيامة مختصة برجل واحد يبعث قبل كل البشر، ورغم أن هذا تطور جديد، إلا أن الجميع يعتقدون بالبعث.

ثانياً: أنهم يعتقدون أن القيامة تنطوي على تحول لجسد مادي. يبدو أن اليهود الذين يعتقدون بالقيامة قد ذهبوا في اتجاهين، فالبعض قال إن القيامة (البعث) هي خلق جسد جديد مشابه تماماً لما نحن عليه، في حين ذهب البعض الأخر إلى أنه سوف يكون هناك بدن نوراني، يضئ مثل النجم. تكلم هؤلاء عن نوع جديد من المادية Physicality، نوع جديد من التجسيد Embodiedness -هذا الاعتقاد موجود في كتابات بولس-فهو جسد لكونه جماد وله حجم، ولكنه تحول بحيث لم يعد يحس بالألم أو المعاناة أو الموت، وهذا أمر جديد غير موجود في اليهودية.

 ثالثاً: يعتقدون بأن المسيح نفسه بعث من جسد ميت، وهو ما لا يعتقد به يهود المعبد الثاني Second Temple، لأن أتباع المعبد الثاني يعتقدون أن المسيح ما كان ليقتل أبدأ، وهذا أمر جديد أيضاً.

 رابعاً: هم يستخدمون فكرة القيامة بطريقة جديدة تماماً. تم استخدام هذه الفكرة في اليهودية في استعارة Metaphor «العودة من السجن» كما نجدها في سفر حزقيال Ezekiel، ولكن في بدايات المسيحية تم استخدام هذه الفكرة وربطها بالتعميد[23] Baptism والقداسة Holiness ومفاهيم أخرى من العقيدة المسيحية التي لم تكن في البال في اليهودية، ولم يكن معروفة كيفية استخدامها لمفهوم القيامة، وهو يمثل طفرة في وجهة النظر اليهودية.

خامساً: أن المسيحيين الأوائل يعتبرون أن إله البشر قدم القيامة كنوع من الهدية، والمسيحيون مدعوون للعمل مع الإله في عيد الفصح[24] Easter التوقع ما سيفعله إله العالم الجديد[25]. هذه الفكرة جديدة للغاية، ولكنها تمثل تطوراً في إطار الديانة اليهودية فقط.

سادساً: أن عقيدة القيامة تحولت من عقيدة مهمة من ضمن عقائد عديدة مهمة -كما هو الحال في اليهودية -إلى أن تصبح مركز كل شيء، وإذا ما اقتطعنا هذا الاعتقاد من معتقدات أباء القرن الثاني فإن البناء الفكري لهم يتعرض للتدمير. لابد أن نصل إلى نتيجة مفادها أن شيئا ما حدث جعل من الاعتقاد بالقيامة ينتقل من الإطار الخارجي إلى المركز.

 سابعاً وأخيراً: لا نجد في بواكير المسيحية توجهاً في الاعتقاد لما يحصل بعد الموت. أما في اليهودية، فهناك وجهات نظر عدة، وهناك أيضاً عدد كبير من وجهات النظر بهذا الخصوص في العالم الوثني، ولكن في بواكير المسيحية لا نجد سوى القيامة في ذاتها. تثير معتقدات معظم الناس المحافظين في موضوع الحياة بعد الموت الدهشة، ولذلك يبدو أن المسيحيين الأوائل كان لديهم سببا منطقيا في إعادة التفكير في هذا الاعتقاد الهام والشخصي جدا. وعندما ننظر إلى الطيف الفكري لبواكير المسيحية نجد أن المسيحيين الأوائل يختلفون حول أمور كثيرة، ولكنهم يجمعون بصورة تثير الدهشة ليس في اعتقادهم بالقيامة فحسب، بل في كيفية حصولها وكيف ستتم، وكل ذلك شرحته في كتابي بالتفصيل.

كل هذا يفرض علينا كمؤرخين أن نسأل سؤالاً بسيطاً جداً: كيف أعتقد المسيحيون الأوائل منذ أقدم الأزمان بالإجماع بفكرة القيامة (البعث). هذا السؤال التاريخي مثير للاهتمام بحد ذاته. بالتأكيد، سوف يرد المسيحيون الأوائل بالقول لقد كان لدينا هذا الاعتقاد لأننا نؤمن بيسوع». إذا كانت فكرة أن يسوع بعث من جسد ميت ظهرت بعد عشرين أو ثلاثين سنة من بداية المسيحية كما يقول بعض الباحثين المشككين فإنك سوف تعثر على الكثير من الشواهد التي تبين أنه لم يكن هناك مكان لفكرة القيامة في بواكير المسيحية. لذلك فإن اتساع نطاق وإجماع المسيحيين الأوائل على الاعتقاد بالبعث يجبرنا على القول بأن شيئا ما حدث قبل ذلك بوقت طويل مما شكل وصبغ التحرك المسيحي ككل.

عند هذه النقطة لابد من القول «حسناً وماذا عن القصص الإنجيلية؟ ماذا عن الرواية الثامنة والعشرون في إنجيل متى[26] Matthew، وماذا عن الرواية السادسة عشر في إنجيل مرقس[27] Mark؟ وماذا عن القصة الأطول منها في الرواية الرابعة والعشرون من إنجيل لوقا[28] Luke؟ وماذا عن الروايتين الأطول الواحدة والعشرون والثانية والعشرون في إنجيل يوحنا[29] John؟ وبطبيعة الحال، ومثل باقي علماء الإنجيل أعتقد أن هذه الفقرات كتبت بعد فترة طويلة من موت المسيح. وأنا في الحقيقة لا أعرف متى كتبت الأناجيل، ولا أحد يعرف متى كتبت، بالرغم من أن العلماء يقولون لنا إنهم يعرفون.

ربما تكون هذه الأناجيل كتبت في الخمسينات أو الستينات من القرن الأول، وبعضهم يقول إنها كتبت قبل ذلك، كما يمكن أن تكون قد كتبت في الثمانينات أو التسعينات، ولكن فيما يخص حجتي، فهذا الأمر لا يعني شيئا على الإطلاق. النقطة هي أن القصص الإنجيلية المتعلقة بالبعث لها صفات خاصة ومشتركة بين الأناجيل الأربعة، والذي يتبين تاريخيا أنه رغم أنها كتبت في مرحلة متأخرة فإنه يتضح أنها لم تتعرض للتحريف إلى درجة كبيرة، لقد تم تحريرها قليلاً، ولكنها لم تتعرض للتحريف، وهذا مهم جداً.

الخاصية الأولى، هي صورة يسوع في روايات البعث. لقد قيل مراراً وتكراراً بأن:

1) إنجيل مرقس كتب أولاً، وأنه بالكاد كان فيه إشارة إلى البعث.

۲) إنجيل متى الذي جاء بعد إنجيل مرقس، لم يحتوي كذلك على الكثير مما خص البعث.

۳) مع نهاية القرن، ظهر كل من إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا، وعند ذلك فقط وجدنا قصص أكل يسوع للسمك المشوي وطبخه للفطور على الشاطئ وطلبه من توما Thomas أن يمسه وأمثال ذلك. ووفقا لهذه النظرية فإن المسيحيين في نهاية القرن الأول بدأوا يعتقدون بأن يسوع في الحقيقة ليس إنساناً، أي إنه ليس رجلاً حقيقياً، ولذلك قام لوقا ويوحنا بتأليف القصص في هذه المرحلة للقول بأن يسوع كان إنساناً، وأن يسوع الذي رفع كان له كيان بدني وما إلى ذلك.

المشكلة في هذه الروايات أنها كانت شعبية. وجهة النظر الأخرى تقول، أنه إذا كنت يهودياً في القرن الأول وأردت أن تحيك قصة عن المسيح الذي بعث من جسد ميت فإن المصدر الإنجيلي الطبيعي سيكون الرواية الثانية عشرة من إنجيل دانيال[30] التي تعد واحدة من أكبر النصوص التي تتحدث عن البعث بالنسبة ليهودية المعبد الثاني. تقول الرواية الثانية عشرة بأن الصالحين سوف يلمعون مثل النجوم في مملكة الأب. في الواقع، إن يسوع أستشهد بهذه العبارة في الفقرة الأولى من الرواية الثالثة عشر من إنجيل مرقس. مما يزيد الأمر روعة أن يسوع لم يكن ليظهر كنجم يلمع في أي من روايات البعث لو كانوا قد حبكوا هذه القصص.

من خلال وجهتي النظر هاتين، تبدو صورة يسوع غريبة جداً، فهي صورة ليست كما نتوقع، وهي صورة مخالفة لما هو موجود في الروايات اليهودية في ذلك الوقت، وهي متسقة مع ما ورد في أناجيل متى ولوقا ويوحنا، ولذلك يبدو أن شيئاً غريباً ما قد حدث.

كأن الإنجيليين Evangelists كانوا يريدون أن يقولوا لنا «نعلم أنكم ستجدون صعوبة في التصديق، ولكن هذا ما حدث». لا يمكن للناس أن يصدقوا مثل هذه الأمور. أي شخص يكتب قصص خيالية عن عيد الفصح كان ينبغي أن يجعل يسوع أكثر وضوحاً.

دعوني أقول شيئا هنا:

إذا أخذت روايات البعث في أناجيل لوقا ومرقص ومتى ويوحنا في النص اليوناني ووضعتها جنبا إلى جنب فستجد أنها مختلفة (حتى عندما يتحدثون عن قصة النساء اللاتي يذهبن إلى القبر). إنهم يستخدمون كلمات مختلفة مرة بعد أخرى. من الواضح أنهم كانوا ينسخون من بعضهم البعض. الشيء الثاني، أن هناك غياباً شبه كامل لروايات البعث في العهد القديم. في قصة الصلب Crucifixion يبدو واضحا أن قصة موت يسوع قيلت مراراً وتكراراً من قبل الطائفة المسيحية، وقد نسج عليها في الرواية الثانية والعشرين من المزمور Psalm، والرواية الثالثة والخمسين من مزمور إشعيا Isaiah ومزمور زكريا Zechariah وبقية التلميحات في روايات البعث وأيضا في رواية الدفن. ولكن عندما تنتقل إلى الصفحة التي تليها إلى رواية البعث لا تجد ذلك في أناجيل لوقا ومرقص ومتى ويوحنا. وبالمثل، فإن يوحنا يقول عندما ذهب التلاميذ إلى القبر لم يكونوا يعرفون الكتاب المقدس الذي يقول إن يسوع سوف يبعث من جسد ميت، ولكن يوحنا لم يستشهد بذلك. وفي الطريق إلى عمواس Emmaus يشرح يسوع الكتاب المقدس، ولكن مرة أخرى لا يقول لنا لوقا أي شيء عما قاله يسوع.

هذا أمر غريب جداً. فإما أن نقول إن الكنيسة الأولى هي التي كتبت رواية البعث على غرار ما ورد في العهد القديم وأن متى ويوحنا ولوقا ومرقص قد استندوا إلى هذه الروايات، أو أن نقول إن هذه القصص تعود إلى حقبة قديمة جدا في النقل الشفهي التي تسبق الانعكاس اللاهوتي Theological Reflection. في تقديري أن الاحتمال الثاني هو الأرجح بدرجة كبيرة.

الميزة الثالثة الرائعة لهذه الروايات، هو موقع المرأة فيها. في العصور القديمة والعصر اليهودي والوثني، لم تكن تقبل شهادة المرأة في المحكمة. ينقل بولس Paul عن الانطباع السائد عن المسيح في ذلك الوقت قائلاً «هذه قصة قيلت لي. لقد صلب من أجل تخليصنا من الذنوب، ووفقا للكتاب المقدس فإنه رفع في اليوم الثالث ثم رآه رجال سيفاس Cephas عن طريق جيمس، ومن قبل بعض تلامذته، ورآه أيضاً خمسمائة شخص في إحدى المرات، وأخيرا رأيته أنا». ولكن نرفع رؤوسنا ونسأل بولس ولكن أين النساء؟ والجواب أنه في بداية الخمسينات لم يكن يسمح للنساء بالخروج لأنهم كانوا يعلمون أنهم سيكونون في ورطة، ونحن نرى هذه الورطة عندما نقرأ سيلسوس Celsus وهو يصب جام غضبه على البعث بقوله هذا الاعتقاد مبني على شهادة نساء مجنونات». .

من المدهش أننا نجد في أناجيل متى ومرقص ولوقل ويوحنا ذكر لمريم المجدلية[31] Mary Magdalene أو مرايم (جمع مريم) أخريات ونساء غيرهن.

ومن بين كل الناس اختيرت مريم المجدلية كشاهدة رئيسية، ولذلك نجدها في الأناجيل الأربعة، ونحن كمؤرخين ملزمين بالقول إن هذه القصص لو كانت وضعت بعد خمس سنوات ناهيك عن ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة لما وجدنا مريم المجدلية تلعب هذه الدور. من وجهة نظر المدافعين عن المسيحية الذين يريدون إقناع الجمهور المشكك بأن المسيح قد بعث من جسد ميت فإن إدخال مريم المجدلية هنا مثل من يطلق النار على قدميه. لا يمكن للمسيحيين الأوائل أن يفعلوا ذلك مطلقاً. القصص التي تتحدث عن عثور النسوة على القبر لابد من التعامل معها على أنها صحيحة تاريخياً.

الصفة الرابعة والأخيرة لهذه المواقف، وهنا أتحدث كوني مبشراً مارس التبشير في كل عيد فصح لمدة خمس وثلاثون سنة. المبشرون وفقا للعادة الغربية يقومون بالتبشير عن قيامة المسيح، والتبشير عن المستقبل، وعن بعثنا نحن وعن ذهابنا للجنة. ولكن في أناجيل لوقا ومرقص ويوحنا ومتى لا نجد ذكراً لقصص البعث. على العكس من ذلك فإن بولس كان في كل مرة يتحدث فيها عن البعث يتحدث فيها عن مستقبلنا. العبرانيين Hebrews (اليهود أو بني إسرائيل) يوجهون لنا الكلام عن قيامة المسيح وعن بعثنا نحن، وفي كتاب الوحي نجد ربطاً بين بعثنا وبعث يسوع. يتفق كل من جستن الشهيد[32] Justin Martyr، وأغناطيوس الأنطاكي[33] Ignatius of Antioch، وإيريناوس[34] Irenaeus بالقول: «نتحدث عن بعث المسيح لينعكس ذلك علينا». ولكن متى ويوحنا ولوقا ومرقص لا يقولون «أن يسوع سوف يبعث، وبالتالي فإننا سوف نبعث في اليوم التالي». هم يقولون، وهذا مثير لتعجب الناس «إن يسوع سوف يبعث، وإنه هو حقا المسيح». مخلوق الإله الجديد ظهر، ومهمتنا هي عبادته لأنه يجسد إله إسرائيل خالق الكون». وبعبارة أخرى، تريد القصص التي نجدها في الإنجيل أن تقول ببساطة لم تقال من قبل «إن يسوع قد بعث، وأننا سوف نبعث»، وهو ما نجده واضحاً عند بولس بدءًا من أواخر الأربعينات.

من كل ما سبق نصل إلى عدة استنتاجات. حتى نتمكن من تفسير صعود نجم المسيحية في بدايتها، وحتى نستطيع تفسير وجهات النظر الأربع في موضوع البعث علينا أن نقول إن الكنيسة في وقت مبكر جدا كانت بالفعل تعتقد أن يسوع بعث جسدياً من جسد ميت، وليس لدينا دلائل على أن المسيحيين الأوائل كانوا يعتقدون على خلاف ذلك. ولكن هل نستطيع كمؤرخين أن نفسر ذلك؟ كثيراً ما يقول الناس «إنه بالتأكيد ابن الإله، وكان باستطاعته أن يفعل أي شيء. ولكن هل هذا يستند إلى العقل؟ ولكنني لا أريد أن أفعل ذلك، وإنما أريد أن أكون مخلصا للنصوص التي لا تقول ذلك. علينا أن نسأل: كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة الاستثنائية في المقام الأول، والقول بأن هناك قصصا تؤكد حصولها.

لقد اكتشفت خلال نظري في التفسيرات التاريخية أن هناك شيئين قد حصلا:

١) كان هناك قبر فارغ وكان معروفا أنه القبر الصحيح.

۲) وكان هناك ظهور Appearances ليسوع الذي رفع .

من المؤكد أن هذين الشيئين حصلا. لأنه إذا كان هناك قبر ولم يكن هناك شبيه فإن كل شخص في العالم القديم كان سيصل إلى نتيجة مفادها أن الجسد قد اختطف. كان من المعتاد سرقة القبور، وخاصة إذا كان الموتى من الأغنياء أو المشهورين، فقد يكون هناك جواهر أو شيء يستحق السرقة، ولكن الناس سوف يقولون ما قالته مريم «لقد أخذوا الجسد، لا أعرف ماذا حدث له»، ولم يكن ليتكلموا أبدا عن البعث إذا كان القبر فارغاً.

وبالمثل لا يمكننا تفسير البيانات التاريخية التي رأيناها بالقول إن تلامذته كانت لهم خبرة من نوع ما جعلتهم يلتقون بيسوع. هؤلاء يعلمون أن يسوع قد قتل، ولكنهم جميعا يعرفون عن الهلوسة والرؤى والأشباح. الأدب القديم -اليهودي والوثني -مليء بمثل هذه الأمور، وهي تعود إلى زمن هوميروس Homer، ونجدها في شعر فيرجيل[35] Virgil، فهي موجودة في كل مكان.

حاول البعض حديثا من باب الجدال أن يقول إن البعث لا يمكن أن يكون قد حصل «عندما يموت الذين تحبهم فأنت تتصورهم معك في الغرفة، يضحكون معك وربما يتحدثون إليك، وفجاءة يختفون مرة أخرى، ولعل هذا ما حدث مع التلامذة». وفي الواقع أنني قرأت بعض من هذا سابقاً. هذه الظاهرة موثقة كجزء من حالة الحزن، ويمكنك أن تفسرها كما يحلو لك، ولكن المسيحيين الأوائل كانوا يعرفون عن هذه الظاهرة كما نعرف. هم يعرفون جيداً أن هناك هلوسة وأشباح ورؤى وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، إذا كانت لهؤلاء تجربة قوية مشابهة مع المسيح، ولكن إذا كان القبر ليس فارغاً عندها سيقولون «يا إلهي، لقد كانت تجربة قوية ولكن يسوع بالتأكيد لم يرفع من جسد ميت، لأن الجسد الميت لا يرتفع، وها هو جسده في القبر».

في هذه النقاط علينا أن نذكر أنفسنا بالطريقة التي يدفن بها اليهود موتاهم. معظم اليهود في فلسطين يدفنون موتاهم على مرحلتين. المرحلة الأول بلف الميت بكفن مع الكافور ووضعه في الحد في قبر صخري، أو وضعه في سرداب في المنزل، وهم لا يدفنون الموتى على الطريقة الغربية كما يحدث في الوقت الحالي، حيث يدفن الميت في قبر محفور في الأرض ويملئ.

النقطة هنا هي، أن جسد يسوع لو كان موجودة في القبر لكان من السهل على التلاميذ أن يجدوه، ولذلك فإن علينا أن نقول إنه لابد أنه كان هناك قبراً فارغاً، ولابد أنهم شاهدوا أو اجتمعوا مع شخص ما اعتقدوا أنه يسوع، على الرغم من أنه تحول بطريقة لا نتوقعها، ونجد نحن كقراء أنها مربكة جداً لنا.

والآن نأتي إلى الحركة الأخيرة في مباراة شطرنج. كيف يمكننا كمؤرخين أن نفسر الحقيقتين اللتين ذكرتهما: القبر الفارغ وظهور شبيه ليسوع؟ التفسير الأسهل لذلك هو أن يسوع بالفعل قد ترفع من الجسد الميت، وأن التلاميذ بالفعل التقوا بيسوع على الرغم من أنه تم تجديد جسده وتحول بطريقة يمكن معها أن يبدو حي. لكن بعث يسوع بالفعل لا يوفر لنا تفسيراً كافياً للقبر الفارغ واللقاء مع يسوع. بعد قراءتي لكل الفرضيات الأخرى المحتملة في كل الأدبيات أجد أن هذا التفسير ضروري.

 

أنتوني فلو: ملاحظات ختامية

 أنا معجب بطريقة الأسقف رایت، فهي جديدة تماماً. إنه يعرض الأمر بطريقة جديدة لأول مرة. وهذا مهم جداً، خصوصا في المملكة المتحدة والتي يكاد الدين المسيحي يختفي منها.

من المؤكد أن هذا شيء رائع وراديكالي. هل يمكن أن يكون هناك وحي مقدس؟ كما قلت لا يمكنك أن تحد من قدرات الإله المقتدر إلا إذا كان ذلك مستحيلاً من الناحية المنطقية، وما عدا ذلك فهو ممكن للإله المقتدر.

 

[1] المقصود بالفطير المقدس ذلك الفطير الممزوج بدم بشري من دم (الجوييم) أي الغرياء، وخلطه بالدقيق الذي تعد منه فطائر عيد الفصح. وقد رت هذه العادة المتوحشة إلى اليهود عن طريق كتبهم المقدسة.

[2] المزامير أو مزامير داود هي تسابيح لله، وأناشيد حمد وسجود وتمجيد له، وقد جاءت المزامير في الكتاب المقدس في عدة أماكن.

[3] يعتبر الكاتب لسفر أشعيا في العهد القديم من الكتاب المقدس.

[4] سفر التثنية أو سفر تثنية الاشتراع (بالعبرية: أحد الأسفار المقدسة في الكتاب المقدس لدى الديانة اليهودية والعهد القديم في المسيحية، ولا خلاف بين مختلف طوائف الديانة اليهودية والمسيحية حول قدسيته

[5] سفر التكوين هو أول أسفار التوراة (أسفار موسى الخمسة وأول أسفار التناخ، وهو جزء من التوراة العبرية، كما أنه أول أسفار العهد القديم لدى المسيحيين

[6] في التوراة وفي التراث اليهودي يعتبر اسم «إسرائيل» اسم بديل ليعقوب، وتظهر قصة تسمية يعقوب بإسرائيل في سفر التكوين

[7] خمس حجج قدمها القديس توما الأكويني للبرهنة على وجود الله.

[8] شمشون بن منوح الدني (بالعبرية: lient) من شخصيات العهد القديم، هو بطل شعبي من إسرائيل القديمة اشتهر بقوته الهائلة وورد ذكره في سفر القضاة في الأصحاحات ۱۳ إلى 16.

[9] هو سابع أسفار التناخ الكتاب المقدس في الديانة اليهودية والعهد القديم في المسيحية، ولا يوجد خلاف على قدسيته لدى مختلف طوائف الديانتين باستثناء الصدوقيون إحدى الطوئف اليهودية القديمة التي رفضت جميع أسفار التاخ عدا أسفار موسى الخمسة الأولى المعروفة باسم التوراة.

[10] الرباني في اليهودية، ويسمى الحبر [والراب والحاخام، هو زعيم ديني. كلمة حاخام العربية ترجع إلى الكلمة العبرية Don أي «حكيم».

[11] مخطوطات البحر الميت تضم ما يزيد على 850 قطعة مخطوطة، بعضها مما سمي لاحقا الكتاب المقدس وبعضها من كتب لم تكن تعرف أو كانت مفقودة. وقد كانت في في جرار فخارية كانت مطلية بالنحاس أول من عثر عليها راعيان من بدو التعامرة المتجولين واكتشف المزيد بين عامي 1987 و1956 في 11 کھفاً في وادي قمران قرب خربة قمران شمال البحر الميت. وقد أثارت المخطوطات اهتمام الباحثين والمختصين بدراسة نص العهد القديم لأنها تعود لما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول منه.

[12] ) أسفار من العهد القديم.

[13] هوردس أو هيرودس (العبرية: ## 73 قبل الميلاد -4 قبل الميلاد) هو ابن الدبلوماسي انتيباتر الإدومي من زوجته النبطية، عين حاكما على الجليل ثم أصبح ملك اليهودية. وقد بسط نفوذه على المنطقة الممتدة من هضبة الجولان شمالا إلى البحر الميت جنوبا، وكانت أيام حكمه تمثل ازدهارا ثقافيا واقتصادية، وقد كان حليفة أمينا للإمبراطورية الرومانية كان مقره في مدينة القدس، أي أورشليم، وقد اشتهر بمشاريع البناء الفاخرة التي بادرها في هذه المدينة، ومنها بناء معبد القدس الكبير المسمى هيكل سليمان

[14] صهيون (بالعبرية: ## ومعناها الحصن) هو واحد من التلين الذين كانت تقوم عليهما مدينة أورشليم القديمة حيث أسس داود عاصمته الملكية.

[15] أحد تلامذة السيد المسيح.

[16] مشابهة لفكرة البرزخ في الديانة الإسلامية.

[17] الفريسيون أحد الأحزاب السياسية الدينية التي برزت خلال القرن الأول داخل المجتمع اليهودي في فلسطين، يعود أصل المصطلح إلى اللغة الآرامية ويشير إلى الابتعاد والاعتزال عن الخاطئين؛ كان الفريسيون يتبعون مذهبا دينيا متشددا في الحفاظ على شريعة موسى والسنن الشفهية التي استنبطوها. كان الفريسيون على خلاف دائم مع الصدوقيين الذين أنكروا القيامة والملائكة والأرواح.

[18] الصدوقيون هم إحدى الأحزاب الدينية السياسية التي نشأت ضمن الديانة اليهودية وذكرت في العهد الجديد؛ فمن المعروف أنه خلال القرن الأول قبل الميلاد ومن ثم خلال القرن الأول انقسم المجتمع الديني اليهودي إلى عدد من الأحزاب والجماعات السياسية داخل المؤسسة الدينية، وقد كان أكبر حزبين هما الصدوقيين والفريسيين.

[19] بمعنى عدم وجود حياة برزخية.

[20] الغنوصية (أو العارفية أو العرفانية) هي مدرسة عقائدية أو فلسفية حلولية نشأت حول القرن الأول الميلادي. خذت الغنوصية طورا جديدا لدي ظهور المسيحية لإثبات تواؤم المعتقدين. وكانت لا تتعارض مباشرة مع الديانات التوحيدية كالمسيحية واليهودية ولكنها تم مقاومتها وقمعها من قبل الكنيسة منذ فترة مبكرة.

[21] عصر التنوير ويسمى عصر الأنوار (بالفرنسية: Siecle des Lumieres) مصطلح يشير إلى القرن الثامن عشر في الفلسفة الأوروبية والذي برز فيه مفكرون وفلاسفة الأنوار.

[22] النبي يوسف الصديق. يحتفل بذكرى يوسف كواحد من الأجداد المقدسين في تقويم القديسين في الكنيسة الأرمنية الرسولية يوم ۲۹ يوليو. وفي الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنائس الكاثوليكية الشرقية التي تتبع المذهب البيزنطي، يعرف باسم «يوسف ذو الجمال الأسر».

[23] التعميد أو المعمودية هي طقس مسيحي يمثل دخول الإنسان الحياة المسيحية. تتمثل المعمودية باغتسال المعتمد بالماء بطريقة أو بأخرى. لشخص الذي يجري تعميده يصبح تابعا ليسوع المسيح وتابعا للكنيسة المسيحية. والعماد يمثل موت يسوع المسيح وقيامته في الحياة الجديدة. أيضا الطفل المعمد يخلص من الخطيئة الأصلية التي هي خطيئة آدم وحواء ويدخل الحياة مرة أخرى كإنسان جديد. وبحسب الاعتقاد المسيحي، فإن أول عماد في التاريخ كان عماد المسيح على يد يوحنا المعمدان في نهر الأردن.

[24] عيد القيامة (باليونانية: Tlioka)، ويعرف بأسماء عديدة أخرى أشهرها عيد الفصح وأحد القيامة، هو أعظم الأعياد المسيحية وأكبرها، يستذكر فيه قيامة المسيح من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من صلبه وموته كما هو مسطور في العهد الجديد، وفيه ينتهي الصوم الكبير الذي يستمر عادة أربعين يوما؛ كما ينتهي أسبوع الآلام، ويبدأ زمن القيامة المستمر في السنة الطقسية أربعين يوما.

[25] هذه الفكرة شبيهة بمفهوم ليلة القدر الذي تقدر فيه أعمال البشر.

[26] إنجيل البشير متى (حرفيا «نسبت إلى الرسول متى «). هذا الإنجيل هو أحد الأناجيل الأربعة التي هي ضمن العهد الجديد الكتاب الذي يعتمده المسيحيين في حياتهم. الأناجيل الأربعة التي هي ضمن العهد الجديد من الكتاب المقدس والتي تم طباعتها بصورة تقليدية ابتداء من متى ويليه وبحسب الترتيب مرقس ولوقا ومن ثم يوحنا. إنجيل متى يسمى تقليديا بإنجيل متى البشير أو المبشر.

[27] إنجيل البشير مرقس تقليديا هو الإنجيل الثاني في تسلسل الأناجيل الأربعة في العهد الجديد من الكتاب المقدس للمسيحيين، ويسمى إنجيل مرقس البشير أو المبشر. يشرح ويحكي هذا الإنجيل عن حياة المسيح ابتداء بيوحنا المعمدان إلى صعود المسيح إلى السماء بعد قيامته من بين الأموات، لكن إنجيل مرقس يركز بالخصوص على الأسبوع الأخير من حياة المسيح.

[28] إنجيل البشير لوقا يسرد إنجيل لوقا حياة السيد المسيح، مماته وقيامته. وأن كاتب هذا الإنجيل وأعمال الرسل هو ليس واحد، لكن بحسب التقليد تنسب كتابة أعمال الرسل إلى لوقا

[29] إنجيل البشير يوحنا هو رابع إنجيل من الأناجيل التشريعية في العهد الجديد من الكتاب المقدس للمسيحيين، وتقليديا يسمي بإنجيل يوحنا البشير أو المبشر. القديس يوحنا هو كاتب هذا الإنجيل في الإيمان المسيحي وهذا الإنجيل مقدمته تشهد بلاهوت يسوع المسيح كلمة الله.

[30] دانيال هو أحد الأنبياء الأربعة الكبار في التراث اليهودي المسيحي، والشخصية المركزية في سفر دانيال.

[31] مريم المجدلية من أهم الشخصيات المسيحية المذكورة في العهد الجديد وتعتبر من أهم النساء من تلاميذ المسيح والشاهدة على قيامته وأول الذاهبين لقبره حسب ما ذكره الإنجيل.

[32] القديس جستن كان من المبشرين الأوائل وهو أقدم الشارحين للوجس في القرن الثاني. استشهد مع تلامذته واعتبر قديسا للكنيسة الكاثوليكية.

[33] أغناطيوس الملقب بالنوراني أو الأنطاكي والذي يدعى أيضا ثيوفوروس (باليونانية: ## أي حامل الإله)، وهو قديس وأحد آباء الكنيسة كان على الأرجح أحد تلامذة الرسولين بطرس ويوحنا. هو ثالث أساقفة أو بطاركة أنطاكية بعد بطرس وإفوديوس الذي توفي حوالي سنة 68.

[34] القديس إيرينيئوس (القرن الثاني الميلادي -نحو عام ۲۰۲ م) هو أسقف مدينة لوغدونوم في بلاد الغال، ثم أصبح علما وجزئاً من الإمبراطورية الرومانية (الآن هي مدينة ليون، ب فرنسا). وكان القديس إيرينيئوس أحد أشهر آباء الكنسية الأوائل ومن أهم المدافعين عن العقيدة المسيحية، وكانت كتاباته تقويمية خلال فترة بداية انتشار ونمو علم اللاهوت المسيحي.

[35] فيرجيل (۷۰ ق.م -۱۹ ق.م) شاعر روماني.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

إقرأ أيضًا: الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

قال عالم الفيزياء الذي أصبح فيما بعد لاهوتياً جون بولكينغورن: “إن سؤالاً أساسياً مثل الإيمان بالله (أو عدم الإيمان) لا يمكن إنهائه بمناقشة واحدة. إنه معقد للغاية. وما على الشخص أن يفعله هو التفكير في قضايا مختلفة ويرى ما إذا كانت الإجابات التي سيحصل عليها توضح الصورة التي تعطي للموضوع معنى”[1].

وهذا هو الأسلوب الذي اتبعته في بحثي. وقمت بفحص عميق لأربعة فروع علمية مختلفة لأرى ما إذا كانت تشير إلى أو تبعدني عن المصمم الذكي.

وعندما فتحت ذهني لتفسير غير مبدأ الطبيعة، وجدت أن افتراضية التصميم تفسر بكل وضوح أدلة العلم “فالقوة التفسيرية” لفرضية التصميم تفوقت على نظرية أخرى. وما يلي بعض الحقائق التي وردت في أبحاثي واستفساراتي:

  • دلـيـل علـم الكـونيـات

إنه بفضل الاكتشافات العلمية في الخمسين سنة الأخيرة، أخذت مجادلة “الكلام Kalam” الكونية القديمة قوة جديدة. وكما وصف ذلك وليم لين كريج فقال: “رغم أن هذه المجادلة بسيطة إلا أنها ممتازة: “تقول أولاً: كل ما هو موجود له سبب”. وحتى الشكاك المشهور ديفيد هيوم لم ينكر هذه الافتراضية. كما قال الملحد كوينتن سميث إن التعبير الذي يقول: “إننا جئنا من لا شيء وبواسطة لا شيء من أجل لا شيء” تعبير سخيف ومثير للسخرية.

“ثانياً: إن الكون له بداية”. وبناء على المعلومات فإن كل علماء الكون يوافقون على أن الكون بدأ بالانفجار الهائل في نقطة محددة في الماضي. كما أكد كريج على القول بأن النظريات البديلة عن أصل الكون تحتاج إلى بداية. فمثلاً، استخدام ستيفن هوكنج “للأرقام الخيالية” يحجب نقطة البداية في نموذجه، والذي يصرح هوكنج عنه بالقول بأنه ليس وصفاً للحقيقة.

ويأتي الاستنتاج بكل وضوح من مقدمتين منطقيتين: “ولهذا فللكون سبباً. وحتى روبرت جاسترو والذي كان سابقاً لا أدري سلم بأن العناصر الأساسية للمسيحية وعلم الكون الحديث يلتقيان: “إن سلسلة الأحداث التي تقود الإنسان بدأت فجأة وبحدة، وفي لحظة محددة من الزمن، في ومضة ضوء وطاقة”.

  • دلـيـل الفيـزيـاء

إحدى أكثر الاكتشافات المميزة للعلم الحديث هو أن قوانين وثوابت الفيزياء تتعاونان بطريقة غير متوقعة لجعل هذا الكون مكاناً صالحاً للسكن والحياة. فمثلاً، قال عالم الطبيعة والفيلسوف روبن كولنس، إن الجاذبية قد ضبطت بكل دقة على جزء من مائة مليون بليون، بليون، بليون، بليون.

والثابت الكوني، الذي يمثل كثافة طاقة الفضاء، محددة بإحكام مثل إلقاء سهم من الفضاء ليضرب عين ثور بنسبة تريليون تريليون من البوصة في قطر الكرة الأرضية. وقال أحد الخبراء إنه يوجد أكثر من ثلاثين من القوانين الكونية الثابتة تحتاج إلى تقويم محدد حتى ينتج عنها كوناً يمكن أن يكون فيه حياة.

وقال بين كولينس بإن الفرصة لا يمكن أن تفسر “مبدأ أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية” والبديل الذي نوقش – بأنه يوجد الكثير من الأكوان – يحتاج إلى دعم من أي دليل وقد انهار تماماً على ما تحقق من أن هذه العوالم الأخرى يُعزى وجودها إلى عملية مصممة تصميماً عالياً.

وهذا الدليل قوي للغاية حتى أنه هو الذي جعل باتريك جلين يتخلى عن إلحاده ويقول: “إن المعلومات المتناغمة تشير بقوة تجاه فرضية وجود الله. إنه أسهل وأكثر الحلول وضوحاً للغز الإنساني”.

  • دلـيـل علـم الفـلك

وما يشبه الضبط الدقيق لعلم الفيزياء، هو مركز الأرض في الكون وتعقيداته الجيولوجية والعمليات الكيميائية كلها التي تعمل معاً بكفاءة عظيمة لكي تخلق مكاناً آمناً حتى يمكن للبشر أن يعيشوا.

مثلاً، قال كل من عالم الفلك جيليرمو جونزاليس والفيلسوف جاي ويزلي ريتشاردز حتى يكون نجماً بيئة صالحة للعيش عليه يحتاج إلى أن يكون له الخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، الضوء الصحيح، العمر الصحيح، المسافة الصحيحة، المدار الصحيح، المجرة الصحيحة، الموضع الصحيح. لكي يغذي الكائنات الحية على كوكب دوار. وعوامل كثيرة تجعل نظام مجموعتنا الشمسية وموقعنا في الكون هو الصحيح لكي يكون بيئة صالحة للسكن فيه.

وما هو أكثر من ذلك، الحالة غير العادية التي تجعل الحياة ممكنة هي أيضاً التي تحدث لكي تجعل كوكبنا في موقع جيد لرؤية وتحليل الكون والبيئة. وكل هذا يوضح بأن كوكبنا قد يكون نادراً إن لم يكن فريداً وأن الخالق أرادنا أن نكتشف الكون.

وقال الفيزيائي الفلكي المتعلم في هارفارد جون أ. أوكيف من ناسا “لو لم يكن الكون قد صنع بأقصى دقة ما كنا موجودين فيه. ومن وجهة نظري أن هذه الظروف تبين أن الكون خلق للإنسان ليعيش فيه”.

  • دلـيـل الكيميـاء الحيـويـة

قال داروين: “إذا أمكن توضيح أن أي عضو معقد موجود ولم يتكون من تعديلات عديدة ومتتابعة وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي”. وقد أوضح المتخصص في الكيمياء الحيوية مايكل بيه هذا تماماً من خلال وصفه “للتعقيد المتعذر اختزاله” في مكائن جزيئية.

هذه الأدوات الغريبة الميكروسكوبية المعقدة مثل الهُدب cilia والبكتيريا الشبيهة بالسوط flagella، لا يمكن أن تكون قد وُجدت قطعة قطعة من خلال عمليات داروين لأنها يجب أن توجد كاملة حتى يمكنها أن تؤدي وظيفتها. وأمثلة أخرى تشتمل على النظام الذي يصعب تصديقه عن نقل البروتينات داخل الخلايا والعملية المعقدة لتجلط الدم.

وما هو أكثر من مجرد تحدي مدمر لأصحاب نظرية داروين هي تلك الأنظمة البيولوجية المدهشة – التي تفوق القدرة البشرية في التكنولوجيا وكلها تشير إلى خالق علوي. وقال بيه “ويمكن تلخيص استنتاجي في كلمة واحدة هي: التصميم. وأقول هذا بناء على العلم. وأقول أن نظام “التعقيد المتعذر اختزاله” هو دليل قوي على تصميم هادف بواسطة مصمم ذكي”.

إن مجادلة بيه أثبتت أنه يصعب على الشكاكون تحديها. وإن كان من الواضح أنه ستكون هناك اكتشافات مستقبلية في الكيمياء الحيوية، فقد أشار بيه أنهم لن يستطيعوا مناقشة التعقيد الذي اكتشف وكان أفضل تفسير له هو وجود خالق.

  • دلـيـل المعلومات البيولوجية

الستة أقدام من حامض DNA في داخل كل خلية في أجسادنا التي بها 100 تريليون خلية تحتوي على أربعة حروف من الرموز الكيميائية التي تقذف تعليمات مجمعة ومحددة لكل البروتينات التي تتكون منها أجسادنا. وقد أوضح ستيفن مير المتعلم في كامبردج أنه ولا فرضية علمية واحدة تمكنت من توضيح كيف يمكن للمعلومات أن تدخل المادة البيولوجية بوسائل طبيعية.

وعلى العكس من ذلك، قال “حينما نجد ترتيبات متتابعة ومعقدة وتتمشى مع نمط أو وظيفة مستقلة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً ناتج عن الذكاء. فالكتب، وشفرة الكمبيوتر والحامض النووي كلها تتمتع بهذه الخواص. ونحن نعلم ان الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير إلى مصدر ذكي”.

وبالإضافة إلى ذلك قال مير: “إن انفجار كامبريان الكوني الذي نتج عنه أشكال جديدة من الحياة، والذي ظهر فجأة مكوناً تكويناً كاملاً في سجل الحفريات، بدون سابق تحول، كان سيحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات الحيوية. والمعلومات هي الماركة المسجلة للعقل. ومن دليل الجينات وعلم الأحياء يمكننا أن نستنتج وجود عقل أكبر كثيراً جداً من عقولنا، مصمم ذكي واع، حكيم وله هدف وهو مبدع بدرجة مذهلة”.

  • دلـيـل الوعــي

توصل الكثير من العلماء إلى أن قوانين الكيمياء والطبيعة لا يمكنها أن تفسر لنا اختبارنا للوعي. وقد عرف البروفيسور جي. بي. مورلاند الوعي على أنه الاستبطان والاحساسات والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختبارات الحرة التي تبقينا أحياء ومتنبهين. والروح هي التي تحتوي على الوعي وتبعث الحياة في جسدنا.

وطبقاً لما وضحه أحد الباحثين من أن الوعي يمكن أن يستمر بعد أن يقف مخ الإنسان عن العمل، فإن الأبحاث العلمية الحديثة أيدت وجهة النظر التي تقول بأن “العقل” و”الوعي” و”الروح” هي كيان منفصل عن المخ.

وكما قال مورلاند: “لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فإذا كان الكون نشأ من مادة ميتة لا وعي فيها كيف يمكنك أذاً أن تحصل على شيء مختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، مشاعر، مخلوقات حية – على المادة التي ليست بها مثل هذه الأشياء. ولكن إذا كان كل شيء بدأ من فكر وعقل الله، فليست لدينا مشكلة في تفسير مصدر وأصل عقولنا”.

إن الفيلسوف مايك روس يؤمن بنظرية داروين، اعترف بصراحة: “لا يوجد أحد لديه إجابة على قضية الوعي. وقال جون سي. إلكيس الحاصل على جائزة نوبل “هناك ما يمكن أن نسميه الأصل غير العادي لعقلي الواعي ولروحي المتفردة”.

هـويـة المُصـمم

راجعت سيل المعلومات مما قمت به من بحث وتقصي، ووجدت أن الدليل على وجود مصمم ذكي أمر مصدق ومقنع وقوي. ومن وجهة نظري فإن ربط ما وجدته من علم الكونيات وعلم الطبيعة كافيين تماماً لتأييد افتراضية وجود مصمم لهذا الكون. وكل المعلومات الأخرى التي قد تكون قضية تراكمية قوية انتهت بأنها غمرت كل اعتراضاتي.

ولكن من هو هذا المصمم الأعظم؟ ومثل لعبة توصيل النقط، فإن كل واحدة من الستة فروع العلمية التي بحثها أعطت المفاتيح لإزالة القناع عن هوية الخالق.

وكما شرح كريج أثناء لقائنا، قال إن أدلة علم الكونيات توضح أن سبب هذا الكون يجب ألا يكون لا سبب ولا بداية ولا زمن وغير مادية وله إرادة حرة وقوة هائلة. وفي مجال الفيزياء قال كولنس إن الخالق ذكي واستمرت مشغوليته بخليقته بعد الانفجار الهائل الأولي.

ودليل علم الفلك يوضح أن الخالق كان مبدعاً ودقيقاً في خلق مكان يصلح لمعيشة مخلوقاته التي صممها وأنه يعتني ويهتم بها. كما قدم كل من جونزاليز وريتشاردز الدليل على أن الخالق قد وضع على الأقل هدفاً في مخلوقاته وهو اكتشاف العالم الذي صممه ومن خلال ذلك يكتشفونه هو.

ولا تؤكد الكيمياء الحيوية ووجود المعلومات البيولوجية نشاط الخالق بعد الانفجار الهائل فقط، ولكن أيضاً تظهر مدى ابداعه العظيم.  وكما قال مير إن الدليل على وجود الوعي يؤكد أن الخالق كائن عاقل وحكيم، وهذا يساعدنا على فهم هذه القوة كلية القدرة كما توضح أننا يمكن أن نصدق فكرة الحياة بعد الموت.

إن هذه ليست صورة لإله الربوبية* الذي كون هذه الكون ثم تخلى عنه. وكما شرح مير في لقائي الأول معه، إن التخلي عن دليل لوجود نشاط مستمر للخالق في الكون بعد بداية خلقه يكذب مذهب الربوبية كاحتمال يمكن تصديقه.

ومذهب وحدة الوجود، الخالق والكون موجودان معاً، يعجز أيضاً عن تفسير الدليل، لأنه لا يستطيع أن يوضح كيف ظهر الكون للوجود. وإذا كان إله مذهب وحدة الوجود غير موجود قبل الكون المادي فلن يستطيع إحضار الكون للوجود.

كما وضح كريج كيف أن المبدأ العلمي “لشفرة أوكهام” الذي قضى على تعدد الآلهة والشرك بالله، تاركاً إيانا مع إله واحد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية التي هي مركز عقائد العصر الجديد.

على النقيض من ذلك، فإن صورة الخالق التي بزغت من المعلومات العلمية تتوافق بقوة مع وصف الله الذي وضحت شخصيته على صفحات الكتاب المقدس:

  • الخالق: “من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك” (مزمور 102: 25)[2].
  • فريد: “إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه” (تثنية 4: 35)[3].
  • موجود بذاته وسرمدي: “من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” (مزمور 90: 2)[4].
  • روحي غير مادي: “الله روح” (يوحنا 4: 24)[5].
  • شخصي، ذاتي: “…. ظهر الرب لإبراهيم وقال له: “أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملاً” (تكوين 17: 1)[6].
  • له إرادة حرة: “وقال الله ليكن نون فكان نور” (تكوين 1: 3)[7].
  • ذكي وعقلاني: “ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك” (مزمور 104: 14)[8].
  • عظيم القوة: “الرب عظيم القدرة” (ناحوم 1: 3)[9].
  • مبدع: “لأنك قد اقتنيت كليتي نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً” (مزمور 139: 13 -14)[10].
  • يرعى ويهتم: “امتلأت الأرض من رحمة الرب” (مزمور 33: 5)[11].
  • كلي الوجود: “هو ذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك” (ملوك الأول 8: 27)[12].
  • أعطى البشرية هدفاً: “فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى… الكل به وله قد خلق” (كولوسي 1: 16)[13].
  • يعطينا حياة بعد الموت: “يبلع الموت إلى الأبد” (أشعياء 25: 8)[14].

وكما كتب الرسول بولس منذ ألفي عام وقال: “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنه بلا عذر” (رومية 1: 20)[15].

والسؤال عما إذا كانت هذه الصفات قد تصف ألوهية أية ديانة أخرى في العالم أصبحت موضع نقاش عندما أضفت الدليل الذي اكتشفته من خلال دراسة التاريخ القديم والآثار القديمة.

وكما وصفت في كتابي “القضية …. المسيح” إن الدليل المقتنع يقيم أساساً يعول عليه للعهد الجديد، وهذا يوضح تحقيق نبوات العهد القديم في حياة يسوع الناصري ضد كل ما هو غريب ويؤيد قيامة المسيح كحادثة فعلية ظهرت في الزمن المحدد وفي الفضاء. كما أن قيامته من الأموات هو عمل فذ وغير مسبوق وأعطى سلطاناً وقوة وتوثيقاً لقوله إنه ابن الله الوحيد.

وبالنسبة لي فإن المدى والتنوع والعمق والقوة المثيرة والمقنعة للأدلة من العلم والتاريخ أكدت صدق المسيحية إلى الدرجة التي أزالت بها كل شكوكي.

وأنا لست مثل الذين يؤمنون بنظرية داروين، فإن إيماني يسبح ضد تيار قوي من الأدلة المضادة، واضعاً ثقتي في الله إله الكتاب المقدس وهو قرار حكيم وطبيعي وقد اتخذته فعلاً. وكنت فقط أسمح بسيل الحقائق أن تجرفني نحو نتائجها المنطقية.

انصـهار العـلـم والإيمـان

لسوء الحظ هناك الكثير من سوء الفهم حول الإيمان. فالبعض يعتقدون بأن الإيمان يتناقض مع الحقائق. ويقول مايكل شيرمير: “إن هدف الإيمان هو أن تثق بصرف النظر عن الأدلة، وهذا أمر مضاد للعلم”[16]

ومع ذلك، فهذا بالتأكيد ليس هو فهمي لهذا الأمر. فإنني أرى الإيمان على أنه خطوة عاقلة نحو نفس الاتجاه الذي يشير إليه الدليل. أي أن الإيمان يتخطى مجرد الاعتراف بأن حقائق العلم والتاريخ تشير نحو الله. إنه يُجيب على تلك الحقائق بالاستفادة من الثقة في الله، خطوة مضمونة تماماً وذلك لتأييد الدليل لها.

قال أليستر مكجراث من أكسفورد كل وجهات النظر العالمية تحتاج إلى الإيمان. وادعاءات الحقيقة للإلحاديين لا يمكن إثباتها. كيف نعرف أنه لا يوجد إله؟ والحقيقة البسيطة في الأمر كله هو إن الإلحاد هو نوع من الإيمان يصل إلى نتائج تتخطى الأدلة المتاحة”[17].

ومن الناحية الأخرى، فإن الأدلة المتاحة من أحدث الأبحاث العلمية تُقنع مزيداً من العلماء بأن الحقائق تؤيد الإيمان أكثر من أي وقت مضى. ويقول الصحفي جريج إيستروبروك: “إن الفكرة القديمة التي تقول إنه هناك الكثير من الوجوه أكثر مما تراه العين تبدو كما لو أنها فكرة حديثة ظهرت ثانية. وأننا ندخل أعظم مرحلة للتداخل بين العلم والإيمان منذ حركة التنوير التي حاولت أن تُصلح الاثنين معاً”[18].

وبالنسبة لكثير من الناس – بمن فيهم الفيزيائي بول دافيس – هذا تطور غير متوقع وسبب لهم نوع من الصدمة. ويقول: “قد يكون ذلك أمراً غريباً ولكن في وجهة نظري أن العلم يقدم طريقاً مؤكداً نحو الله أكثر من العقيدة”[19].

وقال العالم جيمس تور من جامعة ريز: “الشخص المبتدئ الذي لا يعرف شيئاً عن العلم سيقول إن العلم يقوده بعيداً عن الإيمان. وإذا درست العلم بجدية فسوف يقربك أكثر إلى الله[20]. وقال الفيزيائي الفلكي والقس جورج كوين ” لا شيء نتعلمه عن الكون يهدد إيماننا. إنه يزيده غنى وثراء”[21].

وقال عالم الفيزياء الرياضي ليولكينغورن، من كامبردج:

لم ير أحداً الشحنة الكهربية الموجودة في الجزيء الأصغر من الاليكترون المسماة quark وأعتقد أنه لن يستطيع أحد أن يراها. إنها ترتبط بقوة معا داخل البروتون والنيوترون حتى إنه لا يمكن كسرها. لماذا إذاً أصدق في هذه الشحنات غير المرئية؟ ….. لأنها تعطي معنى لكثير من الأدلة المباشرة في علم الطبيعة. وأود أن ننتقل من هذا إلى حقيقة وجود الله.

فوجود الله يعطي معنى لكثير من جوانب معرفتنا واختباراتنا مثل: نظام وثمار العالم المادي، الوجوه المختلفة للحقيقة، الاختبارات الإنسانية في العبادة والرجاء، ظاهرة يسوع المسيح (بما فيها قيامته. وأعتقد أن عمليات فكرية مشابهة متضمنة في كلا الحالتين. ولا أعتقد أنني انحرفت إلى طريق فكري غريب عندما انتقل من العلم إلى الدين… وفي بحثهم عن الحق يصبح العلم والإيمان أبناء عمومة تحت الجلد”[22].

ومع ذلك فقد أضاف تميزاً هاماً: “إن المعرفة الدينية تتطلب جهداً وعناية أكثر من المعرفة العلمية. فبينما تتطلب انتباهاً دقيقاً للحق، فهي أيضاً تدعو إلى الالتزام بهذا الحق الذي اكتشفته”[23].

وطبقاً لما يقوله ماكجاث: “الكلمة العبرية لكلمة “الحق” تعني “الشيء الذي يمكن أن تستند إليه”. ويقول بأن الحق هو أكثر من مجرد الصواب. إنه الثقة التي تقودنا إلى شخص جدير بأن نطرح فيه كل ثقتنا. وغير مطلوب منا أن نعرف حقيقية أخرى بل ان ندخل في علاقة مع من يستطيع أن يحفظنا ويريحنا”[24].

إن حقائق العلم والتاريخ يمكنها فقط أن تأخذنا بعيداً. فعند نقطة معينة تتطلب الحقيقة إجابة. وعندما نقرر ألا نتأمل فقط في الفكرة المجردة عن مصمم هذا الكون ولكن أيضاً أن نجعله “إلهنا الحقيقي” عندئذ يمكننا أن نلتقي به شخصياً ونتصل به يومياً ونقضي الأبدية معه كما وعدنا بذلك. وهذا يغير كل شيء.

من العـلـم إلى الله

لم يندهش أحد عند سماعه الدليل العلمي على وجود الله مثلما اندهش عالم الطبيعة العجوز الذي يصل عمره إلى 77 عاماً وصاحب الشعر الفني والكلام الطيب والذي كان أمامي في مطعم في جنوب كاليفورنيا.

وقصته مثل تلك التي قصها عليّ كريج سابقاً عن عالم الطبيعة من أوروبا الشرقية الذي وجد الله من خلال علم الكونيات، وهذه شهادة أخرى للعلم لكي يقود الباحثين نحو الله. ومع ذلك فهي شيء آخر، إنها خريطة طريق لمن يريد أن يتقدم إذا كنت مهتماً شخصياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان بالله يدعم بالحقائق.

فيجو أولسين هو جراح ذكي انغمست حياته في العلم، وبعد تخرجه من كلية الطب أصبح زميلاً في مجلس الجراحين الأمريكيين. وكان يصحب اسمه العديد من رموز الشهادات التي حصل عليها M.S., M.D., Litt.D., D.H., F.A.C.S., D. T. M.&H., F. I. C. S. وكان يُرجع شكه في الأمور الروحية لمعرفته لعالم العلم.

وقال: “بحثت في المسيحية والكتاب المقدس من خلال نظرة شخص يؤمن بمذهب اللاأدري. وكانت زوجتي جوان أيضاً لا تؤمن بالمسيحية. وكنا نعتقد بعدم وجود برهان مستقل على وجود خالق. وكنا نعتقد أن الحياة وُجدت من خلال عمليات تطورية”[25].

وكانت المشكلة في والدي جوان اللذين كانا مسيحيين أتقياء. وعندما قام بزيارتهما كل من فيجو وجوان في عام 1951 وهم في طريقهم لكي يبدأ فيجو كطبيب مقيم في مستشفى نيويورك لأول مرة، شعروا بتبكيت ديني شديد. وفي مناقشات متأخرة بالليل، بدأ كل من فيجو وجوان أن يشرحا بصبر لماذا تتناقض المسيحية مع العلم المعاصر. وأخيراً، وهم يشعران بنوع من الضيق والتشتت عند الساعة الثانية صباحاً وهم جالسون حول الطاولة بالمطبخ، وافقا على فحص واختبار الإيمان المسيحي بأنفسهم.

وأشار أولسين أن بحثه سيكون مخلصاً وصادقاً، ولكنه في داخله كان هناك خطة أخرى. وقال: “لم يكن قصدي أن أقوم بدراسة موضوعية على الإطلاق. وكما شرح الجراح الصدر، قررنا أن نخترق الكتاب المقدس لنستخرج منه كل الأخطاء العلمية المحيرة”.

وعلى منزلهم الجديد علقوا ورقة وكتبوا عليها “أخطاء علمية في الكتاب المقدس” متخيلين أنهم يستطيعوا ملئها بالأخطاء. ووضعوا نظاماً يناقشون فيه بعضهم البعض ما يتعرفوا عليه من بحثهم وتقصيهم. وبينما كان فيجو يعمل بالمستشفى، تقوم جوان ببحص القضايا المعلقة على الورقة. ثم أثناء ليالي العطلة الأسبوعية في إجازة فيجو، كانا يدرسان معاً ويحللان ويناقشان ويتجادلان.

وبرزت المشاكل بسرعة ولكن ليس تلك التي كانا يفكران فيها. وقال فيجو: “لقد وجدنا صعوبة في إيجاد تلك الأخطاء العلمية. ثم وجدنا شيئاً يبدو أنه خطأ ولكن بعد دراسة أكثر وتأمل، اكتشفنا أن فهمنا كان ضحلاً. وهذا دفعنا لأن نتوقف لتدبر الأمر”.

وفي إحدى المرات أعطاني طالب كتاباً مكتوباً في عام 1948 بعنوان “العلم الحديث والإيمان المسيحي”. وكل فصل من فصوله 13 مكتوبة من قبل عالم مختلف عن الدليل الذي وجدوه في مجاله والذي يشير إلى وجود الله. وبالرغم من أنه كتب قبل ظهور الكثير من الاكتشافات العلمية التي وصفها في هذا الكتاب فإن هذه الأدلة كانت كافية لتوقف فيجو وجوان.

قال أولسين: “لقد عصف الكتاب بأذهاننا! فلأول مرة عرفنا أنه توجد أسباب خلف المسيحية. وتصميمهم على الإيمان لن يكون نوعاً من الانتحار الذهني”.

مغامـرة العـمـر

التهم كل من فيجو وجوان هذا الكتاب والكثير من الكتب الأخرى في نفس الموضوع. وبينما كانوا يحللون الأدلة توصلوا إلى العديد من النتائج.

أولاً، عرفا على أساس علمي أن الكون ليس أزلياً. بل بالحري ظهر في نقطة معينة. وطالما أن هذا الكون ملفوف بالقوة – طاقة حرارية، طاقة ذرية…. إلخ – فبدأوا يفكرون أنه لا بد من وجود قوة هائلة أوجدته.

ثانياً، نظرا إلى الخطة الواضحة للكون، والجسم الإنساني بكل أعضائه وخلاياه، واستنتجوا أن القوة التي خلقت هذه الكون يجب أن تكون قوة ذكية.

ثالثاً، قالا إنه بالرغم من عظمة القوة العقلية لدى الإنسان، فهناك من هو أعظم، القدرة على الحب والتعامل بالمشاعر والعاطفة. ولأن الخالق يجب أن يكون أعظم من خلائقه، فلا بد وأن له نفس هذه الصفات.

وبناء على الأدلة والمنطق المستقل عن الكتاب المقدس، تمكنوا من الإجابة على السؤال الأول من الثلاثة أسئلة التي قام عليهم بحثهما: “هل يوجد إله خلق الكون؟” وأدهشوا أنفسهم بالحكم الذي توصلوا إليه: نعم، خالق شخصي – الله موجود.

بعد اقتناعهم بهذا، بدأ في محاولة استكشاف السؤالان الآخران: “هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو نصوص كتابية مقدسة أخرى؟ وهل يسوع ابن الله – متحداً إلهياً بالبشرية – يستطيع أن يساعدنا كما ادعى ذلك؟”

واستمر البحث في هذين الموضوعين. وفي أحد الأيام، بينما كان فيجو يعمل في المستشفى، كون ما اعتقد أنه مجادلة قوية ضد المسيحية. قال لي وهو يستعيد ذكرى المنظر كما لو أنه حدث الشهر الماضي: “كنت حقيقة فخوراً به وأمضيت طوال اليوم أفكر فيه. ولم أتمكن من الانتظار حتى أخبر زوجتي جوان!”

وفي نهاية فترة العمل بالمستشفى، سار حتى وصل إلى شقته الصغيرة “وفي هذا اليوم أتذكر الفكر الذي تبادر إلى ذهني عندما فتحت زوجتي الباب وقبلتني – يا لها من زوجة رائعة وهي حامل أيضاً”.

دخل وأغلق الباب وشرح لزوجته اعتراضه الجديد على المسيحية. وأخيراً سأل: “ماذا تعتقدين أنت؟”

قال: “ساد السكون المكان لمدة دقيقة. ثم نظرت جوان إليّ بعينيها الزرقاوان الجميلتان وقالت: “ولكن يا فيجو ألم تتوصل بعد كل هذه الدراسات إلى أن المسيح هو ابن الله؟”

قال: “كان هناك شيء ما في الطريقة التي كلمتني بها والتي نظرت بها إليّ والتي في الحال أسقطت كل الحواجز الباقية في ذهني. ولم يعد الدليل أمامه أي عائق. وكل ما تعلمناه اجتمع معاً في صورة رائعة مضيئة وخرافية للرب يسوع.

“ترددت بعض الشيء ثم قلت لها: “نعم، إنني أؤمن بذلك وأعلم أنه حقيقي”. ولم أكن آمنت حتى لحظة كلامي معها – ولكن عندما انهارت الحواجز، علمت أنها على صواب. وتوجهنا نحو غرفة المعيشة وجلسنا على الكنبة. وقلت لها: “ماذا عنك أنت؟”

قالت: “لقد حسمت الأمر كله منذ بضعة أيام، ولكنني خشيت أن أقول لك ذلك. كل الأشياء التي درسناها وتعلمناها أقنعتني أخيراً بما جاء في الكتاب المقدس وعن المسيح وعن حاجتي – بل وحاجتنا – إليه. “ومنذ بضعة أيام كنت مقتنعة تماماً” لقد صلت لكي تقبل غفران الله المجاني لها والحياة الأبدية. وبهذا بدأت أكبر مغامرة في حياتنا.

ولأنهما رغبا في زيادة الأثر الطيب الذي حصلوا عليه، صلى كل من فيجو وجوان صلاة جريئة طلبا فيها من الله أن يرسلهم إلى مكان خال من المسيحيين ومن الرعاية الطبية. وأرسلهم الله إلى بنجلادش حيث قضيا 33 عاماً في هذا البلد الفقير.

وهناك أسسوا مستشفى مسيحي وجعلوه مركزاً للرعاية الطبية والاستنارة الروحية حيث وجدت فيه الجماهير الشفاء والرجاء. وقد قام فيجو وزملاؤه بتأسيس 120 كنيسة. وقد رحب بهم الناس والحكومة ترحيباً حاراً، وقد كرموه بإعطائه الفيزا رقم 1 اعترافاً منهم بما قدموه لبلدهم.

قلت له: “لا بد وأن المعيشة كان صعبة للغاية في بلد متخلف مثل هذا”.

أجابني بابتسامة: “لقد كانت أعظم مغامرة قمنا بها. فعندما تقيم في مكان صعب، وتشعر بثقل المسؤولية أكثر مما تحتمل وتصلي وتسكب نفسك وقلبك أمام الله، عندئذ سترى الله يصل إليك ويلمس حياتك ويحل المشكلة ويتدخل في الموقف بطريقة تفوق كل تصورك.

وأضاءت عيناه وقال: “هذه هي الحياة مع الله، لا يساويها شيء وعلينا أن نختبر هذه مرة ومرات. لقد كنا سنخسر كل ذلك من أجل العالم. وفي رأيي إنك إذا عرفت الهدف الذي خلقك الله من أجله – مهما كان – وتتبعه فستجد أنه هو أفضل طريق وحياة تعيشها”.

وكتب فيجو ثلاثة كتب عن اختباراته. وأحببت عنوا أحد هذه الكتب هو “اللاأدري الذي جرؤ على البحث عن الله”[26]لأنه يقول بوجود مخاطرة مع البحث عن دليل لوجود الله. وعند نقطة معينة فإن الحق الذي تكشف عنه ستطلب إجابة. وهذا يمكنه أن يغير كل شيء.

لقـد صُممـت للاكتشـاف

مع أن فيجو كانت لديه خلفية علمية قوية وأفضل مما لدي أنا، فكانت توجد أشياء متشابهة في الطريقة التي تعاملنا بها مع قضية الإيمان والعلم. لقد قرأنا كتباً، وسألنا أسئلة وبحثنا عن أدلة غير مهتمين إلى أي مكان سيأخذنا ذلك. وبحثنا عن ذلك بطريقة منظمة وحماسية كما لو أن حياتنا متوقفة عليها.

وفي النهاية، حياتنا ومشاعرنا وفلسفاتنا ونظرتنا للعالم وأولوياتنا وعلاقاتنا تغيرت للأفضل.

وإذا كنت شكاكاً روحياً أرجو أن تتمكن من اكتشاف الدليل بنفسك. وفي الحقيقة، فإن سلوك أولسين ذي الثلاث جوانب قد يساعدك إذا اتبعته:

أولاً: هل هناك إله خلق هذا الكون؟

ثانياً: هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو أي كتب مقدسة أخرى.

ثالثاً: هل يسوع هو ابن الله – متحداً بالبشرية – ويمكن أن يساعدنا كما ادعى.

وسوف تكتشف أن الكون محكوم بقوانين طبيعية وقوانين روحية. والقوانين الطبيعية تقودنا إلى الخالق، أما القوانين الروحية تعلمنا كيف نعرفه شخصياً اليوم وإلى الأبد.

إنه ليس الخالق فقط بالمعنى الواسع، بل هو خالقك أنت. لقد خلقك لكي تتصل به بطريقة حية ونشطة وقوية. وإذا بحثت عنه بكل قلبك، فهو يعدك بأن يقدم لك كل الوسائل التي تحتاجها لكي تجده[27]. وربما تكون قد شعرت وأنت تقراً هذا الكتاب بأن الله يبحث عنك بطريقة قد تكون غامضة ولكنها حقيقية.

إنك، كما يقول بحث جونزاليز وريتشاردز، خُلقت وصممت للاكتشاف، وأعظم اكتشاف في حياتك ينتظرك. ولهذا فأنا آمل أن تسعى وراء المعرفة العلمية ولكن لا تتوقف هناك. ولا تدع اغرائها يكون مصيرك، وبدلاً من ذلك اسمح لها بأن تقودك لما ورائها من معان متضمنة لا تُصدق والتي تقدمها لحياتك وأبديتك.

واقتراحي هو ما يأتي: اقضي بعض الدقائق الهادئة لكي تنغمس في هذه الكلمات الختامية والتي عبر عنها ببلاغة أليستر مكجراث ودعها تكون قوة دافعة لمغامرة عمرك:

وجد الكثيرون أن المنظر الرهيب للسماء المرصعة بالنجوم يولد احساساً بالإعجاب والسمو المشحون بالمعاني الروحية. ومع ذلك فإن الوميض البعيد للنجوم لا يخلق في حد ذاته هذا الإحساس بالشوق، إنه فقط يعرض ما هو موجود فعلاً هناك. إنها تحفز رؤيتنا الروحية وتكشف فراغنا وتجبرنا لكي نسأل كيف يملأ هذا الفراغ.

يا ليت أصولنا الحقيقية ومصيرنا يكون خلف تلك النجوم. ويا ليت وطننا يكون، ليس ذلك الموجودون فيه حالياً، بل الذي نصبو للعودة إليه. ويا ليت تراكمات أحزاننا وأوجاعنا أثناء وجودنا في هذا العالم تكون مؤشراً لأرض أخرى حيث مصيرنا الحقيقي والذي نشعر به الآن في داخلنا.

ولنفترض أن هذا ليس هو المكان الذي سنكون فيه ولكن ينتظرنا وطناً أفضل. نحن لا ننتمي لهذا العالم. وقد نكون قد فقدنا طريقنا. ألا يجعل هذا وجودنا الحالي أمر غريب ورائع في ذات الوقت؟ غريب، لأن هذا ليس هو مصيرنا ورائع لأنه يشير للأمام إلى حيث رجائنا الحقيقي. إن جمال السماوات بالليل، أو روعة غياب الشمس هي مؤشرات هامة لتلك الأصول وتحقيق كامل لرغبات قلوبنا العميقة. ولكن إذا أخطأنا رؤية العلامة المميزة لتوجيهنا فسوف نربط أشواقنا ورجاؤنا بأهداف ضعيفة لا تطفئ عطشنا لهذه المعاني السامية[28].

[1]John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New Youk: Cross-road, 1994), 25.

* مذهب فكري يدعو إلى دين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي

[2] Psalm 102: 25.

[3] Deuteronomy 4: 35.

[4] Psalm 90: 2.

[5] John 4: 24.

[6] Genesis 17: 1. According to Theologian Millard J. Erickson, “God is Personal. He is an individual being, with self-consciousness and will, capable of feeling, choosing, and having a reciprocal relationship with other personal and social beings,” Millard J. Erickson, Christian Theology (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1985), 269.

[7] Genesis 1: 3.

[8] Psalm 104: 24.

[9] Nahum 1: 3.

[10] Psalm 139: 13-14.

[11] Psalm 33: 5.

[12] 1 Kings 8:27.

[13] Colossians 1: 16 (The Message).

[14] Isaiah 25: 8.

[15] Romans 1:20.

[16] Michael Shermer, How We Believe, 123.

[17] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 22.

[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002)

[19] Quoted in John Plokinghorne. Qurks. Chaos and Christianity, 35.

[20] See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Bap-tist Standard (March 15, 2002).

[21] Quoted in Margaret Wertheim, “The Pope’s Astrophysicist,” Wired (December 2002).

[22] John Polkinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity, 98-100.

[23] Ibid., 13.

[24] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 44.

[25] See: American Scientific Affiliation, Modem Science and Christian Faith (Wheaton, 111.: Van Kampen, 1948).

[26] Viggo Olsen, The Agnostic Who Dared to Search (Chicago: Moody, 1974). His Other Books are Dakter and Daktar II, Both Published by Moody.

[27] God said in Jeremiah 29: 13: “You will seek ne and find me when you seek me with all your heart.”

[28] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 51, 53.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.

ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer   إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.

لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]

يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.

فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins  وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens  أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.

والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh  (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited  (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.

الاهتداء إلى الإيمان  يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]

فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.

فكيف نفهم منطقية الإيمان؟ يمكن توضح منطقية الإيمان المسيحي بطريقتين مختلفتين، ولكنهما تكملان بعضهما البعض:

  1. بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
  2. بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.

هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.

وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان.
طبيعة الإيمان:

أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.

وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.

يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre  أو “جون جري” John Gray  إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.

فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James  أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]

وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.

ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel  أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.

فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin  في ملاحظة صائبة قائلاً:

إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]

يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]

فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin  (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

  1. قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
  2. قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
  3. قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]

تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل:
2+2= 4
الكل أكبر من الجزء.
التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.

العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.

ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.

وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton  في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion  لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.

وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga  هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.

ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.

إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty  (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society  منذ عدة سنوات أشار إلى أنه

إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]

ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.

إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.

وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا”  Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.

وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]

هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد  شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.

ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.

إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]

ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard  (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein  الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!

وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards  (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”

وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.

قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]

ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.

 ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟

لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.

وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.

إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله  على المستوى الثقافي.

رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]

وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.

وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ”  Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.

إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]

إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow  الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]

فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne  (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:

إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]

إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.

فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.

وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟

وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]

وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.

ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء.
وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.

وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne  مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]

والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.

أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]

فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.

فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:

يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.

إن العلم يعتمد على الاستدلال inference  لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.

إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟

يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:

  1. لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
  2. ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
  3. إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]

فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.

وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.

والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.

خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلر Johannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة.  ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation  unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.

وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas  بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality  أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]

والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.

ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.

فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:

  • كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  • العالم ظهر إلى الوجود.
  • إذَن العالم له سبب.

 

  • البحث عن أفضل تفسير:

منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلرJohannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة،
والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين”  Charles Darwinفي  وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.

وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.

لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).

والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.

ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.

  • التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:

منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري”  “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.

ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية  مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان  يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.

وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟

ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.

معنى الأشياء: دراسة حالة:

لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟

كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.

إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.

فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.

وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.

وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!

وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.

وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]

إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.

والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder  مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]

والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]

فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.

غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]

فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz  أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.

فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.

ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).

ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.

وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.

إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien  في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:

لن أسير مع عصوركم التقدمية

مع المغرورين والحكماء الذين يقودهم تقدمهم

إلى هوة مظلمة سحيقة تفتح فمها لاستقبالهم.[43]

خطوة للأمام:

درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.

لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.

وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.

وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.

ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.

فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.

لمزيد من الاطلاع:

Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010

McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011

Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.

[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.

[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.

[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.

[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).

[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.

[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).

[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.

[8] MacIntyre, Whose Justice?, 6.

[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.

[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.

[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).

[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.

[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.

[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).

[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-

[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.

[17] Ibid.

[18] Austin Farrer, “The Christian Apologist,” Light on C. S. Lewis, ed. Jocelyn Gibb (London: Geoffrey Bles, 1965), 26.

[19] Ibid.

[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.

[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.

[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.

[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.

[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.

[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.

[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”

[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.

[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.

[29] Ibid.

[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.

[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.

[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.

[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.

[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.

[40] Ibid.

[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).

[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.

[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.

[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

Why does Matthew incorrectly quote Isaiah? MATTHEW 4:14–16

MATTHEW 4:14–16—Why does Matthew incorrectly quote Isaiah?

PROBLEM: Matthew does not seem to quote Isaiah 9:1–2 accurately. Rather, he seems to have changed it.

SOLUTION: It is not necessary to quote a passage verbatim to cite it accurately. Matthew does not distort the meaning of this passage. He simply condenses or summarizes it. To paraphrase accurately is not to distort. Otherwise, no news report or historical account was ever accurate, since summary is essential to history.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (329). Wheaton, Ill.: Victor Books.

How can we explain Matthew’s apparent misquotation of Micah 5:2? MATTHEW 2:6

MATTHEW 2:6—How can we explain Matthew’s apparent misquotation of Micah 5:2?

PROBLEM: Matthew 2:6 quotes Micah 5:2. However, the words Matthew uses are different than those used by Micah.

SOLUTION: Although Matthew seems to have changed some of the words from the passage in Micah, there is no real deviation in the meaning of the text. Matthew, in some instances, seems to have paraphrased.

First, Matthew inserts the phrase “land of Judah” for the word “Ephrathah.” This does not really change the meaning of the verse. There is no difference between the land of Judah and Ephrathah, except one is more specific than the other. In fact, Ephrathah refers to Bethlehem in the Micah passage, and Bethlehem is located in the land of Judah. However, this does not change the basic meaning of this verse. He is speaking of the same area of land. Interestingly, when Herod asked the chief priests and the scribes where the child was to be born, they said, “in Bethlehem of Judea” (Matt. 2:5, nasb).

Second, Matthew describes the land of Judah as “not the least” but Micah states that it is “little.” Here, Matthew may be saying that since the Messiah is to come from this region, it is by no means least among the other areas of land in Judah. The phrase in Micah only says that Bethlehem is too little or small, as compared to the other areas of land in Judah. The verse does not say it is the least among them, only very little. Matthew is saying the same thing in different words, namely, that Bethlehem is little in size, but by no means the least in significance, since the Messiah was born there.

Finally, Matthew uses the phrase “who will shepherd My people Israel” and Micah does not. Micah 5:2 recognizes that there will be a ruler in Israel, and Matthew recognizes this as well. However, the phrase that is not mentioned in Micah is actually taken from 2 Samuel 5:2. The combining of verses does not take away what is being said, but it strengthens the point that the author is making. There are other instances where an author combines one Scripture with another. For example, Matthew 27:9–10 combines some of Zechariah 11:12–13 with Jeremiah 19:2, 11 and 32:6–9. Also, Mark 1:2–3 combines some of Isaiah 40:3 with Malachi 3:1. Only the first passage is mentioned, since it is the main passage being cited.

In brief, Matthew is not misrepresenting any information in his quotation of Micah 5:2 and 2 Samuel 5:2. Matthew’s quote is still accurate even though he paraphrases part of it and combines another portion of Scripture with it.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (327). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord would see seed

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord would see seed, an expression always meaning physical descendants when used in the Hebrew Bible.

Actually, the passage you refer to is the only occurrence of the Hebrew expression “see seed” in the Tanakh, so it is not wise to be so dogmatic about the meaning of the expression, especially since “seed” is sometimes used metaphorically in the Scriptures and since it can sometimes refer simply to a future generation. This much is certain: Through his continued life after his resurrection, we can honestly and fairly say that Jesus the Messiah fulfills the description of “seeing seed.”

It was while debating Rabbi Professor J. Immanuel Schochet on March 30, 1995, that I first heard the argument that the Hebrew expression “see seed” (yireh zeraʿ) always referred to literal offspring in the Hebrew Bible. With all due respect to Rabbi Schochet’s scholarship, I must confess I was surprised to hear this, since this idiom is found only one time in the Tanakh, namely, in Isaiah 53. How then can it be argued that this expression always refers to literal offspring in the Tanakh when it occurs only once? Of course, one could simply argue that the Hebrew word zeraʿ always refers to literal seed (= physical offspring), never to metaphorical seed (such as disciples or spiritual offspring), and therefore the verse would mean that the servant of the Lord had children. If this were true, it would rule out Jesus as a candidate. This argument, however, is not compelling for a number of reasons.

First, zeraʿ, “seed,” is sometimes used metaphorically in the Hebrew Scriptures, including the Book of Isaiah. Thus, Isaiah called Israel “a seed of evildoers,” “a seed of an adulterer,” and “a seed of falsehood” (Isa. 1:4; 14:20; 57:3–4). While some of these phrases could be intended in a literal sense (that is, the Israelites were literally children of evil, adulterous, lying people), more likely they are intended metaphorically (that is, they were wicked, adulterous, dishonest people to the very core of their beings). According to the standard Hebrew lexicon of Brown, Driver, and Briggs, in cases such as these, seed means “as marked by moral quality = persons (or community) of such a quality,”158 thus, “a seed of evildoers” would really mean “a community of evildoers” or “evildoers to the core.” In the context of Isaiah 53:10, this would mean that the servant of the Lord would see godly, spiritual posterity, true disciples transformed by means of his labors on their behalf. As Isaiah 53:10 explains, this is tied in with his “prolong[ing] his days,” referring to his resurrection (see above, 4.13).

Second, zeraʿ is sometimes used with reference to “a future generation” without referring to the specific descendants of one individual in particular. Thus, Psalm 22 declares that as a result of the mighty deliverance experienced by the righteous sufferer (see below, 4.24), “posterity [zeraʿ] will serve him; future generations will be told about the Lord. They will proclaim his righteousness to a people yet unborn—for he has done it” (Ps. 22:30-31[31-32]).159 As rendered in the NJPSV: “Offspring shall serve Him; the Lord’s fame shall be proclaimed to the generation to come; they shall tell of His beneficence to people yet to be born, for He has acted.” In the context of Isaiah 53:10, this would mean that the servant of the Lord would see future generations of his people serving the Lord. Cannot this be rightly applied to the hundreds of thousands of Jews who have followed Yeshua, the servant of the Lord, through the centuries? Certainly, this would be true to the context, especially since the text does not say that he would literally father a seed (= offspring), but rather that he would see offspring.

Third, the weakness of this argument is seen when we realize that no less a traditional Jewish authority than Saʿadiah Gaon applied Isaiah 53 to Jeremiah the prophet, yet God commanded Jeremiah never to marry or have children (Jer. 16:1; see above, 4.6). More recently, Isaiah 53 was applied to the late Lubavitcher Rebbe, yet he and his wife were unable to have children. How then could this be applied to either of these two candidates? Obviously, the text does not explicitly state that the servant of the Lord had to bear children of his own, hence the passage could be applied to these other Jewish leaders, albeit incorrectly. (In other words, many of the other specifics of the text cannot possibly apply to either Jeremiah or the Rebbe, while they apply perfectly to Yeshua.) We can see, then, that this argument has very little, if any, force.

Having concluded our discussion of Isaiah 53, let me once again encourage you to read the entire passage for yourself (beginning in Isaiah 52:13) while asking yourself honestly before the Lord, Of whom does the prophet speak? I trust you will see an amazing prophetic portrait of our Messiah, the righteous Lamb of God, who died that we could live. In fact, the description is so clear that you will understand why the charge has been raised that this section of the Bible was removed from the weekly Scripture portions read in the synagogue. It sounds too much like Yeshua! But is this charge really true?

Oxford professor Geza Vermes has argued that the Ten Commandments were once read every week in the synagogues and then were removed because of Hellenizing Jews who claimed that God gave Israel only the Ten Commandments.160 If true, this would mean there might have been polemical factors that dictated which portions of the Bible would be read aloud in the synagogue—at least in some extreme cases. Similarly, it has been argued that Isaiah 52:13–53:12 was also removed from its place because Christians often pointed to the text as a clear prophecy of Jesus, and it sounded too much like him to be read in the synagogues. More specifically, we see that Isaiah 51:12–52:12 (the section immediately preceding Isaiah 52:13–53:12) was read in conjunction with Deuteronomy 15:18–21:9 (called Parashat Shoftim) from the Torah, while Isaiah 54:1–10 (the section immediately following Isaiah 52:13–53:12) was read in conjunction with the next Torah passage, Deuteronomy 21:10–25:19 (called Parashat Ki Tetzei). What happened to Isaiah 53?

It is possible the text was simply skipped because it did not fit properly with the Torah portion in question, since the reading from the Prophets coincided in some way with the reading from the Torah. In keeping with this, the Jewish scholar Raphael Loewe has pointed to ancient synagogal traditions from Palestine that seem to indicate that Isaiah 53 was never read as part of the weekly portion. On the other hand, Loewe pointed to equally ancient synagogal traditions from Egypt that seem to indicate the opposite, namely, that Isaiah 53 was originally read one week out of every year, but it was subsequently removed, apparently for polemical reasons.161 How interesting! Of course, we may never know which tradition is accurate (or if both traditions are accurate, reflecting different customs in different parts of the world). Yet we do know this: Isaiah 53 has not been read aloud in the synagogues for many centuries, but there is nothing stopping you from carefully and prayerfully reading the text for yourself. I urge you to follow the truth wherever it may lead.

Having examined all the major objections that have been raised against the Messianic Jewish/Christian interpretation of Isaiah 53, it is clear that none of them have any substance. It is equally clear that the passage describes Jesus the Messiah with striking accuracy. What do you say?

[1]

 

 

158 Francis Brown, S. Driver, and C. Briggs, The Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon (repr., New York: Oxford Univ. Press, 1959), 283.

159 The KJV renders Psalm 22:30a[31a] as, “A seed shall serve him,” bringing out clearly the Hebrew usage and indicating that it does not refer to specific offspring, but posterity in general.

160 Geza Vermes, “The Decalogue and the Minim,” in his Post-Biblical Jewish Studies, Studies in Judaism in Late Antiquity, vol. 8 (Leiden: E. J. Brill, 1975), 169–77.

161 Loewe, prolegomenon to Driver and Neubauer, Fifty-Third Chapter of Isaiah, 20–22.

[1]Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections (83). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord would not lift up his voice or cry out, yet Jesus cried out several times on the cross, once in near blasphemy (Psalm 22:1).

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord would not lift up his voice or cry out, yet Jesus cried out several times on the cross, once in near blasphemy (Psalm 22:1).

One of the most striking aspects of the suffering and death of Jesus was that he went as a lamb to the slaughter, not resisting those who arrested him, not defending himself before his accusers, and even forgiving those who crucified him. In this, he has become the worldwide symbol of a man who truly “turned the other cheek.” As for his quoting Psalm 22:1 on the cross—a beloved passage of Scripture—how is this “near blasphemy”?

Isaiah 53:7 says of the servant of the Lord: “He was oppressed and afflicted, yet he did not open his mouth; he was led like a lamb to the slaughter, and as a sheep before her shearers is silent, so he did not open his mouth.” This quite accurately describes the actions and attitudes of Yeshua the Messiah when he “was oppressed and afflicted.” In fact, his followers pointed to this very text to indicate that he, quite clearly, was the one of whom the prophet Isaiah spoke (see Acts 8:26–39). That’s why Peter, an eyewitness of the Messiah’s suffering and death, could write of him, “When they hurled their insults at him, he did not retaliate; when he suffered, he made no threats. Instead, he entrusted himself to him who judges justly” (1 Peter 2:23).

Let’s look for a moment at the specific details of Jesus’ arrest, trials, beatings, mockings, flogging, and crucifixion:

•     When Jesus was arrested in the Garden of Gethsemane, he did not allow his disciples to fight on his behalf, saying to Peter, “Put your sword back in its place, for all who draw the sword will die by the sword” (see Matt. 26:52). Thus, he went as a lamb to the slaughter.

•     When all kinds of false charges were brought against him at his bogus trial before the high priest, the Scriptures record, “The high priest stood up and said to Jesus, ‘Are you not going to answer? What is this testimony that these men are bringing against you?’ But Jesus remained silent” (Matt. 26:62–63a). Here is a man being falsely accused, with the death penalty hanging over his head, and he refuses to defend himself! It is only when the high priest orders him to state whether he is the Messiah, the Son of God, that he says, “Yes, it is as you say.… But I say to all of you: In the future you will see the Son of Man sitting at the right hand of the Mighty One and coming on the clouds of heaven” (Matt. 26:64, pointing his accusers to the prophetic picture of the Son of man in Daniel 7:13–14). When some of those at the trial then began to spit on him and punch him, he did not say a word (Matt. 26:67). His trial before Pontius Pilate, the Roman governor, was conducted along similar lines:

Early in the morning, all the chief priests and the elders of the people came to the decision to put Jesus to death. They bound him, led him away and handed him over to Pilate, the governor.

Matthew 27:1–2

Meanwhile Jesus stood before the governor, and the governor asked him, “Are you the king of the Jews?”

“Yes, it is as you say,” Jesus replied.

When he was accused by the chief priests and the elders, he gave no answer. Then Pilate asked him, “Don’t you hear the testimony they are bringing against you?” But Jesus made no reply, not even to a single charge—to the great amazement of the governor.

Matthew 27:11–14

Once again, we see Yeshua going as a lamb to the slaughter—without resistance of any kind—and his refusal to defend himself amazes the governor.156

•     After Pilate sentenced him to be crucified, Jesus was flogged and then abused by the Roman soldiers. The Gospels record the picture quite graphically. But note carefully: At no point does Jesus resist; at no point does he respond to his captors; at no point does he raise his voice and revile those attacking him. He suffers silently like a lamb.

Then the governor’s soldiers took Jesus into the Praetorium and gathered the whole company of soldiers around him. They stripped him and put a scarlet robe on him, and then twisted together a crown of thorns and set it on his head. They put a staff in his right hand and knelt in front of him and mocked him. “Hail, king of the Jews!” they said. They spit on him, and took the staff and struck him on the head again and again. After they had mocked him, they took off the robe and put his own clothes on him. Then they led him away to crucify him.

Matthew 27:28–31

•     Comparing the verses just cited with some of the other related accounts penned by Yeshua’s followers, we see that in each stage of his suffering, it is stated that he was led away, just as a lamb being led to slaughter: First, he was seized and led away to his trial at the home of the high priest (Luke 22:54); second, he was bound and led away to his trial before Pilate (Matt. 27:2; Mark 15:1); third, he was led away to be crucified after being flogged and abused (Matt. 27:31; Luke 23:26). This is exactly what Isaiah prophesied: “He was oppressed and afflicted, yet he did not open his mouth; he was led like a lamb to the slaughter, and as a sheep before her shearers is silent, so he did not open his mouth” (Isa. 53:7).

And what does our blessed Messiah say when he is being crucified? He prays that his Father would forgive those nailing him to the cross! (See Luke 23:34.) And when the soldiers and religious leaders mock him as he hangs there naked and humiliated, challenging him to demonstrate that he is the Messiah, the Son of God, he says nothing in defense. He doesn’t utter a word! Nor does he reply to the two criminals crucified on either side of him, both of whom initially mock him as well (see Matt. 27:38, 44). It is only when one of these men comes to his senses and recognizes that there is something different about Jesus, that he is in fact God’s chosen one, that Jesus says, “I tell you the truth, today you will be with me in paradise” (Luke 23:43). So, he only speaks to show mercy, not to retaliate. This goes beyond the noncombative qualities of a lamb!

His only other utterances on the cross are (1) his recitation of Psalm 22:1, pointing those listening to the words of the righteous sufferer who would be delivered from death by God (Matt. 27:46; see also below, 4.24); (2) his committing his mother’s care into the hands of his disciple John (John 19:26–27); (3) the words, “I am thirsty” (John 19:28);157 and (4) his last words, namely, “It is finished” and “Father, into your hands I commit my spirit” (John 19:30; Luke 23:46; see also Matt. 27:50). None of these utterances, in spirit or in letter, violate the words of Isaiah 53. Rather, like a lamb, he did not resist his oppressors nor did he seek to defend himself. Like a sheep silent before his shearers, he did not raise his voice when mocked, ridiculed, beaten, flogged, and crucified. And when he did speak, it was to commune with his Father, to pronounce mercy and forgiveness for the guilty, and to commit his mother to the care of one of his trusted followers. Truly, this was the Lamb of God! (See John 1:29.)

[1]

 

156 The account of Jesus’ trial before Pilate is most fully related in John 18:28–40, and at no time in that account does Jesus seek to defend himself, protest, or resist the sentence of death. Rather, he accepts it as his destiny.

157 As explained in John 19:28a, Jesus uttered these words “… knowing that all was now completed, and so that the Scripture would be fulfilled,” with apparent reference to verses such as Psalm 22:15[16], “My strength is dried up like a potsherd, and my tongue sticks to the roof of my mouth; you lay me in the dust of death.”

[1]Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections (80). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord did no violence..

Isaiah 53 cannot refer to Jesus because it says the servant of the Lord did no violence, yet Jesus drove out the Temple money changers with a whip.

Jesus, who was known for his meekness and gentleness—all the way to the cross—did not engage in “violence” in the Temple courts. There is no record of anyone being hurt or injured, and in contrast to some of the ancient Israelite prophets like Moses, Joshua, or Samuel, Jesus did not put anyone to death in the name of the Lord. Obviously, he used a whip—not a sword—because his design was to clear the area, not to hurt anyone. This is hardly “violence” according to the standards of the Hebrew Scriptures. In fact, it’s unlikely he used a whip to drive people out; rather, the whip was used to drive out the animals.

It is interesting to note that Mahatma Gandhi and Dr. Martin Luther King Jr.—the two twentieth-century leaders best known for putting the principle of nonviolent resistance into practice—both learned this principle from Jesus. He was the ultimate example of a totally nonviolent man involved in radical action and change. The witness of the New Testament is very clear on this, even pointing out that Jesus fulfilled the words of Isaiah 42:1–4:

Here is my servant whom I have chosen,

the one I love, in whom I delight;

I will put my Spirit on him,

and he will proclaim justice to the nations.

He will not quarrel or cry out;

no one will hear his voice in the streets.

A bruised reed he will not break,

and a smoldering wick he will not snuff out,

till he leads justice to victory.

In his name the nations will put their hope.

Matthew 12:18–21

This is hardly the picture of a violent individual!

The specific question being raised here, however, does not have to do with the whole of Yeshua’s life but rather with his driving out the money changers from the Temple. Was not this an act of violence?

Let’s first consider what the Tanakh means by “violence” (Hebrew, hamas), since Isaiah 53:9b specifically states that the servant did no hamas. What exactly does this mean? The Hebrew noun hamas, “violence,” occurs sixty times in the Hebrew Bible, along with eight occurrences of the verb h-m-s, “to act violently, do violence.” What kind of actions are called “violent”? Actions such as murder, bloodshed, and robbery are, quite clearly, acts of violence, and the subject of Isaiah 53, as stated explicitly in verse 9, could not have committed any such acts. In keeping with this and true to his character, Jesus did not murder or shed blood, neither did he strike, hurt, rob, or assault anyone at any time, nor did he allow his followers to do so. In fact, when the Temple guards came to take him away by force in the middle of the night, his overzealous disciple Peter struck one of those guards, cutting off his ear. But Jesus rebuked him for his violence, telling him to put his sword away—before healing the man’s ear (John 18:10–11; see also Matt. 26:52, where the Messiah taught that “all who draw the sword will die by the sword”).

As for Yeshua’s controversial actions in the Temple, the text is clear: He made a whip of cords, drove out the sheep and cattle with that whip, overturned the money tables, scattered the coins, and ordered the money changers to get out, exclaiming, “Get these out of here! How dare you turn my Father’s house into a market!… It is written… ‘My house will be called a house of prayer,’ but you are making it a ‘den of robbers’ ” (John 2:16; Matt. 21:13). This is hardly “violence”!

It is understandable that some have failed to read the varied accounts in the four Gospels carefully and therefore have failed to put together the fact that John 2 mentions Jesus making a whip of cords (with which he drove out the sheep and cattle) while Matthew 21, Mark 11, and Luke 19 mention that he drove out the people selling. But the whip was for the animals; sharp words of rebuke were for the people. It is interesting that all four Gospels speak of this event (some believe it was actually two separate events), which indicates the great importance attached to the Messiah’s prophetic actions in the Temple.155 He was cleaning out his Father’s house, and it was a praiseworthy deed motivated by zeal for God and the work of God (see John 2:17). We should also point out that none of the Gospels record a single word of criticism from the Jewish leadership for Jesus’ actions here, even when false witnesses were being brought to slander and attack him (Matt. 26:59–61). Not a word about this incident was spoken by any of his accusers—obviously because there was nothing worth mentioning. (None of the Rabbinic literature mentions this incident either, despite the fact that there are some ugly attacks on Yeshua in that literature. See vol. 1, pp. 136–39, for more on these anti-Jesus hostilities.)

Returning again to the specific nature of hamas, “violence,” in the Tanakh, we must remember that Moses, Joshua, David, Samuel, and other great leaders put people to death at God’s command, yet they were not called “violent” because of their deeds. That is because hamas speaks of illegal violent acts, as opposed to simply carrying out God’s righteous judgments against sinners. Thus, when Moses called on the Levites to put their fellow Israelites to death for their idolatry, they were not committing violence (Exod. 32:25–28); when Joshua killed the five Canaanite kings, he was not committing violence (Josh. 10:16–27), nor was Samuel when he chopped up the Amalekite king, Agag (1 Sam. 15:32–33). How then could anyone say Jesus acted violently when he drove out animals with a whip and overturned the tables of money changers? This is certainly not violence!

What I find most ironic is that anti-missionaries say Isaiah 53 cannot possibly apply to Yeshua because of his alleged violence in cleansing the Temple, yet they freely apply Isaiah 53 to the nation of Israel (or the righteous remnant within Israel; see above, 4.6). Yet our people have been at their most heroic historically when they have used armed, forceful resistance against their adversaries—be it the warring Maccabees in the second century C.E., the courageous fighters of the Warsaw Ghetto uprising during the Holocaust, or the Israeli Defense Forces (IDF) who recaptured the Golan in 1973. We commend our people for heroic acts of war! How then can we apply Isaiah 53 to Israel—as a nonviolent people—while disqualifying Yeshua, the greatest example of nonviolence the world has ever known? Obviously, we cannot.

[1]

 

 

155 For discussion of the various Gospel accounts of this incident (whether there was one cleansing of the Temple or two), cf. the standard evangelical commentaries on the Synoptics and John.

[1]Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections (77). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Isaiah 53 does not say the servant will rise from the dead.

Isaiah 53 does not say the servant will rise from the dead.

If, as we have demonstrated, Isaiah 53 speaks of the servant’s death, then it must be accepted that the text speaks just as clearly of his continued activities after his death. Thus, there is only one possible explanation: The servant rises from the dead!

According to Hebrew University Professor David Flusser,

Although no Jewish interpretation of this passage, which would explain that the Servant will be the prophet or the Messiah who will be killed, is preserved, such an interpretation could have existed. If an interpretation of Isa. 53 in this vein ever existed in Judaism, this would have been important for the concept that the prophet will again come to life. Though the Servant “was pierced for our transgressions, tortured for our iniquities” (v. 5), he “shall enjoy long life and see his children’s children” (v. 10). So Isa. 53 could be understood not only as speaking about the death of the Servant (see also v. 8 and 9), but implicitly also about his resurrection.154

Professor Flusser has raised an important point: The text clearly speaks of the continued ministry of the servant of the Lord, and since his death is also clearly foretold, his resurrection is also implied.

As we observed previously (see above, 4.13), Isaiah 53 uses almost every possible description to communicate to us that the servant would die, saying explicitly that he would be cut off from the land of the living (v. 8) and making reference to his grave and his violent death (v. 9). Yet in verse 10 we read, “he will see his offspring and prolong his days.” How does someone die and yet prolong his days? There is only one way: resurrection! It is written that the servant of the Lord would be offered up as a guilt offering (v. 10) and pour out his life unto death (v. 12), yet the Lord says of him, “I will give him a portion among the great, and he will divide the spoils with the strong” (v. 12). This can only happen if he is raised from the dead.

Such an interpretation is self-evident, providing the most natural and obvious reading of the text. The wonderful truth is that Yeshua did indeed die and rise from the dead, paying for our sins, bearing our transgressions, and carrying our pains. By his wounds we can be healed (Isa. 53:5). And because he is risen, death can no longer touch him. “Therefore he is able to save completely those who come to God through him, because he always lives to intercede for them” (Heb. 7:25).

[1]

 

154 David Flusser, Judaism and the Origins of Christianity (Jerusalem: Magnes, 1988), 423.

[1]Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections (76). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Isaiah 53 does not actually say the servant would die.

Isaiah 53 does not actually say the servant would die.

This objection actually contradicts two of the previous objections (specifically, 4.10 and 4.12), both of which understand that according to Isaiah 53, the servant of the Lord would die. Many standard Rabbinic interpretations recognize this, either interpreting the text with reference to Israel’s suffering and death at the hands of their enemies or with reference to the suffering and death of the Messiah (either Messiah ben Joseph or Messiah ben David).

Some years ago, I was invited by Christian students at Yale University to speak at an open forum titled “Will the Real Messiah Please Rise?” The object of the forum was to have me compare the Messianic qualifications of Yeshua with those of the Lubavitcher Rebbe, Menachem Schneerson. (The forum took place in 1993, when many of Rabbi Schneerson’s followers were expecting him to miraculously rise up from his paralysis, caused by a stroke he suffered in 1992. At such time, they believed he would declare himself to be the Messiah.) When I finished my presentation, I opened the floor for questions and arguments. Leading the way in this discussion and debate were representatives of the Lubavitch community, including the campus Lubavitch rabbi, who was quite aggressive in his presentation.

At some point in the evening, the discussion turned to Isaiah 53, and the Lubavitch leader and I engaged in a lively debate, going back and forth on the interpretation of the text until something fascinating became apparent to the listening audience: When I argued that Isaiah 53 spoke of the death of Jesus the Messiah, the Lubavitch leader adamantly denied that the text spoke of the death of the servant of the Lord. Then he turned around and argued that the text should be applied to the many deaths suffered by the Jewish people at the hands of their adversaries. How revealing! (Of course, I immediately pointed out this contradiction, and no defense was offered.)

This incident reminds us of the obvious: The text of Isaiah 53 explicitly speaks of the death of the servant of the Lord, using numerous expressions to make this perfectly clear, and there is no valid reason to deny this unless one is trying to evade the obvious sense of the chapter. In addition to the clear expressions describing the servant’s suffering (see above, 4.10 and 4.12), note the following: 53:7 says he was brought as a lamb to the slaughter; 53:8 says he was cut off from the land of the living; 53:9 speaks of his grave and death(!); 53:10 says he will be offered up as a guilt offering; 53:12 says he poured out his life unto death. What could be clearer?

Not surprisingly, when reading the text in terms of Israel, the three most respected Rabbinic commentators, Rashi, Ibn Ezra, and Radak, saw numerous references to the servant’s death(s). Radak, for example, claimed that 53:8 spoke of the fact that the people of Israel “used to be put to death in many ways: Some were burnt, some were slain, and others were stoned—they gave themselves over to any form of death for the sake of the unity of the Godhead.”152 This again reminds us that the text points explicitly to the death of the servant of the Lord, not only to his suffering and pain.

It’s also interesting to note that after the Lubavitcher Rebbe’s death, his followers pointed to Isaiah 53, claiming that it spoke of his death, which is not surprising, given the clear sense of the original Hebrew. Thus, they rightly interpreted it as a prophecy of the death of the Messiah but wrongly interpreted the identity of the Messiah.153

[1]

 

152 As rendered in Driver and Neubauer, Fifty-Third Chapter of Isaiah, 2:53–54.

153 See the relevant discussion about Messiah son of Joseph in vol. 2, 3.23.

[1]Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections (74). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Exit mobile version