القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

إقرأ أيضًا: الاحتمـال الأول: فرضـيـة دارويـن

الاحتمال الثاني: فرضية التصميم

قال عالم الفيزياء الذي أصبح فيما بعد لاهوتياً جون بولكينغورن: “إن سؤالاً أساسياً مثل الإيمان بالله (أو عدم الإيمان) لا يمكن إنهائه بمناقشة واحدة. إنه معقد للغاية. وما على الشخص أن يفعله هو التفكير في قضايا مختلفة ويرى ما إذا كانت الإجابات التي سيحصل عليها توضح الصورة التي تعطي للموضوع معنى”[1].

وهذا هو الأسلوب الذي اتبعته في بحثي. وقمت بفحص عميق لأربعة فروع علمية مختلفة لأرى ما إذا كانت تشير إلى أو تبعدني عن المصمم الذكي.

وعندما فتحت ذهني لتفسير غير مبدأ الطبيعة، وجدت أن افتراضية التصميم تفسر بكل وضوح أدلة العلم “فالقوة التفسيرية” لفرضية التصميم تفوقت على نظرية أخرى. وما يلي بعض الحقائق التي وردت في أبحاثي واستفساراتي:

  • دلـيـل علـم الكـونيـات

إنه بفضل الاكتشافات العلمية في الخمسين سنة الأخيرة، أخذت مجادلة “الكلام Kalam” الكونية القديمة قوة جديدة. وكما وصف ذلك وليم لين كريج فقال: “رغم أن هذه المجادلة بسيطة إلا أنها ممتازة: “تقول أولاً: كل ما هو موجود له سبب”. وحتى الشكاك المشهور ديفيد هيوم لم ينكر هذه الافتراضية. كما قال الملحد كوينتن سميث إن التعبير الذي يقول: “إننا جئنا من لا شيء وبواسطة لا شيء من أجل لا شيء” تعبير سخيف ومثير للسخرية.

“ثانياً: إن الكون له بداية”. وبناء على المعلومات فإن كل علماء الكون يوافقون على أن الكون بدأ بالانفجار الهائل في نقطة محددة في الماضي. كما أكد كريج على القول بأن النظريات البديلة عن أصل الكون تحتاج إلى بداية. فمثلاً، استخدام ستيفن هوكنج “للأرقام الخيالية” يحجب نقطة البداية في نموذجه، والذي يصرح هوكنج عنه بالقول بأنه ليس وصفاً للحقيقة.

ويأتي الاستنتاج بكل وضوح من مقدمتين منطقيتين: “ولهذا فللكون سبباً. وحتى روبرت جاسترو والذي كان سابقاً لا أدري سلم بأن العناصر الأساسية للمسيحية وعلم الكون الحديث يلتقيان: “إن سلسلة الأحداث التي تقود الإنسان بدأت فجأة وبحدة، وفي لحظة محددة من الزمن، في ومضة ضوء وطاقة”.

  • دلـيـل الفيـزيـاء

إحدى أكثر الاكتشافات المميزة للعلم الحديث هو أن قوانين وثوابت الفيزياء تتعاونان بطريقة غير متوقعة لجعل هذا الكون مكاناً صالحاً للسكن والحياة. فمثلاً، قال عالم الطبيعة والفيلسوف روبن كولنس، إن الجاذبية قد ضبطت بكل دقة على جزء من مائة مليون بليون، بليون، بليون، بليون.

والثابت الكوني، الذي يمثل كثافة طاقة الفضاء، محددة بإحكام مثل إلقاء سهم من الفضاء ليضرب عين ثور بنسبة تريليون تريليون من البوصة في قطر الكرة الأرضية. وقال أحد الخبراء إنه يوجد أكثر من ثلاثين من القوانين الكونية الثابتة تحتاج إلى تقويم محدد حتى ينتج عنها كوناً يمكن أن يكون فيه حياة.

وقال بين كولينس بإن الفرصة لا يمكن أن تفسر “مبدأ أن الإنسان هو حقيقة الكون المركزية” والبديل الذي نوقش – بأنه يوجد الكثير من الأكوان – يحتاج إلى دعم من أي دليل وقد انهار تماماً على ما تحقق من أن هذه العوالم الأخرى يُعزى وجودها إلى عملية مصممة تصميماً عالياً.

وهذا الدليل قوي للغاية حتى أنه هو الذي جعل باتريك جلين يتخلى عن إلحاده ويقول: “إن المعلومات المتناغمة تشير بقوة تجاه فرضية وجود الله. إنه أسهل وأكثر الحلول وضوحاً للغز الإنساني”.

  • دلـيـل علـم الفـلك

وما يشبه الضبط الدقيق لعلم الفيزياء، هو مركز الأرض في الكون وتعقيداته الجيولوجية والعمليات الكيميائية كلها التي تعمل معاً بكفاءة عظيمة لكي تخلق مكاناً آمناً حتى يمكن للبشر أن يعيشوا.

مثلاً، قال كل من عالم الفلك جيليرمو جونزاليس والفيلسوف جاي ويزلي ريتشاردز حتى يكون نجماً بيئة صالحة للعيش عليه يحتاج إلى أن يكون له الخواص غير العادية لشمسنا – الكتلة الصحيحة، الضوء الصحيح، العمر الصحيح، المسافة الصحيحة، المدار الصحيح، المجرة الصحيحة، الموضع الصحيح. لكي يغذي الكائنات الحية على كوكب دوار. وعوامل كثيرة تجعل نظام مجموعتنا الشمسية وموقعنا في الكون هو الصحيح لكي يكون بيئة صالحة للسكن فيه.

وما هو أكثر من ذلك، الحالة غير العادية التي تجعل الحياة ممكنة هي أيضاً التي تحدث لكي تجعل كوكبنا في موقع جيد لرؤية وتحليل الكون والبيئة. وكل هذا يوضح بأن كوكبنا قد يكون نادراً إن لم يكن فريداً وأن الخالق أرادنا أن نكتشف الكون.

وقال الفيزيائي الفلكي المتعلم في هارفارد جون أ. أوكيف من ناسا “لو لم يكن الكون قد صنع بأقصى دقة ما كنا موجودين فيه. ومن وجهة نظري أن هذه الظروف تبين أن الكون خلق للإنسان ليعيش فيه”.

  • دلـيـل الكيميـاء الحيـويـة

قال داروين: “إذا أمكن توضيح أن أي عضو معقد موجود ولم يتكون من تعديلات عديدة ومتتابعة وطفيفة، فسوف تنهار نظريتي”. وقد أوضح المتخصص في الكيمياء الحيوية مايكل بيه هذا تماماً من خلال وصفه “للتعقيد المتعذر اختزاله” في مكائن جزيئية.

هذه الأدوات الغريبة الميكروسكوبية المعقدة مثل الهُدب cilia والبكتيريا الشبيهة بالسوط flagella، لا يمكن أن تكون قد وُجدت قطعة قطعة من خلال عمليات داروين لأنها يجب أن توجد كاملة حتى يمكنها أن تؤدي وظيفتها. وأمثلة أخرى تشتمل على النظام الذي يصعب تصديقه عن نقل البروتينات داخل الخلايا والعملية المعقدة لتجلط الدم.

وما هو أكثر من مجرد تحدي مدمر لأصحاب نظرية داروين هي تلك الأنظمة البيولوجية المدهشة – التي تفوق القدرة البشرية في التكنولوجيا وكلها تشير إلى خالق علوي. وقال بيه “ويمكن تلخيص استنتاجي في كلمة واحدة هي: التصميم. وأقول هذا بناء على العلم. وأقول أن نظام “التعقيد المتعذر اختزاله” هو دليل قوي على تصميم هادف بواسطة مصمم ذكي”.

إن مجادلة بيه أثبتت أنه يصعب على الشكاكون تحديها. وإن كان من الواضح أنه ستكون هناك اكتشافات مستقبلية في الكيمياء الحيوية، فقد أشار بيه أنهم لن يستطيعوا مناقشة التعقيد الذي اكتشف وكان أفضل تفسير له هو وجود خالق.

  • دلـيـل المعلومات البيولوجية

الستة أقدام من حامض DNA في داخل كل خلية في أجسادنا التي بها 100 تريليون خلية تحتوي على أربعة حروف من الرموز الكيميائية التي تقذف تعليمات مجمعة ومحددة لكل البروتينات التي تتكون منها أجسادنا. وقد أوضح ستيفن مير المتعلم في كامبردج أنه ولا فرضية علمية واحدة تمكنت من توضيح كيف يمكن للمعلومات أن تدخل المادة البيولوجية بوسائل طبيعية.

وعلى العكس من ذلك، قال “حينما نجد ترتيبات متتابعة ومعقدة وتتمشى مع نمط أو وظيفة مستقلة، فإن هذا النوع من المعلومات هو دائماً ناتج عن الذكاء. فالكتب، وشفرة الكمبيوتر والحامض النووي كلها تتمتع بهذه الخواص. ونحن نعلم ان الكتب وشفرات الكمبيوتر مصممة بالذكاء، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير إلى مصدر ذكي”.

وبالإضافة إلى ذلك قال مير: “إن انفجار كامبريان الكوني الذي نتج عنه أشكال جديدة من الحياة، والذي ظهر فجأة مكوناً تكويناً كاملاً في سجل الحفريات، بدون سابق تحول، كان سيحتاج إلى كميات هائلة من المعلومات الحيوية. والمعلومات هي الماركة المسجلة للعقل. ومن دليل الجينات وعلم الأحياء يمكننا أن نستنتج وجود عقل أكبر كثيراً جداً من عقولنا، مصمم ذكي واع، حكيم وله هدف وهو مبدع بدرجة مذهلة”.

  • دلـيـل الوعــي

توصل الكثير من العلماء إلى أن قوانين الكيمياء والطبيعة لا يمكنها أن تفسر لنا اختبارنا للوعي. وقد عرف البروفيسور جي. بي. مورلاند الوعي على أنه الاستبطان والاحساسات والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختبارات الحرة التي تبقينا أحياء ومتنبهين. والروح هي التي تحتوي على الوعي وتبعث الحياة في جسدنا.

وطبقاً لما وضحه أحد الباحثين من أن الوعي يمكن أن يستمر بعد أن يقف مخ الإنسان عن العمل، فإن الأبحاث العلمية الحديثة أيدت وجهة النظر التي تقول بأن “العقل” و”الوعي” و”الروح” هي كيان منفصل عن المخ.

وكما قال مورلاند: “لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فإذا كان الكون نشأ من مادة ميتة لا وعي فيها كيف يمكنك أذاً أن تحصل على شيء مختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، مشاعر، مخلوقات حية – على المادة التي ليست بها مثل هذه الأشياء. ولكن إذا كان كل شيء بدأ من فكر وعقل الله، فليست لدينا مشكلة في تفسير مصدر وأصل عقولنا”.

إن الفيلسوف مايك روس يؤمن بنظرية داروين، اعترف بصراحة: “لا يوجد أحد لديه إجابة على قضية الوعي. وقال جون سي. إلكيس الحاصل على جائزة نوبل “هناك ما يمكن أن نسميه الأصل غير العادي لعقلي الواعي ولروحي المتفردة”.

هـويـة المُصـمم

راجعت سيل المعلومات مما قمت به من بحث وتقصي، ووجدت أن الدليل على وجود مصمم ذكي أمر مصدق ومقنع وقوي. ومن وجهة نظري فإن ربط ما وجدته من علم الكونيات وعلم الطبيعة كافيين تماماً لتأييد افتراضية وجود مصمم لهذا الكون. وكل المعلومات الأخرى التي قد تكون قضية تراكمية قوية انتهت بأنها غمرت كل اعتراضاتي.

ولكن من هو هذا المصمم الأعظم؟ ومثل لعبة توصيل النقط، فإن كل واحدة من الستة فروع العلمية التي بحثها أعطت المفاتيح لإزالة القناع عن هوية الخالق.

وكما شرح كريج أثناء لقائنا، قال إن أدلة علم الكونيات توضح أن سبب هذا الكون يجب ألا يكون لا سبب ولا بداية ولا زمن وغير مادية وله إرادة حرة وقوة هائلة. وفي مجال الفيزياء قال كولنس إن الخالق ذكي واستمرت مشغوليته بخليقته بعد الانفجار الهائل الأولي.

ودليل علم الفلك يوضح أن الخالق كان مبدعاً ودقيقاً في خلق مكان يصلح لمعيشة مخلوقاته التي صممها وأنه يعتني ويهتم بها. كما قدم كل من جونزاليز وريتشاردز الدليل على أن الخالق قد وضع على الأقل هدفاً في مخلوقاته وهو اكتشاف العالم الذي صممه ومن خلال ذلك يكتشفونه هو.

ولا تؤكد الكيمياء الحيوية ووجود المعلومات البيولوجية نشاط الخالق بعد الانفجار الهائل فقط، ولكن أيضاً تظهر مدى ابداعه العظيم.  وكما قال مير إن الدليل على وجود الوعي يؤكد أن الخالق كائن عاقل وحكيم، وهذا يساعدنا على فهم هذه القوة كلية القدرة كما توضح أننا يمكن أن نصدق فكرة الحياة بعد الموت.

إن هذه ليست صورة لإله الربوبية* الذي كون هذه الكون ثم تخلى عنه. وكما شرح مير في لقائي الأول معه، إن التخلي عن دليل لوجود نشاط مستمر للخالق في الكون بعد بداية خلقه يكذب مذهب الربوبية كاحتمال يمكن تصديقه.

ومذهب وحدة الوجود، الخالق والكون موجودان معاً، يعجز أيضاً عن تفسير الدليل، لأنه لا يستطيع أن يوضح كيف ظهر الكون للوجود. وإذا كان إله مذهب وحدة الوجود غير موجود قبل الكون المادي فلن يستطيع إحضار الكون للوجود.

كما وضح كريج كيف أن المبدأ العلمي “لشفرة أوكهام” الذي قضى على تعدد الآلهة والشرك بالله، تاركاً إيانا مع إله واحد. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية للخالق تتناقض مع القوة الإلهية غير الشخصية التي هي مركز عقائد العصر الجديد.

على النقيض من ذلك، فإن صورة الخالق التي بزغت من المعلومات العلمية تتوافق بقوة مع وصف الله الذي وضحت شخصيته على صفحات الكتاب المقدس:

  • الخالق: “من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك” (مزمور 102: 25)[2].
  • فريد: “إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه” (تثنية 4: 35)[3].
  • موجود بذاته وسرمدي: “من قبل أن تولد الجبال أو أبدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله” (مزمور 90: 2)[4].
  • روحي غير مادي: “الله روح” (يوحنا 4: 24)[5].
  • شخصي، ذاتي: “…. ظهر الرب لإبراهيم وقال له: “أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملاً” (تكوين 17: 1)[6].
  • له إرادة حرة: “وقال الله ليكن نون فكان نور” (تكوين 1: 3)[7].
  • ذكي وعقلاني: “ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك” (مزمور 104: 14)[8].
  • عظيم القوة: “الرب عظيم القدرة” (ناحوم 1: 3)[9].
  • مبدع: “لأنك قد اقتنيت كليتي نسجتني في بطن أمي. أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً. عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً” (مزمور 139: 13 -14)[10].
  • يرعى ويهتم: “امتلأت الأرض من رحمة الرب” (مزمور 33: 5)[11].
  • كلي الوجود: “هو ذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك” (ملوك الأول 8: 27)[12].
  • أعطى البشرية هدفاً: “فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى… الكل به وله قد خلق” (كولوسي 1: 16)[13].
  • يعطينا حياة بعد الموت: “يبلع الموت إلى الأبد” (أشعياء 25: 8)[14].

وكما كتب الرسول بولس منذ ألفي عام وقال: “لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنه بلا عذر” (رومية 1: 20)[15].

والسؤال عما إذا كانت هذه الصفات قد تصف ألوهية أية ديانة أخرى في العالم أصبحت موضع نقاش عندما أضفت الدليل الذي اكتشفته من خلال دراسة التاريخ القديم والآثار القديمة.

وكما وصفت في كتابي “القضية …. المسيح” إن الدليل المقتنع يقيم أساساً يعول عليه للعهد الجديد، وهذا يوضح تحقيق نبوات العهد القديم في حياة يسوع الناصري ضد كل ما هو غريب ويؤيد قيامة المسيح كحادثة فعلية ظهرت في الزمن المحدد وفي الفضاء. كما أن قيامته من الأموات هو عمل فذ وغير مسبوق وأعطى سلطاناً وقوة وتوثيقاً لقوله إنه ابن الله الوحيد.

وبالنسبة لي فإن المدى والتنوع والعمق والقوة المثيرة والمقنعة للأدلة من العلم والتاريخ أكدت صدق المسيحية إلى الدرجة التي أزالت بها كل شكوكي.

وأنا لست مثل الذين يؤمنون بنظرية داروين، فإن إيماني يسبح ضد تيار قوي من الأدلة المضادة، واضعاً ثقتي في الله إله الكتاب المقدس وهو قرار حكيم وطبيعي وقد اتخذته فعلاً. وكنت فقط أسمح بسيل الحقائق أن تجرفني نحو نتائجها المنطقية.

انصـهار العـلـم والإيمـان

لسوء الحظ هناك الكثير من سوء الفهم حول الإيمان. فالبعض يعتقدون بأن الإيمان يتناقض مع الحقائق. ويقول مايكل شيرمير: “إن هدف الإيمان هو أن تثق بصرف النظر عن الأدلة، وهذا أمر مضاد للعلم”[16]

ومع ذلك، فهذا بالتأكيد ليس هو فهمي لهذا الأمر. فإنني أرى الإيمان على أنه خطوة عاقلة نحو نفس الاتجاه الذي يشير إليه الدليل. أي أن الإيمان يتخطى مجرد الاعتراف بأن حقائق العلم والتاريخ تشير نحو الله. إنه يُجيب على تلك الحقائق بالاستفادة من الثقة في الله، خطوة مضمونة تماماً وذلك لتأييد الدليل لها.

قال أليستر مكجراث من أكسفورد كل وجهات النظر العالمية تحتاج إلى الإيمان. وادعاءات الحقيقة للإلحاديين لا يمكن إثباتها. كيف نعرف أنه لا يوجد إله؟ والحقيقة البسيطة في الأمر كله هو إن الإلحاد هو نوع من الإيمان يصل إلى نتائج تتخطى الأدلة المتاحة”[17].

ومن الناحية الأخرى، فإن الأدلة المتاحة من أحدث الأبحاث العلمية تُقنع مزيداً من العلماء بأن الحقائق تؤيد الإيمان أكثر من أي وقت مضى. ويقول الصحفي جريج إيستروبروك: “إن الفكرة القديمة التي تقول إنه هناك الكثير من الوجوه أكثر مما تراه العين تبدو كما لو أنها فكرة حديثة ظهرت ثانية. وأننا ندخل أعظم مرحلة للتداخل بين العلم والإيمان منذ حركة التنوير التي حاولت أن تُصلح الاثنين معاً”[18].

وبالنسبة لكثير من الناس – بمن فيهم الفيزيائي بول دافيس – هذا تطور غير متوقع وسبب لهم نوع من الصدمة. ويقول: “قد يكون ذلك أمراً غريباً ولكن في وجهة نظري أن العلم يقدم طريقاً مؤكداً نحو الله أكثر من العقيدة”[19].

وقال العالم جيمس تور من جامعة ريز: “الشخص المبتدئ الذي لا يعرف شيئاً عن العلم سيقول إن العلم يقوده بعيداً عن الإيمان. وإذا درست العلم بجدية فسوف يقربك أكثر إلى الله[20]. وقال الفيزيائي الفلكي والقس جورج كوين ” لا شيء نتعلمه عن الكون يهدد إيماننا. إنه يزيده غنى وثراء”[21].

وقال عالم الفيزياء الرياضي ليولكينغورن، من كامبردج:

لم ير أحداً الشحنة الكهربية الموجودة في الجزيء الأصغر من الاليكترون المسماة quark وأعتقد أنه لن يستطيع أحد أن يراها. إنها ترتبط بقوة معا داخل البروتون والنيوترون حتى إنه لا يمكن كسرها. لماذا إذاً أصدق في هذه الشحنات غير المرئية؟ ….. لأنها تعطي معنى لكثير من الأدلة المباشرة في علم الطبيعة. وأود أن ننتقل من هذا إلى حقيقة وجود الله.

فوجود الله يعطي معنى لكثير من جوانب معرفتنا واختباراتنا مثل: نظام وثمار العالم المادي، الوجوه المختلفة للحقيقة، الاختبارات الإنسانية في العبادة والرجاء، ظاهرة يسوع المسيح (بما فيها قيامته. وأعتقد أن عمليات فكرية مشابهة متضمنة في كلا الحالتين. ولا أعتقد أنني انحرفت إلى طريق فكري غريب عندما انتقل من العلم إلى الدين… وفي بحثهم عن الحق يصبح العلم والإيمان أبناء عمومة تحت الجلد”[22].

ومع ذلك فقد أضاف تميزاً هاماً: “إن المعرفة الدينية تتطلب جهداً وعناية أكثر من المعرفة العلمية. فبينما تتطلب انتباهاً دقيقاً للحق، فهي أيضاً تدعو إلى الالتزام بهذا الحق الذي اكتشفته”[23].

وطبقاً لما يقوله ماكجاث: “الكلمة العبرية لكلمة “الحق” تعني “الشيء الذي يمكن أن تستند إليه”. ويقول بأن الحق هو أكثر من مجرد الصواب. إنه الثقة التي تقودنا إلى شخص جدير بأن نطرح فيه كل ثقتنا. وغير مطلوب منا أن نعرف حقيقية أخرى بل ان ندخل في علاقة مع من يستطيع أن يحفظنا ويريحنا”[24].

إن حقائق العلم والتاريخ يمكنها فقط أن تأخذنا بعيداً. فعند نقطة معينة تتطلب الحقيقة إجابة. وعندما نقرر ألا نتأمل فقط في الفكرة المجردة عن مصمم هذا الكون ولكن أيضاً أن نجعله “إلهنا الحقيقي” عندئذ يمكننا أن نلتقي به شخصياً ونتصل به يومياً ونقضي الأبدية معه كما وعدنا بذلك. وهذا يغير كل شيء.

من العـلـم إلى الله

لم يندهش أحد عند سماعه الدليل العلمي على وجود الله مثلما اندهش عالم الطبيعة العجوز الذي يصل عمره إلى 77 عاماً وصاحب الشعر الفني والكلام الطيب والذي كان أمامي في مطعم في جنوب كاليفورنيا.

وقصته مثل تلك التي قصها عليّ كريج سابقاً عن عالم الطبيعة من أوروبا الشرقية الذي وجد الله من خلال علم الكونيات، وهذه شهادة أخرى للعلم لكي يقود الباحثين نحو الله. ومع ذلك فهي شيء آخر، إنها خريطة طريق لمن يريد أن يتقدم إذا كنت مهتماً شخصياً لمعرفة ما إذا كان الإيمان بالله يدعم بالحقائق.

فيجو أولسين هو جراح ذكي انغمست حياته في العلم، وبعد تخرجه من كلية الطب أصبح زميلاً في مجلس الجراحين الأمريكيين. وكان يصحب اسمه العديد من رموز الشهادات التي حصل عليها M.S., M.D., Litt.D., D.H., F.A.C.S., D. T. M.&H., F. I. C. S. وكان يُرجع شكه في الأمور الروحية لمعرفته لعالم العلم.

وقال: “بحثت في المسيحية والكتاب المقدس من خلال نظرة شخص يؤمن بمذهب اللاأدري. وكانت زوجتي جوان أيضاً لا تؤمن بالمسيحية. وكنا نعتقد بعدم وجود برهان مستقل على وجود خالق. وكنا نعتقد أن الحياة وُجدت من خلال عمليات تطورية”[25].

وكانت المشكلة في والدي جوان اللذين كانا مسيحيين أتقياء. وعندما قام بزيارتهما كل من فيجو وجوان في عام 1951 وهم في طريقهم لكي يبدأ فيجو كطبيب مقيم في مستشفى نيويورك لأول مرة، شعروا بتبكيت ديني شديد. وفي مناقشات متأخرة بالليل، بدأ كل من فيجو وجوان أن يشرحا بصبر لماذا تتناقض المسيحية مع العلم المعاصر. وأخيراً، وهم يشعران بنوع من الضيق والتشتت عند الساعة الثانية صباحاً وهم جالسون حول الطاولة بالمطبخ، وافقا على فحص واختبار الإيمان المسيحي بأنفسهم.

وأشار أولسين أن بحثه سيكون مخلصاً وصادقاً، ولكنه في داخله كان هناك خطة أخرى. وقال: “لم يكن قصدي أن أقوم بدراسة موضوعية على الإطلاق. وكما شرح الجراح الصدر، قررنا أن نخترق الكتاب المقدس لنستخرج منه كل الأخطاء العلمية المحيرة”.

وعلى منزلهم الجديد علقوا ورقة وكتبوا عليها “أخطاء علمية في الكتاب المقدس” متخيلين أنهم يستطيعوا ملئها بالأخطاء. ووضعوا نظاماً يناقشون فيه بعضهم البعض ما يتعرفوا عليه من بحثهم وتقصيهم. وبينما كان فيجو يعمل بالمستشفى، تقوم جوان ببحص القضايا المعلقة على الورقة. ثم أثناء ليالي العطلة الأسبوعية في إجازة فيجو، كانا يدرسان معاً ويحللان ويناقشان ويتجادلان.

وبرزت المشاكل بسرعة ولكن ليس تلك التي كانا يفكران فيها. وقال فيجو: “لقد وجدنا صعوبة في إيجاد تلك الأخطاء العلمية. ثم وجدنا شيئاً يبدو أنه خطأ ولكن بعد دراسة أكثر وتأمل، اكتشفنا أن فهمنا كان ضحلاً. وهذا دفعنا لأن نتوقف لتدبر الأمر”.

وفي إحدى المرات أعطاني طالب كتاباً مكتوباً في عام 1948 بعنوان “العلم الحديث والإيمان المسيحي”. وكل فصل من فصوله 13 مكتوبة من قبل عالم مختلف عن الدليل الذي وجدوه في مجاله والذي يشير إلى وجود الله. وبالرغم من أنه كتب قبل ظهور الكثير من الاكتشافات العلمية التي وصفها في هذا الكتاب فإن هذه الأدلة كانت كافية لتوقف فيجو وجوان.

قال أولسين: “لقد عصف الكتاب بأذهاننا! فلأول مرة عرفنا أنه توجد أسباب خلف المسيحية. وتصميمهم على الإيمان لن يكون نوعاً من الانتحار الذهني”.

مغامـرة العـمـر

التهم كل من فيجو وجوان هذا الكتاب والكثير من الكتب الأخرى في نفس الموضوع. وبينما كانوا يحللون الأدلة توصلوا إلى العديد من النتائج.

أولاً، عرفا على أساس علمي أن الكون ليس أزلياً. بل بالحري ظهر في نقطة معينة. وطالما أن هذا الكون ملفوف بالقوة – طاقة حرارية، طاقة ذرية…. إلخ – فبدأوا يفكرون أنه لا بد من وجود قوة هائلة أوجدته.

ثانياً، نظرا إلى الخطة الواضحة للكون، والجسم الإنساني بكل أعضائه وخلاياه، واستنتجوا أن القوة التي خلقت هذه الكون يجب أن تكون قوة ذكية.

ثالثاً، قالا إنه بالرغم من عظمة القوة العقلية لدى الإنسان، فهناك من هو أعظم، القدرة على الحب والتعامل بالمشاعر والعاطفة. ولأن الخالق يجب أن يكون أعظم من خلائقه، فلا بد وأن له نفس هذه الصفات.

وبناء على الأدلة والمنطق المستقل عن الكتاب المقدس، تمكنوا من الإجابة على السؤال الأول من الثلاثة أسئلة التي قام عليهم بحثهما: “هل يوجد إله خلق الكون؟” وأدهشوا أنفسهم بالحكم الذي توصلوا إليه: نعم، خالق شخصي – الله موجود.

بعد اقتناعهم بهذا، بدأ في محاولة استكشاف السؤالان الآخران: “هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو نصوص كتابية مقدسة أخرى؟ وهل يسوع ابن الله – متحداً إلهياً بالبشرية – يستطيع أن يساعدنا كما ادعى ذلك؟”

واستمر البحث في هذين الموضوعين. وفي أحد الأيام، بينما كان فيجو يعمل في المستشفى، كون ما اعتقد أنه مجادلة قوية ضد المسيحية. قال لي وهو يستعيد ذكرى المنظر كما لو أنه حدث الشهر الماضي: “كنت حقيقة فخوراً به وأمضيت طوال اليوم أفكر فيه. ولم أتمكن من الانتظار حتى أخبر زوجتي جوان!”

وفي نهاية فترة العمل بالمستشفى، سار حتى وصل إلى شقته الصغيرة “وفي هذا اليوم أتذكر الفكر الذي تبادر إلى ذهني عندما فتحت زوجتي الباب وقبلتني – يا لها من زوجة رائعة وهي حامل أيضاً”.

دخل وأغلق الباب وشرح لزوجته اعتراضه الجديد على المسيحية. وأخيراً سأل: “ماذا تعتقدين أنت؟”

قال: “ساد السكون المكان لمدة دقيقة. ثم نظرت جوان إليّ بعينيها الزرقاوان الجميلتان وقالت: “ولكن يا فيجو ألم تتوصل بعد كل هذه الدراسات إلى أن المسيح هو ابن الله؟”

قال: “كان هناك شيء ما في الطريقة التي كلمتني بها والتي نظرت بها إليّ والتي في الحال أسقطت كل الحواجز الباقية في ذهني. ولم يعد الدليل أمامه أي عائق. وكل ما تعلمناه اجتمع معاً في صورة رائعة مضيئة وخرافية للرب يسوع.

“ترددت بعض الشيء ثم قلت لها: “نعم، إنني أؤمن بذلك وأعلم أنه حقيقي”. ولم أكن آمنت حتى لحظة كلامي معها – ولكن عندما انهارت الحواجز، علمت أنها على صواب. وتوجهنا نحو غرفة المعيشة وجلسنا على الكنبة. وقلت لها: “ماذا عنك أنت؟”

قالت: “لقد حسمت الأمر كله منذ بضعة أيام، ولكنني خشيت أن أقول لك ذلك. كل الأشياء التي درسناها وتعلمناها أقنعتني أخيراً بما جاء في الكتاب المقدس وعن المسيح وعن حاجتي – بل وحاجتنا – إليه. “ومنذ بضعة أيام كنت مقتنعة تماماً” لقد صلت لكي تقبل غفران الله المجاني لها والحياة الأبدية. وبهذا بدأت أكبر مغامرة في حياتنا.

ولأنهما رغبا في زيادة الأثر الطيب الذي حصلوا عليه، صلى كل من فيجو وجوان صلاة جريئة طلبا فيها من الله أن يرسلهم إلى مكان خال من المسيحيين ومن الرعاية الطبية. وأرسلهم الله إلى بنجلادش حيث قضيا 33 عاماً في هذا البلد الفقير.

وهناك أسسوا مستشفى مسيحي وجعلوه مركزاً للرعاية الطبية والاستنارة الروحية حيث وجدت فيه الجماهير الشفاء والرجاء. وقد قام فيجو وزملاؤه بتأسيس 120 كنيسة. وقد رحب بهم الناس والحكومة ترحيباً حاراً، وقد كرموه بإعطائه الفيزا رقم 1 اعترافاً منهم بما قدموه لبلدهم.

قلت له: “لا بد وأن المعيشة كان صعبة للغاية في بلد متخلف مثل هذا”.

أجابني بابتسامة: “لقد كانت أعظم مغامرة قمنا بها. فعندما تقيم في مكان صعب، وتشعر بثقل المسؤولية أكثر مما تحتمل وتصلي وتسكب نفسك وقلبك أمام الله، عندئذ سترى الله يصل إليك ويلمس حياتك ويحل المشكلة ويتدخل في الموقف بطريقة تفوق كل تصورك.

وأضاءت عيناه وقال: “هذه هي الحياة مع الله، لا يساويها شيء وعلينا أن نختبر هذه مرة ومرات. لقد كنا سنخسر كل ذلك من أجل العالم. وفي رأيي إنك إذا عرفت الهدف الذي خلقك الله من أجله – مهما كان – وتتبعه فستجد أنه هو أفضل طريق وحياة تعيشها”.

وكتب فيجو ثلاثة كتب عن اختباراته. وأحببت عنوا أحد هذه الكتب هو “اللاأدري الذي جرؤ على البحث عن الله”[26]لأنه يقول بوجود مخاطرة مع البحث عن دليل لوجود الله. وعند نقطة معينة فإن الحق الذي تكشف عنه ستطلب إجابة. وهذا يمكنه أن يغير كل شيء.

لقـد صُممـت للاكتشـاف

مع أن فيجو كانت لديه خلفية علمية قوية وأفضل مما لدي أنا، فكانت توجد أشياء متشابهة في الطريقة التي تعاملنا بها مع قضية الإيمان والعلم. لقد قرأنا كتباً، وسألنا أسئلة وبحثنا عن أدلة غير مهتمين إلى أي مكان سيأخذنا ذلك. وبحثنا عن ذلك بطريقة منظمة وحماسية كما لو أن حياتنا متوقفة عليها.

وفي النهاية، حياتنا ومشاعرنا وفلسفاتنا ونظرتنا للعالم وأولوياتنا وعلاقاتنا تغيرت للأفضل.

وإذا كنت شكاكاً روحياً أرجو أن تتمكن من اكتشاف الدليل بنفسك. وفي الحقيقة، فإن سلوك أولسين ذي الثلاث جوانب قد يساعدك إذا اتبعته:

أولاً: هل هناك إله خلق هذا الكون؟

ثانياً: هل كشف الله عن ذاته للبشرية من خلال الكتاب المقدس أو أي كتب مقدسة أخرى.

ثالثاً: هل يسوع هو ابن الله – متحداً بالبشرية – ويمكن أن يساعدنا كما ادعى.

وسوف تكتشف أن الكون محكوم بقوانين طبيعية وقوانين روحية. والقوانين الطبيعية تقودنا إلى الخالق، أما القوانين الروحية تعلمنا كيف نعرفه شخصياً اليوم وإلى الأبد.

إنه ليس الخالق فقط بالمعنى الواسع، بل هو خالقك أنت. لقد خلقك لكي تتصل به بطريقة حية ونشطة وقوية. وإذا بحثت عنه بكل قلبك، فهو يعدك بأن يقدم لك كل الوسائل التي تحتاجها لكي تجده[27]. وربما تكون قد شعرت وأنت تقراً هذا الكتاب بأن الله يبحث عنك بطريقة قد تكون غامضة ولكنها حقيقية.

إنك، كما يقول بحث جونزاليز وريتشاردز، خُلقت وصممت للاكتشاف، وأعظم اكتشاف في حياتك ينتظرك. ولهذا فأنا آمل أن تسعى وراء المعرفة العلمية ولكن لا تتوقف هناك. ولا تدع اغرائها يكون مصيرك، وبدلاً من ذلك اسمح لها بأن تقودك لما ورائها من معان متضمنة لا تُصدق والتي تقدمها لحياتك وأبديتك.

واقتراحي هو ما يأتي: اقضي بعض الدقائق الهادئة لكي تنغمس في هذه الكلمات الختامية والتي عبر عنها ببلاغة أليستر مكجراث ودعها تكون قوة دافعة لمغامرة عمرك:

وجد الكثيرون أن المنظر الرهيب للسماء المرصعة بالنجوم يولد احساساً بالإعجاب والسمو المشحون بالمعاني الروحية. ومع ذلك فإن الوميض البعيد للنجوم لا يخلق في حد ذاته هذا الإحساس بالشوق، إنه فقط يعرض ما هو موجود فعلاً هناك. إنها تحفز رؤيتنا الروحية وتكشف فراغنا وتجبرنا لكي نسأل كيف يملأ هذا الفراغ.

يا ليت أصولنا الحقيقية ومصيرنا يكون خلف تلك النجوم. ويا ليت وطننا يكون، ليس ذلك الموجودون فيه حالياً، بل الذي نصبو للعودة إليه. ويا ليت تراكمات أحزاننا وأوجاعنا أثناء وجودنا في هذا العالم تكون مؤشراً لأرض أخرى حيث مصيرنا الحقيقي والذي نشعر به الآن في داخلنا.

ولنفترض أن هذا ليس هو المكان الذي سنكون فيه ولكن ينتظرنا وطناً أفضل. نحن لا ننتمي لهذا العالم. وقد نكون قد فقدنا طريقنا. ألا يجعل هذا وجودنا الحالي أمر غريب ورائع في ذات الوقت؟ غريب، لأن هذا ليس هو مصيرنا ورائع لأنه يشير للأمام إلى حيث رجائنا الحقيقي. إن جمال السماوات بالليل، أو روعة غياب الشمس هي مؤشرات هامة لتلك الأصول وتحقيق كامل لرغبات قلوبنا العميقة. ولكن إذا أخطأنا رؤية العلامة المميزة لتوجيهنا فسوف نربط أشواقنا ورجاؤنا بأهداف ضعيفة لا تطفئ عطشنا لهذه المعاني السامية[28].

[1]John Plokinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity (New Youk: Cross-road, 1994), 25.

* مذهب فكري يدعو إلى دين طبيعي مبني على العقل لا على الوحي

[2] Psalm 102: 25.

[3] Deuteronomy 4: 35.

[4] Psalm 90: 2.

[5] John 4: 24.

[6] Genesis 17: 1. According to Theologian Millard J. Erickson, “God is Personal. He is an individual being, with self-consciousness and will, capable of feeling, choosing, and having a reciprocal relationship with other personal and social beings,” Millard J. Erickson, Christian Theology (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1985), 269.

[7] Genesis 1: 3.

[8] Psalm 104: 24.

[9] Nahum 1: 3.

[10] Psalm 139: 13-14.

[11] Psalm 33: 5.

[12] 1 Kings 8:27.

[13] Colossians 1: 16 (The Message).

[14] Isaiah 25: 8.

[15] Romans 1:20.

[16] Michael Shermer, How We Believe, 123.

[17] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 22.

[18] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002)

[19] Quoted in John Plokinghorne. Qurks. Chaos and Christianity, 35.

[20] See: Candace Adams, “Leading Nanoscientist Builds Big Faith,” Bap-tist Standard (March 15, 2002).

[21] Quoted in Margaret Wertheim, “The Pope’s Astrophysicist,” Wired (December 2002).

[22] John Polkinghorne, Quarks, Chaos, and Christianity, 98-100.

[23] Ibid., 13.

[24] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 44.

[25] See: American Scientific Affiliation, Modem Science and Christian Faith (Wheaton, 111.: Van Kampen, 1948).

[26] Viggo Olsen, The Agnostic Who Dared to Search (Chicago: Moody, 1974). His Other Books are Dakter and Daktar II, Both Published by Moody.

[27] God said in Jeremiah 29: 13: “You will seek ne and find me when you seek me with all your heart.”

[28] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God, 51, 53.

القضية الخالق – تجميع نهائي 3 – لي ستروبل

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ 

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ 

نقدم لكم هذه المقالة التي تتحدث عن كون المسيح قد قدام، وهي بعنوان : لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟  وهي للكاتب جون بيبر عميد كلية بيت لحم للاهوت لمدة 33 عاماً وله اكثر من خمسين مؤلف.
نتمنى أن تنال اعجابكم وتفيدكم ولتؤمنوا أن المسيح قام من بين الأموات قام ليخبرنا بهزيمة الموت .. نترككم مع المقالة

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ 

١- يسوع نفسه شهد لقيامته من الأموات

تكلم يسوع علانية معلناً ما سوف يحدث : عن صلبه ثم قيامته من بين الاموات. وهذا ما ورد في مرقس 8 : 31 فنجد اعلان واضح عن موته وايضاً قيامته من خلال الفم الطاهر. “وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرا، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم.”
راجع ايضا (متى ٢٢:١٧، لوقا ٢٢:٩ )

الرافضين للقيامة سيقولون ان كلام يسوع مضلٓل او ان الكنيسة الاولى وضعت الكلمات على لسانه لجعله يعلم بالضلاله لكن بالحقيقية هم من ابتدعو الضلال. فمن يقرأ الكتاب المقدس ويصل لقناعة بأن الذي يتكلم بسلطان مثل هذا يصعب ان لا يتم قبول كلامه وشهادة عن قيامته بفمه. وخصوصاً الكلمات التي تنبأت عن القيامة لم تكن فقط تلك الواضحة الصريحة السابق ذكرها ولكن إيضا بطرق رمزية وأمثلة لم تكن تصلح كتأليف او اختراع من مخادع.

مثلا، شهادتين مختلفتين بطريقتين مختلفتين تكلم المسيح عن نقض هيكل ( جسده) وانه سيقيمه مرة اخرى وهذا ما جاء ب ( يوحنا ١٩:٢، مرقس ٥٨:١٤، متى ٦١:٢٦) وتكلم ايضا عن أية يونان النبي- وعن وجوده ثلاث ايام في قلب الارض(متى ٣٩:١٢، ٤:١٦) وتلميحه في متى ٤٢:٢١ عن ان الحجر الذي رفضه البناؤون هذا قد صار رأسا للزاوية. وبالإضافة لشهادته .فقد شهد عنه مقاوميه ايضاً ان هذا كان جزء من ما قاله الرب يسوع: متى٦٣:٢٧.

إذن اول إثبات لدينا هو ان الرب يسوع نفسه شهد عن قيامته. عمق واتساع كلماته تجعل احتمالية اختراع هذا الكلام على يد الكنيسة غير وارد. وشخصية يسوع نفسه في هذه الشهادات لم تقول انه كان مختل او مضلل.

 

٢- القبر كان فارغا يوم القيامة

أوائل النصوص تقول انهم ذهبوا الى القبر ولم يجدوا جسد الرب. ( لوقا ٣:٢٤) واعداء يسوع أكدوا على ذلك بترويجهم إشاعة ان التلاميذ سرقوا الجسد (متى١٣:٢٨) لم يوجد جسد يسوع. وهناك أربعة تفاسير لذلك.

٢أ: اعدائه سرقوا الجسد. ولو تم هذا علي الرغم من انه لا ذكر له علي الاطلاق.لكانوا اظهروا الجسد لمنع انتشار المسيحية في نفس المدينة التي صُلب فيها. ولكنهم لم يقدروا على إظهاره.

٢ب: التلاميذ سرقوا الجسد. وهذه كانت إشاعة منذ البداية. (متى ٢٨: ١١-١٥). هل هذا ممكن؟ هل أمكنهم مقاومة الجنود الحراس على باب القبر؟ وأكثر أهمية، هل كانوا بداوا على الفور بالكرازة يهذه القوة بقيامة يسوع، عالمين انه لم يقم؟ هل خاطروا بحياتهم “التلاميذ” وتحملوا الاضطهاد وهم يعلمون انها اكذوبة؟

٢ج: الرب يسوع لم يمت، ولكن فقط فاقد الوعي عندما وضعوه في المقبره. فاستيقظ ورفع باب القبر وانتصر على الحراس واختفى من التاريخ للأبد بعد ان ظهر بضعة مرات لتلاميذه وأقنعهم انه قام من الأموات. حتى أعداء الرب يسوع لم يقدموا هذه الاطروحة. فقد كان من المؤكد انه مات. الرومان عرفوا ذلك. وايضاً الحجر لا يمكن رفعه من قبل رجل واحد طعن في جنيه بالحربة ومكث معلقا على الصليب ستة ساعات ومن الداخل القبر.

٢د: الله أقام يسوع من الأموات. “اي اللاهوت اقام الناسوت ” هذا ما قال انه سيحدث. انه ما قال التلاميذ انه حدث. ولكن لو وجد اي طيف من تفسير بطريقة منطقية سيقول لك البعض لا نقفز لتفسير معجزي. هل هذا منطقي؟ لا أظن. بالطبع لا اريد ان أكون ساذجا ولكن لن نرفض الحق فقط لانه غريب.
لابد ان ندرك ان التزامنا في هذه المرحلة متأثر بميولنا- سواء بحقيقة القيامة او عدم تصديق القيامة. لو ان رسالة الرب يسوع قد فتحت قلبك واحتياجاتك للغفران، مثلا، إذن ستفقد فكرة ضد المعجزة سلطانها على ذهنك. هل يمكن ان يكون هذا الانفتاح ليس تحيزا للقيامة وإنما حرية من التحيّز ضدها؟

 

٣- التلاميذ انتقلوا حالا من رجال بلا أمل وخائفين (لوقا٢١:٢٤، يوحنا ١٩:٢٠)

لرجال واثقين وشهود اقوياء للقيامة. ( اعمال ٢٤:٢، ١٥:٣، ٢:٤) وتفسيرهم لهذا التغيير انهم رأوا الرب يسوع قائما من الأموات وأنهم قد اخذوا قوة ليكونوا شهودا له ( اعمال ٣٢:٢). اما التفسير المعاكس لهذا فهو ان ثقتهم هذه نابعة من هلوسة. وهذا التفسير له مشاكل عديدة. التلاميذ لم يكونوا سذج، ولكن شكاكين متزني العقل قبل وبعد القيامة. ( مرقس ٣٢:٩، لوقا ١١:٢٤، يوحنا ٢٠: ٨-٩،٢٥) وبالأكثر هل التعاليم السامية والنبيلة التي كرز بها شهود قيامة المسيح منسوجة من هلاوس؟

ماذا عن رسالة بولس الرسول الى أهل رومية؟! شخصيا اجد من الصعوبة ان اصدق ان احدا بهذه العقلية الفذة والروح الشفافة العميقة يمكن ان يكون مُضٓلل او مُضلِل بشأن قيامة المسيح.

 

٤- بولس الرسول قال انه ليس هو فقط من رأى المسيح القائم بل اكثر من ٥٠٠ اخ أكثرهم حي حين قال هذا. (١كورنثوس٦:١٥)

وما يجعل هذا ذو أهمية ان هذه الكلمات مكتوبة لليونانيين الذين يتشككون من هذه الادعائات في حين ان اكثر الشهود احياء. فهذه مخاطرة ان كان يمكن تفنيدها بمجرد بحث بسيط.

٥- مجرد وجود كنيسة حية نامية منتصرة على الامبراطورية، يساند حقيقة القيامة.

فالكنيسة نمت بقوة الشهادة بيسوع الذي اقامه الله وجعله ربا ومسيحا ( اعمال ٣٦:٢) فروبوبية المسيح على كل الامم مبنية على انتصاره على الموت. وهذه هي الرسالة التي انتشرت في العالم اجمع وقوتها في عبور الثقافات وخلق شعب جديد لله هي اكبر شهادة على صدقها.

 

٦- إيمان بولس الرسول يؤيد حقيقة القيامة.

فهو يحاجج أناس من غلاطية ١: ١١-١٧ ان إنجيله وكرازته هي من يسوع المسيح، وليس من الناس. وحجته ان قبل رحلته لدمشق قبل ان يرى الرب يسوع كان مضطهدا للكنيسة والإيمان المسيحي. (اعمال ١:٩) ولكن الان والدهشة الجميع، فهو يخاطر بحياته للكرازة بالإنجيل. ( اعمال ٩: ٢٤-٢٥) وتفسيره : ان الرب يسوع القائم من الأموات ظهر له واعطاه مهمة الكرازة للأمم. (اعمال ٢٦: ١٥-١٨). فهل نصدق مثل هذه الشهادة؟ وهذا يأتي بِنَا للنقطةالتالية.

 

7- شهود العهد الجديد ليس لديهم سمة المدلسين.

كيف تقيم شاهد؟ كيف تقرر اذا ما كنت ستصدق شهادة احدهم؟ قرار ان تصدق شهادة احد ليس مثل حل مسألة حسابية. التاكيد له طابع مختلف، ولكن في مثل ذات القوة. عندما يموت شاهد، نبني مصداقيته على ما كتبه ومن شهادات الآخرين عنه. إذن كيف تبدو الأمور بالنسبة لبطرس ويوحنا ومتى وبولس الرسل؟ في تقديري ( وعند هذه النقطة سنعتمد على رؤيتنا- لوقا ٥٧:١٢)، فإن كتابات هؤلاء الرجال لا تبدو ككتابات أناس سذج، يسهل التغرير بهم او مضللين.

ان بصيرتهم للطبيعة لإنسانية عميقة. التزامهم عاقل ومكتوب بدقة. تعاليمهم واضحة وليست من اختراع بشر. المستوى الاخلاقي والروحي عالي جداً. وحياة هؤلاء الرجال مكرسة تماما للحق ولمجد الله.

 

٨- يوجد مجد داخلي في بشارة انجيل موت المسيح وقيامته كما وصفها البشيريون.

يعلم العهد الحديد ان الله أرسل الرب القدس ليمجد المسيح كإبن الله. قال الرب يسوع: متى جاء روح الحق، فهو يرشدكم للحق… ويمجدني. (يوحنا ١٣:١٦) والروح القدس لا يخبرنا بهذا كمعلومة ان يسوع قام. ولكن يفتح اعيننا لنرى مجد المسيح في قصة الصلب والقيامة. فهو يمكننا من رؤية يسوع كما هو، كمال الجمال والحق. وقد كتب الإنجيليون عن مشكلة العمى الروحي وحلها. (كورنثوس الثانية٤: ٦،٤).

ان المعرفة المؤدية الى الخلاص بالمسيح مصلوبا وقَائِما ليست معلومات تاريخية. ولكنها نتيجة استنارة روحية لؤية الأمور على حقيقتها: استعلان مجد وحق الله في وجه المسيح- الذي هو هو أمس واليوم والى الأبد.

المرجع:

• Eight Reasons Why I Believe That Jesus Rose from the Dead “John Piper”
John Piper (@JohnPiper) is founder and teacher of desiringGod.organd chancellor of Bethlehem College & Seminary. For 33 years, he served as pastor of Bethlehem Baptist Church, Minneapolis, Minnesota. He is author of more than 50 books.

لماذا أؤمن أن المسيح قد قام من الاموات؟ 

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.

ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer   إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.

لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]

يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.

فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins  وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens  أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.

والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh  (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited  (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.

الاهتداء إلى الإيمان  يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]

فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.

فكيف نفهم منطقية الإيمان؟ يمكن توضح منطقية الإيمان المسيحي بطريقتين مختلفتين، ولكنهما تكملان بعضهما البعض:

  1. بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
  2. بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.

هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.

وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان.
طبيعة الإيمان:

أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.

وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.

يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre  أو “جون جري” John Gray  إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.

فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James  أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]

وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.

ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel  أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.

فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin  في ملاحظة صائبة قائلاً:

إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]

يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]

فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin  (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

  1. قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
  2. قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
  3. قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]

تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل:
2+2= 4
الكل أكبر من الجزء.
التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.

العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.

ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.

وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton  في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion  لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.

وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga  هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.

ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.

إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty  (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society  منذ عدة سنوات أشار إلى أنه

إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]

ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.

إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.

وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا”  Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.

وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]

هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد  شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.

ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.

إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]

ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard  (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein  الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!

وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards  (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”

وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.

قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]

ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.

 ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟

لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.

وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.

إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله  على المستوى الثقافي.

رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]

وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.

وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ”  Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.

إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]

إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow  الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]

فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne  (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:

إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]

إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.

فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.

وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟

وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]

وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.

ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء.
وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.

وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne  مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]

والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.

أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]

فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.

فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:

يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.

إن العلم يعتمد على الاستدلال inference  لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.

إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟

يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:

  1. لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
  2. ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
  3. إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]

فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.

وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.

والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.

خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلر Johannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة.  ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation  unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.

وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas  بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality  أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]

والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.

ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.

فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:

  • كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  • العالم ظهر إلى الوجود.
  • إذَن العالم له سبب.

 

  • البحث عن أفضل تفسير:

منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلرJohannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة،
والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين”  Charles Darwinفي  وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.

وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.

لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).

والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.

ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.

  • التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:

منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري”  “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.

ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية  مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان  يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.

وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟

ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.

معنى الأشياء: دراسة حالة:

لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟

كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.

إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.

فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.

وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.

وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!

وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.

وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]

إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.

والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder  مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]

والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]

فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.

غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]

فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz  أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.

فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.

ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).

ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.

وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.

إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien  في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:

لن أسير مع عصوركم التقدمية

مع المغرورين والحكماء الذين يقودهم تقدمهم

إلى هوة مظلمة سحيقة تفتح فمها لاستقبالهم.[43]

خطوة للأمام:

درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.

لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.

وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.

وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.

ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.

فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.

لمزيد من الاطلاع:

Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010

McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011

Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.

[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.

[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.

[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.

[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).

[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.

[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).

[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.

[8] MacIntyre, Whose Justice?, 6.

[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.

[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.

[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).

[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.

[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.

[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).

[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-

[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.

[17] Ibid.

[18] Austin Farrer, “The Christian Apologist,” Light on C. S. Lewis, ed. Jocelyn Gibb (London: Geoffrey Bles, 1965), 26.

[19] Ibid.

[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.

[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.

[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.

[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.

[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.

[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.

[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”

[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.

[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.

[29] Ibid.

[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.

[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.

[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.

[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.

[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.

[40] Ibid.

[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).

[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.

[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.

[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج

أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج

أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج

 

لقد كانت كلمات مايكل مكولوغ ذو الستة عشرة سنة خافتة جداً حتى إن المحلفين لم يستطيعوا سماعها مع صوت اللهاث الخفيض لجهاز التنفّس الصناعي الذي يبقيه على قيد الحياة. لذا يكون لزاما أن ينحني قارئ شفاه على سرير مايكل، ليميز ما كان يقوله، ثم يكرر شهادته لقاعة المحكمة المؤقتة.

ولما كان ميشيل مشلولاً بسبب رصاصه اصابة في أسفل الرقبة مما تسببت في قع حبله الشوكي، لقد كان مايكل ضعيفاً جداً حتى أنه كان لا يمكن نقله إلى المحكمة حيث يُحاكم الشابين المتهمين بمهاجمته. وبدلاً من ذلك، إحتشد في غرفته بالمستشفى، القاضي، وهيئة المحلفون، والمتهمون، والمحامون، والمراسلون، والمشاهدون، والتي تم الإعلان عنها كفرع مؤقت تحت اسم محكمة كوك كانتي للمقاطعة.

وتحت الإستجواب من قبل المدّعين، تذكّر ميشيل كيف ترك شقته في مشروع إسكان شيكاغو وفي جيبه دولارين. قال بأن المتهمين قد تحرّشا به على السلم، وإنهما أصاباه عمداً في وجهه كما حاولا سرقة ماله. وقد دُعمت قصته من قبل شابين آخرين قد راقبا وهما مرعوبين كيف حدث الاعتداء. لم ينكر المتهمين إطلاق النار؛ وبدلا من ذلك إدّعوا بأن الرصاص قد أطلق عرضياً فيما كانا يلوحان به إليه. بالطبع يعرف محامي الدفاع بأن الطريقة الوحيدة للحصول على أحكام مخففة لزبائنهم هي أن ينجحوا في تقويض شهادة إطلاق الناس كعمل من أعمال العنف مع سبق الإصرار والترصد.

لقد بذلوا ما بوسعهم لإثارة الشكوك حول روايات شاها العيان فشككوا في قدرة الشاهدان في رؤية ما حدث، بيد أن كل محاولاتهم بانت بالفشل. كما حاولوا إستغلال التضارب في الروايات، بيد أن الأعتبارات توافقت مع النقاط المركزية. وطالبوا ببراهين أكثر، لكن لم يكن هذا، وبشكل واضح، سوي مجدر إحتجاج.

كما حاولوا أثارة الشبهات حول الأشخاص، لكن الضحية والشاهدان كانوا شبّاناً مطيعون للقانون وليس لهم سجل إجرامي. تمنوا أن يظهروا أي تحيّز ضد المتهمين، لكنهم لم يستطيعوا أن يجدوا شيئاً. كما شككوا في أحد الشهود، عمره تسع سنوات اسمه كيث، إلا أن سنه كان كافياً لفهم المقصود من قول الحقيقة تحت القسم، لكن كان من الواضح للجميع أنه فهم.

ونظراً لأن مُحامي الدفاع عجزوا عن زعزعة مصداقية الضحية وشهود الإثبات، فقد تم إدانة المتهمين بمحاولة اغتيال، وحُكم عليهما بالسجن المؤبّد خمسون سنة. ومات مايكل بعد ثمانية عشر يوماً.

محامو الدفاع ليديهم مهمة صعبة: لإثارة الأسئلة، وتوليد الشكوك، وتقصي النقاط الضعيفة والقابلة للنقد لرواية الشاهد. إنهم يفعلون هذا بإخضاع الشهادة إلى مجموعة متنوعة من الاختبارات. والفكرة هنا هي أن الشهادة الصادقة والدقيقة ستحتمل التمحيص، فيما ستنكشف الشهادة المضللة أو المُبالغة أو الباطلة.

لقد إنتصرت العدالة في قضية مايكل لأن المحلفين تمكنوا من معرفة أن الشهود والضحية كانوا بصدق يحكون وبدقة ما واجهوه.

دعونا الآن نعود إلى تحقيقنا عن الدليل التاريخي المُتعلُّق بيسوع.

لقد حان الوقت لإخضاع شهادة الدكتور بلومبيرج للإختبارات التي إما أن تكشف عن نقاط ضعفها أو تؤكد قوتها. العديد من هذه الاختبارات ستكون نفس الاختبارات التي استخدمها مُحامي الدفاع في قضية مايكل منذ عدّة سنوات.

قلت لبلومبيرج فيما كنا نجلس بعدما إسترحنا خمسة عشر دقيقة “هناك ثمانية اختبارات مختلفة أودُّ سؤالك حولها”.

التقط بلومبيرج كوبا ساخنا من القهوة السوداء وهو يتكئ للخلف. لم أكن متأكداً، إلا أنه كان بدا متطلعاً للتحدي.

1 . اختبار القصد

يسعي هذا الاختبار لتحديد إذا ما كان القصد المُعلن او المكنون للكُتّاب هو الحفاظ على التاريخ بشكل دقيق. سألته قائلاً “هل كان كُتّاب القرن الأول هؤلاء مهتمين حقاً بتسجيل ما حدث بالفعل؟”

أومأ بلومبيرج برأسه وقال “نعم، بالتأكيد، ويمكنك أن تري ذلك في بداية إنجيل لوقا، الذي يُقرأ بشكل مشابه جداً لمقدمات الأعمال التاريخية والمتعلقة بالسيرة المؤتمنة عموماً في العصر القديم”.

إلتقط بلومبيرج كتابه المقدس، وقرأ إفتتاحية إنجيل لوقا. إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ.

إسترسل بلومبيرج في الحديث قائلا “كما ترى، فأن لوقا يقول بشكل واضح بأنه عندما نوى الكتابة عن هذه الأمور تحرى الدقة للتحقيق منها ووجد أنه من اللازم دعمها بشكل جيد بشهادة الشهود”.

سألت قائلاً “وماذا عن بقية الأناجيل؟ والتي لم تُستهل بتصريحات مشابهة؛ هل يعني ذلك أن كُتابها لم يكن لديهم نفس المقاصد؟”

فجاءت إجابة بلومبيرج “صحيح أن مرقس ومتي ليس لديهما هذا النوع من البيان الواضح، إلا أنهما قريبين جدا من لوقا من ناحية النوع، ويبدو من المعقول أن قصد لوقا التاريخي يعكس قصديهما بطريقة محكمة”.

سألت “وماذا عن يوحنا؟”

“بيان القصد الآخر الوحيد في الأنجيل يأتي في يوحنا 31:20 “وَأَمَّا هَذَهَ فَقَدْ كُتَبَتْ لَتُؤْمَنُوا أَنَّ بَسُوعَ هُوَ الْمَسَيحُ ابْنُ اللَّهَ وَلَكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إَذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بَاسْمَهَ”.

إعترضتُ قائلاً “ذلك يبدو كتصريح لاهوتي أكثر مما هو تاريخي”

أجاب بلومبيرج “سأوافقك في ذلك، لكن إذا ما كنت ستقتنع بدرجة كافية لأن تؤمن، فإن اللاهوت ينبغي أن يتدفق من التاريخ الدقيق، هذا بالإضافة إلى أنه يوجد دليل ضمني هام لا يمكن إغفاله. فكّر في الطريقة التي تُكتب بها الأناجيل –بأسلوب واقعي ومسؤول-بعرض تفاصيل دقيقة، وبحرص شديد ودقة. فلن تجد الأمور الغريبة وأساطير سمجة كتلك التي تراها في الكثير من الكتابات القديمة الآخري.

سأل قائلاً: “إلى ماذا يضيف كل هذا؟” ثم أجاب على سؤاله قائلاً: “يبدو واضحاً جداً أن هدف كُتَّاب الوحي الإلهي بأنهم حاولوا تسجيل كل ما حدث بالفعل”.

الإجابة على الاعتراضات:

ومع ذلك، هل هذا هو ما حدث فعلاً؟ هناك سيناريو مُعارض ومناقض ورّجحه بعض النقّاد.

قالوا بأن المسيحيين الأولىن إقتنعوا بأن يسوع سيعود أثناء فترة حياتهم ليتمم التاريخ، لذا فإنهم لم يروا ضرورة لحفظ أي سجلات تاريخية عن حياته أو تعاليمه. وباختصار، لماذا القلق طالما أنه سيأتي وينهي العالم في أي لحظة؟

فقلت “لذا، بعد سنوات وعندما أصبح من الواضح أن يسوع لم يكن راجعاً سريعاً، وجدوا أن ليس لديهم أي مادة تاريخية دقيقة فانجذبوا إلى كتابة الأناجيل. ل ميُنتزع شيئاً للأغراض التاريخية. أليس ذلك ما يحدث حقاً؟”

أجاب بلومبيرج “هناك بالتأكيد طوائف وجماعات، بما في ذلك الدينية عبر التاريخ، والتي يعمل لأجلها هذا الجدال، لكن ليس مع المسيحية المبكّرة”

فقلت له متحدياً “ولما لا؟ ما الذي كان مختلفاً في المسيحية؟”

فأجاب” أولاً، أعتقد أن المقدمة مُبالغ فيها قليلاً. الحقيقة هي أن أغلبية تعاليم يسوع تفترض مسبقاً امتداداً كبيراً للوقت قبل نهاية العالم، لكن ثانياً، حتى إذا ما اعتقد بعض من أتباع يسوع بأنه ربما سيعود سريعاً إلى حد ما، فتذكّر أن المسيحية ولدت من اليهودية.

“لثمانية قرون عاش اليهود مع التوتر بين الإعلانات المتكررة للأنبياء بأن يوم الرب كان قريباً، والتاريخ المستر لإسارئيل. وكان لا يزال أتباع هؤلاء الانبياء يسجلون، ويقيّمون، ويحفظون لكمات الانبياء. وطالما أن أتباع يسوع نظروا إليه كأعظم من نبي، فيبدوا من المعقول جدا أنهم كانوا سيفعلون نفس الشيء”.

فيما بد ذلك معقولاً، إلا أن يعض الباحثين أثاروا أيضاً اعتراضا آخر وهو ما أردت عرضة على بلومبيرج. “يقولون بإن المسيحيين الأوائل أمنوا تكراراً أن يسوع الميت جسدياً كان يتحدث من خلالهم برسائل، أو “نبوءات”، لكنائسهم. وطالما إنٍ هذه النبوءات كانت تعتبر موثوقة ككلمات يسوع حين كان حياً على الأرض، فإن المسيحيين الأوائل لم يميزوا بين هذه الأقوال الجديدة والكلمات الأصلية ليسوع التاريخي. وكنتيجة لذلك، تمزج الاناجيل هذين النموذجين من المواد، لذا فإننا لا نعرف حقا ما الذي يعود ليسوع التاريخي والذي لا. ذلك اتهام مزعج لكثير من الناس. كيف تردُّ على ذلك؟”

قال وهو يبتسم “هذا الجدال له دعم تاريخي أقل مما سبقه. في الحقيقة، يتضمّن العهد الجديد نفسه دليل يدحض هذه الفرضية.

“يوجد مناسبات بُشار فيها إلى النبوة المسيحية المبكرة، لكنها مميزة دائماً عما قاله الرب. على سبيل المثال، في 1كورنثوس 7 يُميَز بولس بشكل واضح بين كلامه هو وبين ما اقتبسه من كلام الرب، يسوع التاريخي. وفي سفر الرؤيا يمكن للفرد أن يميز بوضوح مقدار الوقت القصير الذي يتحدث فيه يسوع مباشرة إلى هذا النبي -يُفترض تقليديا أنه يوحنا الرسول –  وعندما يسرد يوحنا رؤياه الخاصة المُوحاة له.

“وفي 1كورنثوس 14، عندما يناقش بولس المعايير للنبوة الحقيقية، يتحدث عن مسئولية الكنيسة المحلية لامتحان الأنبياء، وبالدنو من خلفيته اليهودية، نعرف بأن المعايير للنبوة الحقيقية كانت ستضمن إذا ما كانت النبوة تتحقق أو إذا ما كانت هذه التصريحات الجديدة تتوافق مع كلمات الرب المُعلنة.

“لكن الجدال الأقوي هو ما لا نجده أبداً في الأناجيل: فبعد صعود يسوع كان هناك عجج من الخلافات التي هددت الكنيسة المبكرة، إذا ما كان يجب أن يُختتن المؤمنين، وكيف يجب أن يُنظم التكلم بألسنة، وكيف يمكن الحفاظ على اليهودي والأممي متحدين، وما هي الأدوار الملائمة للنساء في الخدمة، وإذا ما كان يمكن للمؤمنين أن يُطلقوا من الأزواج والزوجات غير المسيحيين.

“كان يمكن أن تُحل هذه القضايا بطريقة ملائمة إذا ما كان المسيحيون الأوائل رجعوا إلى ما أخبرهم به يسوع من العلام البعيد في الأناجيل، لكن هذا لم يحدث مطلقاً. فاستمرار هذه الخلافات يُظهر أن المسيحيين كانوا مهتمين بالتمييز بين ما حدث أثناء حياة يسوع على الأرض وما تم مناقشته فيما بعد في الكنائس”.

2- اختبار القدرة

حتى إذا ما كان يميل الكُتَّاب إلى تسجيل التاريخ بشكل موثوق، فهل كانوا قادرين على عمل هذا؟ كيف يمكننا التأكد من أن المادة الخاصة بتعاليم وحياة يسوع تم حفظها بشكل جيد لمدة ثلاثين عاما قبل أن تكون قد كُتبت كاملة في الأناجيل؟

سألت بلومبيرج “ألا تعترف لأن الذكريات التي تحتوي عيوباً، والتفكير الآمل، ونشوء الأسطورة كانت ستشوه التقليد عن يسوع بشكل يتعذر إصلاحه قبل كتابة الأناجيل؟”

بدأ إجابته بتوطيد السياق قائلاً “لا بد أن نتذكر أننا في أرض غريبة، في زمان ومكان بعيدين، وفي ثقافة لم تخترع بعد الكمبيوتر أو حتى آلة الطباعة. فالكتب -أو بالحقيقة لفائف ورف البردي- كانت نادرة نسبياً، ومن ثم فالتربية، والتعليم، والعبادة، والتعلم في الجماعات الدينية كانت جميعها تتم بالسماع.

“لقد إشتهر الحاخامات بحفظهم غيباً لكامل العهد القديم، ومن ثمَّ فمن الجيد، وفي إطار قدرة أتباع يسوع على الاستظهار، أنهم قد اعتمدوا بنسبة أكبر على الذاكرة، ومما يظهر في كل الأناجيل الأربعة أن هذا قد تمّ تسليمه وتسلّمه بشكل دقيق”.

قاطعته قائلاً “انتظر لحظة. بصراحة، يبدو ذلك النوع من الإستظهار غير معقول. كيف يمكن أن يكون ذلك ممكناً؟”

إعترف قائلاً “نعم، من الصعب علينا تصوَر ذلك اليوم، لكنها كانت ثقافة شفهية، حيث كانت هناك اعتماد كبير على الاستظهار. ويجب أن تلاحظ أنه ما بين ثمانين إلى تسعون بالمائة من أقوال يسوع كانت أصلاً بصيغة شعرية. وهذا لايعني أنها كانت محشوّة بالقافية الشعرية، لكنها كانت موزونة، وسطروها متوازنة، ومتوازية، وهلم جرا، وهذا سيُشكّل مساعدة كبيرة على التذكر.

“الشيء الآخر الذي من الضروري قوله هو أن التعريف عن طريق الإستظهار كان أكثر مرونة من ذلك الحين. ففي دراسات الثقافات بالتقاليد الشفهية، كان هناك حرية لتباين المقدار الذي يتم إخباره من القصة في أي مناسبة؛ ما خُتم به، وام تم تركه، وما تم تفسيره، وما تم توضيحه، وهلم جرا.

“اقترحت إحدي الدراسات أنه في الشرق الأوسط القديم، فإنه في أي مكان من عشر إلى أربعون في المائة لأي إعادة رواية معطاة بتقليد مقدس يمكن أن تتباين من مناسبة لأخري. وبرغم ذلك، إلا أنه كان هناك دائما نقاط ثابتة لا يمكن تعديلها، وكان للجماعة الحق في التدخل والتصحيح للراوي إذا ما أخطأ في إحدي هذه السمات الهامة للقصة.

توقف باحثاً في ذهنه هن الكلمة الصحيحة وقال “إنه شيء ممتع. مصادفة أن النسبة من عشرة لأربعون في المائة متناسقة إلى حد ما مع مقدار التباين بين الاناجيل الأزانية في أي فقرة مُعطاة”.

لقد كان بلومبيرج يُلمّح إلى شيء ما؛ رغبت أن يوضحه أكثر فقلت” وضح هذا لي. ما الذي تقوله بالضبط؟”

“أقول إنه من المرجح أن الكثير من التشابهات والاختلافات بين الأناجيل الازانية يمكن توضيحها بافتراض أن التلاميذ والمسيحيين الأوائل الآخرين إستظهروا الكثير مما قاله وفعله يسوع، لكنهم شعروا بحرية في إعادة سرد هذه المعلومات في صيغ مختلفة، محافظين دائماً على مغزى تعاليم وأعمال يسوع الأساسية.

مازال لدي بعض الأسئلة حول قدرة هؤلاء المسيحيين الأوائل على حفظ هذا التقليد الشفهي بدقة. كان لدي أيضا ذكريات كثيرة عن ألعاب طفولية التي من خلالها كنا نُغربل الكلمات ثم نعيد ترتيبها في غضون دقائق.

لعبة التليفون

من المحتمل أنك لعبت لعبة التلفون بنفسك: يهمس أحد الأطفال بشيء ما في طفل آخر، على سبيل المثال” أنت أفضل أصدقائي”، ويُهمس بهذا لآخر، وهكذا في دائرة كبيرة إلى أن تصير في النهاية مُشوهة بشكل مُفرط، وربما تكون قد تحرّفت إلى “أنت أفحل أصدقائي”.

قلت لبلومبيرج “لنكن صرحاء، أليس هذا تشبيهاً جيداً لما قد حدث للتقليد الشفهي عن يسوع؟”

لم يكن بلومبيرج يقبل ه1ا التفسير فقال” لا، ليس حقاً، وإليك السبب: عندما تستظهر شيئاً بعناية وحرص فإنك تحرض على تمريره وفي نفس الوقت تتاكد من أنك حصلت عليه بطريقة صحيحة، فبذا أنت تفعل شيئ مختلف جداً عن لعب لعبة التلفون.

“جزء من اللعبة التلفون، هو المرح بأن الشخص قد لا يُصيب الحقيقة أو يسمع بشكل جيد في المرة الأولى، ولا يمكنه أن يطلب من الشخص أن تكرار ما ذكره. ثم عليك فوراً نقلها إلى الشخص المجاور لك، أيضاً في النغمات المهموسة التي تجعل على الأرجح إمكانية الخطأ للشخص التالي بدرجة كبيرة. لذلك نعم، ففي الوقت إمكانية الخطأ للشخص التالي بدرجة كبيرة. لذلك نعم، ففي الوقت الذي تكون فيه المعلومة ثد درات في غرفة بها ثلاثون شخص، فإن النتائج ستكون مرحة”.

ثم سألت” لماذا إذاً يُشابه ذلك عملية تمرير وتسليم التقليد الشفهي القديم؟”

رشف بلومبيرج من قهوته قبل الإجابة” إذا أردت حقاً تطوير هذا التشبيه في ضوء رقابة جماعة القرن الأول، فيجب أن تقول إن كل شخص ثالث، وهو يسمع بصوت واضح جداً، ويجب أن يسال الشخص الاول “هل ما زلت أقولها بشكل صحيح؟” ويغيرها إذا لم يكن ما يقوله صحيح.

فقال” فالجماعة الأولى ستراقب باستمرار ما قيل وتتدخل لإجراء التصحيحات على طوال الطريق. وهو ما يحفظ نزاهة الرسالة. والنتيجة ستكون مختلفة جداً عن نتيجة لعبة التلفون الطفولية”.

3- اختبار الشخصية

ينظر هذا الاختبار فيما إن كان في شخصية هؤلاء الكُتَّاب بكونها صادقة. وإن كان هناك أي دليل على عدم الأمانة أو عدم الأخلاقية الذي قد يفسد قدرتهم أو رغبتهم في نقل التاريخ بدقة؟

هز بلومبيرج رأسه وقال “إننا ببساطة لا نملك أي دليل معقول لإقتراح أنهم كانوا أي شيء عدا أنهم أُناس ذوي نزاهة عظيمة”.

“إننا نراهم يُبلغون كلمات وأفعال إنسان دعاهم إلى مستوي من النزاهة والإستقامة تفوق ما دعت إليه أي ديانة أخري. وهم كانوا راغبين للعيش وفق إعتقاداتهم لدرجة أن عشرة من بيت الأحد عشر تلميذا الباقين تعرضوا لميتات مروعة، وهو ما يُظهر عظمة شخصياتهم:

“من جهة الإستقامة، من جهة الصدق، من جهة الفضيلة الأخلاقية، فلدي هؤلاء الأشخاص سجل حافل بالنجاحات يُحسدون عليه”.

4- اختبار الاتساق

هذا اختبار يتهم فيه المتشككين غالباً الأناجيل بالفشل. باختصار، هل هم متناقضين بلا أمل مع بعضها البعض؟ ألا يوجد تعارضات لا تقبل المصالحات بين أوصاف الإنجيل المختلفة؟ وإذا كان يوجد فكيف يمكن لأي شخص أن يثق في أي شيء يقولونه؟

أقرَّ بلومبيرج بأن هناك نقاط عديدة التي تبدو فيها الأناجيل متعارضة فقال “يمتد هذه طوال الطريق من التباينات الصغيرة جداً في الكلام إلى التناقضات الظاهرة الأكثر شهرة”.

“اقتناعي، هو أنك عندما تسمح للعناصر التي تحدثت عنها من قبل -من أعادة صياغة، والاختصار، والإضافات التوضيحية، والاختبار، الحذف- فإنك ستجد أن الأناجيل متسقة جداً مع بعضها البعض بالمعايير القديمة، التي تمثل المعايير الوحيدة التي من الإنصاف الحكم بها “. 

أشرت قائلاً “على نحو ساخر، لو كانت الأناجيل مطابقة لبعضها البعض، كلمة بكلمة، فإن ذلك كان سيرفع الاتهامات التي تقول بأن الكُتَّاب تآمروا فيما بينهم لتنسيق قصصهم مسبقاً، والتي كانت ستثير الشك حولهم”.

وافق بلومبيرج وقال” هذا صحيح. إذا ما كانت الأناجيل متطابقة تماماً، فإن ذلك في حد ذاته كان سيبطلهم كشهود مستقلين. ومن ثم كان الناس سيقولون إننا حقاً لدينا شهادة واحدة لذلك فإن كل شخص آخر يردد الكلام كالببغاء”.

أومض ذهني بكلمات سيمون جرينفيلف من كلية حقوق هارفارد، أحد الشخصيات القانونية البارزة ومؤلف دراسة مؤثرة عن الأدلة. بعد دراسة الإتساق بين كُتَّاب الأناجيل الأربعة، قدَّم تقييمه هذا: “يوجد ما يكفي من تناقض ليرينا أنه لا يمكن أنه كان هناك اجتماع سابق بينهم؛ وفي نفس الوقت فإن مثل هذه الموافقة الجوهرية كما لو أنها تظهر أنهم جميعاً كانوا رواة مستقلين لنفس التعامل العظيم”.

ومن منظور مؤرخ كلاسيكي، اتفق العالم الألماني هانز ستير على أن الموافقة على المعلومات الرئيسية وتباين التفاصيل يقترحان مصداقية؛ لأن الروايات المُلفقة تميل إلى أن تكون متطابقة ومتوافقة تماماً. لقد كتب “كل مؤرخ متشكك على نحو خاص في تلك اللحظة التي يتم فيها تقرير حدث غير عادي في روايات خالية تماماً من التناقضات”.

في حين أن ذلك صحيح، إلا أنني لم أرد إهمال الصعوبات التي تثيرها التناقضات المزعومة بين الأناجيل. فقررت تقصي القضية أكثر بمهاجمة بلومبيرج ببعض التناقضات الواضحة الظاهرة التي ينتهزها الشكاكون تكرارا كأمثلة على السبب بأن الأناجيل لا يمكن الاعتماد عليها.

التعامل مع التناقضات

بدأت بقصة معروفة لمعجزة شفاء. أشرت إلى أنه “في متي يقول إن قائد المئة نفسه جاء ليطلب من يسوع أن يشفي خادمه رغم أن لوقا يقول إن قائد المئة أرسل الشيوخ ليفعلوا هذا. ألس ذلك بتناقض واضخ، أليس كذلك؟”

أجاب بلومبيرج “لا، لا أعتقد ذلك. فكر في الأمر بهذه الطريقة: في عالمنا اليوم نسمع تقريرا إخباريا يقول “أعلن اليوم الرئيس أن … ” بينما في الحقيقة بأن الخطاب قد تم كتابته من قبل كاتب أحاديث وسلّم من قبل السكرتير الصحفي- وربما بمقدار ضئيل من الحظ ألقي الرئيس نظرة عليه فيما بين هذه وذاك. ومع ذلك لم يتهم أحد المذيع بأنه مخطئ.

“وبطريقة مشابهة كان من المفهوم والمقبول جيدا في العالم القديم أن الأفعال كانت تُنسب غالباً إلى أشخاص فيما تكون في الحقيقة قد حدثت من خلال أتباعهم أو مبعوثهم، في هذه الحالة من خلال شيوخ الشعب اليهودي.

“إذاً فأنت تقول إن متي ولوقا يمكن أن يكونا كليهما على صواب في نفس الوقت؟”

أجاب “هذا بالضبط ما أقوله”.

بقد بدا ذلك معقولاً، من ثمَّ إلى مثال آخر. “ماذا عن مرقس ولوقا بقولهما بإن يسوع قد أرسل الشياطين إلى الخنازير في الجرجسيين، بينما يقول متي بأن ذلك قد حدث الجدريين.

ينظر الناس إلى ذلك ويقولون هذه تناقض واضح لا يمكن توفيقه- إنهما مكانين مختلفين تماماً. أقفلت القضية”.

ضحك بلومبيرج بينه وبين نفسه وقال “حسنا، لم تُقفل القضية حتى الآن. هناك حل واحد ممكن: الأولى كانت مدينة، أما الثانية فكانت مقاطعة”.”

بدا لي ذلك سطحياً جداً. بدا وكأنه يتخطي الصعوبات الحقيقية التي تثيرها هذه القضية.

قلت “إن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فالجرجاسيين، المدينة، لم تكن قريبة من بحر الجليل في أي مكان، ومع ذلك هو المكان الذي من المفترض أن الشياطين- بعد دخولها إلى الخنازير- أخذت القطيع فوق المنحدر الصخري ليلقوا حتفهم”.

فقال “حسنا، تلك نقطة جيدة، لكن كان هناك حطام مدينة تم الكشف عنها عند الجانب الأيمن بالضبط على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية. غالبا ما تُنطق الصياغة الإنجليزية لاسم المدينة خيرسا ،Khersa، لكنها ككلمة عبرية فإنها ترجمت أو تُرجمت صوتياً في اليونانية، يمكن أن تنتج صوتً شبيهاً جداً بكلمة ،الجرجاسيين Gerasa،. لذلك ربما كان هذا في خيرسا على الأرجح- والتي هجائها في اليونانية تم ترجمته كجرجاسيين- في مقاطعة الجدريين”.

سلمت بذلك بابتسامة وقلت “حسنا، سأسلم بذلك التفسير، ولكن يوجد هنا مشكلة ليست سهلة: ماذا عن التناقضات بين سلسلة نسب يسوع في متي ولوقا؟ غالبا ما يشير إليهما المتشككون كمتعارضتين بشكل بلا حل”.

فقال “هذه قضية أخري ذات خيارات متعددة. مثل ماذا؟ البديلان الأكثر شيوعا هما أن متي يقدّم سلسلة نسل يوسف، لأن أغلب الأصحاح الأول يُخبر من منظور يوسف، ويوسف، كالأب المتبني، كان يمكن أن يكون السلف القانوني الذي من خلاله كان سيتتبع نسب يسوع الملكي. فهذه موضوعات هامة بالنسبة لمتي.

“فيما تتبّع لوقا سلسلة النسب من خلال نسب مريم. ونظرا لأن كليهما من نسل داود، فإنك عندما تحصل على ذلك فإن الأنسال تلتقي عند نقطة واحدة.

“الخيار الثاني هو أن كلا السلسلتين يعكسان نسب يوسف كي يشكلان الشرعيات الضرورية، لكن واحد يمثل سلسلة نسب يوسف البشرية -إنجيل لوقا- والآخر يمثل سلسلة نسب يوسف الشرعية، والاثنين يتشعبان عند النقاط التي لم يكن لشخص ما في السلسلة نسلا مباشراً. كان لزاما أن ينشئا ورثة شرعيين من خلال ممارسات متنوعة للعهد القديم.

“تتضخم المشكلة أكثر لأن بعض الأسماء محذوفة، الأمر الذي كان مقبولا تماما بمقاييس العالم القديم. وهناك المغايرات النصية —– أسماء، المترجمة من لغة لأخري، غالبا ما يكون لها تهجئات مختلفة ومن ثم تشوش بسهولة لاسم شخص مختلف”.

أثار بلومبيرج نقطته الرئيسية: هناك على الأقل بعض التفسيرات المعقولة. حتى إذا لم يكن خالية من نقاط الضعف، إلا أنها على الأقل تزودنا بتوافق معقول للروايات الإنجيلية.

نظرا لأنني لم أرد أن تتفسّخ محادثتنا إلى نقطة جدال فقد قررت أن أنتقل، وفي نفس الوقت وافق بلومبيرج وأنا على أن أفضل منهاج شامل هو دراسة كل موضوع بشكل منفرد لرؤية ما إذا كان يوجد طريق عقلاني لحل التعارض الظاهري بين الأناجيل. بالتأكيد ليس هناك عجز في الكتب الجديرة بالاعتماد عليها والتي تفحص بشكل كامل، أحيانا بالتفصيل المفرط، كيف يمكن التناغم بين هذه الاختلافات.

قال بلومبيرج “هناك مناسبات قد نحتاج فيها لتأجيل الحكم ونقول ببساطة إنه نظراً لأننا قد قمنا بوعي من الأغلبية الشاسعة من النصوص وقررنا أنها جديرة بالثقة، فإننا نستطيع ثم إفتراض أنها تقول الحقيقة متي كنا غير متأكدون من بعض التفاصيل الأخري”.

5- اختبار الانحياز

يحلل هذا الاختبار ما إذا كان لدي كُتَّاب الأناجيل أي تحيزات والتي كانت ستصبغ عملهم. هل كان لديهم أي مصلحة شخصية في تحريف المادة التي كانوا يخبرون عنها؟

أشرت قائلاً “لا يمكننا أن نقلل من تقدير حقيقة أن هؤلاء الأشخاص أحبوا يسوع. إلا أنهم لم يكونوا مراقبين محايدين؛ لقد كانوا أتباعه المكرسين. ألا يدفعهم ذلك لتغيير بعض الأشياء لجعلها تبدو في صورة جيدة؟”

أجاب بلومبيرج “حسنا، سأسلم بهذا إلى حد كبير؛ فإنه يخلق إمكانية حدوث هذا، لكن من الناحية الآخري، يمكن للناس أن يكونوا مكرمين جداً ويحترمون شخص ما حتى يدفعهم ذلك إلى تسجيل حياته بأمانه عظيمة. وتلك هي الطريقة التي كانوا سيظهرون بها محبتهم له، وأنا أعتقد أن ذلك هو ما حدث هنا.

“هذا بالإضافة إلى، أن هؤلاء التلاميذ لم يكن لديهم شيء ليكتسبوه سوى النقد، والنبذ، والاستشهاد. لم يكن بالتأكيد هناك شيء يكسبونه مادياً. وإذا ما كان هناك أي شيء فإن هذا كان سيزود الضغط على السكوت، وإنكار يسوع، والتقليل من شأنه، بل وأيضاً نسيان أنهم قابلوه على الإطلاق، ومع ذلك فبسبب أمانتهم أعلنوا ما رأوه، حتى عندما كان هذا يعني المعاناة والموت”.

6- اختبار التغطية

عندما يشهد الناس على أحداث رأوها، فإنهم سيحاولون غالباً حماية أنفسهم أو آخرين بالتغافل، بطريقة ملائمة، عن ذكر التفاصيل المُحرجة أو الصعبة التفسير. وكنتيجة لهذا، يثير ذلك شكاً حول مصداقية شهادتهم كلها.

لذا سألت بلومبيرج “هل تضمن عمل كُتَّاب الاناجيل أي مادة قد تكون مُحرجة؟ أو عملوا على تغطيتها لجعل مظهرهم لائقاً؟ هل ذكروا أي شيء يمثل إزعاجاً أو صعوبة لهم للتوضيح؟”

فقال “في هذه الخط هناك جزء صغير للغاية واقعي؛ فهناك مجموعة كبيرة من تعاليم يسوع تُدعي الأقوال الصعبة ليسوع. وبعضها يطالب بمطالب أخلاقية مشددة. إذا ما كنت أبتدع ديانة لتناسب مع أهوائي، فعلى الأرجح أنني ما كنت أطالب نفسي بأن أكون كاملاً كأبي السماوي الكامل، أو أعُرّف الزنا ليتضمّن شهوة القلب”.

اعترضت قائلاً” هناك عبارات صعبة التحقيق في الديانات الأخري أيضاً”.

“نعم، ذلك صحيح، لهذا السبب فأن النوع الأكثر إقناعاً للأقوال العسرة هو تلك التي يمكن أن تتصف بالإرباك عندما أرادت الكنيسة تعليمه عن يسوع”.

بدت تلك الإجابة مُبهمة فقلت “أعطني بعض الأمثلة”.

فكر بلومبيرج للحظة ثم قال “على سبيل المثال، يقول مرقس 5:6 بإن يسوع قام بمعجزات قليلة في الناصرة لأن إيمان الناس هناك كان قليلاً، وهو ما يبدو كتحديد لقدرة يسوع. وهناك مثال آخر، في مرقس 32:13 قال يسوع إنه لا يعرف اليوم أو ساعة رجوعه، وهو ما يبدو أنه كتحديد لكلية علمه.

“الآن، في النهاية لم يجد علم اللاهوت مشكلة في هذه التصريحات، لأن بولس نفسه، في فيلبي 2: 5-8، يتحدث عن أن الله في المسيح قد تخلي طوعاً وعمداً عن صفاته الإلهة.

“لكن إذا ما شعرت بحرية في التصرف بشكل غير مسؤول بالتاريخ الإنجيلي، فسيكون أمراً أكثر ملائمة إذا ما حذفت تلك الأقوال عامة، ومن ثم فلست مضطراً للإنزعاج بأمر تفسيرها.

“مثال آخر، معمودية يسوع. مع أنه يمكن تفسير لماذا اعتمد يسوع، الذي بلا خطية، لكن ألا كان من الأسهل تغافل هذا الحدث عامة؟ وكذا الأمر مع صراخ يسوع وهو على الصليب “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” كان يمكن أن يكون حذفها لمصلحة الكُتَّاب الشخصية، إذ أنها تُثير الكثير من الأسئلة”.

أضفت قائلاً” بالتأكيد، هناك عدد وفير من المواد المُربكة بشأن التلاميذ”.

قال بلومبيرج “بلا ريب؛ فوجهة نظر مرقس لبطرس غير مفضلة على نحو متناغم إلى حد ما، وهو زعيم الجماعة! تكراراً ما يخطئ التلاميذ فهم يسوع. فيعقوب ويوحنا يريدان أن يكونا عن يمين ويسار يسوع، وكان لزاما أن يعلمهم دروسا قاسية عن القيادة الخادمية بدلا من ذلك. إلا أنه يُظهرهم كفنة نفعية أنانية، السعي الذاتي، وكأناس متبلدين الذكاء في أحيان كثيرة.

“الآن، نحن نعرف بان كُتّاب الإنجيل كانوا إنتقائيون؛ حيث ينتهي إنجيل يوحنا بالقول، على نحو متسم بالغلو إلى حد ما، إن العالم بأكمله لا يستطيع أن يسع لكل المعلومات التي يمكن أن تُكتب عن يسوع. لذلك تركوا بعضه، والذي في حد ذاته ما كان بالضرورة سيتم رؤيته كتزييف للقصة.

“لكن هنا النقطة: فإذا لم يشعروا بحرية في ترك المواد التي من المناسب والمساعد في ذات الوقت، لكان من المعقول جداً الإعتقاد بأنهم أضافوا وإختلقوا كلياً مادة بدون أساس تاريخي؟”

ترك بلومبيرج السؤال معلقاً للحظة قبل أن يختم بثقة “أقول لا”.

7- اختبار التأييد

قدمت هذا الاختبار التالي بسؤال بلومبيرج “عندما تُشير الأناجيل إلى أشخاص، وأماكن، وأحداث، فهل تحققوا من صحتها في الحالات التي يمكن فيها أن يُثبت صحتها بشكل مستقل؟” غالبا ما يكون هذا التأييد ثمين في التقييم إذا كان لدي الكاتب لديه إلتزام بالدقة.

أجاب بلومبيرج “نعم، تحققوا، وكلما اكتشف الناس هذا لمدة أطول، كلما تم تأكيد التفاصيل أكثر. ففي غضون المائة سنة الأخيرة كشف علم الآثار مراراً وتكراراً عن اكتشافات أكدت إشارات محدد في الأناجيل، وبخاصة إنجيل يوحنا، الإنجيل الذي من المفترض انه موضع اشتبها جداً، فيا لها من سخرية للقدر!

“إلا أنه، نعم، ما زالت هناك بعض القضايا عالقة، وكانت هناك مشكلات جديدة قد أوجدها علم الآثار، لكن تلك المشاكل أقلية بالغة مقارنة بعدد أمثلة التأييد.

“بالإضافة إلى أننا يمكن أن نعلم من خلال المصادر غير المسيحية الكثير من الحقائق حول يسوع والتي تؤيد التعاليم الأحداث الرئيسية لحياته. وعندما تتوقف لتفكر في أن المؤرخين القدماء تعاملوا في الغالب مع حكام سياسيين، وأباطرة، وملوك، ومعارك عسكرية، وأُناس دينيين رسميين، وحركات فلسفة هامة، فستلاحظ المقدار الكبير الذي يمكن أن نتعلمه عن يسوع وأتباعه برغم أنهم لا يتناسبون مع أي من تلك الفئات في الوقت الذي كان يكتب فيه هؤلاء المؤرخين”.

كانت تلك إجابة دقيقة ومساعدة. رغم ذلك، ففي حين أنه لم يكن لدي سبب لشك في تقييم بلومبيرج، قررت أنه سيكون من الجدير أن أقوم ببحث أكثر على امتداد هذه الخطوط. التقطت قلمي ودونت سريعاً رسالة تذكير لنفسي على هوامش مذكراتي: احصل على آراء الخبراء من عالم آثار ومؤرخ.

8- اختبار الشاهد المضادّ

يطرح هذه الاختبار سؤال، هل يُقدّم الآخرين ما يناقض أو يُصحح الأناجيل إذا ما كانت مشوهة أو زائفة؟ وبمعني آخر، هل نري أمثلة لمعاصري يسوع يشكون بأن روايات الأناجيل خاطئة تماماً؟

قال بلومبيرج “كان لدي العديد من الناس أسباب متنوعة لتشويه هذه الحركة وكانوا سيفعلون ذلك إذا ما كانوا يستطيعون ببساطة أن يخبروا التاريخ بشكل أفضل”.

“ومع ذلك انظر لما قاله معارضيه. في الكتابات اليهودية فيما يعد يسوع تدّعي بأنه الساحر الذي قاد إسرائيل إلى الضلال، وهي تعترف بأنه حقاً صنع عجائب مذهلة، ولو أن الكتاب يُعارضون مصدر قوته.

“لقد كانت تلك فرصة مثالية لقول شيء مثل سيخبرونك المسيحيين بأنه صنع معجزات، لكننا هنا لنخبرك بأنه لم يصنع ومع ذلك هذا هو الشيء الوحيد الذي لا نري معارضيه يقولونه. لكن بدلاً من ذلك يعترفون بشكل واضح بأن ما كتبته الأناجيل، وأن يسوع صنع معجزات، صحيح”.

سألت قائلاً ” هل كان يمكن لهذه الحركة المسيحية أن تتأصل هناك في أورشليم -في المنطقة التي قام يسوع فيها بمعظم خدمته، وصُلب، ودُفن، وقام- إذا ما كان الذين عرفوه على وعي بأن التلاميذ كانوا يبالغون أو يشوهون الأشياء التي صنعها؟”

فأجاب بلومبيرج ” أنا لا أعتقد ذلك. فلدينا صورة لما كانت عليه حقاً فقد كانت حركة ضعيفة وهشة جداً وكانت عرضة للاضطهاد. وإذا ما كان بإمكان المعارضون أن يهاجموها على أساس أنها مليئة بالأمور الزائفة أو التشويشات فإنهم كانوا سيفعلون ذلك.

إيمان مُدعم بالحقائق

أعترف بأنني كنت مُعجاً بلومبيرج؛ المقنع والعلمي المطلّع واللبق، فقد بني قضية قوية لموثوقية الأناجيل. برهانه على كتابها التقليدية، وتحليله للتاريخ المبكر جدا للاعتقادات الأساسية حول يسوع هو ابن الله الفريد. في الحقيقة، بعد الحديث مع بلومبيرج، أصبحت مهمتي التالية واضحة: تقرير ما إذا كانت هذه الأناجيل- التي رأينا مع بلومبيرج أنها جديرة جداً بالثقة- تمَ تسليمها لنا عبر القرون بشكل موثوق. كيف يمكن لنا أن نتأكد من أن النصوص التي نقرأها اليوم تحمل أي تشابه لما كان مكتوباً في الأساس في القرن الأول؟ والأكثر من ذلك، كيف نعرف أن الأناجيل تخبرنا بكامل قصة يسوع؟

نظرت إلى ساعتي. فإذا ما كانت الشوارع غير مزدحمة، فهذا يعني وصولي للمطار مبكراً في رحلة العودة إلى شيكاغو. وفيما كنت أجمع مذكراتي، وأغلق جهاز التسجيل، طار نظري مُحدقاً مرة أخري إلى رسومات الأطفال على حائط بلومبيرج -وفجأة فكرت فيه للحظة ليس كعالم، ولا كمؤلف، ولا كأستاذ جامعي، بل كأب يجلس على حافة أسرّة بناته في المساء ويتحدث بهدوء معهم عما هو هام حقا في الحياة.

تساءلت عما يخبرهم به عن الكتاب المقدس، وعن الله، وعن يسوع هذا الذي يدعي هذه الادعاءات الخيالية حول نفسه؟

لم أستطع أن أقاوم الخيط الأخير من الأسئلة فسألت “ماذا عن إيمانك؟ كيف أثر كل بحثك على معتقداتك؟”

بالكاد أخرجت الكلمات من فمي قبل أن يجيب “لقد رسخها، بلا شك. أعرف من بحثي أنه يوجد دليل قوي جداً لجدارة روايات الإنجيل.”

ظل صامتا للحظة، ثم استرسل قائلاً” أنت تعرف، إنه شيء ساخر: الكتاب المقدس يعتبر أنه من الجدير بالمدح أن يكون لديك إيمان لا يتطلب برهانا. تذكر كيف أجاب يسوع على شك توما: أنت تؤمن لأنك تري؛ طويس لمن أمن ولم يري وأنا أعرف أن البرهان لا يمكن أبداً أن يجبر أو يكره على الإيمان. فنحن لا يمكننا أن نأخذ مكان ودور الروح القدس، الذي يمثل غالبا اهتماما للمسيحيين عندما يسمعون مناقشات من هذا القبيل.

لكنني سأخبرك بهذا: هناك الكثير من قصص باحثين في مجال العهد الجديد الذين لم يكونوا مسيحيين، ومع ذلك فمن خلال دراستهم لهذه القضايا أمنوا بالمسيح. وهناك باحثين أكثر بلا عدد، مؤمنين بالفعل، تقوي إيمانهم، وترسخ، زاد تأسيسا، بسبب البرهان، وتلك هي الفئة التي أقع فيها.

أما بالنسبة لي، فقد كنت في الأساس من الفئة الأولى، لا، ليس باحثاً بل شكاكاً، محطماً للمعتقدات التقليدية، مراسلاً متصلب المشاعر على تحقيق يبحث عن الحقيقة عن يسوع الذي قال إنه الطريق والحق والحياة

أغلقت حقيبتي ووقفت كي أشكر بلومبيرج. لأعود بالطائرة إلى شيكاغو مرضياً لأن، بحثي الروحي اتسم ببداية جيدة.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

* بشكل عام، كيف أثرت ردود بلومبيرج على الاختبارات الثمانية الواضحة على ثقتك بموثوقية الأناجيل.. ولماذا؟

* أي من هذه الإختبارات الثمانية دُرست بشكل أكثر إقناعاً، ولماذا؟

* عندما تعتمد على أشخاص تدلي بتفاصيل مختلفة قليلاً عن نفس الحدث، تشك في مصداقيتهم تلقائياً، أم تُري تحاول إيجاد طريق معقول للتوفيق بين رواياتهم؟ كيف وجدت تحليل لومبيرج المقنع حول للتناقضات الظاهرية بين الأناجيل؟

لمزيد من الأدلة، مصادر أخري حول هذا الموضوع

Archer, Gleason L. The Encyclopedia of Bible Difficulties. Grand

Rapids: Zondervan, 1982. Blomberg Craig. “The Historical Reliability of the New Testament.” In Reasonable Faith, by William Lane Craig 193-231. Westchester

111: Crossway 1994 ______ “Where Do We Start Studying Jesus? »In Jesus under Fire, edited by Mi-chael J. Wilkins and J. P. Moreland, 17-50. Grand Rapids: Zondervan 1995.

Dunn James. The Living ord. Philadelphia: For-tress 1988. Marshall, I. Howard. I Believe in the Historical Jesus. Grand Rapids: Eerdmans 1977.

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

أدلة شهود العيان، هل تصمد سيرة حياة يسوع أمام التمحيص؟ لي ستروبل محاورا بلومبرج

Does Jesus want us to love ourself first or others? MATTHEW 22:39

MATTHEW 22:39—Does Jesus want us to love ourself first or others?

 

PROBLEM: Jesus says in Matthew that we are to love our neighbor as ourselves. But, if we love ourselves first, before we love our neighbor, then this would be putting self before neighbor. Is Jesus teaching that we should be selfish?

SOLUTION: Loving others as we love ourselves can be understood in different ways, but in no way is Jesus implying that we should be selfish. The Bible condemns “lovers of themselves” (2 Tim. 3:2). It exhorts us not to consider only our own interests, but also the interest of others (Phil. 2:4). There are three ways to understand the phrase, “love others as yourself.”

First, some believe that Jesus is saying that we ought to love others as we ought to love ourselves, namely, unselfishly. This, however, seems far too subtle and dialectical for Jesus’ normally straight-forward moral assertions. It would have been more forthright to simply say do not be selfish than the tangled command of loving oneself unselfishly.

Second, Jesus could have meant that we should love others as we ought to love ourselves, namely, properly. There is a legitimate self-respect or self-love. Ephesians tells us to care for our own bodies, “for no one ever hated his own flesh, but nourishes and cherishes it” (5:28–29). There is nothing wrong with a legitimate self-care and self-respect. The Bible condemns someone for “thinking of himself more highly than he ought,” but urges him to think “soberly” (Rom. 12:3). In this sense, Jesus may be saying love others as you ought to love yourselves.

Third, Jesus could have meant that we should love others as much as we do love ourselves. That is, He might have been saying that we should measure how we ought to love others by how we actually do love ourselves without implying that the way we love ourselves is correct. Rather, God may be simply pointing to love for self as the standard by which we should judge how much to love others. In this way, there would be an automatic check on our selfish love, since we would have to love others this much too.

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (355). Wheaton, Ill.: Victor Books.

When was the fig tree cursed by Jesus, before or after the temple was cleansed? MATTHEW 21:12–19 (cf. Mark 11:12–14, 20–24)

MATTHEW 21:12–19 (cf. Mark 11:12–14, 20–24)—When was the fig tree cursed by Jesus, before or after the temple was cleansed?

PROBLEM: Matthew places the cursing of the fig tree after the cleansing of the temple. But Mark places the cursing before the temple was cleansed. But, it cannot be both. Did one Gospel writer make a mistake?

SOLUTION: Jesus actually cursed the fig tree on His way to the temple as Mark said, but this does not mean that Matthew’s account is mistaken. Christ made two trips to the temple, and He cursed the fig tree on His second trip.

Mark 11:11 says that Christ entered the temple the day of His triumphal entry. When Christ enters the temple, Mark does not mention Christ making any proclamations against any wrongdoing. Verse 12 says “Now the next day,” referring to the trip to the fig tree on the way to the temple on the second day. On this day, Christ threw out those buying and selling in the temple. Matthew, however, addresses the two trips of Christ to the temple as though they were one event. This gives the impression that the first day Christ entered the temple He drove out the buyers and sellers as well. Mark’s account, however, gives more detail to the events, revealing that there were actually two trips to the temple. In view of this, we have no reason to believe that there is a discrepancy in the accounts.

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (354). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Did Jesus heal the blind man coming into or going out of Jericho? MATTHEW 20:29–34 (cf. Mark 10:46–52; Luke 18:35–43)

MATTHEW 20:29–34 (cf. Mark 10:46–52; Luke 18:35–43)—Did Jesus heal the blind man coming into or going out of Jericho?

PROBLEM: According to Luke, a blind man was healed as Jesus entered the city of Jericho (18:35), but Matthew and Mark declare that the healing took place as Jesus left the city of Jericho. Again, the accounts do not seem to be harmonious.

SOLUTION: Some believe that the healing in Luke may have actually taken place as Jesus left Jericho, claiming that it was only the initial contact that took place as “He was coming near Jericho” (Luke 18:35) and the blind man may have followed Him through the city, since he was continually begging Jesus to heal him (vv. 38–39). But this seems unlikely, since even after the healing (v. 43) the very next verse (19:1) says, “then Jesus entered and passed through Jericho.”

Others respond by noting there were two Jerichos, the old and the new, so that as He went out of one He came into the other.

Still others suggest that these are two different events. Matthew and Mark clearly affirm the healing occurred as Jesus left the city (Matt. 20:29; Mark 10:46). But Luke speaks of healing one blind man as He entered the city. This is supported by the fact that Luke refers only to a “multitude” of people being present as Jesus entered the city (18:36), but both Matthew (20:29) and Mark (10:46) make a point to say there was a “great multitude” of people there by the time Jesus left the city. If the word spread of the miraculous healing on the way into the city, this would account for the swelling of the crowd. It might also explain why two blind men were waiting on the other side of the city to plead for Jesus to heal them. Perhaps the first blind man who was healed went quickly to tell his blind friends what happened to him. Or maybe the other blind men were already stationed at the other end of the city in their customary begging position. At any rate, there is no irresolvable difficulty in the passage. The two accounts can be understood in a completely compatible way.

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (353). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Did Jesus make a mistake about His disciples seeing the kingdom come in their lifetimes? MATTHEW 16:28

MATTHEW 16:28—Did Jesus make a mistake about His disciples seeing the kingdom come in their lifetimes?

PROBLEM: Jesus told His disciples that some of them would not see death until they saw Him coming in His kingdom. Yet during the life of the apostles, Jesus never returned to set up His kingdom.

SOLUTION: This is a question of when this was going to take place, not whether it would. There are three possible solutions.

First, some have suggested that this may be a reference to the Day of Pentecost where Christ’s Helper, the Holy Spirit, came to descend upon the apostles. In John’s Gospel (14:26), Jesus promised to send the Holy Spirit, and, in the beginning of Acts (1:4–8), He tells them not to leave Jerusalem until they have received the Holy Spirit. But this hardly seems to fit the description of seeing Christ coming in His kingdom (Matt. 16:28).

Second, others believe this might be a reference to the destruction of Jerusalem and the temple in a.d. 70. This would mean that He would return to bring judgment upon the city that rejected Him and crucified Him. While this is a possible explanation, it does not seem to account for the fact that Jesus appears to be coming for believers (those “standing there” with Him), not simply coming in judgment on unbelievers. Nor does the judgment on Jerusalem in a.d. 70 adequately express seeing the “Son of Man coming in His kingdom” (v. 28), a phrase reminiscent of His second coming (cf. 26:64). Nor does it explain why Jesus never appeared in a.d. 70.

A third and more plausible explanation is that this is a reference to the appearance of Christ in His glory on the Mount of Transfiguration which begins in the very next verse (17:1). Here Christ does literally appear in a glorified form, and some of His apostles are there to witness the occasion, namely Peter, James, and John. This transfiguration experience, of course, was only a foretaste of His Second Coming when all believers will see Him come in power and great glory (cf. Acts 1:11; Rev. 1:7).

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (349). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Is Peter the rock on which the church is built? MATTHEW 16:18

MATTHEW 16:18—Is Peter the rock on which the church is built?

PROBLEM: Roman Catholics use this passage to support their belief in the primacy of Peter, that is, that he is the rock on which the church is built. But Paul said the church is built on Christ, not Peter (1 Cor. 3:11). Is Peter the “rock” in this passage?

SOLUTION: There are different ways to understand this passage, but none of them support the Roman Catholic view that the church is built on St. Peter, who became the first Pope—infallible in all his official pronouncements on faith and doctrine. This is evident for many reasons.

First of all, Peter was married (Matt. 8:14), and Popes do not marry. If the first Pope could marry, why later pronounce that no priest (or Pope) can marry.

Second, Peter was not infallible in his views on the Christian life. Even Paul had to rebuke him for his hypocrisy, because he was not “straightforward about the truth of the Gospel” (Gal. 2:14).

Third, the Bible clearly declares that Christ is the foundation of the Christian church, insisting that “no other foundation can anyone lay than that which is laid, which is Jesus Christ” (1 Cor. 3:11).

Fourth, the only sense in which Peter had a foundational role in the church, all the other apostles shared in the same way. Peter was not unique in this respect. For Paul declared that in this sense the church is “built on the foundation of the apostles and prophets, Jesus Christ Himself being the chief cornerstone” (Eph. 2:20). Indeed, the early church continued steadfastly in the apostles’ doctrine [not just Peter’s]” (Acts 2:42). Even “keys of the kingdom” given to Peter (Matt. 16:19) were also given to all the apostles (cf. Matt. 18:18).

Fifth, there is no indication that Peter was the head of the early church. When the first council was held at Jerusalem, Peter played only an introductory role (Acts 15:6–11). James seems to have a more significant position, summing up the conference and making the final pronouncement (cf. Acts 15:13–21). In any event, Peter is never referred to as the “pillar” in the church. Rather, Paul speaks of “pillars” (plural), such as, “James, Cephas, and John” (Gal. 2:9). Peter (Cephas) is not even listed first among the pillars.

Sixth, many Protestant interpreters believe that Jesus’ reference to “this rock” (Matt. 16:18) upon which His church would be built was to Peter’s solid (rock-like) testimony that Jesus was “the Christ, the son of the living God” (Matt. 16:16). But even if this rock has reference to Peter (Petros, rock), which is certainly a possible interpretation, he was only a rock in the apostolic foundation of the church (Matt. 16:18), not the rock. Nor is he the only apostolic rock. Even Peter himself admitted that Christ is the chief rock (“cornerstone,” 1 Peter 2:7). And Paul notes that the other apostles are all part of the “foundation” (Eph. 2:20).

[1]

 

[1]Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When critics ask : A popular handbook on Bible difficulties (347). Wheaton, Ill.: Victor Books.

Nowhere in the Hebrew Bible are we told that we must “believe in the Messiah.”

Nowhere in the Hebrew Bible are we told that we must “believe in the Messiah.”

This is hardly an accurate statement, and it is not even in harmony with Jewish tradition. Believing in God, his prophets, and his Messiah is basic to the biblical faith, while one of the thirteen principles of the Jewish faith as articulated by Maimonides (Rambam), is that we must believe in the coming of the Messiah, awaiting him every day with unwavering faith.

This objection is really quite odd. (It may also be quite new; I first heard it from anti-missionaries in the late 1980s.) Apparently, it is a reaction to the New Testament emphasis on putting one’s faith in the Messiah, on “believing in Jesus.” The argument runs something like this: “There will be no need to believe in the Messiah, because when he comes, there will be peace on earth. You will be able to look out the window and see that the Messiah has come. There will be no war, no hatred, no strife.”

Of course, this distorts even traditional Jewish thinking about the Messiah and the Messianic age, let alone biblical thinking, both of which point to a clear human response to the Messiah and his kingdom. Further, the kind of logic used here works against Rabbinic Judaism as well, since nowhere in the entire Hebrew Bible does it say, “Believe in the oral law,” yet the oral law forms the very substance of traditional Judaism. Nonetheless, answering this particular objection gives us the opportunity to discuss some important Messianic truths, so I’ll take a little time to explain the reasons for my belief more fully.

First, however, to demonstrate just how “un-Jewish” the objection is—and by that I mean un-Jewish in a traditional sense—I quote here the words of Rabbi Shmuley Boteach from his book on the Messiah in Hasidic thought. He claims that “the belief in the coming of the Messiah is more central to Judaism than even the observance of the Sabbath or Yom Kippur,”25 even referring to the belief in the coming of the Messiah as “the cardinal principle of Jewish faith,” and noting that “one is required not only to believe in the coming of the Messiah, but to actually await his arrival.”26 Similarly, Rabbi Shmuel Butman, a Lubavitcher leader in “the Rebbe is the Moshiach” movement,27 answered the question, “Why must we look forward to the coming of the Moshiach?” as follows:

… In the opening paragraph of his laws about the Moshiach (Hilchos Melachim 11:1), Rambam states:

“… Whoever does not believe in him [the Moshiach], or does not look forward to his coming, denies not only the other prophets but the Torah and Moshe, our Teacher, for the Torah attested concerning him [the Moshiach] …” (and he goes on to quote verses in the Torah that refer to the Moshiach).

This is a remarkable halachic ruling. Even one who firmly believes in the coming of the Moshiach, yet his belief is no more than a dispassionate agreement that Moshiach eventually will come, not only does not fulfill his obligation; the Rambam rules that he actually denies the entire Torah and the authority of Moshe Rabbeinu, through whom G-d gave the Torah!28

So, one Orthodox rabbi states that “the belief in the coming of the Messiah is more central to Judaism than even the observance of the Sabbath or Yom Kippur”(!), while another Orthodox rabbi emphatically teaches that Jews must fervently believe in the coming of the Messiah—otherwise they deny the entire Torah!29 And when Messiah comes, what then? Does the Jew then cease to believe in the Messiah, or does he joyfully embrace his arrival? The answer is self-evident, and it is exactly what we mean when we say, “Believe in Jesus the Messiah.” In other words, Messiah has come! Your sins can be forgiven, as Jeremiah promised (Jer. 31:31–34), and you can receive a new heart and a new spirit, as Ezekiel declared (Ezek. 11:19; 18:31; 36:26). What could be more basic than that? In fact, it is more important to “believe in the Messiah” after his arrival than before his arrival.30 Otherwise, we would be like a young man who believes passionately that God will send him a bride, and then when that God-sent woman of his dreams finally arrives, he says, “She’s not the one!” What a pity that would be.

For many years prior to Yeshua’s birth, our people longed for the coming of the Messiah, believing that his arrival was at hand. When at last he came into this world and revealed himself, his emissaries went everywhere, announcing the good news. “Messiah is here! Messiah has come!” The faith and expectancy of the people then rose to a fever pitch. But when he died, many were disillusioned: “We thought he was the Messiah. What happened? We had hoped he was the one who was going to redeem Israel.” (See Luke 24:13–21 for a good example of the psychological state of the Messiah’s followers immediately after his death.)

But then he rose from the dead, and his followers began to spread the word: It is true! He is risen, just as he said. Messiah lives! Redemption has come! Believe in him and be reconciled to God. Turn from your sins today. (See, e.g., Acts 2:22–40; 3:17–26; 16:1–34.) What a shame that so many of our people did not—and still do not—believe in him, our true Messiah and Redeemer. That’s why his emissaries gave such strong warnings: “Take care that what the prophets have said does not happen to you: ‘Look, you scoffers, wonder and perish, for I am going to do something in your days that you would never believe, even if someone told you’ ” (Acts 13:40–41, quoting Hab. 1:5).

In speaking such words, exhorting their people to believe in God and his servant, the Messiah, Yeshua’s followers were following in the footsteps of the Torah and the Prophets. Such belief was absolutely fundamental. (See vol. 2, 3.7, for more on this.) When God sent Moses and Aaron to deliver their people, it was essential that the people believed in him and them. (See Exod. 4:1–31 and throughout the Torah. By the way, should Jews now stop believing in Moses since he lived and died more than three thousand years ago? I think you get the point! Not surprisingly, this ongoing call to believe Moses formed Rambam’s seventh fundamental principle of belief: “The prophecy of Moses our Teacher has priority.”) After Moses’ death, it was crucial that the people then believed in Joshua, their new leader. (See Josh. 4:14; to believe means to reverently and explicitly trust.)

Not to believe in God and his servants meant certain destruction. To give just a few examples, Lot’s sons-in-law refused to believe Lot or the angels, so they were destroyed with the city of Sodom (Gen. 19:14); the Israelites refused to believe in God’s words spoken through Moses and Aaron, so they died in the wilderness (see Numbers 14, esp. v. 31); Moses and Aaron themselves were banned from the Promised Land for lack of faith in the Lord’s command (Num. 20:1–12); our people were led into the Babylonian captivity because “they mocked God’s messengers, despised his words and scoffed at his prophets until the wrath of the Lord was aroused against his people and there was no remedy” (2 Chron. 36:16).

How different things could have been if they had only heeded King Jehoshaphat’s exhortation spoken many decades earlier: “Listen to me, Judah and people of Jerusalem! Have faith in the Lord your God and you will be upheld; have faith in his prophets and you will be successful” (2 Chron. 20:20). If only they had listened to Isaiah’s words of warning: “If you do not stand firm in your faith, you will not stand at all.” (Isa. 7:9; the English translation reflects a word play in the Hebrew: ʾim loʾ taʾaminu ki loʾ teʾamenu.) But we did not believe.

It is sad to say, but one of our people’s greatest sins has been chronic unbelief—toward the Lord and the servants he sends to us. To this day, the vast majority of Jews around the world (especially in Israel) do not actively believe in God or his Word. History is repeating itself:

When the Lord heard [his people’s complaints in the wilderness], he was very angry; his fire broke out against Jacob, and his wrath rose against Israel, for they did not believe in God or trust in his deliverance.… In spite of all this, they kept on sinning; in spite of his wonders, they did not believe.

Psalm 78:21–22, 32

And though the Lord has sent all his servants the prophets to you again and again, you have not listened or paid any attention.

Jeremiah 25:4

It was no different with the coming of the Messiah into the world. Only a minority of our people believed (or believes) in him. And although the crowds once followed Jesus because of his many miracles—just as our people all believed in Moses when they saw the miracles he performed—they soon turned against him, with some even clamoring for his death, just as they once clamored for Moses’ death. According to Numbers 14:10, “the whole assembly [of Israel] talked about stoning” Moses and Aaron; according to Matthew 27:22, an angry Jewish crowd called for Jesus’ crucifixion. I take no pleasure in recounting this, but we cannot ignore the facts.

In light of all this, it makes perfect sense that Isaiah 52:13–53:12, the most famous Messianic prophecy in the Bible (see objections 4.5–4.17) begins with the words, “See, my servant will act wisely; he will be raised and lifted up and highly exalted,” but then asks immediately (53:1), “Who has believed our message and to whom has the arm of the Lord been revealed?” That is the million-dollar question—to put it lightly.

Have you believed our message? Our Messiah has come, paying the price for our sins, rising from the dead, opening the way for us to have an intimate relationship with God, and providing for our eternal salvation. Believe in him and you too can be “saved”—meaning forgiven, cleansed, transformed, and empowered to live a holy life. What are you waiting for?

[1]

 

25 Rabbi Shmuel Boteach, The Wolf Shall Lie with the Lamb: The Messiah in Hasidic Thought (Northvale, N.J.: Aronson, 1993), 7.

26 Ibid., 4, his emphasis. Rabbi Boteach also emphasizes the need to long for the Messiah’s arrival (ibid.).

27 For background on this movement and for further information on the Lubavitcher Hasidim, see vol. 1, 1.6 and 2.2. See further the eye-opening volume of Professor David Berger, The Rebbe, the Messiah, and the Scandal of Orthodox Indifference (Oxford: Oxford University Press, 2001). In light of the principle of redemptive analogies, presented in vol. 2, 3.15, the very facts that cause professor Berger such alarm are the same facts that greatly encourage me. Romans 11:26!

28 “All About Moshiach: Questions and Answers (XI),” The Jewish Press, 15 January 1993, 19. It is also important to remember that Rambam (Maimonides), whose teaching on the Messiah is accepted without question by most traditional Jews, lists progressive signs through which one can identify the Messiah. As translated by Touger, Laws of Kings and Their Wars, 232, rendering Law of Kings 11:4, “If a king will arise from the House of David who is learned in Torah and observant of the mitzvoth, as prescribed by the written law and the oral law, as David his ancestor was, and will compel all of Israel to walk in [the way of the Torah] and reinforce the breaches [in its observance]; and fight the wars of God, we may, with assurance, consider him the Messiah [or, we may presume him to be the Messiah]. If he succeeds in the above, builds the Temple in its place, and gathers the dispersed of Israel, he is definitely the Messiah.” The point is simple: The notion that one fine day you will be able to open the window, look at the world, and say, “What do you know! The Messiah has come!” is not even in accord with Jewish tradition, let alone biblical truth.

29 Cf. similarly Eliyahu Touger, When Moshiach Comes (Jerusalem and New York: Feldheim, 1997).

30 I find it interesting that all over Israel large billboards proclaim the Lubavitcher Rebbe as Messiah, years after his death in 1994 (without a resurrection). His followers are still calling for Jews to believe in him.

[1]Brown, M. L. (2003). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 3: Messianic prophecy objections (13). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Exit mobile version