الرئيسية / أبحاث / ما هي الأدلة على تورّط اليهود بقتل المسيح؟

ما هي الأدلة على تورّط اليهود بقتل المسيح؟

ما هي الأدلة على تورّط بقتل ؟

ما هي الأدلة على تورّط اليهود بقتل المسيح؟
ما هي الأدلة على تورّط بقتل ؟

ذكر Leroux مقالة صهيونية منشورة مباشرة بعد تأسيس دولة إسرائيل جاء فيها: “إن العداء للسامية ينبع من التهمة بقتل ابن الله التي طرحتها الكنيسة المسيحية ضد الشعب اليهودي”[1]. إن الضغوط اليهودية على الكنائس المسيحية في الغرب للتخفيف من حدة مقت ومعارضة المصالح اليهودية قد أثمرت، وياللأسف، تصريحاً بابوياً أصدره المجمع الڤاتيكاني الثاني في “28” تشرين الأول العام “1965” والقائل: “إن ما حدث لآلام لا يمكن أن يُلام به بدون تمييز كل العائشين آنذاك, ولا يهود اليوم. ولو أن الكنيسة هي شعب الله الجديد، إلا أنه لا يجب أن يُنظر إلى كمرفوضين أو ملعونين من الله، كما لو كانت وجهات نظر كهذه هي نابعة من الأسفار الإلهية”[2]. كان هذا التصريح الڤاتيكاني مثل خيبة أمل لملايين المسيحيين، اللاهوتيين والغير لاهوتيين[3]، إلى درجة قال معها عالم الكتاب المقدس الكاثوليكي ريموند براون: “إن كنيسة تقليدية جداً (أي الكاثوليكية) كانت تعارض بصورة رسمية وعلناً مواقفَ نحو قد صرّح بها بعضٌ من أكثر آبائها وعلمائها احتراماً”[4]. إن فكرة عدم تورّط بموت يسوع هي فكرة غريبة على الفكر الكتابي — الآبائي وهي فكرة معاصرة جداً أتت نتيجة هذه الضغوط االيهودية على كل حال، إن نظرة سريعة تاريخية تكشف لنا مدى تورّط بصلب يسوع. سنقسم هذه الدلائل التاريخية إلى: يهودية، مسيحية خارج الأناجيل، وثنية مسيحية من الآباء الأولين ومسيحية من الأناجيل الأربعة.

(1) البراهين اليهودية: أهمها وأشهرها شهادة المؤرّخ اليهودي فلافيانوس يوسيفوس (نهاية القرن الاول الميلادي) في كتابه “تاريخ (18: 3:3؛ رقم 63—64)” يقول يوسيفوس: “حوالي ذلك الزمان عاش يسوع، وهو رجل حكيم، إن كان يحق للمرء أن يدعوه إنساناً. لأنه كان الذي قد صنع أعمالا فائقة وكان معلَّماً لشعبٍ يقبلون الحقيقة بسرور. وقد فاز على الكثير من والكثير من اليونانيين. كان هو االمسيّا وعندما حكم عليه بيلاطس بالصلب بناء على سماعه اتّهامه من قبل أناس أفاضل بيننا، فإن الذين جاءوا إلى محبته لم يكفّوا عن الوجود. وفي اليوم الثالث ظهر لهم وقد استعاد الحياة. لأن أنبياء الله قد تنبؤا عن هذه وعن ربوات من (الأعمال) العجائبية الأخرى عنه. وإن سبط المسيحيين، وقد دُعوا بحسبه، مازال قائماً حتى الآن ولم يختفِ”[5]. هذه الشهادة موجودة في كل مخطوطات تاريخ اليهود وقد عرفها أوريجانوس في القرن الثالث (شرح متى 10: 17 على 13: 55)، واقتبس منها افسابيوس في القرن الرابع (تاريخ الكنيسة 1: 11: 11: 7—8). ويعترف التلمود البابلي[6] بأن يسوع قد عُلق بتهمة السحر، ويُظهر أن اليهود القدامى يعترفون بأن أسلافهم كانوا مسؤلين عن موت ييسوع واتهام يسوع بالسحر يتناسب تماماً مع التهم اليهودية ضده في القرن الثاني والتي ذكرها أوريجانوس في مؤلّفه. (71؛ ،28 1)  Contra Celsum  ونجد أن اليهودي في العام مئة ميلادية والذي اقتبس عنه  Celsum  يقول عن يسوع: “لقد عاقبنا هذا الشخص (يسوع) الذي كان غشاشاً”، “وأدنّاه، وقررنا أن يُعاقب”، و “كمذنبٍ عوقب من اليهود”[7].

(2) البراهين المسيحية من خارج الأناجيل الأربعة: كل الأناجيل تصوّر التورط اليهودي بموت يسوع معتمدة على تقليدٍ قبل الأناجيل يعود إلى ما قبل العام  60  الميلادي. من أشهر هذه البراهين رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل تسالونيكي: “فإنكم أيها الأخوة صرتم متمثّلين بكنائس الله التي هي في اليهودية في ييسوع لأنكم تأّلمتم أنتم أيضاً من أهل عشيرتكم تلك الآلام عينها كما هم أيضاً من اليهود، الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم واضطهدونا نحن، وهم غير مرضين لله وأضداد لجميع الناس. يمنعون عن أن نكلّم الأمم لكي يخلصوا، حتى يتممّوا خطاياهم كل حين. ولكن قد أدركهم الغضب إلى النهاية”. كُتبت هذه الرسالة حوالي العام  50  م، وبولس يؤمن فيها أن اليهود قد قتلوا يسوع. هذا النص يمثّل شهادة باكرة جداً على التورط اليهودي بموت يسوع، وهي متجانسة مع (غلاطية 3: 13). راجع أيضاً: (1 كورنثوس 1: 23؛ غلاطية 5: 13؛ أعمال 3: 13 و 4: 10 و 15: 30 و 7: 52 و 13: 27—28) التي تنسب إلى اليهود والسلطات اليهودية دوراً مهماً بموت يسوع.

(3) براهين وثنية: توجد إشارات آبائية إلى الوثائق المتعلقة بمحاكمة يسوع في الأرشيف الروماني. منها: يوستينوس (الدفاع 1: 35: 9 و 1: 48: 3)، وترتليانوس (الدفاع 5: 2؛ 21: 24).

(4) البراهين من الآباء الأولين: وهي كثيرة. منها: لي حوار يوستينوس مع تريفون اليهودي (القرن الثاني الميلادي) يقول: “انتم صلبتموه” (17: 1). لم يحتج تريفون ولم ينكر هذه التهمة بل أقرّها قائلا: “لو أراد الآب أن يتألّم هذه الأمور فلم نفعل أي شئ خطأ” (95: 3). ومليتوس أسقف سارديس  Melito of Sardis  تكلّم في العام  170  م عن “قتل الله” قائلا: “الله قد قُتل: ملك إسرائيل قد أُزيح بيدٍ إسرائيلية”[8]. وأوريجانوس (على متى 27: 25، رقم 126) يقول: “لهذا لم يأتِ دم يسوع فقط على أولئك الذين وجدوا في ذلك الزمان، بل أيضاً على أجيال اليهود كلّها التي ستلي فيما بعد حتى نهاية الزمان”. وقد كرّر آباء الكنيسة كلهم ولاهوتيوها هذا المفهوم، سواء في الشرق أو في الغرب (الذهبي الفم، اوغسطينوس، توما الأكويني،الخ).

(5) براهين مسيحية من الأناجيل الأربعة: وهي كثيرة وغزيرة جداً. نذكر بعضها هنا. في إنجيل مرقس، صمّم رؤساء الكهنة والكتبة على قتل يسوع فرَشَوا يهوذا لاقتناص فرصة القبض على يسوع دون شغب (14: 1—2، 10—11) وطلبوا شهادة ضد يسوع. إنما عندما ثبتت أنها كاذبة وغير مُقنعة، أدانوه بتهمة التجديف وسلّموه إلى بيلاطس (14: 65—66؛ 15: 1). أما في متّى فيوجد تورّط يهودي أكثر بموت يسوع. فرؤساء الكهنة وكل السنهدرين “يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه”. واشترى رؤساء الكهنة حقل الفخاري بالثلاثين من الفضة، ثمن خيانة يهوذا ليسوع (27: 3—10). ونجد بيلاطس يغسل يديه ليظهر أنه برئ من دم يسوع (27: 19، 24). وفي متى نجد أن جميع شعب اليهود مذنبٌ بدم يسوع قائلين “دمه علينا وعلى أولادنا” (27: 25). ويستمر العداء اليهودي ليسوع حتى بعد الصلب عندما أقام اليهود حرساً على قبر يسوع (27: 62—66؛ 28: 2—4، 11—15). وفي اليوم الثالث يقوم رؤساء الكهنة برشوة حراس القبر كي يقولوا إن جسد يسوع قد سُرق ولم يقم. ويكتب متّى: إن كذبة سرقة جسد يسوع قد شاعت “عند اليهود إلى هذا اليوم” (28: 15)، مشيراً إلى كراهية اليهود ليسوع وللمسيحيين حتى زمان كتابة إنجيل متى. أما لوقا فإن اليهود اتهموا يسوع بعدم دفع الجزية لقيصر (20: 21—25)، وعندما وجد اليهود أن بيلاطس وهيرودس قد اعترفا ببراءة يسوع، فإن رؤساء الكهنة والشعب أصروا على حكم الموت (23: 18، 21، 23)، “فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه… فقويت أصواتهم وأصوات رؤساء الكهنة” (18 و 23). وتوجد[9] نصوص عديدة في أعمال الرسل تصوّر تورّط اليهود بموت يسوع. أما في إنجيل يوحنا فإن الصراع مع السلطات بأورشليم وسلطات المجمع واليهود يسم كل الإنجيل. ففي (11: 47—53)، نجد أن رؤساء الكهنة والفريسيين قد اعتزموا سلفاً دفع يسوع إلى الموت. وقد قدّم اليهود سبباً لاهوتياً لموت يسوع: “وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله” (19: 7). ويظهر رؤساء الكهنة خبثهم بنكرانهم المطامع المسيانية لشعبهم قائلين: “ليس لنا ملك إلا قيصر” (19: 15). ويستمر هذا الخبث عندما حاولوا أن يغيّروا ما كتب بيلاطس على الصليب “يسوع الناصري ملك اليهود”. ويستمر هذا الخبث المبطَّن عندما طلب اليهود من بيلاطس أن يكسر أرجل المصلوبين (19: 3) لتشويه جسد يسوع.

من الجدير بالذكر أن Besnier يذكر أنه في نيسان العام  1933 ، عند الساعة الثانية بعد الظهر، عُقدت إعادة محاكمة يسوع الناصري من قبل محكمة خاصة في القدس. كانت نتيجة التصويت: أربعة أصوات للقضاة ضد صوت واحد لصالح تبرئة يسوع. ويذكر Blinzler  وHaufe  إعادة أخرى لمحاكمة يسوع في ربيع  1949 ، بعد شهرين من تأسيس دولة إسرائيل. إذ عرض قانونيٌ هولندي (يُرمز له ب 187, H) خلاصةً من  15  صفحة لوزير العدل الإسرائيلي، طالباً إعادة النظر في محاكمة يسوع. ويذكر  Blinzler  أنه في العام نفسه قام أعضاءٌ في كلية الحقوق بجامعة باريس بفحص هذه المحاكمة ووجدوا أنه بسبب خطأ فني فإن حكم الموت قد صدر على يسوع وأن هذا الحكم كان يفتقر إلى الشرعية القضائية. ويذكر  Lapide  طلباً آخر لإعادة المحاكمة في العام  1974 [10] . (د. عدنان طرابلسي)

[1] Leroux: La Terre retrouvee (April, 1947)

[2] Nostra aetate Declaration on the Relationship of the Church to Non-Christian Religions”, approved Oct.28, 1965”)

[3] في أرميا وحزقيال زال حكم المثل: “الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون”، وحلَّ محله مبدأ المسؤلية الشخصية عن الجرم. فالمعاصرون اليهود للمسيح المساهمون في الأعمال الإجرامية الصارخون: “اصلبه اصلبه” هم القتلة الفعليون. ولكن اليهود صاروا أعداء الانجيل” (رو 11: 28) وأعداء المسيحية، المؤيدين لضلال أسلافهم. التعليم الكاثوليكي التقليدي موافق لهذه التمييزات. ولذلك لا مسوّغ لاهوتي لتصريح الفاتيكان. فهو تصريح سياسي أكثر منه لاهوتي.

[4] Raymond E. Brown: The Death of the Messiah, p.385

[5] هذه هي الترجمة العربية للنص اليوناني كما ورد لدى يوسيفوس. يوجد اقتباس عربي لنص يوسيفوس، غير مطابق له تماماً، لدى أغابيوس (محبوب قسطنطين المنبجي) أسقف منبج في كتابه “كتاب العنوان المكلَّل بفضائل الحكمة المتوَّج بأنوار الفلسفة”.

[6] (Nezikin volume 3:281) The London Soncino translation (Sanhedrin 43a) The Babylonian Talmud

[7] Contra Celsum 2.4; 2.9; 2.5; 1.28,71.

[8] Melito of Sardis: On the Pascha 96. E. Warner (HUCA 37, 1966, 191-210).

[9] راجع أعمال الرسل 2: 23 و 36؛ 3: 13—17؛ 4: 10 و 25—28؛ 5: 30؛ 7: 52؛ 10: 39؛ 13: 27—29.

[10] راجع كتاب ريموند براون، “موت المسيا”، الصفحة 393.

إقرأ أيضاً: