الرئيسية / أبحاث / خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 3 – الرسائل تعلم التفكير بنا على القرينة

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 3 – الرسائل تعلم التفكير بنا على القرينة

3 – الرسائل تعلم التفكير بنا على القرينة

الرسائل الكتابية
الرسائل الكتابية
  • طبيعة الرسائل.
  • القرينة التاريخية.
  • القرينة الأدبية.
  • الفصول الكتابية صعبة الفهم.

نبدأ بحثنا هذا في دراسة أنواع النصوص الكتابية المختلفة في الكتاب المقدس بدراسة رسائل . ولعل إحدى الأسباب التي تدعونا للبدء بدراسة الرسائل هو ما يظهر فيها من سهولة في التفسير. فمَنْ الذي يحتاج مثلاً إلى مساعدة خاصة لفهم جملة “إذ الجميع أخطأوا” (رو 3: 23)، أو “أجرة الخطية هي موت” (رو 6: 23)، أو “لأنكم بالنعمة مُخلَّصون” (أف 2: 8)، ومَنْ ذا الذي يجد صعوبة لفهم الآيات الواردة في صيغة الأمر مثل: “اسلكوا بالروح” (غل 5: 16) و”اسلكوا في المحبة” (أف 5: 2)؟

لكن من جهة ثانية، يمكن لفكرة (سهولة) الرسائل أن تكون خادعة جداً. والأمر بالفعل كذلك، بالأخص في مستوى مبادئ التفسير الحياتي. ولو حاول أحدهم قيادة مجموعة في دراسة لرسالة كورنثوس الأولى على سبيل المثال، سيرى مدى وكثرة الصعوبات. فقد يسأل بعضهم مثلاً السؤال التالي: “كيف يمكننا اعتبار رأي الرسول بولس في (7: 25) ككلمة ؟” خاصة إذا كان أولئك الناس –في زمن بولس- لا يتفقون شخصياً مع مضامين ذلك الرأي. وقد تستمر الأسئلة: كيف يمكن تطبيق عزل الأخ من الكنيسة (الأصحاح الخامس) على الكنيسة المعاصرة، إذ كان في إمكانية هذا (الأخ) عبور الشارع والذهاب إلى كنيسة أخرى؟ ما الغاية من الإصحاحات 12-14 من كورنثوس الأولى، إذا كان الدارس في كنيسة لا تؤمن بأن المواهب الروحية مازال معمولاً بها في القرن الحادي والعشرين؟ كيف يمكننا تجنب التلميح الواضح في 11: 2-16 بوجوب تغطية المرأة رأسها عندما تصلي أو تتنبأ أو الإشارة الضمنية الواضحة بأن على المرأة أن تصلي أو تتنبأ في الجماعة المجتمعة للعبادة.

من هذا الكم الكبير من الأسئلة يتضح جلياً بأن الرسائل ليس بالسهولة المحسوبة. لكن، وبسبب أهمية الرسائل للإيمان المسيحي، ولأن الكثير من قضايا علم التفسير الهامة تثار فيها، سنقوم باستخدامها كنماذج للقضايا الاستنتاجية والحياتية التي نود أن نثيرها في هذا الكتاب.

طبيعة الرسائل

قبل أن نأخذ الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس كنموذج محدد لعملية التفسير الاستنتاجي للرسائل، يجدر بنا التحدث بشكل عام عن كل رسائل ( كله ماعدا الأناجيل الأربعة، وسفر أعمال الرسل، وسفر الرؤيا).

أولاً، علينا الإشارة إلى أن الرسائل نفسها ليست مجموعة متجانسة واحدة. فقد قام (أدولف ديسمن) قبل سنوات عديدة وعلى أساس الاكتشافات الواسعة لمخطوطات ورق البردي، بالتمييز بين (الخطابات) و(الرسائل) الأولى وهي (الخطابات الفعلية) كما سماها ديسمن. فهي لم تكن كتابات أدبية، بمعنى أنها لم تكن موجهة إلى الجمهور أو إلى الأجيال القادمة، بل إلى شخص أو أشخاص تم إرسال هذه الخطابات إليهم. وعلى عكس هذا النوع من الخطابات، فإن (الرسائل) كانت عبارة عن كتابات أدبية فنية أو نوعاً من أنواع النصوص المختلفة المقصود توجيهها إلى الجمهور أو العامة. ولقد صنف ديسمن كل رسائل بولس الرسول ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة باعتبارها (خطابات) أو خطابات فعليه. إلا أن بعض العلماء والدارسين الآخرين حذّروا من محاولة إحالة كل رسائل إلى إحدى الفئتين المذكورتين، لكن هذا التحذير لم ينفِ وجود تمايز في الرسائل وقد صار واضحاً حقاً في بعضها.

إن رسالتي رومية وفليمون لا تختلفان فيما بينهما من حيث المضمون فقط، بل أيضاً من حيث كون الثانية شخصية بدرجة تفوق الأولى بكثير. وبالمقارنة مع رسائل بولس الرسول الأخرى، فإن رسالة بطرس الثانية ورسالة يوحنا الأولى هما رسالتان.

وللتأكد من صحة هذا التميز علينا دراسة (صيغة) أو (قالب) الخطابات القديمة. فكما أن لخطاباتنا اليوم قالباً متعارفاً عليه (التاريخ، التحية، الموضوع الأساسي، الفقرة الختامية، التوقيع)، كذلك كان للخطابات القديمة قالبها. وقد تم العثور على آلا من الخطابات القديمة، ولمعظمها نمط يمتاز بدقة الشبه ورسائل (راجع رسالة المجمع المذكور في أعمال 15: 23- 29). يتألف هذا القالب من أجزاء ستة:

  • اسم الكاتب (بولس الرسول، على سبيل المثال).
  • اسم المرسل إليهم (كنيسة التي في كورنثوس، مثلاً).
  • التحية (نعمة لكم وسلام من أبينا…).
  • صلاة الطلبة أو الشكر (أشكر إلهي في كل حين من جهتكم…).
  • الموضوع الأساسي.
  • التحية الختامية والوداع (نعمة ربنا يسوع تكون معكم).

ولعل العنصر الوحيد المتغير في هذا القالب هو العنصر الرابع، الذي يأخذ في معظم الرسائل القديمة طابع دعاء أو أمنية (وهو تقريباً يتماثل مع 3يوحنا2) أو يُسقط كلياً من الخطاب (كما في غلاطية، تيموثاوس الأولى، تيطس)، أو قد تجد صلاة شكر وصلاة طلبة (هذا يتكرر كثيراً في رسائل بولس الرسول). وقد تحولت صلاة الشكر هذه في ثلاث من رسائل إلى تسبيحة شكر لله (كورنثوس الأولى، أفسس، وبطرس الأولى، انظر أيضاً رؤيا 1: 5، 6).

أما (رسائل) والتي ينقصها أي من عناصر القالب 1-3 أو 6 فهي تلك التي لا تصل بالفعل إلى كونها خطابات، وذلك مع أنها تعتبر جزئياً رسائل في منوالها. كرسالة العبرانيين، على سبيل المثال، والتي وُصفت كمذكرة في ثلاثة أجزاء منها وخطاب في جزء واحد، هذه الرسالة قد أُرسلت فعلاً إلى جماعة معينة من الناس، كما هو واضح من (10: 32- 34؛ 13: 1- 25) –لاحظ قالب الخطاب في 13: 22- 25 على وجه الخصوص- ومع ذلك ، فإن الإصحاحات من 1- 10 قليلاً ما تشبه الخطاب وهي في الواقع بمثابة عظة فصيحة تقدم الجدل المبرهن على تفوق التام وتتخللها كلمات وعظية  محذرة تدعو بضرورة تمسك القراء بإيمانهم بالمسيح (2: 1- 4؛ 3: 7- 19؛ 5: 11- 6: 20؛ 10: 19- 25). وقد سماها الكاتب نفسه (كلمة الوعظ) (13: 22).

أما رسالة يوحنا الأولى فهي تشبه الرسالة إلى العبرانيين لكنها لا تحتوي على أي من عناصر قالب (الخطابات). برغم ذلك، فمن الواضح أنها قد كُتبت إلى جماعة معينة من الناس (انظر 2: 7، 12- 14، 19، 26) وهي تشبه من حيث موضوعها الأساسي أي خطاب باستثناء اختصار كل عناصر القالب. وما يراد قوله هنا الآن هو أن الرسالة ليست مجرد بحث لاهوتي للكنيسة بشكل عام.

إن هذين العاملين بالتحديد (أي المناسبة التي دعت للرسائل، وتاريخها الراجع إلى القرن الأول) هما اللذان يجعلان أمر تفسيرها صعباً أحياناً.

أما رسالتا يعقوب وبطرس الثانية فيمكن اعتبارهما (خطابين) لكن تنقصهما التحية الختامية والوداع. ولا يظهر في كلتاهما أيضاً لمن أُرسلتا بالتحديد، ولا وجود لأية ملامح شخصية من قِبل الكاتبين. وهما أقرب إلى أن تكونا بمثابة (رسائل) أي أنها أُرسلت إلى الكنيسة ككل، مع أن رسالة بطرس الثانية تبدو وكأنها صدرت كرد على بعض مَنْ كانوا ينكرون مجيء الثاني (3: 1- 7). من جهة أخرى تفتقر رسالة يعقوب إلى جدل متواصل، بحيث تبدو وكأنها مجموعة عظات عن مواضيع أدبية متنوعة أكثر من كونها خطاباً.  

لكن وعلى الرغم من كل هذا التنوع في أنواع الرسائل، إلا أن هناك شيئاً مشتركاً بينهم جميعاً، وهذا أمر جدير بالدراسة عند قراءة وتفسير الرسائل وهو في كونها تعد بمثابة وثائق مناسبات، (بمعنى أنها صدرت وقصد بها كصدى لمناسبات معينة) وأنها جميعا تعود إلى (القرن الأول). وهي على الرغم من كونها جميعها موحى بها من الروح القدس وبالتالي صالحة لكل زمان، فقد كُتبت في الأصل ضمن إطار بيئة الكاتب لتصل إلى بيئة وظروف المرسل إليهم الأصليين. إن هذين العاملين بالتحديد (أي المناسبة التي دعت للرسائل، وتاريخها الراجع إلى القرن الأول) هما اللذان يجعلان أمر تفسيرها صعباً أحياناً.

وهنا يجب أن نأخذ طبيعة (خطابات) المناسبات مأخذ الجد، أكثر من أي أمر آخر. بمعنى أنها (خطابات) دعت إلى كتابتها أحوال أو ظروف خاصة تتعلق إما بالكاتب أو القارئ المستلم. وهنا نرى أن كل رسائل العهد الجديد تكاد تكون قد دعت لكتابتها أمور من قِبل القراء (ماعدا فليمون، يعقوب، وربما رومية). ففي العادة تصحيح، أو خطأ عقائدي كان بحاجة إلى تصويب أو سوء فهم كان يحتاج إلى توضيح أكثر.

وتعود أسباب معظم مشاكلنا في الرسائل إلى كونها في الواقع رسائل لها مناسبات، فالأجوبة لدينا لكننا لا نعلم دائماً ما هي الأسئلة أو المشاكل أو حتى ما إذا كان هناك مشكلة. فالأمر يشبه تماماً شخصاً يستمع إلى طرف واحد من مكالمة هاتفية. ثم يحاول استنتاج هوية المتكلم في الطرف الآخر وما الذي يقوله. نحن نحتاج في حالات كثيرة لسماع الطرف الآخر لكي نعرف ما الذي يجيب عليه الفصل الكتابي الذي نحن بصدده.

هناك أمر اخر وهو أن طبيعة رسائل المناسبات تعني أيضاً بأنها ليست بحوثاً لاهوتية في أصلها. فهي لا تحوي خلاصة وافية عن الفكر اللاهوتي لبولس الرسول أو لبطرس الرسول. نعم يوجد فيها مضامين لاهوتية، لكنها دائماً بمثابة (لاهوت لمهمة معينة) أي فكر لاهوتي كُتب لمعالجة مهمة مطروحة على ساحة الواقع. وهذا صحيح حتى في ما يتعلق برسالة رومية التي تُعد من أوفى كتابات بولس اللاهوتية. ولكنها مجرد جزء من فكر الرسول بولس اللاهوتي، وهي قد جاءت وليدة مهمة بولس الخاصة كرسول للأمم. إنها بمثابة صراع خاص يخوضه الرسول لتثبيت حق الأمم في نعمة ، ومدى تعلق هذا الحق بمسألة الناموس الأمر الذي أعطى الطابع الخاص لرسالة رومية (8 مرات)، وإلى استخدام كلمة (التبرير) كاستعارة مجازية أساسية لمفهوم الخلاص على رسالة رومية (15 مرة) ورسالة غلاطية (8 مرات)، في حين تتكرر مرتين فقط في سائر رسائل بولس الرسول الأخرى (1 كو 6: 11؛ تي 3: 7).

وهكذا يعود الدارس مرة بعد مرة للرسائل لأجل معرفة الفكر اللاهوتي المسيحي وهي تزخر به. لكن عليه أن لا ينسى بأن الرسائل لم تُكتب لغاية استعراض اللاهوت المسيحي كهدف أول. فاللاهوت المسيحي يأتي دائماً لخدمة الحاجة الخاصة. وسوف ندرس هذا الأمر وما يتضمنه عندما نصل إلى التفسير الحياتي في الفصل التالي.

وهنا وبناء على كل هذه التمهيدات قد يتساءل الدارس كيف يمكننا البدء بالتفسير الاستنتاجي للنص أو القراءة الاستنتاجية المستنيرة للرسائل؟ وردنا هو بأننا سنباشر في دراسة لرسالة كورنثوس الأولى، دراسة تصلح كنموذج لباقي الرسائل. ونحن لا نعني بأن هذه الرسالة تشبه كل الرسائل، لكن ما يُطرح لباقي من أسئلة والتي يمكن طرحها حول أي رسالة أخرى يكاد يكون كله موجوداً في كورنثوس الأولى.

القرينة التاريخية

أول أمر يتوجب على الدارس البدء فيه أثناء دراسة أي من الرسائل هو القيام باسترجاع أو إعادة تخيل الموقف الذي كان كاتب الرسالة يتحدث عنه. ومع أن هذه العملية تعتمد على التجربة إلا أنها تعتمد على ما لدينا من معلومات أيضاً. فعلى سبيل المثال نسأل السؤال التالي: ما الذي كان دائراً في كورنثوس الأمر الذي جعل بولس الرسول يكتب رسالته الأولى إليها؟ وكيف وصلت إليه أخبار الوضع هناك؟ وما العلاقة التي كانت تربطه بهم؟ وما نوع الاتصال السابق الذي كان له معهم؟ أيضاً ما المواقف التي يعكسها كل من بولس الرسول وأهل كورنثوس في ذلك الخطاب؟ ويمكننا أن نرى بأن هذه هي نوعية الأسئلة التي تحتاج للإجابة عنها، فماذا تفعل؟

أولاً: عليك العودة إلى موسوعة للكتاب المقدس أو إلى مقدمة لأحد كتب التفسير لمعرفة ما يمكنك معرفته عن مدينة كورنثوس وشعبها. عليك أن تعرف مثلاً هذا الأمرالهام وهو أن مدينة كورنثوس كانت حديثة العهد نسبياً، إذ كان لها من العمر أربعة وتسعون عاماً فقط عندما زارها بولس الرسول للمرة الأولى. ومع ذلك وبسبب موقعها التجاري الاستراتيجي فقد شهدت نمواً تجارياً سريعاً لا يُصدق. وحسب المقاييس القديمة، كانت كورنثوس مدينة عالمية تتميز بثرائها وفنونها وأديانها (كان فيها ما لا يقل عن ستة وعشرين معبداً وهيكلاً) وكانت ذائعة الصيت من حيث الفسق والفجور شأنها في ذلك شأن الكثير من المدن الكبيرة في عالمنا المعاصر. لذا فهذا الخطاب يختلف جداً عن الخطابات الموجهة مثلاً لكنيسة في الريف. كل هذه الأمور عليك أن تبقيها في ذهنك وأنت تقوم بالدراسة، لترى مدى تأثير ذلك على كيفية فهمك لكل جزء من الخطاب.

ثانياً: عليك أن تنمي فيك عادة قراءة الرسالة كاملة في جلسة واحدة. وهنا ستجتاج لتخصيص ساعة من الوقت أو نحوها لفعل ذلك فهذا تدريب لا غنى عنه. وهذا عين ما تفعله عند قراءة أي خطاب آخر. هناك بعض الأمور التي تحتاج ملاحظتها أثناء قراءتك لكن لا يمكنك في هذه المرحلة استيعاب معنى كل كلمة أو جملة فالنظرة الأشمل هي بيت القصيد في بداية الأمر.

نحن لا نستطيع أن نصف مدى أهمية القراءة وتكرارها مرات ومرات حتى بعد أن تقسم الرسالة إلى أقسامها أو إلى أجزائها المنطقية عد إلى دراسة كل قسم بالطريقة نفسها تماماً. اقرأ وأعد القراءة، وابق منتبهاً!

أثناء قراءتك لكل خطاب بدون توقف ستستفيد إن قمت بتدوين بعض الملاحظات المختصرة مع تحديد أماكنها في الرسالة خصوصاً إن كنت تميل للنسيان. والسؤال الآن هو ما النقاط التي ينبغي الانتباه إليها أثناء القراءة حتى تلم بالموضوع بشكل عام؟ تذكر أن الهدف هنا وقبل كل شيء هو استرجاع المشكلة. وها نحن نقترح أربعة أنواع من الملاحظات:

  • ما تلاحظه حول المرسل إليهم مِنْ هم، مثلاً يهود أم يونانيون، سادة أم عبيد، ما هي مشاكلهم، ومواقفهم… إلخ.
  • ما هي مواقف بولس الرسول؟
  • لاحظ أي أمورخاصة ذُكرت فيما يتعلق بمناسبة معينة أدت إلى كتابة الرسالة.
  • لاحظ أقسام الرسالة الطبيعية والمنطقية.

إن كانت ملاحظة كل هذه الأمور صعبة على أن تتم في قراءة واحدة، وإن كانت ستتسبب في خسران فائدة القراءة الشاملة للرسالة، قم بالقراءة أولاً، ثم عد بسرعة واقرأ الرسالة مرة أخرى متصفحاً إياها لالتقاط تلك النقاط. إليك بعض الأمور التي قد تلاحظها، مرتبة بحسب الملاحظات الأربع المقترحة أعلاه.

أغلب مسيحيي كورنثوس أساساً من الأمم مع وجود لبعض المسيحيين من أصل يهودي (انظر 6: 9- 11؛ 8: 10، 12: 13)، هؤلاء كانوا يحبون الحكمة والمعرفة على ما يبدو (1: 18- 2: 5؛ 4: 10؛ 8: 1- 12) متهكمين (6: 5)، متكبرين ومتعجرفين (4: 18؛ 5: 2، 6) لدرجة الحكم على بولس الرسول (4: 1- 15؛ 9: 1- 18) وأيضاً لديهم العديد من المشاكل الداخلية.

يتأرجح موقف بولس الرسول من كل هذا بين التوبيخ (4: 8- 21؛ 5: 2؛ 6: 1- 8) والمناشدة (4: 14- 17؛ 16: 10، 11) والحث (6: 18- 20؛ 16: 12- 14).

أما فيما يتعلق بمناسبة الرسالة، فربما قد لاحظت ما قاله بولس الرسول في 1: 10- 12 بأنه قد “بلغه” خبرهم على لسان أهل خلوي، أيضاً 5: 1 تشير إلى معلومات قد وصلته. وفي 7: 1 يقول “وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها”، مما يدل على أنه قد استلم رسالة من الكنيسة، هل لاحظت أيضاً تكرار قوله “وأما من جهة…” في 7: 25؛ 8: 1؛ 12: 1؛ 16: 1؛ 16: 12؟

من المحتمل أن تكون هذه الآيات ردوداً على بنود رسالتهم وقد تناولها بولس الرسول واحدة واحدة. هناك أمر اخر أيضاً، هل لاحظت “مجيء” استفاناس وفرتوناتوس وأخائيكوس في 16: 17؟ بما أنه يطلب “الخضوع” لاستفاناس (عدد 16) فمن المؤكد أن هؤلاء الرجال كانوا قادة في الكنيسة، ومن المرجح بأنهم قد حملوا رسالة الكنيسة إلى بولس الرسول بصفتهم وفداً رسمياً.

ان كنت لم تتمكن بعد من ملاحظة كل هذه الأمور، فلا تيأس. نحن درسنا هذه الرسالة مرات كثيرة لهذا صارت مألوفة بالنسبة لنا. وما يهم في الأمر هو أن تقرأ بانتباه لتستطيع التقاط مثل هذه الأنواع من الأدلة.

نأتي الآن بك إلى المسألة الهامة وهي وضع تقسيم للرسالة. وهذا أمر هام لهذه الرسالة بالتحديد، لأن دراستها أو قراءتها ستكون أسهل لو فعلنا ذلك بحسب (الموضوعات). لن تجد كل رسائل بولس الرسول مقسمة إلى مواضيع مستقلة غير أن عمل تقسيم للرسائل يكون دائماً نافعاً.

وعادة ما نبدأ بالتقسيمات الواضحة الرئيسية. وفي هذه الحالة يُشكل 7: 1 التحول الرئيسي في الرسالة. فبما أن بولس الرسول يذكر هنا رسالتهم له، وحيث أن هناك ذكراً في 1: 10- 12؛ 5: 1 لأمور وصلت إليه، نستطيع الافتراض بأن المسائل المذكورة في الإصحاحات 1- 6 هي أجوبة للأمور التي أُبلغ بها. لذا فإن العبارات الافتتاحية ومواضيع البحث هي النقاط التي تساعد على تقسيم الرسالة، وهناك أربعة أقسام للإصحاحات الستة الأولى:

  • مشكلة الانقسام في الكنيسة (1: 10- 4: 21)
  • مشكلة مرتكب زنى المحارم (5: 1- 13)
  • مشكلة الدعاوى القضائية (6: 1- 11)
  • مشكلة الزنى (6: 12- 20)

ولقد سبق وأشرنا إلى النقاط التي ساعدت في تقسيم معظم الإصحاحات ما بين 7- 16 على أساس الصيغة الافتتاحية “وأما من جهة” (أو ما شابهها في الترجمة). أما النقاط غير المبدوءة بهذه الصيغة فهي ثلاث 11: 2- 16؛ 11: 17- 34؛ 15: 1- 58 لعل الأمور الموجودة في الأصحاح 11 (على الأقل في 11: 17- 34) كان قد أُبلغ بها أيضاً، لكنها مشمولة هنا لكون كل الأمور المذكورة ما بين أصحاح 8 و14 تتحدث عن العبادة بشكل أو باخر.

أما أصحاح 15 فمن الصعب معرفة ما إذا كان رداً على الرسالة التي أرسلوها له. والعبارة التي تقول “فكيف يقول قوم بينكم” في عدد 12 لا تساعد كثيراً، ذلك لإمكانية كون بولس الرسول يقوم بالاقتباس من تقرير عنهم أو من رسالة منهم.

وعلى أية حال، يمكن تقسيم باقي رسالة كورنثوس الأولى بسهولة:

(7: 1- 24) السلوك ضمن العلاقة الزوجية.

(7: 25- 40) العذارى

(8: 1- 11: 1) الأطعمة المذبوحة للأوثان

(11: 2- 16) تغطية رأس المرأة في الكنيسة

(11: 17- 34) مشكلة الإساءة إلى مائدة الرب

(12- 14) المواهب الروحية

(15: 1- 58) قيامة أجساد المؤمنين

(16: 1- 11) موضوع جمع المال

(16: 12) عودة أبلوس

(16: 13- 24) الحث الختامي والتحيات

لاحظ أي اختلاف لهذا التقسيم المقترح للرسالة مع التقسيم الذي تستخدمه الترجمة التي بين يديك.

وقبل مضي قدماً، علينا ملاحظة هذين الأمرين بانتباه:

الأول: الموضوع الآخر الوحيد في الرسائل والذي يتناول فيه بولس الرسول سلسلة متعاقبة من الأمور المنفصلة كهذه موجود في 1تسالونيكي 4- 5 لكن وفي أغلب الأحوال، جاءت الرسائل الأخرى لتشكل في مضمونها موضوع جدل طويل وواحداً –مع أن لهذا الجدل أحياناً أجزاء متعددة وواضحة.

الثاني: هذا التقسيم هو على سبيل التجربة لا أكثر. فما نعلمه عن مناسبة الرسالة هو معرفة سطحية، فكل ما نعرفه أن ما دفعه لكتابة الرسالة تقرير وصله عنهم ورسالة وردت منهم إليه. ولكن ما نريد معرفته بالتحديد هو (الطبيعة الدقيقة لكل مشكلة في كورنثوس) وجعلت بولس الرسول يكتب الردود التي نحن بصددها. لذا وتحقيقاً لهدفنا سنركز على أمر واحد فقط وهو دراسة مشكلة الانقسام في الكنيسة في الإصحاحات 1- 4 بالإضافة إلى دراسة القرينة التاريخية للإصحاحات 1-4 في كورنثوس الأولى.

القرينة التاريخية لكورنثوس الأولى 1-4

نؤكد على أنك كلما اقتربت من كل جزء من الأجزاء الأصغر في الرسالة ستحتاج لأن تكرر معظم ما فعلناه سابقاً. لو تخيلنا بأننا الآن نطلب منك القيام بواجب ما لكل درس، فسنطلب الآتي:

  • اقرأ كورنثوس الأولى 1-4 قراءة متصلة مرتين على الأقل (يفضل أن تقرأ ترجمتين مختلفتين). تذكر أنك تقرأ لمجرد الإلمام بالصورة العامة، ولتأخذ فكرة عن المشكلة ككل بهذه الإصحاحات. بعد أن تتم القراءة للمرة الثانية (أو ربما للمرة الثالثة أو الرابعة بحسب عدد الترجمات التي عندك)، عد إلى البداية.
  • دوَّن في دفتر ملاحظات كل الأمور التي يمكنها أن تخبرك شيئاً عن المرسل إليهم وعن مشكلتهم. حاول أن تكون دقيقاً هنا ودوَّن كل شيء. وبعد إلقاء نظرة عن قرب ربما تحتاج للعودة ثانية من أجل شطب بعض الأمور لكونها غير مناسبة.
  • اكتب قائمة بالكلمات المفتاحية والعبارات المتكررة التي تشير إلى موضوع المسألة التي يَرُّد عليها بولس الرسول.

إن أحد الأسباب لاختيار هذا القسم من الرسالة كنموذج ليس بسبب مجرد أهميته الكبيرة في رسالة كورنثوس الأولى فقط، بل أيضاً وفي الحقيقة لصعوبته. فإن كنت قد قمت بقراءة القسم كاملاً بعناية، وبعين منتبهة للمشكلة، فلربما قد لاحظت، بل وشعرت بخيبة أمل لأن بولس الرسول وإن كان يبدأ رسالته بذكر المشكلة (1: 10- 12) إلا أن بداية رده (1: 18- 3: 4) لا صلة له بالمشكلة على الإطلاق.

في الواقع، قد يتبادر إلى ذهن الدارس الظن بأن 1: 18- 3: 4 ما هو إلا انحراف عن الموضوع إلا أن بولس الرسول لا يجادل فعلياً لدرجة قد نعتبره فيها وقد خرج عن موضوعه، بالإضافة إلى أن الخلاصة في 3: 18- 23 “الحكمة” و”الجهالة” (وهما الفكرتان الرئيسيتان في 1: 18- 3: 4) قد قام بولس بالجمع بينهما وبين “الافتخار بالناس” مع إشارات لبولس وأبلوس وصفا. إذاً إن المسألة الهامة تكمن في اكتشاف المشكلة، وفي إدراك كيفية تداخل كل هذه الأمور مع بعضها.

وخير مكان نبدأ منه دراستنا هو ملاحظة ما قاله بولس الرسول نفسه. ففي 1: 10- 12 نراه يقول إنهم منقسمون بحسب أسماء قادتهم (انظر أيضاً 3: 4- 9؛ 3: 21- 22؛ 4: 6). فهل لاحظت أن انقسامهم ليس ناتجاً عن مجرد اختلاف في الرأي فيما بينهم؟ فهم في الواقع يتنازعون (1: 12؛ 3: 3) وينتفخ أحد لأجل الواحد على الآخر (4: 6، وقارن 3: 21).

وكل هذا يبدو واضحاً بما فيه الكفاية. غير أن التمعن أكثر في القراءة لرؤية المشكلة يجعل أمرين آخرين يطفوان على السطح:

يظهر بأن هناك ضغينة بين الكنيسة والرسول بولس نفسه. وهذا الأمر يصبح أكثر وضوحاً في 4: 1- 5؛ 4: 18- 21 وإذا أخذنا ذلك في اعتبارنا، يكون الدارس محقاً عندما يرى بأن النزاع والانقسام ليس مجرد أن بعضهم يفضل أبلوس على بولس، بل لأن أولئك في الواقع يكرهون بولس شخصياً.

إن احدى الكلمات المفتاحية لهذا المقطع هي حكمة أو حكيم (26 مرة في الإصحاحات 1-3 و18 مرة فقط في جميع رسائل الرسول بولس). ومن الواضح أن هذا الاستخدام للكلمة هو من باب الازدراء أكثر منه من باب المدح. فالله عازم على إبادة حكمة هذا العالم (1: 18- 22، 27- 28؛ 3: 18- 20). وقد فعل هذا الشيء بالصليب (1: 18- 25) وباختياره لمسيحي كورنثوس (1: 26- 31)، وبضعف كرازة بولس الرسول (2: 1- 5). فالمسيح بالصليب “صار لنا حكمة من ” (1: 30)، وهذه الحكمة معلنة بالروح لمَنْ نالوا الروح.

إن استخدام الحكمة بهذه الطريقة في جدل الرسول بولس يجعلنا نكاد نُجزم بأنها كانت جزءاً من مشكلة الانقسام، ولكن كيف؟ نستطيع –على الأقل- أن نخمن أنهم كانوا يواصلون نزاعاتهم حول القادة وحول معارضتهم لبولس الرسول باسم الحكمة.

إن أي شيء قد نضيفه علاوة على ما قيل سيكون من باب الحدس أو التخمين. فبما أن كلمة “حكمة” هي اصطلاح فلسفي، وحيث أن الفلاسفة المتجولين من كل الفئات سادوا العالم اليوناني زمن الرسول بولس، نعتقد بأن مسيحيي كورنثوس كانوا قد ابتدأوا ينظرون إلى عقيدتهم المسيحية على أنها حكمة إلهية جديدة –فلسفة– وهذا أدى بدوره لجعلهم يجرون تقييماً لقادتهم على أسس بشرية محضة كما لو كانوا يحكمون على أي من الفلاسفة المتجولين. ولكن لاحظ أنه مهما بلغ نفع هذا التخمين فإنه يخرج عن نطاق النص نفسه.

هناك أمور ثلاث يمكن قولها مستندين على رد الرسول بولس:

  • بناء على ما جاء في 3: 5- 23 يتضح أنهم قد أساءوا جداً فهم طبيعة وعمل القادة في الكنيسة.
  • أيضاً وبناء على ما جاء في 1: 18- 3: 4 يبدو أنهم قد أساءوا فهم طبيعة الإنجيل الأساسية.
  • وبناء على ما جاء في 4: 1- 21 كانوا مخطئين في حكمهم على الرسول بولس وبحاجة إلى أن يعيدوا تقييم علاقتهم به. ما رأيك؟ ألم نبدأ بالتحرك تجاه تحليل رد الرسول بولس عليهم.

القرينة الأدبية

الخطوة التالية في دراسة الرسائل هي تعلم تتبع جدل بولس الرسول الذي يقدمه كرد على المشكلة التي حددناها على سبيل التجربة في المقاطع السابقة. وكما تذكر من الفصل الأول، فإن هذا العمل هو الجزء الحاسم حقاً في عملية التفسير الاستنتاجي، وأنه بإمكانك القيام بهذا العمل في البداية دون الاستعانة بكتابات المفسرين والدارسين.

فلو أردنا منك القيام بواجب لهذا الجزء من الدرس فسيكون هكذا: تتبع جدل بولس في1كورنثوس 1: 10- 4: 21 فقرة بفقرة ثم اشرح في جملة أو جملتين النقطة الجوهرية لكل فقرة فيما يتعلق بالجدل العام، أو بعبارة أخرى اشرح كيف تخدم هذه الفقرة كجزء من جواب الرسول بولس على مشكلة الانقسام.

ومهما قلنا يظل كلامنا قاصراً عن إظهار مدى أهمية تعلمك القيام بالتفكير من خلال تقسيم النص إلى فقرات، ليس فقط من منطلق كون الفقرات هي الوحدات الطبيعية للفكر، بل أيضاً لأن التفكير بحسب الفقرات هو المفتاح الضروري والأكيد لفهم الجدل في مختلف الرسائل. تذكر أن السؤال الوحيد الذي تحتاج أن تتعلم تكرار طرحه مرة تلو المرة هو: ما القصد من هذا؟ أو ما النقطة الجوهرية المراد قولها هنا؟ لذا عليك أن تكون قادراً على عمل أمرين:

اذكر مضمون كل فقرة بطريقة مركزة بمعنى أن تسأل: ماذا يقول الرسول بولس في هذه الفقرة؟

في جملة أو اثنتين حاول شرح رأيك في سبب أو مناسبة قول بولس الرسول لما قاله في هذه المرحلة بالتحديد. وكيف يسهم مضمون ما قاله في سير الجدل العام؟

بما أننا لا نستطيع هنا أن نطبق هذا على كل ما جاء في كورنثوس الأولى 1-4 دعونا نخوض بالتفصيل في الفقرات الثلاث الخاصة بالجزء الثاني من رد بولس 3: 5- 16 وسترون بأنه حتى هذا الحد، قام بولس الرسول بوحي من الروح القدس بالرد على فهمهم المغلوط للإنجيل مشيراً إلى أن مضمون الإنجيل –أي المصلوب– والذي يتعارض مع حكمة هذا العالم (1: 18- 25) مثلما يتعارض أيضاً اختيار لأولئك الذين يكونون شعب الجديد (1: 26- 31) وكأنما أراد بولس الرسول القول لهم إذاً أنتم تظنون بأن الإنجيل هو نوع جديد من الحكمة، أليس كذلك؟ لكن كيف يكون هذا؟ من ذا الذي كان سيدعوكم باسم الحكمة لتصيروا شعب الجديد؟ يُعَد وعظ بولس أيضاً إيضاحاً لهذا التعارض بين الحكمة الإنسانية و الحكمة الإلهية (2: 1- 5). غير أن بولس الرسول يؤكد لهم في (2: 6- 16) بأن كل هذا في الحقيقة هو حكمة، لكنها حكمة كشفها الروح القدس لشعب الجديد – أي أولئك الذين فيهم روح . ثم ينتقل الرسول بولس من هذه النقطة للقول بأنه حيث أن مسيحيي كورنثوس لديهم الروح فعليهم أن يكفوا عن التصرف كمَنْ ليس فيهم روح (3: 1- 4). والبرهان على سلوكهم وفقاً للبشر هو نزاعهم حول بولس وأبلوس.

والآن ما هو دور الفقرات الثلاثة التالية في هذا الجدل؟ بالنسبة إلى 3: 5-9 فالمضمون يتعامل مع طبيعة وعمل القادة الذين قام النزاع بشأنهم، إذ يشدد الرسول بولس على كون هؤلاء القادة مجرد خدام، لا أسياد كما حاولت الشعارات الكورنثية أن تصورهم، وفي الأعداد 6-9.

استناداً إلى تشبيه من مجال الزراعة يشدد بولس الرسول على نقطتين كلتاهما حاسمتان من جهة سوء الفهم المتواجد في كورنثوس:

  • بولس وأبلوس يعملان معاً في قضية مشتركة، رغم اختلاف مهامهما ونوال كل منهما أجراً بحسب ما يستحق.
  • كل شيء وكل شخص هو ملك الله سواء الكنيسة، أو الخدام، أو النمو.

وهنا لاحظ مدى أهمية هاتين النقطتين بالنسبة للمشكلة. كان مسيحيو كورنثوس يقسمون الكنيسة بناء على قادتها. لكن هؤلاء القادة ليسوا أسياداً يُنتمى إليهم، إنهم مجرد خدام، وإن كانت خدماتهم تختلف، فهم يظلون متساوين من حيث القضية الواحدة التي يخدمونها. وهؤلاء الخدام هم ملك لله، تماماً كما أن مسيحيي كورنثوس أنفسهم ملك الله.

هناك نص آخر طالما أُسئ تفسيره بسبب الإخفاق في التفكير في النص الكتابي بحسب الفقرات، وهو 3: 10- 15 لاحظ أمرين:

  • في نهاية العدد 9 يتحول بولس من المجاز الزراعي إلى المجاز المعماري، الذي ظل هو المجاز أو الاستعارة المستخدمة حتى نهاية الفقرة.
  • إن عناصر كلا الاستعارتين هي ذاتها (بولس يزرع/ يضع الأساس، أبلوس يسقي/ يبني على الأساس، كنيسة كورنثوس هي الحقل/ البناء، الله هو صاحب الحقل/ البناء). غير أن قصد كل فقرة يختلف. إن القصد من 3: 10-15 معبر عنه بوضوح قي عدد 10، “ولكن فلينظر كل واحد كيف يبني عليه”. يتضح أيضاً من إسهاب بولس الرسول في شرح استعارته أنه يمكن للشخص أن يبني جيداً أو على نحو رديء، وأن النتائج النهائية تكون مختلفة. لاحظ أن الذي يُبنى دائماً هو الكنيسة، لا يوجد هناك حتى ولا تلميح واحد بأن بولس الرسول كان يشير إلى بناء المسيحي لحياته أو المسيحية لحياتها على ، فمثل هذا التلميح خارج تماماً عن موضوع الجدل هنا. فالذي يعلمه بولس الرسول هنا هو تحويل الجدل قليلاً ليحذر الذين يقودون الكنيسة بأن عليهم قيادتها بكل رعاية وعناية لأن يوماً للحساب آتٍ. إن بناء الكنيسة بالحكمة البشرية أو الكلام البليغ الذي يتحاشى الصليب هو بناء من الخشب والقش والعُشب.
إن بناء الكنيسة بالحكمة البشرية أو الكلام البليغ الذي يتحاشى الصليب هو بناء من الخشب والقش والعُشب.

والنص الذي يلي (3: 16- 17) قد أُسئ تطبيقه مراراً، بسبب معرفتنا بأن بولس الرسول يسمى جسد الكنيسة في مقطع لاحق “هيكل الروح القدس” (6: 19)، وهكذا فإن هذا النص أيضاً قد طبق على المسيحيين كأفراد للإشارة إلى إساءة استخدام الفرد لجسده أو إهمال حياته الروحية. لكن في جميع الأماكن الأخرى يستخدم بولس الرسول استعارة الهيكل بصيغة الجمع للدلالة على كون الكنيسة هي هيكل الله (2كو 6: 16؛ أف 2: 19- 22). وهذا هو قصده هنا بالتأكيد، خاصة عندما يقول “لأن هيكل الله مقدس الذي هو أنتم”.

ما هو إذاً غرض الرسول بولس في هذه القرينة؟ كان على كنيسة كورنثوس أن تكون هيكل الله في مدينة كورنثوس وذلك في مقابل كل المعاير الأخرى هناك أو بعبارتنا الخاصة نقول إن مسيحيي كورنثوس كانوا اختيار الله البديل لنمط الحياة بمدينة كورنثوس. إن روح الله الذي في وسطهم هو الذي جعل منهم هيكل الله، لكنهم كانوا يدمرون هيكل الله بانقسامهم. وأولئك المسؤولون عن هذا التدمير سيدمرهم الله، لأن كنيسة كورنثوس كانت غالية على قلب الرب ومقدسة بالنسبة له.

وهكذا يكتمل الجدل الذي قاله بولس الرسول بوحي إلهي. فلقد بدأ بإظهار قصور فهمهم للإنجيل. فالإنجيل لم يكن غير مؤسس على حكمة البشر فقط، بل كان أيضاً يقف ضد الحكمة البشرية بكل الأوجه. ثم يقوم بولس الرسول بإظهار سوء فهمهم للقيادة الكنسية وفي الوقت نفسه يحذر كل القادة والكنيسة من دينونة الله لجميع الذين يُغَذون الانقسام، وفي 3: 18- 22 يجمع بين هاتين الفكرتين في بيان ختامي، حيث أن حكمة هذا العالم جهالة، “إذاً لا يفتخرون أحد بالناس!”.

لإيجاز هذا التحليل لاحظ ما يلي:

  • التفسير الاستنتاجي هنا نابع من النص الكتابي ذاته، فنحن لم نلجأ ولا مرة إلى شيء خارج النص من أجل فهم ما يقول.
  • ليس هناك في النص ما لا يوافق الجدل الذي سقناه.
  • كل هذا يعطي معنى سليماً للغاية لكل شيء.

إذاً هذا هو ما يدور حوله التفسير الاستنتاجي. فقد كانت هذه هي كلمة الله لهم. أما بخصوص الأمور التي قد تحتاج إلى مزيد من الإجابات عليها من حيث المضمون، فيمكنك الاسترشاد بما عندك من كتب . لكن بإمكانك أنت بنفسك القيام بكل ما قمنا به الآن. قد يحتاج الأمر إلى تدريب وفي بعض الحالات إلى تفكير عميق لكن من المؤكد أنك قادر على ذلك وما أعظم الفوائد التي ستجنيها.

مثال آخر

قبل أن ننهي هذا الفصل، دعونا نقوم بعملية التفسير الاستنتاجي مرة أخرى للتدريب، وفي هذه المرة سنأخذ مقطعاً أسهل بعض الشيء لا ينتمي إلى كورنثوس الأولى، لكنه مقطع يعالج الانقسام في الكنيسة أيضاً.

اقرأ فيلبي 1: 27- 2: 13 عدة مرات. لاحظ ما وصل إليه جدل بولس الرسول عند هذا الحد. المناسبة هنا هي أن بولس الرسول في السجن (1: 13، 17) وقد أرسلت إليه كنيسة فيلبي تقدمة بواسطة أبفرودتس (4: 4- 18). وأن مرضاً عضالاً قد أصاب أبفرودتس الأمر الذي أحزن الكنيسة لدى سماعهم (2: 25- 30)، لكن الله رحمه، وها بولس الرسول الآن يعيده إليهم (2: 25- 30) محملاً إياه هذه الرسالة لكي:

  • يخبرهم عن طبيعة أحواله (1: 12- 26).
  • يشكرهم على تقدمتهم (4: 10، 14- 19).
  • يحثهم على أمرين: أن يعيشوا بوفاق (1: 27-2: 17؛ 4: 2- 3)، وأن يتجنبوا بدعة التهود (3: 1- 4: 1).

نرى الآن أن بولس الرسول قد أتم لتوه القسم الذي أخبرهم فيه عن سير أحواله في السجن. وهذا القسم الجديد هو جزء من عملية الحث. لاحظ على سبيل المثال كيف أنه لم يعد يتحدث عن نفسه كما فعل في الأعداد 12- 16، هل لاحظت هذا التحول الواضح من استخدام ضمائر المتكلم إلى استخدام ضمائر المخاطب في عدد 27؟

ما القصد أو النقطة الجوهرية إذاً من كل فقرة من فقرات هذا القسم؟

في الفقرة الأولى 1: 27- 30 تبدأ عملية الحث. وعلى ما يبدو أن بيت القصيد هو عدد 27، فقد كان عليهم أن يكونوا ثابتين في روح واحد. إنه يحثهم على الوحدة، خاصة وأنهم يواجهون مقاومة. (ملاحظة: إذا قررنا بأن العدد 27 هو حقاً قصد بولس الرسول من هذه الفقرة علينا إذاً عندها أن نسأل (ما القصد من الأعداد 28- 30 في تشديده على المقاومة والجهاد؟) لاحظ معنا الآن كيف حاولنا الإجابة على ذلك).

نسأل أولاً كيف ترتبط الفقرة 2: 1- 4 مع وحدة الموضوع؟ إذ نراه يكرر حثه وتشجيعه (العددان 1-2 اللذان يظهران لنا بأننا كنا محقين بشأن الفقرة الأولى) قاصداً التأكيد على أن التواضع هو الموقف السليم الذي يجب أن يعيشه المسيحين لينالوا الوحدة.

جرب الآن الأمر مع 2: 5-11 ما المقصود؟ لماذا نرى بولس الرسول ينوه بأنشودة اتضاع ورفعته؟ من غير المفروض أن يتطابق جوابك حرفياً مع جوابنا، لكنه بالتأكيد يجب أن يشمل التالي: لأن بتجسده وموته هو المثال الأعلى للتواضع الذي أرادهم بولس أن يتحلوا به. (ستلاحظ أنك ومن خلال طرحك للأسئلة بهذه الطريقة، سيتحول قصد الفقرة لا في أن تعلمنا شيئاً جديداً عن فقط، بل في أن نعرف بأن بولس الرسول يستشهد بتلك الحقائق العظيمة عن ليجعل مسيحيي فيلبي يتشبهون بالمسيح، وليس مجرد أن يعرفوا عنه).

انتقل الآن إلى 2: 12-13 ما القصد هنا؟ والجواب الواضح هو أن هذا المقطع هو الخلاصة، لاحظ كلمة (إذاً) فبناء على مثال المسيح الذي سمعوه، عليهم الآن أن يطيعوا بولس الرسول. بماذا؟ بالتأكيد بالحفاظ على الوحدة التي بدورها تتطلب التواضع.

أخيراً قد تلاحظ من الطريقة التي يعالج بها بولس الرسول مشكلة عدم الوحدة أو الانقسام أن المشكلة نفسها في كورنثوس كانت بدون شك ذات طبيعة أكثر خطورة وتعقيداً. وسيساعد هذا أكثر في تأييد تخيلنا للمشكلة التي كانت في كورنثوس.

الفصول الكتابية صعبة الفهم

لقد قصدنا مشاركتك في دراسة مقطعين كتابيين مع أننا على ثقة بأنه في استطاعتك القيام بتفسير الكثير من المقاطع مستخدماً هذا النوع من التفسير الاستنتاجي بمفردك، طبعاً إن كنت قد تعلمت فعلاً كيفية التفكير بطريقة التقسيم إلى فقرات وطرح الأسئلة المناسبة عليها سواء المتعلقة بالتاريخ أو القرينة. مع أننا ندرك أيضاً حقيقة وجود الكثير من النصوص الأخرى التي طالما تثار حولها الأسئلة باستمرار مثل معنى “من أجل الملائكة” في كورنثوس الأولى 11: 10 أو معنى “يعتمدون من أجل الأموات” في كورنثوس الأولى 15: 29، أو كرازة المسيح إلى “الأرواح التي في السجن” في بطرس الأولى 3: 19، أو “إنسان الخطية” في تسالونيكي الثانية 2: 3، وباختصار سؤالنا هو ماذا نفعل لإيجاد معنى للمقاطع الصعبة الفهم؟

إليك بعض الإرشادات:

نحتاج هنا إلى أن نتعلم أن نكون قانعين بنقص معرفتنا

في حالات كثيرة يكون سبب صعوبة النصوص بالنسبة لنا هو في كونها بصراحة لم تكتب لنا. وهذا يعني أن الكاتب وقراءه الأصليين كانوا على صلة مباشرة معاً مما أتاح للكاتب الموحى له أن يبني على أشياء كثيرة لدى قرائه. وعلى سبيل المثال، عندما يقول الرسول بولس لأهل تسالونيكي بأن عليهم أن يتذكروا ما “كنت أقول لكم هذا” وأنهم “تعلمون ما يحجز” (تسالونيكي الثانية 2: 5-6). فإننا نحتاج هنا إلى أن نتعلم بأن نكون قانعين بنقص معرفتنا. فما قد قاله لهم شفوياً يمكنهم الآن أن يلائموه مع ما يقوله في الرسالة. وعدم معرفتنا لما قد دار في اتصالهم الشفوي يجعل هذا الاتصال المكتوب صعباً علينا. ويمكننا أن نأخذ الأمر التالي كقضية مُسلَّم بها: ما أرادنا الله أن نعرفه هو ما قد أوصله لنا. وما لم يقله لنا مازال يثير اهتمامنا، لكن عدم يقيننا في هذه الأمور يجب أن يجعلنا نتردد في أن نكون جازمين بشأن تفسيرنا.

برغم ذلك، وكما سبق وأشرنا، فإنه حتى وإن استعصى الأمر على الدارس في أن يكون كامل اليقين بشأن بعض التفاصيل، فكثيراً ما يكون بإمكانه إدراك القصد أو النقطة الجوهرية للمقطع الكتابي. فبغض النظر عما فعله مسيحيو كورنثوس بشأن “معمودية الأموات” فإننا نعلم لماذا أشار بولس الرسول إلى عملهم ذاك. كان عملهم هذا نوعاً من “البرهان من التجربة العملية” بأنهم كانوا يناقضون أنفسهم في رفضهم قيامة المؤمنين المستقبلية.

وعلى الرغم من عدم تأكدنا من بعض التفاصيل الدقيقة يحتاج الدارس إلى تعلُّم أن يكتشف ما يمكن أن يُقال بيقين بشأن نص ما، وما يمكن أن يقال من باب الترجيح غير اليقيني. انظر مرة أخرى إلى 1كورنثوس 15: 29 كمثال، ما الذي يمكنك التأكد منه؟ كان بعض مسيحيي كورنثوس “يعتمدون بدل الذين يموتون” سواء رغبنا في الاعتراف بهذا أم لا. علاوة على ذلك فإن بولس الرسول لا يدين ممارستهم تلك، ولا هو يتغاضى عنها إنه يكتفي فقط بالإشارة إليها –لسبب مختلف كلياً عن تلك الممارسة ذاتها. لكننا لا نعرفه، وربما لن نعرفه أبداً، مَنْ الذي كان يمارسها، ولمَنْ كانت تمارس، ولماذا كانوا يفعلون ذلك؟ لذا فإن تفاصيل ومعنى تلك الممارسة قد فاتتنا وربما إلى الأبد.

يحسن بالدارس العودة إلى كتب جيدة حول هذه الأمور؛ لأن ما يميز كتب التفسير الجيدة من غيرها هو كيفية التعامل فيها مع هذا النوع من المقاطع الصعبة. فكتب التفسير الجيدة تستعرض وتناقش على الأقل الخيارات المتعددة التي تم طرحها كحلول، مع إبداء الأسباب المؤيدة والمعارضة لكل اختيار. وقد لا توافق بالضرورة دائماً على اختيارات المفسر، لكنك ستحتاج بالتأكيد إلى أن تعرف عن تنوع الاختيارات التفسيرية، وهذا ما توفره لك كتب التفسير الجيدة.

ستحتاج بالتأكيد إلى أن تعرف عن تنوع الاختيارات التفسيرية، وهذا ما توفره لك كتب التفسير الجيدة.

أخيراً نقر بأنه حتى الدارسون المتخصصون أنفسهم لا يملكون كل الأجوبة. يمكنك أن تتيقن بأن الخيارات قد تكون كبيرة وعددها من أربعة خيارات إلى أربعة عشر خياراً قابلاً للتطبيق في ما يمكن أن يكون النص قد قصده، فإنه حتى علماء الكتاب المقدس أنفسهم لا يسعهم سوى التخمين! أن نصوصاً مثل كورنثوس الأولى 15: 29 كفيلة بجعلنا نتواضع كما يليق بنا.

على أية حال، فإن ما قمنا به في هذا الفصل إنما هو (نصف) المهمة. إنه النصف الأول الضروري، لكننا نريد أن نمضي ونسأل كيف يمكننا تطبيق كل هذه النصوص المتنوعة علينا. لقد تعلمنا سماع كلمة الله لهم. فماذا عن كلمته لنا؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …